أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: مفارقة الحياة الجيدة.. تعدد الاتجاهات

يشير ماثيو هامرتون أستاذ الفلسفة في جامعة سنغافورة الى ان الحياة التي هي ذات معنى والحياة التي تسير على ما يرام هي ليست نفس الشيء. لو تخيلنا شخصين على فراش الموت. الأول عاش بشكل مريح، محاطا بعائلة محبة وأصدقاء، متمتعا بمتع متنوعة وانجازات طوال حياته. الشخص الثاني كرس نفسه كليا للتصدي الى اللاعدالة، محققا تغيرا اجتماعيا رائعا، ولكن بكلفة شخصية كبيرة. منْ هو الذي عاش حياة أفضل؟

الجواب يعتمد على ما نعنيه بكلمة "افضل". الفلاسفة منذ وقت طويل اعترفوا اننا عندما نسمي الحياة "جيدة" نعني مختلف الأشياء. لذا نحن ربما نتحدث عن الخير الأخلاقي للحياة – الى أي مدى كان الشخص فاضلا – او جودتها للفرد - الى أي مدى كانت الحياة جيدة للشخص الذي عاشها. لكن هناك بُعد ثالث أحيانا نتجاهله وهو كم كانت الحياة ذات معنى. هذا يعطينا ثلاثة أسئلة مختلفة يمكننا طرحها حول أي حياة:

أولا: هل كانت الحياة جيدة من الناحية الأخلاقية؟

ثانيا: هل سارت الأمور جيدا للشخص الذي عاشها؟

ثالثا: هل هي حياة ذات معنى؟

هذه الأسئلة تسير باتجاهات مختلفة. الحياة المثالية أخلاقيا ربما تستلزم معاناة لأجل الاخرين، مما يجعلها أقل عناية بالذات. الحياة ذات معنى ربما تتطلب أيضا تضحيات تقلل من الرفاهية الشخصية. ان فهم هذه التوترات يساعدنا في التنقل بين خياراتنا حول الكيفية التي نعيش بها.

هل المعنى ليس الاّ رفاهية متنكرة؟

هنا يصبح الموضوع مثير فلسفيا. عندما نختبر الأشياء التي تجعل الحياة ذات معنى، نحن نجد تشابها ملفتا مع الأشياء التي تجعل الحياة تسير بشكل جيد. نظريات كل من المعنى والرفاهية تأتي في أنواع ذاتية تجذب خيرات متداخلة مثل الحب، المعرفة، الإنجاز، التجارب الجمالية. هذا يثير سؤالا غير مريح: هل "المعنى في الحياة" فقط طريقة أخرى للحديث عن الرفاهية؟ عندما يشكو شخص ما ان حياته تفتقر الى معنى، هو في الحقيقة فقط يقول انه يفتقر الى عنصر مهم للرفاهية.

لننظر بأوجه التشابه. النظريات الذاتية للرفاهية تقول ان حياتك تسير على ما يرام عندما انت راض، رغباتك متحققة، او انت تمارس المتعة. بعض نظريات المعنى تطرح ادعاءات مشابهه حول الهدفية. النظريات الموضوعية للرفاهية تشير الى الخير مثل المعرفة والحب والانجاز كونها ثمينة للشخص الذي يمتلكها. نظريات المعنى تشير بالضبط الى نفس الخيرات كمصدر لأهمية الحياة.

هذا التشابه محير. اذا كان المعنى والرفاهية حقا متميزين، لماذا تبدو نظرياتهما متشابهة جدا؟ اكثر التوضيحات هي انهما في الحقيقة نفس الشيء – أي "المعنى" هو فقط طريقة انيقة للحديث عن مظاهر معينة للرفاهية.

ثلاثة دفاعات فاشلة

حاول الفلاسفة طرح عدة استراتيجيات للحفاظ على المعنى كصنف متميز لكن لم ينجح أي منها.

