لا تبدأ هزيمة المجتمعات عندما تخسر حربا أو تتعرض لأزمة اقتصادية، بل عندما تفقد قدرتها على إنتاج عقول حرة. فالجيوش يمكن إعادة بنائها، والاقتصادات قد تتعافى، أما العقل إذا استسلم للخوف أو المصلحة أو الوهم، فإن الطريق إلى التراجع يصبح أطول وأكثر كلفة. ولهذا لم يكن دور المثقف في أي مرحلة تاريخية مجرد إنتاج الكتب أو إلقاء المحاضرات، بل كان يتمثل في مساءلة المسلمات، وكشف ما تحاول السلطة والمجتمع إخفاءه، والدفاع عن حق الإنسان في التفكير خارج الحدود المفروضة عليه. لهذا السبب كانت الأنظمة الاستبدادية تخشى المفكر أكثر مما تخشى السياسي. فالمفكر يغير الطريقة التي يرى بها الناس العالم، بينما يكتفي السياسي غالبا بإدارة هذا العالم. وما دام الوعي قادرًا على طرح الأسئلة، فإن أي سلطة ستظل مضطرة إلى تبرير وجودها. لكن ما إن يفقد المثقف استقلاله حتى يصبح السؤال نفسه خاضعًا للرقابة، لا لأن أحدًا منعه، بل لأنه قرر أن يراقب نفسه بنفسه.
في العقود الأخيرة برز نموذج جديد من المثقفين لا يشبه أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم بالمواقف الكبرى. إنه مثقف يتحدث كثيرا عن الحرية، لكنه يتعامل معها بوصفها موضوعًا للبحث لا قيمة تستحق التضحية. يكتب عن العدالة، لكنه يتجنب كل قضية قد تضعه في مواجهة مع أصحاب النفوذ. يناقش العلاقة بين المعرفة والسلطة، لكنه ينسى أن يسأل عن علاقته هو بالسلطة، وعن الثمن الذي دفعه مقابل بقائه قريبا منها. هذا التحول لم يحدث فجأة، ولم يكن نتيجة مؤامرة، بل جاء نتيجة تراكم طويل غيّر معنى الثقافة نفسها. أصبحت الشهادة تحل محل الفكرة، واللقب يحل محل المنجز، وعدد المؤتمرات يحل محل أثر الكتابة. صار كثير من المثقفين يقيسون نجاحهم بعدد الدعوات التي تصلهم، لا بعدد الأسئلة التي أثاروها في المجتمع. وهكذا انتقل مركز الثقل من المعرفة إلى المكانة الاجتماعية، ومن الرسالة إلى الامتياز. يمكن ملاحظة ذلك في اللغة التي يستخدمها بعضهم. فبدل أن تكون الكتابة وسيلة لتقريب الفكرة، تحولت إلى أداة لإقامة الحواجز بينها وبين القارئ. امتلأت النصوص بالمصطلحات، وتراجعت الأفكار. صار الكاتب يخشى البساطة، لأن البساطة قد تحرمه من صورة "المثقف العميق". مع أن أعظم الفلاسفة لم يكونوا يتعمدون الغموض، بل كانوا يبحثون عن اللغة الأكثر قدرة على حمل الفكرة.
ليس عيبا أن يقرأ المثقف نيتشه أو فوكو أو هيدغر أو غرامشي، بل العيب أن تتحول هذه الأسماء إلى ستار يحجب الواقع. فما قيمة الحديث عن السلطة عند فوكو إذا كان الكاتب يتجنب الحديث عن السلطة التي يعيش في ظلها؟ وما جدوى تكرار أفكار غرامشي عن الهيمنة الثقافية إذا كان المثقف نفسه يؤدي دورا في ترسيخ تلك الهيمنة؟ وما فائدة الإعجاب بنيتشه إذا كان صاحبه يخاف من مجرد مخالفة رأي المجموعة التي ينتمي إليها؟ تظهر المعضلة بوضوح عندما يصبح المثقف أكثر اهتماما بحماية صورته من حماية الحقيقة. يتجنب الأسئلة المزعجة، ويختار القضايا الآمنة، ويتحدث بلغة تسمح لكل طرف بأن يجد فيها ما يرضيه. ومع مرور الوقت، يفقد النص قدرته على الإزعاج، ويفقد الكاتب قدرته على المغامرة، ويصبح حضوره الثقافي قائمًا على المحافظة على العلاقات أكثر من المحافظة على المبادئ.
هذا النموذج لا يعيش في مواجهة السلطة، بل في منطقة رمادية بين القبول والاعتراض. ينتقد بقدر لا يزعج، ويعارض بقدر لا يكلف، ويحتج بقدر لا يهدد مستقبله المهني. ومن هنا يفقد النقد معناه، لأن النقد الذي لا يقترب من جوهر المشكلة يتحول إلى تمرين لغوي، لا إلى فعل فكري. ولم يعد هذا السلوك استثناءً، بل أصبح جزءا من ثقافة عامة داخل عدد من المؤسسات الأكاديمية والثقافية. فقد نشأت بيئة تكافئ التكيف أكثر مما تكافئ الاستقلال، وتشجع الانسجام أكثر مما تشجع الاختلاف، حتى صار الطريق إلى الصعود يمر عبر إتقان قواعد المؤسسة، لا عبر مساءلتها. عند هذه النقطة يتغير تعريف النجاح؛ فلا يعود مرتبطا بما يضيفه المثقف إلى المعرفة، وإنما بقدرته على البقاء داخل الشبكات التي توزع النفوذ والفرص. ولذلك، فإن مأساة المثقف المعقم لا تكمن في قلة اطلاعه، وإنما في انفصاله عن وظيفته التاريخية. لقد تحول من شاهد على عصره إلى موظف فيه، ومن ناقد للبنية القائمة إلى أحد المستفيدين منها. وما دام هذا التحول مستمرا، فإن الحديث عن نهضة ثقافية سيظل ناقصًا، لأن النهضة لا تبدأ بزيادة عدد الكتب، بل بعودة المثقف إلى دوره الأول قول ما يراه صحيحًا، حتى عندما يكون ذلك مكلفًا.
***
زكريا - نمر








