أقلام فكرية
إيمان عامر: الفلسفة الاجتماعية ومُهمة "تشخيص الحاضر"
قراءة في تصور الزواوي بغُورة
في قلب عالم متغير وسريع الإيقاع، حيث تتقاطع الأزمات وتتلاحق التحولات، يجد الإنسان نفسه أمام سؤال جوهري: كيف يفهم مكانه في المجتمع، وكيف يعيد ترتيب قيمه وسلوكياته في مواجهة ما يفرضه الواقع من ضغوط وتقلبات؟ ففي خضم التحولات العالمية المتسارعة، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والصحية والثقافية، يواجه الإنسان اليوم تحديًا معرفيًا وأخلاقيًا لاستيعاب معاني وجوده الاجتماعي وإعادة قراءة قيمه وسلوكياته. فقد أفرز الواقع المعاصر، سواء في العالم الغربي أو العربي، تغيّرات جذرية زعزعت استقرار المجتمعات وأثرت في وعي الأفراد، خاصة بعد الصدمة المفاجئة للجائحة ومآلاتها فيما بعد على السياسات الحيوية والصحية، فلا يمكن إنكار أن العالم اليوم يعيش سياسة حيوية، حيث أصبحت القوة لا تُقاس بالقدرة العسكرية أو الاقتصادية وحدها، بل بمدى التحكم في الحياة نفسها، في جسد الإنسان، وفي صحته، وفي إمكاناته البيولوجية والمعرفية. فالتقنية والبيوتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لم تعد أدوات محايدة، بل وسائل ممارسة السلطة على الحياة، تتداخل فيها المعرفة بالقوة، والفعل بالسيطرة، لتفرض على الإنسان شروط وجوده، وتعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والعالم. وهكذا تحولت السياسة من إدارة الأحداث إلى إدارة الحياة ذاتها، مع ما يترتب على ذلك من أسئلة أخلاقية، وجودية، وفلسفية حول حرية الإنسان، وهويته، ومصيره في عالم يهيمن عليه البُعد الحيوي للسلطة. الأمر الذي فتح المجال لنقاش فلسفي وسوسيولوجي حول القيم، والممارسات، والمآلات الاجتماعية. ومن هنا نشأت الفلسفة الاجتماعية، التي حللها الباحث الجزائري "الزواوي بغورة"، مقدّمًا قراءة متكاملة للعلاقة بين الإنسان والمجتمع والتغير التاريخي، مندمجة بين المبادئ الفلسفية والوقائع الاجتماعية.
لقد أدت الأزمات الراهنة، على اختلاف أشكالها، إلى اهتزاز العديد من القيم الكونية والإنسانية، وجعلت الإنسان يعيش حالة من الهشاشة والخوف من المستقبل. فالثورة التقنية والبيوتكنولوجية أعادت تشكيل المبادئ التي كانت تُنظّم علاقة الإنسان بعالمه وجسده، وجعلت الوصول إلى كنه الإنسان ممكنًا عبر الهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي، بما فيه من تراكيب دقيقة ومبرمجة، في مسعى لإنشاء إنسان جديد أقوى وأكثر اختلافًا. غير أن هذه الثورة لم تأتِ دون ثمن؛ إذ انقلبت سلبًا على الإنسان، وجردته من كثير من قيمه وهوياته، وأغرقته في اغتراب عن ذاته، في ظل هيمنة البُعد الاستهلاكي المادي الذي سيطر على حياته وأصبح معيارًا للعالم.
ومع استمرار هذه التحولات، شهد العالم في السنوات الأخيرة حروبًا بيولوجية وانتشار فيروسات مدمرة، كان أبرزها فيروس كوفيد، الذي قلب موازين القيم وفرض قيودًا جديدة على الحياة اليومية، وجعل الإنسان في حيرة من أمره بين طبيعة هذه الأزمات: هل هي نتيجة تلاعب مخبري، أم مجرد تقلبات طبيعية للحياة؟ لقد أصبح العالم ملعبًا للتلاعبات، بينما يبقى الإنسان الضحية الأولى لتشابك هذه القوى، في مواجهة واقع يعيد تعريف مكانته في الحياة والوجود.
