أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: الفضاء العمومي الافتراضي وإعادة تشكيل الرأي العام
مقاربة فلسفية نقدية
لم يعد الرأي العام في صورته المعاصرة ثمرة تفاعل اجتماعي طبيعي داخل فضاء مشترك من النقاش العقلاني، كما تصوّره فلاسفة التنوير أو كما نظّره يورغن هابرماس في تحليله الكلاسيكي للمجال العمومي البرجوازي، بل صار بنية هجينة تتقاطع فيها التقنية بالسياسة، والاقتصاد بالرمز، والخوارزمية بالوجدان الجمعي. إن ما نسمّيه اليوم “الفضاء العمومي الافتراضي” ليس مجرد امتداد رقمي للمجال العمومي التقليدي، بل هو تحوّل أنطولوجي في شروط تشكّل المعنى، وفي آليات إنتاج القناعة، وفي طرائق تداول الحقيقة.
كان المجال العمومي في أصله الحديث، وعدا عقلانيا بتحرير الرأي من سلطة البلاط والكنيسة، وفتح النقاش أمام المواطنين بوصفهم ذواا عاقلة قادرة على البرهنة والمساءلة. وقد لخّص كانط هذا الأفق بقوله الشهير: “استعمل عقلك بشجاعة”. غير أن هذا النداء التنويري، الذي جعل من التواصل العقلاني أساسا للشرعية السياسية، يفترض بنية اجتماعية معيّنة: فضاءً مشتركا، زمنا بطيئا نسبيا للتداول، وفاعلين يتقاسمون حدا أدنى من المعايير المعرفية والأخلاقية.
لكن الانتقال إلى الفضاء الرقمي لم يكن انتقالا محايدا في الوسيط، بل كان انقلابا في منطق التداول ذاته. فالتقنية كما نبّه مارتن هايدغر ليست مجرد أداة، بل نمط في الانكشاف، طريقة مخصوصة في ظهور الموجودات. وما تكشفه الشبكات الرقمية ليس العالم بوصفه مجالا للمعنى، بل بوصفه موردا للانتباه، ومخزونا للبيانات، ومسرحا للتفاعل اللحظي. هنا يتحوّل الرأي من ثمرة تفكير إلى استجابة انفعالية، ومن موقف مؤسس على الحجاج إلى أثر جانبي لسيل متواصل من الصور والعناوين المختزلة.
إن الفضاء العمومي الافتراضي يُعاد تشكيله وفق منطق السرعة والتجزئة والتخصيص الخوارزمي. لم يعد الجميع يرون الشيء نفسه في الوقت نفسه، بل يعيش كل فرد داخل “فقاعة ترشيح” كما يسميها إيلي بارايزر، حيث تُصفّى المعلومات مسبقا وفق تفضيلاته السابقة، فينشأ وعي دائري مغلق على ذاته، يعيد إنتاج قناعاته بدل مساءلتها. وهنا يفقد الرأي العام طابعه التداولي، ليصير مجموع آراء متجاورة لا تتلاقى، وصدىً لميول فردية مُدارة تقنيا.
لقد تنبّه هابرماس نفسه إلى هذا التحوّل حين أشار إلى “تفتت المجال العمومي” في ظل الرأسمالية الإعلامية، غير أن ما نعيشه اليوم يتجاوز مجرد التفتت إلى إعادة هندسة كاملة لشروط التواصل. فالشركات الرقمية الكبرى لا تكتفي باستضافة النقاش، بل تصمّم بنيته العميقة: ما يظهر، ما يُخفى، ما ينتشر، وما يُدفن في قاع الخلاصات الزمنية. الرأي العام هنا لا يتشكّل فقط عبر النقاش، بل عبر المعمار الخفي للمنصات، حيث تُقاس القيمة بعدد النقرات، وتُكافأ الإثارة على حساب التأمل.