الاستراتيجية الأولى: مختلف أنواع الخير

يرى البعض ان الرفاهية تتعلق فقط بخيرات ذاتية مثل المتعة، بينما المعنى يتعلق فقط بخيرات موضوعية مثل الإنجاز. لكن هذا يبدو لا يمكن الدفاع عنه. اذا انت تعترف ان الإنجاز ثمين، اليس من السيء ان تفتقر حياتك له؟

الاستراتيجية الثانية: المتعة لا تهم بالنسبة للمعنى

اتجاه آخر يدّعي انه بينما تساهم المتعة بالرفاهية، فهي لا تساهم ابدا بشكل مباشر بالمعنى. قارن بين حياتين كسولتين متساويتين تشاهدان مسلسلات كوميدية وتأكلان طعاما بلا قيمة غذائية. افرض ان احدى الحياتين ممتعة اكثر من الأخرى. من منظور الرفاهية، الحياة الأكثر متعة تبدو أحسن للعيش. لكن من منظور المعنى، كلا الحياتين تبدوان بلا معنى. ان المشكلة هنا هي انه حتى لو كان هذا الجدال صالحا، فهو فقط يبيّن ان المعنى يختلف عن مظاهر الرفاهية المتصلة بالمتعة. العناصر الغير مرتبطة بالمتعة لاتزال تتداخل كليا، وبهذا يكون "المعنى" فقط طريقة مؤدبة للحديث عن تلك المظاهر الأخرى للرفاهية.

الاستراتيجية الثالثة: مختلف النتائج

البعض يجادل ان أشياء معينة تضيف معنى بدون تعزيز الرفاهية. لننظر في المكافح لأجل الحرية الذي يموت شامخا لأجل الاستقلال. تضحياته تبدو ذات معنى عميق، لكن بالتأكيد انه سيكون افضل حالا لو بقي على قيد الحياة ليستمتع بمزيد من خيرات الحياة. او لنتصور فينسيت فان جوخ الذي أضافت آثاره الفنية معنى لحياته بعد موته (مع ان لوحة واحدة فقط بيعت اثناء حياته). كيف يمكن لأي حدث بعد الموت يحسّن الرفاهية الشخصية للفرد؟ هذه الحالات تبين ان المعنى والرفاهية منفصلان. مع ذلك، نظريات الرفاهية يمكن ان تستوعب كلا المثالين. اذا كانت رغبة المدافع عن الحرية التي هي أقوى من رغبته بحياة مريحة وطويلة تدعم قضيته، عندئذ فان نظريات اشباع الرغبة تقول ان التضحية بنفسه تدعم رفاهيته. والنظريات الموضوعية التي تتضمن تميز أخلاقي ستقول ان التضحية البطولية بالذات تعزز بشكل كبير التميز الأخلاقي في حياته أيضا وهكذا تعزز الرفاهية. وبالمثل، لو أراد فان كوخ التقدير لفنه، فان الاعتراف النهائي به أشبع هذه الرغبة حتى بعد وفاته، بينما يمكن للنظريات الموضوعية ان تعتبر تأثيره الفني الدائم إنجازا ساهم الاعتراف به بعد وفاته في إكتماله.

المعنى

هنا اتجاه جديد يحتفظ بالمعنى كشكل متميز حقا عن الرفاهية بينما يوضح التشابهات بينهما. كل من المعنى والرفاهية يبرزان من نفس الخيرات الأساسية – حب، معرفة، انجاز، تميز أخلاقي، تجربة جمالية، وغيرها – لكنهما يختلفان في الكيفية التي تجتمع بها هذه الخيرات لإنتاج قيمة. المقادير ربما ذاتها لكن الوصفات تختلف. بالنسبة للرفاهية، ما يهم ليس فقط الكمية الكلية للأشياء الجيدة في حياتك، وانما أيضا توازنها. انظر شخص ما يصبح قائدا أخلاقيا استثنائيا في جماعته لكنه يمتلك القليل من الوقت لعلاقات شخصية، متابعات فكرية، او تقدير جمالي. الان تصور شخص ما آخر يعيش حياة متكاملة لكن نسبيا حياة غير استثنائية، ينجز نجاحا معتدل في جميع هذه المجالات. حتى لو كلتا الحياتين تحتويان بالضبط على نفس الكمية الكلية للخير، فان الحياة المتوازنة بديهيا تبدو افضل للفرد الذي يعيشها.