في ظل تلك الانتهاكات التي أثرت على الكثير من الجوانب، حتى لا نقول معظم، لاسيما القيم العالمية الاجتماعية والسياسية، من قبيل النظام العالمي برمته، والسياسات الصحية والطبية، والمحيط البيئي والطبيعي للإنسان، اذ أن كل هذه الأحداث أترث في العالم بمختلف توجهاته وميادينه.
ان البحث في الخط الجامع لهذه الظواهر التي أصابت الواقع الاجتماعي للإنسان هو ضرب من السؤال عن مصيره، فمن الإنساني والأخلاقي أن يهتم المفكرون بطبيعة الانسان المفككة والممزقة ضمن الواقع الهش الذي صرنا نٌعايشه اليوم، خاصة إثر وجود وسائل قمعية تحطم الانسان كليا وتحرمه من العيش بكرامة، وفي ظروف مستقرة، وانما صار يعيش الاضطراب واللااستقرار. اثر هذه الظروف شخص المفكر الجزائري "زواوي بغورة" اختلالات الراهن الفلسفي والاجتماعي ضمن ميدان يٌسمى بالفلسفة الاجتماعية، هذا الميدان الذي فرضت وجوده تأزمات الواقع اليومي، ليطلعنا بذلك عن التغيرات التي مست الواقع الاجتماعي من أمراض وأحداث وظواهر، وسياسات حيوية أصابت العالم، وأثرها على الإنسان وعلاقاته، خاصة وأن السياسة الحيوية عرفت تداولا كبير في مجال السياسة والفلسفة وعلم الاجتماع، لترتبط بنسق فلسفي أكثر مع المفكر الزواوي بغورة خاصة في دراسته الأخيرة الموسومة ب" الفلسفة الاجتماعية" المُحللة لحالة التجمعات الإنسانية المعاصرة، وكل ما يرافقها من اجتماع وشعبوية وعنصرية وعدالة وغيرها، ويعرض لنا المفكر الجزائري الزواوي بغورة نقاش فلسفي اجتماعي حول الراهن الذي تغير بسبب أزمات القرن الواحد والعشرين، خاصة مما خلفه وباء الكوفيد، من تحولات في النظام الدولي والعنصرية والعدالة وغيرها، وهو ما عبر عنه داخل إطار الفلسفة الاجتماعية.
1- مفهوم الفلسفة الاجتماعية حسب بغورة:
يمكننا القول أن مفهوم الفلسفة الاجتماعية يتحدد بالاجتهادات النظرية التي قدمتها مدرسة فرانكفورت أو النظرية النقدية ضمن سياق الفلسفة الألمانية المُعاصرة، وتحوله الى عنصر أساسي ضمن عناصر أخرى لا تقل أهمية من حيث الاسهام النظري والمنهجي، ولا سيما في الاتجاه البراغماتي، وفي بعض تيارات الفلسفة الفرنسية المعاصرة1. اذن تأسست الفلسفة الاجتماعية مع رواد مدرسة فرانكفورت، أو المدرسة النقدية، الألمان، الذين عملوا على نقد الواقع الاجتماعي من العُمق، كون أن هذا الأخير أصبح جد مُستهلك وذو بعد تقني واحد، وفاقد للمُعطى الروحي. واذا كانت الفلسفة الاجتماعية معنية بالمسألة الاجتماعية، فإنها تختلف عن علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية على وجه العموم، وذلك لأن من مهامها تجاوز الثنائية بين علم الاجتماع والفلسفة السياسية، وتحليل العلاقة الجدلية بين النظريات وبين الممارسات، واذا كان علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية عموما تتميز بجانبها التقني والتجريبي، فان الفلسفة الاجتماعية تتميز بمقاربتها الأخلاقية للمسألة الاجتماعية، وعلى رأس هذه المقاربة العدل في علاقته بأشكال الظلم، سواء تعلق الأمر بالأفراد أم بالجماعات أم بالمؤسسات.2 ولا تكتفي الفلسفة الاجتماعية بالتحليلات النظرية والسياسية للواقع كما هو كائن في علم الاجتماع والسياسة، وانما تتعدى التحليل الى المساءلة الأخلاقية لما هو موجود في الواقع من قبيل، العدل والظلم والخير والشر، لأجل النظر في سلوكيات المجتمعات على اختلافه، لأن القيم ضرورية لأجل تحقيق التعايش الكريم بين مختلف عناصر المجتمع.