وفي سياقنا هذا، يغدو ما حذّر منه غي ديبور في “مجتمع الفرجة” أكثر راهنية من أي وقت مضى: “كل ما كان يُعاش مباشرة صار يُمثَّل”. فالواقع السياسي والاجتماعي يُعاد تقديمه في هيئة مقاطع قصيرة، وصور مُفبركة أحيانا، وشعارات قابلة للمشاركة السريعة. لا يعود المواطن مشاركا في الشأن العام، بل مستهلكا لعرض متواصل من الوقائع المؤدلجة، حيث تختلط الحقيقة بالتمثيل، والخبر بالرأي، والمعرفة بالإحساس اللحظي.
الرأي العام هنا لا يتأسس على العقل العمومي، بل على اقتصاد الانتباه. وقد نبّه برنارد ستيغلر إلى خطورة هذا التحوّل حين اعتبر أن الصناعات الرقمية تستثمر في الغرائز والاندفاعات الأولية، محدثة ما سماه “تفقيرا رمزيا” يقوّض قدرة الأفراد على التفكير الطويل النفس. إن الخوارزمية لا تسأل عن الحقيقة، بل عن التفاعل؛ لا تهتم بالمعنى، بل بالمدة التي يقضيها المستخدم أمام الشاشة. وهكذا يُعاد تشكيل المجال العمومي وفق معيار الربحية، لا وفق مقتضيات المصلحة العامة.
ومن هنا تتبدّى مفارقة عميقة، الفضاء الافتراضي يُقدَّم بوصفه أفقا للديمقراطية المباشرة، لكنه في العمق ينتج أشكالا جديدة من الهيمنة الناعمة. فالحرية الظاهرة في التعبير تخفي تبعية خفية للبنى التقنية التي تضبط إيقاع الظهور والاختفاء. وكما يقول ميشيل فوكو، السلطة الأنجع هي تلك التي لا تُرى، لأنها تُمارَس من داخل الذوات نفسها. المستخدم يعتقد أنه يختار، بينما اختياراته مُهيّأة مسبقا عبر تصميم الواجهة ومسارات التصفّح.
بل إن الرأي العام الافتراضي لا يُصاغ فقط عبر المحتوى، بل عبر البنية الزمنية للتلقي. فالتدفّق المستمر للمعلومات يخلق حالة من التشبّع الإدراكي، تجعل التفكير النقدي مرهقا، وتفضّل الحكم السريع على التأمل البطيء. هنا نستحضر تشخيص حنة آرندت لسطحية الشر، حيث لا ينبع الخطر من نوايا شيطانية، بل من العجز عن التفكير. إن الفضاء الرقمي بما يفرضه من إيقاع محموم، يُنتج نمطا من الوعي الكسول، المستعد لتبنّي السرديات الجاهزة.
ولا يمكن فهم هذا التحوّل دون استحضار البعد الاقتصادي للمنصات. فالرأي العام صار مادة خام في سوق البيانات. كل تفاعل يُحوَّل إلى معلومة، وكل انفعال إلى قيمة قابلة للبيع. وكما تقول شوشانا زوبوف، نحن أمام “رأسمالية المراقبة”، حيث يُستثمر السلوك البشري ذاته باعتباره مصدرا للربح. الرأي هنا لا يُقاس بعمقه أو وجاهته، بل بإمكان استثماره إعلانيا أو سياسيا.
وهكذا ينتقل الرأي العام من كونه تعبيرا عن الإرادة الجمعية إلى كونه نتاجا لعمليات حسابية دقيقة. تُصاغ الميول وتُضخّم المخاوف، وتُوجَّه النقاشات عبر حملات منظمة، غالبا دون وعي المشاركين أنفسهم. لم نعد أمام مواطنين يتجادلون، بل أمام مستخدمين يُحفَّزون، وتيارات عاطفية تُدار عن بعد.
هذا التحوّل يضعنا أمام سؤال فلسفي مركزي، هل ما يزال ممكنا الحديث عن رأي عام بالمعنى الكلاسيكي؟ أم أننا بصدد نمط جديد من “الإجماع الاصطناعي” تُنتجه الخوارزميات؟ إن الرأي كما فهمه أفلاطون، كان دوما عرضة للتلاعب إذا انفصل عن المعرفة. لكن ما نعيشه اليوم هو تضخيم غير مسبوق لهذا الانفصال، حيث تُستبدل الحقيقة بالانتشار والحجة بعدد المشاركات.