نستطيع التفكير أبعد من ذلك: لو تصورنا حياة غير متوازنة ركزت كليا على انجاز فكري يحتوي على 100 وحدة من الخير، مقابل حياة متوازنة جيدا تحتوي على المعرفة، العلاقات، التقدير الجمالي، وتطور أخلاقي تشكل بمجموعها 98 وحدة. رغم ان الحياة المتوازنة تمتلك القليل نسبيا من الخير الكلي، ألا تزال افضل للفرد الذي يعيشها؟

بالنسبة للمعنى، التوازن يبدو غير ملائم. ما يجعل الحياة ذات معنى في ظل هذه الرؤية هو الكمية الهائلة من الخيرات الثمينة التي تحتويها بصرف النظر عن الكيفية التي توزع بها. الخير الكلي الأخلاقي الذي تخلقه حياتك او ترتبط به،هو الأكثر أهمية وتأثيرا، وبهذا يصبح الأكثر معنى. انظر ليوناردو دافنشي الذي شغل كل حياته بالفن والعلم والهندسة والفلسفة بتوازن ملحوظ. الآن قارنهُ بشخص آخر تركز حياته كثيرا على الفيزياء والرياضيات. كلاهما عاش حياة ذات معنى استثنائي لكن دافنشي لم يضف معنى وراء ما قدمه من انجاز كلي. إنجازاته المتكاملة جيدا ربما جعلت حياته أحسن له لكن المعنى جاء من الكمية الهائلة من الخيرات القيّمة التي احتوت عليها حياته.

هذا التمييز يساعد في توضيح الحيوات ذات المعنى المثالي. لو نظرنا الى شخصيات مثل غاندي، ماري كوري، او بيكاسو. جميعهم عاش حياة غير متوازنة، ركزوا بكثافة على نطاق ضيق من الخيرات بدلا من السعي لإنجاز متكامل. المعنى بالنسبة لهم جاء من كميات استثنائية من الخيرات – فضيلة، معرفة، او جمال فني – نالوه ليس من التوازن بين مختلف الخيرات.

مأزق دارون وخيار بارفت

قدم تشارلس دارون توضيحا هاما عن إمكانية انفصال المعنى عن الرفاهية. تركيز ذهن دارون فقط على العمل العلمي قاد الى اكتشافات استثنائية مذهلة منحت حياته معنى هائلا. لكن دارون ذاته ندم لاحقا على خياره، قائلا لبنته انه رغب لو لم يتقوقع ذهنه عبر تجاهل الشعر والاهتمامات الأخرى التي جلبت له البهجة في يوم ما. منْ هو على صواب؟ دارون ام المعجبون به الذين يشيدون بحياته المركزة؟ يمكن القول ان كلاهما على صواب، لكن بطرق مختلفة. من منظور المعنى، خيار دارون كان صحيحا. جهده المركز انتج من الخير الكلي اكبر مما كان يمكن ان يحققه نهج اكثر توازنا. لكن من منظور الرفاهية، تقييم دارون الذاتي ربما صحيح. الحياة الأكثر توازنا، مع اهتمام في البايولوجي وايضا مع مزيد من الوقت للاهتمامات الأخرى، ربما يكون أحسن له شخصيا حتى لو انجز القليل.

انظر أيضا الى الفيلسوف البريطاني ديريك بارفت Derek Parfit (1942-2017)، يمكن القول انه ابرز فيلسوف أخلاقي مؤثر في القرن العشرين. في حياته المبكرة، اظهر بارفيت موهبة استثنائية عبر مجالات متعددة – هو برع اكاديميا، حرر اشهر مجلة للطلاب في أكسفورد، عزف موسيقى الجاز، كتب الشعر، وانخرط في سياسة الطلاب. كان يمكن ان يعيش حياة متغيرة واسعة ثرية الإنجاز. لكن بدلا من ذلك، اختار بارفت التخصص الشديد، ليصبح هوسه الوحيد حول الفلسفة. هو أوقف الاجازات السياحية، تخلى عن اهتماماته الأخرى، وعاش شكلا غريب الاطوار – يقرأ الفلسفة وهو ينظف اسنانه بالفرشاة وحتى انه يأكل نفس الطعام كل يوم لكي يقلل وقت اعداد الطعام – كل ذلك لمضاعفة الوقت الذي يخصصه للفلسفة. في معظم المعايير، هذا الخيار انتج حياة ذات معنى استثنائي – أفكاره الرائدة أعادت تشكيل الفلسفة الأخلاقية، لكن هل كانت أحسن حياة لباريف ذاته؟