وما يُميز الفلسفة الاجتماعية عن بقية المجالات الأخرى هو اهتمامها بالصراعات الاجتماعية، وبخاصة صراع الفئات المهمشة والمقصية والمستبعدة، ومختلف الجماعات التي تعتبر قاصرة وتابعة، وتبحث عن حياة اجتماعية كريمة، من هنا تحتل المسألة الاجتماعية أو العلاقات الاجتماعية مكانة واضحة في هذا المجال الفلسفي الجديد، وذلك من منظور نقدي معني بالأشكال المختلفة للهيمنة أو السيطرة. كما تعتمد الفلسفة الاجتماعية على التحليل النقدي للمجتمع، عبر تحليل ما يكون في فئاته خاصة المستبعدة والمهمشة، خاصة فيما يخص الهيمنة والسيطرة الاجتماعية، والأزمات الواردة في ذلك، ومصير العلاقات الاجتماعية، ونقد كل التدخلات الواردة، من صراعات ونقاشات وتساؤلات واردة فيما يخص العلاقات الاجتماعية في حيزها النقدي لأجل ضبط "التحرر العقلاني والتفكير بكل استقلالية من خلال ادراج النقد كسمة أساسية في التفكير"3. ففعل النقد يبرز طبيعة
ان العلاج الفلسفي المقصود من الفلسفة الاجتماعية يعني خلق شروط تعاون بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية يعني خلق شروط تعاون بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية حول العمل، على أن نربط العمل نفسه بمسألتين أساسيتين: الأول التحرر في مقابل الهيمنة، والثانية تحقيق الحياة السعيدة أو الخيرة أو الطيبة أو الكريمة في مقابل الحياة البائسة أو الشقية أو الخيرة أو الهشة أو الذليلة، والنظر في مقولة العمل ليس على أنها تعبير عن ظاهرة اجتماعية واقتصادية فحسب، وانما بوصفها، كما قال هاربرت ماركيوز مقولة وجودية تحدد كينونة الوجود الإنساني، بما هو وجود تاريخي، وبذلك يدخل العمل ضمن مقولة عامة وأساسية في الفلسفة الاجتماعية وهي مقولة براكسيس، والممارسة الاجتماعية على وجه التحديد لأنه لا وجود لمجتمع من دون العمل.4 اذن ترتكز الفلسفة الاجتماعية على العمل وعلاقاته، ودور فلسفة البراكسيس في تجسيد القيم الخيرة والابتعاد عن القيم التي تعيق الانسان في العيش في حياة كريمة، خاصة بالبعد عن العمل اليافع، وبالتالي تُمكن الفلسفة الاجتماعية من خلق ظروف مناسبة في العمل التحرري البعيد عن الهيمنة، لأجل تحقيق السعادة، باعتبارها قيمة اجتماعية تجعل الانسان يعيش حياة كريمة بالاعتماد على قيم الحرية والمسؤولية والتضامن الاجتماعي.
2- الفلسفة الاجتماعية في مقاربة السياسة الحيوية:
ضمن مشروعه الفكري المتكوّن من مجالات عدة تشتمل على فلسفة اللغة، وفلسفة العلوم، والفلسفة السياسية والاجتماعية، صدر أخيراً كتاب «السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية» (دار سؤال ـــ بيروت) للباحث الجزائري الزواوي بغورة، أستاذ الفلسفة المعاصرة في «جامعة الكويت». يعدّ الكتاب بمثابة تطوير وتعميق لقراءاته في فلسفة ميشال فوكو، ومحاولة لتطبيقها على مجموعة من القضايا الفكرية والأحداث التاريخية، أبرزها ما شهدته البشرية بين عامَي 2019 و2022 من جائحة كورونا، وتوظيف مفهوم السياسة الحيوية في دراستها. مفهوم قديم نسبيّاً، استُخدم في وصف الممارسات والآليات التي اتخذتها السلطة في منتصف القرن الثامن عشر لإحكام السيطرة على جسد الأفراد، وعلى الحياة بصفة عامة، من خلال التدُخّل في حياة السُكان، ومُراقبة معدَّل الولادات والوفيات، ووصف الأوبئة وتحدياتها5.