ومع ذلك لا ينبغي السقوط في تشاؤم تقني مطلق. فالفضاء الافتراضي يحمل أيضا إمكانات تحررية، كسر احتكار الإعلام التقليدي، إتاحة التعبير للأصوات المهمّشة، خلق شبكات تضامن عابرة للحدود. غير أن هذه الإمكانات تظل مشروطة بوعي نقدي جماعي، وبإعادة مساءلة البنية الأخلاقية والسياسية للتقنية نفسها.
إن السؤال لم يعد كيف نستعمل المنصات، بل كيف تُعيد المنصات تشكيلنا. فكما يقول مارشال ماكلوهان: “الوسيط هو الرسالة”. والوسيط الرقمي لا ينقل الرأي فحسب، بل يعيد تكوين الذات التي تُنتجه. نحن أمام تشكّل أنثروبولوجي جديد، حيث تُختزل التجربة الإنسانية في تفاعلات قابلة للقياس، ويُعاد تعريف المشاركة السياسية بوصفها ضغط زر أو مشاركة منشور.
من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة فلسفية نقدية لا تكتفي بوصف الظاهرة، بل تفكك أسسها المعرفية والأخلاقية. مقاربة تستعيد سؤال الحقيقة في زمن ما بعد الحقيقة، وسؤال الحرية في زمن التتبع الرقمي، وسؤال العقل العمومي في زمن الانفعال الجماعي. فالرأي العام ليس مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هو مرآة لعمق مشروعنا الحضاري.
إن ما يُعاد تشكيله اليوم ليس فقط المجال العمومي، بل معنى المواطنة ذاته. المواطن الرقمي يُدعى إلى التفاعل لا إلى التفكّر، إلى التعبير لا إلى الحِجاج، إلى الاصطفاف لا إلى الحوار. وهنا تكمن المعضلة، كيف نؤسس لرأي عام نقدي داخل فضاء صُمّم أساسًا لتعظيم الاستهلاك الرمزي؟.
هذا السؤال يظل مفتوحا، ويستدعي إعادة التفكير في التربية الإعلامية وفي أخلاقيات التقنية وفي دور الفلسفة بوصفها ممارسة للتيقظ. فكما قال سقراط، الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش. وكذلك الرأي غير المفكَّر فيه لا يستحق أن يُسمّى رأيا عاما.
فالخوارزمية ليست معادلة رياضية بريئة، بل عقل اصطناعي مصغّر يشتغل وفق منطق ترجيحي احتمالي، يقوم على جمع البيانات، تصنيفها، ثم توقّع السلوك المستقبلي. إنها بهذا المعنى، تمارس نوعا من “الاستباق الإدراكي”، حيث يُعاد تشكيل الحاضر بناءً على تنبؤات المستقبل. وهذا ما يجعلها في العمق، جهازا تأويليا يسبق الوعي، ويؤطر التجربة قبل أن تتشكّل في الذات.
لقد نبّه جيل دولوز، في نصه الشهير حول “مجتمعات التحكم”، إلى أن السلطة الحديثة لم تعد تشتغل عبر مؤسسات مغلقة كما في مجتمعات الانضباط التي وصفها فوكو، بل عبر تدفقات مفتوحة من المعلومات، حيث يُضبط السلوك بشكل مستمر ودقيق. والخوارزمية هي التجسيد الأوضح لهذا الانتقال: سلطة بلا مركز، توجيه بلا أمر مباشر، تطبيع بلا عنف ظاهر.
