أقلام حرة
جورد منصور: بطاقة لا تُمنح.. وشهادة تُصنَع في الظل
في تلك السنوات الثقيلة من الحرب العراقية الإيرانية، كنتُ أعيش في طهران كما يعيش الظل على هامش الضوء؛ بلا أوراق تثبتني، وبلا اسمٍ يعترف بي أحد. كنتُ أمشي في شوارع المدينة كأنني فكرة عابرة، أستقل سيارات الأجرة، أراقب الوجوه، وأتعلّم كيف يكون الإنسان موجوداً.. دون أن يكون.
راودتني فكرة صغيرة، لكنها بدت لي يومها بحجم خلاصٍ كامل: بطاقة مكتبة. مجرد بطاقة من اتحاد الشبيبة الآشوري، لا قيمة لها إلا استعارة الكتب. لكنني كنت أبحث فيها عن شيء آخر، عن أثرٍ مادي يقول إنني هنا، إن لي اسماً وصورة، حتى وإن كان اسماً مستعاراً.
حملتُ صورتي الشخصية، ومضيتُ إلى هناك. كان المكان مألوفاً، وقد اعتدتُ ارتياده مع خطيبتي (زوجتي الحالية)، التي كانت واحدة من أولئك الذين يمنحون المكان حياةً لا تُرى. المناسبات، الضحكات، الأحاديث.. كلها كانت تمنحني وهماً بالانتماء.
تقدّمتُ نحو طوني، مسؤول المكتبة، الرجل الذي يعرفني جيداً، أو هكذا ظننت. مددتُ له الصورة وقلتُ ببساطة.
- أريد بطاقة مكتبة.
نظر إليّ، لا كمن يسمع طلباً عادياً، بل كمن يواجه سؤالاً لا يجوز طرحه. فجأة تغيّر وجهه، وارتفع صوته كأنني طلبتُ المستحيل:
!. - لا يمكن! أنت لست إيرانياً.. أنت عراقي
تكسّرت كلماته في داخلي، لا لأنها قاسية، بل لأنها كانت صادقة أكثر مما ينبغي. حاولتُ أن أشرح، أن ألتفّ على الحقيقة، أن أجد ثغرة صغيرة في جدار القوانين.. لكنه كان جداراً بلا شقوق. خرجتُ من هناك، لا بلا بطاقة فحسب، بل بلا وهمٍ أيضاً.
***
في يومٍ آخر، وأنا عائد من درسٍ خاص، كنتُ أعلّم فتاة إيرانية اللغة العربية، تستعد لامتحانات "الكونكور"، أي البكالوريا في العراق.
كان المساء يهبط ببطء، وكنتُ أفكر في مفرداتٍ لم تفهمها، حين صادفتُ سامي.
كان واحداً من أولئك الذين تعرفهم الحياة صدفة، ثم تضعهم في طريقك مراراً دون سبب. شاب من عائلة كردية فيلية، كنتُ أزورهم أحياناً، ونجلس في أحاديث لا تبدأ من مكان محدد ولا تنتهي عند معنى واضح.
بعد التحية، قال لي وكأنه يلقي خبراً عادياً:
- زين شفتك.. باجر مسافر إلى الجزائر.
توقفتُ لحظة، ثم سألت:
- ليش؟
- أختي هناك.. شافت لي شغل.
- خيرشنو الشغل؟
- أستاذ جامعة.
انفجرتُ ضاحكاً. ضحكٌ طويل، صادق، حتى كدتُ أنسى أنني أنا من يضحك. لكنه لم يضحك. ظلّ ينظر إليّ بثباتٍ غريب، حتى أدركتُ أن الأمر ليس نكتة.
- جديات، قالها بهدوء.
توقفتُ عن الضحك، لكن الدهشة لم تتوقف.
- شنو راح تدرّس؟
- قانون.. بكلية الحقوق.
شعرتُ أن العالم انقلب فجأة إلى مسرح عبثي.
- مو أنت كنت شرطي بالعراق؟
- إي، صحيح.
- زين.. شلون صرت دكتور قانون؟
ابتسم ابتسامة صغيرة، فيها شيء من الفخر وشيء من السر:
"كوجه مروي". - أخذت شهادة دكتوراه من
سكتُّ لحظة. الاسم وحده كان كافياً ليفتح أبواب الشك كلها. مكان تُصنع فيه الهويات والوثائق والجوازات كما تُصنع الأحذية.. حسب المقاس.
- شلون راح تدرّس؟
عادي.. قالها ببساطة مدهشة. أعرف شوية قوانين من أيام الشرطة.. والباقي أقراه قبل الدرس.
لم يكن يمزح. لم يكن قلقاً. كان يتحدث عن الأمر كما لو أنه رحلة عادية، لا قفزة في المجهول.
راقبته وهو يتحدث، وفكرتُ: أنا الذي عجزتُ عن الحصول على بطاقة مكتبة.. وهو ذاهب ليصبح أستاذاً جامعياً بشهادة مزورة.
في تلك اللحظة، بدا العالم غير عادلٍ على نحوٍ ساخر. أو ربما.. كان عادلاً بطريقته الخاصة، حيث لا تُقاس الأشياء بما هي عليه، بل بما تستطيع أن تدّعيه.
سافر سامي في اليوم التالي، إلى الجزائر، كما قال. وانقطعت أخباره، كما تنقطع الحكايات التي لا تجد نهايةً تليق بها.
أما أنا، فبقيتُ في طهران، بلا بطاقة.. لكن بوعيٍ أثقل، يعرف أن الهوية ليست دائماً ما نحمله، بل ما يُسمح لنا أن نكونه.
***
جورج منصور