اذن تهتم السياسة الحيوية في مجملها بعلاقة السياسة بالتحكم في الفرد والمجتمع، عبر التحكم في الجسد، والتحكم في بيولوجية الانسان، وفي مجاله الحيوي، عبر مختلف التقنيات الرقابية والأمنية، لأن احكام القبضة على السُكان يٌشكل هدف أساسي للسياسة.
اذن في الفلسفة الاجتماعية، تتمحور السياسة الحيوية اذ يرى بغورة أن هناك انفجار خطابي كبير لهذا المفهوم الذي رأى النور في هذه السنوات القليلة، وانتشر مع انتشار الجائحة الذي أكدت على ضرورة قراءة الراهن قراءة سوسيولوجية وتحليلية ونقدية، وتلك هي مهام السياسة الحيوية، وبالتالي تأسيس فلسفة حيوية تُعنى بالأمراض الاجتماعية، لأن معظم الكوارث أصبحت عالمية، ولا بد للمجتمع العربي الانفتاح على كل التطورات لأنه هو الآخر معرض للخطر.
تتميز السياسة الحيوية التي تهدف الى ضمان وتعزيز صحة السُكان أو الجسد الاجتماعي، وتظهر في 4 أشكال:
- مراقبة ظاهرة الانجاب، والأعمار والوفيات وتنظيم السكان.
- الاهتمام الصحي والطبي بمختلف الأمراض وبخاصة تلك التي تتحول الى وباء أو جائحة تقضي على حياة الأفراد والجماعات، وما تسببه من كوارث اجتماعية وكلفة اقتصادية، وما يتطلب ذلك من إقامة أنظمة تسيير صحية لمختلف القوى الاجتماعية، وتفعيل القوى الاقتصادية.
- مراقبة الأحداث والظواهر التي تصيب الأفراد كحوادث المرور والعمل والشيخوخة والتشوهات والاعاقات، ومختلف أشكال العاهات والعجز، وما تحتاجه هذه الحوادث من مؤسسات اجتماعية واقتصادية خاصة بالتأمين والضمان الصحي.
- تمارس السياسة الحيوية على مستويين الفردي والاجتماعي معا، وذلك نتيجة تطبيق آليات على جسد الفرد والنوع المتمثل في السكان6. اذن تهتم السياسة الحيوية بالمجالات التي تخص المرض والعجز أي تهتم بالمعنى السلبي والايجابي ولا تكتفي بمعنى واحد يرتبط بالرفاهية بل تتبع الفرد حتى في أقصى انفعالاته وفي مرضه، فمن الناحية الإيجابية تهتم بتوفير الراحة والحرص على النقاء البيولوجي وتحارب المرض وتوفر الرفاهية اللازمة للحفاظ على الصحة، وفي الجانب السلبي تحارب السياسة كل المعيقات التي تقف في وجه الفرد كالأمراض المعدية وبالتالي تحاول السيطرة عليها والحفاظ على صحة السكان ومراقبة العمال لتفادي الحوادث التي تقع أثناء العمل، وحتى ان وقعت فستهتم السياسة الحيوية بتعويض الشخص المضرور وتقديم العلاج الخاص به وكذلك توفر له وقتا من الراحة من أجل استعادة صحته وعافيته، وبذلك تكون هذه السلطة منخرطة في جميع الجوانب الحياتية المرتبطة بالجانب البيولوجي دون استثناء، وعلى جميع الأصعدة وعلى كافة المستويات سواء تعلق الامر بالفرد وحده أو بحياة الجماعة والسكان، ذلك العنصر المهم في السلطة الحيوية والذي تهتم به في محور مجالاتها إضافة الى توفير الأمن داخل الإقليم الذي تديره حكومة ما، لأن أمن السكان شيء ضروري لضمان رضا السكان وبالتالي بسط السيطرة عليهم، كما أنه ضروري للسياسة التي تعمل بجد داخل وسط هادئ لا تعتريه المخاوف الناجمة عن التدخلات الخارجية أو تمرد السكان وقيام الفوضى.