العديد من الناس سيجدون شيئا مزعجا حول عيش غير متوازن كهذا، حتى مع علمهم ان ذلك سيسمح لهم بترك بصمة اكبر على العالم. هذا يشير الى انه بينما خيار بارفيت ضاعف المعنى (الخير الكلي المنتج)، لكنه لم يضاعف رفاهيته الشخصية (خير متوازن). هذا النوع من المقايضة برز طوال حياة الانسان، من خيارات العمل المهني الى العلاقات وحتى الهوايات. الخير الكلي (المعنى) او توزيع متوازن بشكل جيد للخيرات (الرفاهية). ان فهم هذا التوتر يساعدنا في عمل قرارات اكثر تعقلا حول كيف ان نعيش.

العيش مع التوتر

 هذا التحليل لا يحل التوتر الأساسي بين المعنى والرفاهية، وانما هو يوضحه. أحيانا هما يصطفان: نحن لانزال بإمكاننا السعي للمعنى وفي نفس الوقت نحافظ على توازن جيد في حياتنا. لكنهما في الغالب ينفصلان فيجبراننا على الاختيار.

الفكرة الأساسية هي ان كلاهما يهم، لكن بطرق مختلفة. المعنى يتحدث الى رغباتنا بعمل تأثير هام، لنرتبط مع او نخلق قيمة حقيقية في العالم، اما الرفاهية تتحدث الى رغبتنا بحياة تسير بشكل جيد لنا كما يعيشها الناس. بعض الناس يفضلون المعنى، يقبلون التكاليف الشخصية لأجل تأثير اكبر. آخرون يفضلون الرفاهية، يبحثون عن حياة ثرية متوازنة حتى لو كان هذا يعني أقل انجاز. لكن لا طرف يبقى اوتوماتيكيا اكثر أهمية من الآخر. معظمنا يتنقل بين هذين القطبين، صانعا مختلف الخيارات في مختلف الأوقات.

ان فهم هذا الفرق سوف لن يحل لغز كيفية العيش، لكنه يساعد في التفكير بوضوح اكثر حول ما نختار من بين تلك. عندما نشعر بالتمزق بين متابعة عواطفنا بكثافة او الحفاظ على التوازن في حياتنا، نحن نشعر بجاذبية المعنى ضد الرفاهية. عندما نتساءل ما اذا كنا نعمل تضحية شخصية لسبب نؤمن به، هنا نحن ربما نوازن المعنى ضد الرفاهية.

هذا التحليل له آثار ملموسة. انه يقترح ان الناس يسألون "ماذا يجب ان أعمل بحياتي؟" هل اختار ضمنا بين نوعين مختلفين من القيمة. هل تريد تعظيم تأثيرك الإيجابي على العالم حتى لو يتطلب هذا التضحية بالتوازن وبالقناعة الشخصية؟ ام انك تريد حياة تسير على ما يرام لك حتى لو يعني هذا أقل إنجازا؟

هناك حكمة في كلا الاتجاهين. الباحث عن المعنى الذي يضحي بالراحة الشخصية لأجل تأثير أكبر يستحق احترامنا واعجابنا. لكن هذا أيضا ينطبق على الشخص الذي يختار حياة متوازنة من انجاز معتدل في عدة ميادين. كلاهما يستجيبان لمصدر حقيقي للقيمة. ربما أعمق بصيرة هنا هي ان السؤال القديم "كيف يجب ان أعيش؟" لا يمتلك جوابا منفردا لأنه في الحقيقة سؤالان: "كيف يمكن ان أعيش بمعنى؟" و "كيف يمكن ان أعيش بشكل جيد؟" أحيانا هما يشيران الى نفس الاتجاه - لكن عندما لا يشيران، نحن يجب ان نختار – وذلك الخيار يكشف أي نوع من القيمة نهتم بها بعمق.

الشيء السار هو ان فهم هذا الخيار يمكن ان يساعدنا في جعله أكثر حكمة، مع وعي كامل بما نحصل عليه وبما نتخلى عنه. في عالم غالبا ما يقدم لنا ثنائيات زائفة، فان تمييز التوتر الحقيقي بين المعنى والرفاهية وشرعية كل منهما ربما هو ذاته شكل من الحكمة.

***

حاتم حميد محسن

في المثقف اليوم