يتحوّل الرأي العام إلى متغيّر داخل منظومة حسابية. فبدل أن يكون حصيلة نقاش اجتماعي، يصبح ناتجا لعمليات تحسين مستمرة تهدف إلى تعظيم التفاعل. وما يُكافَأ ليس الصدق ولا العمق، بل القدرة على إثارة الانتباه. وهنا يحدث انقلاب قيمي خطير: تُستبدل الحقيقة بالانتشار، والحُجّة بالضجيج، والمعنى بالأثر اللحظي.
إن ما يُسمّى اليوم “ما بعد الحقيقة” ليس مجرد أزمة أخلاقية، بل هو نتيجة بنيوية لطريقة اشتغال الفضاء الرقمي. فحين تُقاس قيمة الخطاب بعدد المشاركات، وحين تُقدَّم الأخبار وفق قابلية الاستهلاك لا وفق معيار الصدقية، يصبح الكذب منافسا قويا للحقيقة، بل قد يتفوّق عليها إذا كان أكثر إثارة. وكما قال نيتشه: “ليست الوقائع ما يحرّك البشر، بل تأويلاتها”.
غير أن الجديد اليوم هو أن هذه التأويلات لم تعد تتشكل أساسا داخل المجال الثقافي، بل داخل مختبرات البيانات. فالرأي العام يُدار عبر هندسة المشاعر الجماعية: تضخيم الخوف، استثارة الغضب، تغذية الإحساس بالتهديد. وقد أظهرت تجارب عديدة كيف يمكن لتعديلات طفيفة في خوارزميات العرض أن تغيّر المزاج السياسي لملايين المستخدمين.
وهنا تبرز مفارقة عميقة: نحن نعيش في زمن فائض المعلومات، لكننا نعاني من فقر في المعنى. فالتدفّق المستمر للأخبار لا ينتج معرفة، بل إرهاقا إدراكيا. وكما يقول باومان، نحن في حداثة سائلة، حيث كل شيء سريع الزوال، بما في ذلك القناعات. الرأي العام يصبح هشا، متقلبا، قابلا للتوجيه السريع.
هذا الوضع يضع الديمقراطية نفسها موضع مساءلة. فالديمقراطية في جوهرها، تفترض مواطنا قادرا على الحكم، على التمييز، على اتخاذ موقف مستنير. لكن كيف يمكن لهذا المواطن أن يتشكّل داخل فضاء يُغرقه في الإثارة ويحرمه من المسافة النقدية؟ كيف يمكن للعقل العمومي أن يقوم بوظيفته التداولية في بيئة تُكافئ الانفعال وتُعاقب البطء؟.
لقد حذّر ألكسيس دو توكفيل منذ القرن التاسع عشر من خطر “استبداد الأغلبية”، لكن ما نواجهه اليوم هو شكل أدق: استبداد الخوارزمية، حيث لا تحكم أغلبية واعية، بل أنماط سلوكية مُستخرجة من البيانات. إنها ديمقراطية مُفرغة من مضمونها التداولي، تتحوّل فيها المشاركة السياسية إلى نشاط رقمي سريع، أقرب إلى الاستهلاك منه إلى المواطنة.
بل إن مفهوم “الإرادة العامة” نفسه كما صاغه روسو، يصبح إشكاليا في هذا السياق. فكيف نتحدث عن إرادة عامة حين يُجزّأ الجمهور إلى جماعات دقيقة الاستهداف، وحين يُخاطَب كل فرد بخطاب مختلف؟ إن ما يتشكّل ليس رأيا عاما موحّدا، بل فسيفساء من الانطباعات الخاصة، تُدار مركزيا دون أن تلتقي أفقياً.
ومن هنا نفهم لماذا تصبح الشعبوية الرقمية ممكنة إلى هذا الحد. فالشعبوية لا تحتاج إلى برنامج متماسك، بل إلى سردية بسيطة، قابلة للتكرار، تُشبع الحاجة إلى اليقين في عالم مضطرب. والمنصات الرقمية بطبيعتها التبسيطية، توفّر البيئة المثالية لهذا النمط من الخطاب. وكما يقول أومبرتو إيكو، الفاشية تبدأ حين يُختزل الفكر في شعارات.