3- الجائحة من منظور الفلسفة الاجتماعية:
من أجل التأكيد على الطابع الاجتماعي للسياسة الحيوية، يرى بغورة أنه اقترح مبحث الفلسفة الاجتماعية بوصفه تعبيرا عن وحدة الاستعمالات المختلفة للسياسة الحيوية خاصة من خلال حضور عنصر التاريخ، أي التجارب التاريخية والاجتماعية والسياسية، وكذلك دراسة التجارب الاجتماعية والسياسية، ولانتحدث عن الدولة والأمن والحرية بشكل مطلق وانما من خلال التجارب التاريخية.7 كون الفلسفة الاجتماعية تهتم بالأحداث التي تدور في المجتمع والوقائع التاريخية التي تخلف أثرا للإنسان وللمحيط الاجتماعي ككل، هذا ما يجعلها على صلة وثيقة بالسياسة الحيوية، لأن هذه الأخيرة حسب بغورة تشتغل مع معطيات الراهن ومتغيرات العصر، المتعلقة بالحياة ككل وكذلك بالجانب البيولوجي للإنسان، مثل ما حدث في الراهن مع انتشار الجائحة، كما أن الموضوعات المدروسة في هذا الحقل لا تعبر عن الجانب النظري المحض من قبيل دراسة المفاهيم في بعدها الاصطلاحي والكرونولوجي، بل بدراستها من خلال ميدانها التطبيقي والنسبي، كأن نتحدث عن استراتيجيات الدولة الحالية في مكافحة المرض وعن السياسات الصحية المتبعة، وأن لا نقول أن الدولة هي كذا ومهامها تكمن في توزيع المهام وفقط، وأن الأمن هو وحدة مراقبة، وعرض المفاهيم النظرية كما تفعل الفلسفة السياسية الكلاسيكية الموغلة في المطلقيات، بل الأمر يتعدى الجانب النظري الى مفاهيم تطبيقية عملية حيوية، عبر التجارب التاريخية التي نحاول استنطاقها وابراز أهم جوانبها مع محاولة تشخيص تتبعها حلول توعوية، وبذلك تتأسس الفلسفة الاجتماعية من خلال مشاركتها في الراهن الذي تستقي مشكلاتها منه.
وباء الكوفيد 19 أصبح يفرض اكراهاته على العالم الذي يحاول بوسائل شتى الحد من أضراره وأخطاره معتمدا على جملة من المعارف الطبية والبيولوجية والكيميائية وسلسلة من الآليات والتقنيات الرقابية والأمنية، والاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجد في مفهوم السياسة الحيوية تعبيرها الحقيقي.8 اذن فان فيروس كورونا من أحدث الأوبئة التي شهدها العالم في الوقت الحالي اذ تطور و تحول الى جائحة خلفت أزمات متباينة في جميع الأصعدة بحيث حدث هناك اكتظاظ على المستوى الصحي و تقريبا لم تستطع بعض الحكومات تغطية تكاليف العلاج من أدوية ومستشفيات وأكسيجين. الخ، وأزمة اقتصادية بحيث خلفت الجائحة العديد من الخسائر المادية وانقلاب في اقتصاد العالم ككل بسبب توقف بعض الأنشطة حتى أن بعض الشركات انهارت وأفلست وكذلك على الجانب التعليمي بحيث أن الدراسة توقفت مما ساهم في تأخر بعض السياسات التعليمية في الدروس خاصة تلك الدول الفقيرة والتي لا تستطيع العمل على برنامج التعليم عن بعد، اضافة الى توقف جميع الأنشطة السياسية و الفنية و الرياضية و حتى الاجتماعية من قبيل تأجيل حفلات الزواج وتبديل مراسم العزاء في الجنازات وغيرها فقد مس فيروس كورونا كل العلاقات أي كل الأنشطة التي تتطلب احتكاك ولقاء بين البشر، هذا التغير المفاجئ الذي أصاب العالم أحدث رعب بين بني البشر واعتقد الأغلبية أن نهاية المطاف قريبة لا محالة بسبب التدهور الهائل في الأوضاع اضافة الى التهويل الاعلامي الذي زاد الطين بلة و أفقد الانسان المتأزم كل بصيص أمل كان بحوزته، واختلفت أحاديث العلماء وخطابات الفلاسفة و تنبؤاتهم بين عالم متشائم تسود فيه الصراعات البيولوجية والفيروسية وبين آخر متفائل معتقدا أن هذه الجائحة ستساهم في تغيير العالم من خلال تغيير وجهة نظر الانسان وتجعله أكثر نظرا في حياته وشديد الاحتياط للتصدي للأزمات مستقبلا، بمعنى أن هناك قيم عديدة تغيرت في ظل الجائحة لصالح الانسان وكرامته التي لا يسبقها شيء والتحلي بقيم جديدة تليق بكرامته.
