أقلام ثقافية
صابر الحميدي: مريمة.. حين تصير الذاكرة وطنًا أخيرًا
في رواية "مريمة" للكاتبة رضوى عاشور، لا تروي الحكاية سقوط مدينة فحسب، بل تروي سقوط عالم كامل داخل روح الإنسان. هنا لا تُقاس الهزيمة بعدد القلاع التي انهارت، بل بعدد الكلمات التي مُنعت من أن تُقال، وعدد الأسماء التي أُجبرت على أن ترتدي أقنعة غيرها.
مريمة ليست شخصية روائية فحسب؛ إنها صورة الإنسان حين يُحاصر من الخارج فلا يجد ملجأ إلا في داخله. امرأة تحمل ذاكرة شعب بأكمله، وتدرك أن أخطر أنواع الموت ليس موت الجسد، بل موت المعنى. لذلك تتمسك بما تبقى من اللغة والعادات والصلوات والذكريات، كما يتمسك الغريق بخشبة صغيرة وسط بحر هائج.
في هذا الجزء من الثلاثية تتحول الحياة إلى مقاومة صامتة. لم يعد السيف مجديًا، ولم تعد الجدران تحمي أحدًا، فصار الحفاظ على الذاكرة فعلًا من أفعال البطولة. كانت السلطة تريد أن تغيّر الوجوه، أما مريمة فكانت تحرس الأرواح. وكانت تدرك أن الإنسان إذا فقد ذاكرته فقد نفسه، وإن بقي حيًا بين الناس.
فلسفيًا، تطرح الرواية سؤالًا عميقًا: ما الذي يبقى من الإنسان عندما تُنتزع منه لغته ودينه وتاريخه؟ وهل يمكن للهوية أن تعيش في السر كما تعيش الجذور تحت التراب؟ وتأتي الإجابة عبر تفاصيل الحياة اليومية؛ فالأوطان لا تسكن الخرائط فقط، بل تسكن العادات الصغيرة، والأغاني القديمة، والحكايات التي تتناقلها الأجيال همسًا.
لقد جعلت رضوى عاشور من مريمة رمزًا للذاكرة المقاومة؛ ذاكرة تعرف أن النسيان هزيمة ثانية، وأن التشبث بالماضي ليس رجوعًا إلى الوراء، بل دفاعًا عن الحق في البقاء. ولهذا تبدو الرواية كأنها تأمل طويل في العلاقة بين الزمن والهوية، بين القهر والصمود، وبين الفناء الذي يهدد الجسد والبقاء الذي تصنعه الروح.
وفي النهاية، لا تغادر مريمة القارئ كشخصية من زمن الأندلس، بل كفكرة خالدة: أن الإنسان قد يخسر أرضه، وقد يخسر بيته، وقد يخسر أسماء الأشياء من حوله، لكنه يظل قادرًا على الانتصار ما دام يحتفظ في أعماقه بشعلة الذاكرة. فبعض الأوطان لا تُحمل على الأكتاف، بل تُحمل في القلب، وبعض الهجرات لا تكون من المكان، بل من الذات حين تنسى من تكون.
***
د. صابر الحميدي