لكن النقد الفلسفي لا يكتمل دون مساءلة الذات أيضا. فالفضاء الافتراضي لا يُفرض علينا من الخارج فقط، بل يجد قابلية داخلية فينا: رغبتنا في الاعتراف، حاجتنا إلى الانتماء، ميلنا إلى التأكيد بدل الشك. وهنا يلتقي التحليل التقني بالتحليل الأنثروبولوجي. فالخوارزمية تستثمر في هشاشتنا الوجودية.
لقد كتب سبينوزا أن البشر يعتقدون أنهم أحرار لأنهم واعون بأفعالهم، لكنهم يجهلون أسبابها. وهذا القول يبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى. فنحن نضغط، نشارك، نعلّق، ونظن أننا نمارس حريتنا، بينما تتحرّك خلف الشاشة شبكة معقّدة من المحفزات الخفية.
غير أن الفلسفة بوصفها ممارسة نقدية، تستطيع أن تفتح مسافة داخل هذا الاندماج الكلي. فالمطلوب ليس الانسحاب من الفضاء الرقمي، بل إعادة تملّكه وعيا. المطلوب هو بناء مواطنة رقمية نقدية، قادرة على قراءة ما وراء الواجهة، وعلى مساءلة ما يُقدَّم بوصفه بديهيا.
وهنا تبرز أهمية التربية الفلسفية والإعلامية، لا باعتبارها مهارات تقنية، بل بوصفها تمرينا على الشك، على التفكيك، على مقاومة الاختزال. فكما قال أدورنو، مهمة الفكر هي مقاومة ما يبدو طبيعيا. والرأي العام، إذا أُريد له أن يستعيد بعده التحرري، يحتاج إلى ذوات قادرة على الوقوف ضد التيار.
إن الفضاء العمومي الافتراضي ليس قدرا محتوما، بل هو بنية تاريخية قابلة للمساءلة وإعادة التشكيل. غير أن ذلك يقتضي تحوّلا عميقا في علاقتنا بالتقنية، من الاستهلاك السلبي إلى المشاركة النقدية، ومن الانبهار إلى التفكّر.
لسنا أمام أزمة إعلام فحسب، بل أمام أزمة معنى. فالرأي العام في صورته الرقمية، يكشف هشاشة مشروع الحداثة السياسية حين يُفصل العقل عن الأخلاق، والتقنية عن الحكمة. إن ما يُختبر اليوم هو قدرتنا على صون المجال المشترك من التحوّل إلى سوق للانتباه، وعلى حماية الحقيقة من الذوبان في الضجيج.
ربما كان علينا أن نستعيد سؤال سقراط في قلب الشبكة: ماذا يعني أن نفكّر معا؟ وربما كان علينا أن نعيد قراءة كانط لا بوصفه فيلسوف التنوير فقط، بل بوصفه منظّرا لمسؤولية الحكم. فالرأي ليس مجرد تعبير ذاتي، بل التزام تجاه العالم.
إن إعادة تشكيل الرأي العام لا يجب أن تُترك للخوارزميات وحدها. إنها مهمة ثقافية، تربوية، فلسفية. مهمة تستدعي بناء فضاء رقمي يُكافئ العمق لا الإثارة، الحوار لا الاستقطاب، المعنى لا الأثر اللحظي.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل سننجح في تحويل الشبكة إلى مجال عمومي حقيقي، أم سنكتفي بدور المتفرجين داخل مسرح رقمي ضخم؟ إن الجواب لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في نوع الإنسان الذي نريد أن نكونه داخلها.
فكما قال هابرماس: العقلانية التواصلية ليست معطى جاهزا، بل مشروعا دائم البناء. وكذلك الرأي العام ليس واقعا مكتملا، بل أفقا أخلاقيا ومعرفيا، لا يتحقق إلا بقدر ما نُصرّ على التفكير، على الحوار، وعلى مقاومة كل ما يحوّل الإنسان إلى رقم داخل معادلة.
***
د حمزة مولخنيف