كما أن الجائحة كشفت عن غياب التضامن العالمي، وغياب العدالة الصحية، كما كشفت عن ضرورة تعزيز الدولة القومية مقارنة بوعود العولمة، وأعلنت العودة الى تحرر الفكر الفلسفي من النماذج الجاهزة، وهو مايفرض علينا في الفكر العربي اجراء تحليلات نقدية كاشفة لمختلف مشكلاتنا العويصة.11اذن فان الأحداث العالمية في الفترة الأخيرة قد غيرت بعض الثوابت التي تتميز بالمطلقية، وبعض المفاهيم التي احتلت المركز لعدة قرون، وهو ما أتبثته جائحة كورونا من رؤى جديدة للقيم العالمية وللأنظمة كذلك، فقد انغلقت الأمم على نفسها، وغاب التعاون والتضامن العالميين، كما أن النظام العالمي لم يستطع تلبية مصالح الجماعات، والعولمة انقلبت الى النقيض ولم تلبي فكرة العالمية، خاصة وأن الكورونا أعلنت عن غياب العدل في النظر الى الصحة كمفهوم انساني عالمي وليس غاية للتفرقة بين القوي والضعيف.
الخاتمة:
في الختام نستنتج أن الزواوي بغورة دعى الى ضرورة إقامة فلسفة اجتماعية عربية تهتم بالقضايا التي تضرب المجتمعات العربية والأمراض الاجتماعية العالمية التي تمس الانسان العربي، لأن البيئة العربية تختلف عن الغربية، كما أن لكل مجتمع خصوصيته، كما أن تبيئة الحلول الغربية هو حل يحمل فنائه في ذاته، وقد فشلت جميع المحاولات التي دعت الى ضرورة اقتباس جهاز المفاهيم والمناهج الغربية، ومحاولة تلبيسها في التراث العربي، فلكل مجتمع نمط معين من المناهج والحلول، لهذا فالبيئة العربية تحتاج الى نظرة تنطلق من مفاهيمها الخاصة ولاحرج في أن تستفيد من محاولات الآخر، يتساءل بغورة، عما اذا يسعنا مفهوم السياسة الحيوية في صورته الجديدة بما هو مفهوم أساسي في الفلسفة الاجتماعية على فهم طبيعة الدولة في مجتمعاتنا العربية؟ وهل تكفي الدراسة النظرية للمفهوم، أم أن الأمر يتطلب دراسة تجارب اجتماعية وسياسية معينة؟ اذن فلابد من تعزيز النقاش حول الدولة القومية عبر دراسة الفلسفة الاجتماعية لأنها تعانق الواقع والمشكلات الاجتماعية بانواعها، والأحداث التاريخية، مباشرة، ومن الضروري تطبيق هذه الفلسفة على التجارب الاجتماعية، لهذا فقد وضع الباحث السؤال مفتوحا أملا في تجارب عربية أصيلة لمعرفة كيفية انتاج الحياة، وبالتالي تغيير الواقع.
***
د. إيمان عامر – اختصاص فلسفة
.....................
1- الزواوي بغورة، الفلسفة الاجتماعية بحث في مفهومها نظريتها وعلاقاتها، مجلة تبين، العدد 30، الدوحة، سبتمبر 2019، ص 56
2- الزواوي بغورة، الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية، ط1، دار الطليعة بيروت، 2012، ص10
3- عامر ايمان، صافي الطاهر، تحليلية السلطة ومظاهرها عند ميشيل فوكو، مجلة البحوث والدراسات الإنسانية، المجلد17، العدد1، سكيكدة، الجزائر، 2023، ص607
4- الزواوي بغورة، الفلسفة الاجتماعية بحث في مفهومها نظريتها وعلاقاتها، مصدر سابق، ص 62
5-عامر ايمان، الزواوي بغورة الجسد والمرض والعنصرية في النظام الدولي الجديد، جريدة الأخبار، بيروت، 20 ماي 2023
6- الزواوي بغورة، السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية، ط1، دار سؤال، بيروت، 2022، ص، ص 15، 16
7- المصدر نفسه، ص56، 57
8- المصدر نفسه، ص 9
9- الزواوي بغورة، السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية، مصدر سابق، ص 319






