لماذا لا يوجد شيء اسمه 'تأخرت في الحياة'؟"
في أروقة العقول، يتردد صدى شبحٍ خفي، يربك الخُطى، ويستنزف الطاقات، ويطفئ جمر الشغف قبل أن يشتعل.. اسمُه "فوات الأوان". كم من أحلامٍ دفنها أصحابها في مقبرة النسيان، لا لشيء إلا لأنهم توهموا أن قطار الحياة قد جاوز محطتهم، وأن العمر أثقل من أن يحمل بداية جديدة! ولكن، لو تأملنا حقيقة الوجود بعين الحكمة، لوجدنا أن مقولة "تأخرت في الحياة" هي واحدة من أكبر الخدع النفسية التي كبّل بها الإنسان روحَه.
كيف تتأخر في شيء أنت جزء أصيل منه؟
إن الحياة ليست كياناً خارجياً منفصلاً عنك تسعى لللحاق به؛ أنت لست مسافراً يركض خائفاً خلف حافلة تسير في المدى، بل أنت المسافر والحافلة والطريق ذاته! أنت ذرة حية في هذا الكون الفسيح، وإيقاع حركة الوجود ينبض في عروقك. فكيف يمكن لجزء من الموزاييك الكوني أن يكون "متأخراً" عن الصورة الكلية؟ إن حركة وجودك متناغمة بالضرورة مع حركة الكل، وما تحسبه تأخيراً ليس سوى مرحلة اختمار وتكوّن في رحم الزمن.
تأمل الطبيعة التي خلقها الله تبارك وتعالى من حولك؛ إنها المعلم الأكبر الذي يمنحنا دروساً صامتة في السكينة والتوقيت. الوردة لا تلتفت إلى الوردة المجاورة لتقول لها بال حسرة: "لقد أزهرتِ قبلي بساعتين، لقد ضاعت حياتي وانتهى أمري!"
الوردة لا تقارن، ولا تتفقد سريان الوقت، ولا تصاب بالذعر لأن برعماً آخر انفتح قبلها تحت أشعة الشمس. إنها تعرف غريزياً أن جوهرها مبرمج على الإزهار، وأن نضجها يحتاج مقادير محددة من الظلام والندى والدفء. كل شجرة في الغابة تمارس حقها في النمو بإيقاعها الخاص؛ فشجرة البامبو تقضي سنوات تحت الأرض تبني جذوراً صلبة دون أن يظهر منها شبر واحد فوق التراب، ثم تنطلق كالرمح نحو السماء في أسابيع قليلة. هل كانت البامبو متأخرة طوال تلك السنوات؟ أم أنها كانت تؤسس لما يضمن بقاءها؟
إن المأساة الحقيقية تبدأ عندما نتحول إلى أسراء لعقلية "المقابلة والمقارنة"، وننظر إلى الوقت باعتباره "مضمار سباق". في المضمار، يوجد خط بداية واحد، وحارة ضيقة، ورابح واحد يقطع الشريط أولاً بينما يُعتبر الباقون خاسرين. لكن الحياة لم تكن يوماً مضمار سباق!
الحياة في حقيقتها لوحة فنية تُطلى بالتدريج.
في اللوحة، لا توجد ضربة فرشة "أفضل" من ضربة فرشة أخرى لأنها وُضعت أولاً. بعض الأجزاء تحتاج إلى طبقات دافئة من الألوان الداكنة في البداية كي تبرز الألوان المضيئة التي ستأتي لاحقاً. كل تجربة مررت بها، كل انكسار، كل تأخير ظننته عاطلاً، كان في الواقع طبقة لونية تُضيف لروحك عمقاً، ولشخصيتك بعداً، ولنضجك سحراً لا يمكن تزييفه. اللوحة تستغرق ما تحتاجه من وقت لتكتمل، وكل تفصيل فيها يأتي في موقعه الصحيح ليصنع في النهاية تحفة فريدة: وهي أنت.
إن فكرة "فوات الأوان" هي نتاج توقيتات مجتمعية وهمية، صاغها البشر ليقيسوا بها نجاحات بعضهم البعض. أما توقيتك الحقيقي فهو مادي وروحي، منسوج من تجاربك الخاصة ونضجك الفريد. إن الكاتب الذي ينشر رائعته في سن الستين لا يقل إبداعاً عن الشاب الذي يكتبها في العشرين، والحيوي الذي يبدأ مشروعه في الخمسين يمتلك حكمة لا يملكها ابن العشرين.
حين تتوقف عن النظر إلى ساعة غيرك، وتبدأ في الاستماع إلى نبضك الخاص، سيختفي وهم "التأخر". اعلم أن كل جزء من هذا الوجود يزهر في لحظته الكونية المقدرة له، لا قبلها بثانية ولا بعدها بثانية.
اطرح عن كاهلك عبء السباق، واخلع عن روحك قلق الساعات، وتذكر دائماً: ما دمت تتنفس، فأنت لست متأخراً، أنت فقط في مرحلة التكوّن، والفرشاة ما زالت بيدك لتلون لوحتك بجمال لم يسبق له مثيل.
***
ذ يونس الديدي باحث أكاديمي








