عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

احمد عابر: حفلة الطيور.. سيمفونية الكثرة الصامتة

- "النوارس مجرد كائنات تقتات على القمامة.. ومعظم الطيور كذلك. احصلوا على بنادق.. واقضوا عليها من على وجه الأرض.

- هذا يكاد يكون مستحيلا.

- ولم لا؟

- لأن هناك ٨،٦٥٠ نوعا من الطيور في العالم اليوم. ويُقدَّر أن ٥,٧٥٠,٠٠٠،٠٠٠ طائر يعيشون في الولايات المتحدة وحدها. أما عبر قارات العالم الخمس.. فقد يتجاوز العدد ١٠٠ مليار طائر.

- إذا فليقض عليها جميعا..".

المصدر:

فيلم الطيور للمخرج الانجيليزي هيتشكوك، ١٩٦٣.Snyders, Frans; A Concert of Birds (I); National Trust, Petworth House; http://www.artuk.org/artworks/a-concert-of-birds-i-219706

يضع هذا الحوار الإنسان في مواجهة مباشرة مع وهم السيطرة على الطبيعة، حيث تتحول ملاحظة عابرة إلى كشف وجودي حاد، والأرقام التي تسردها السيدة بندي في الفيلم لا تعمل كمعطيات علمية فحسب بل كأداة تفكيك لوهم التفوق البشري.

إذ تكشف عن عالم يفوق الإنسان عددا وانتشارا وتعقيدا، وفي لحظة واحدة ينتقل الإنسان من وهم انه مركز المشهد إلى مكان آخر.

هنا لمن يتأمل ويعقل يتبدد اندفاع البائع المتجول أمام اتساع حقيقة لا يمكن احتواؤها أو إخضاعها، وكأن الطبيعة نفسها تفرض منطقها الصامت على كل خطاب متسرع ومتوحش.

في لوحة حفلة الطيور للفنان الفلمنكي فرانز سنايدرز التي أنجزت في القرن السابع عشر الميلادي، يتخذ هذا الاتساع شكلا مختلفا لا كتهديد بل كتناغم.

تتجمع الطيور في مشهد كثيف يبدو للوهلة الأولى فوضويا لكنه سرعان ما يكشف عن نظام داخلي دقيق، حيث تتوزع الألوان والحركات في توازن محسوب وتتصدر البومة المشهد كأنها تنظم هذا التعدد في إيقاع صامت.

لا صراع هنا بل اجتماع، ولا خوف بل حضور مشترك. وكأن الكثرة التي أرعبت الإنسان في حوار هتشكوك تتحول هنا إلى لغة بصرية يحتفى بها لا تحارب ولا حاجة ان تقاوم.

كان سنايدرز من أبرز رسامي فلاندر في عصره، تميز بقدرته الفائقة على تصوير الحيوان والطبيعة الصامتة بواقعية نابضة.

وارتبط اسمه بأسماء كبرى مثل روبنس، وكان كثيرا ما يشارك في إنجاز الأعمال عبر إضافة عناصر الطبيعة والحيوان.

 هذا منح لوحاته طابعا حيويا يتجاوز الزخرفة إلى حضور شبه حي، حيث لا تكون الكائنات مجرد موضوع للرسم بل كيانا يمتلك ثقله الخاص داخل التكوين.

ينتمي هذا العمل إلى المدرسة الفلمنكية الباروكية التي ازدهرت في سياق تحولات دينية وسياسية عميقة في أوروبا، واتسمت بالحيوية والدراما والاهتمام بالتفاصيل والسعي إلى إثارة الحواس.

لم تعد الطبيعة خلفية صامتة بل موضوعا مركزيا يستكشف ويحتفى به، وأصبح تنوع الكائنات انعكاسا لاتساع العالم وتعقيده في زمن كانت فيه الاكتشافات والتجارة تعيد رسم حدود المعرفة.

يمكن إضافة بعد آخر مختلف من تحليل اللوحة وهنا نستعير من جلال الدين الرومي.

 زار الرومي مدينة حلب في احظى اسفاره بحثا عن شمس التبريزي.

هناك وجد أن غالبية أهلها من الشيعة الذين كانوا يحيون ذكرى عاشوراء بحزن شديد، فتأثر بهذا المشهد وكتب قصيدة في رثاء شهداء كربلاء ضمن ديوانه. ومنها هذه الأبيات المترجمة من الفارسية إلى العربية:

 أين أنتم أيتها الأرواح العاشقة الخفيفة

التي هي أطير من الطيور في الهواء،

أنتم في ذلك البحر

 الذي هذا العالم مجرد زبده

فازدادوا معرفة لبعض الوقت،

زبدة البحر هي صور العالم

فتجاوز الزبدة إن كنت من أهل الصفاء.

من هذه الزاوية يمكن قراءة لوحة حفلة الطيور لا كمشهد بهيج بل كتأمل صامت.

حيث وجوه الطيور وألوانها هي صور العالم أي زبد البحر. وبناء على دعوة الرومي لتجاوز الزبد، فاللوحة تحث الناظر على ألا يقف عند جمال الطيور الظاهري بل أن يخترقه نحو معنى أعمق عن الحق والحقيقة.

حتى البومة التي تقود المشهد يمكن تأويلها هنا كرمز للصبر على المصيبة أو كمرآة تعكس دهشة الروح أمام تنوع الخلق ورحيله.

وتتعمق هذه القراءة عند استحضار فريد الدين العطار في منطق الطير، حيث يصف الهدهد للطيور الطريق إلى السيمرغ عبر سبعة أودية: وادي الطلب، ووادي العشق، ووادي المعرفة، ووادي الاستغناء، ووادي التوحيد، ووادي الحيرة، ووادي الفقر والفناء.

وهذا يساعد على فهم اللوحة أكثر لأن الطيور فيها ليست عابثة أو متقاتلة كما في فيلم هتشكوك، بل تبدو حاجة سائرة في مرحلة من هذه المراحل، ربما وادي الحيرة حيث تكثر الأصوات وتتشابك الألوان ولا يظهر المقصد بوضوح، أو ربما هي الطيور التي بلغت وادي الفقر والفناء فتجمعت لتودع شكلها المادي، مثلما بحث الرومي عن شمس التبريزي في حلب فوجد بدلا من ذلك مشهد احياء عاشوراء، فتصبح اللوحة مرآة لرحلة الروح لا مجرد تسجيل طبيعي.

وعند العودة إلى حوار هتشكوك، يظهر البائع المتجول والمتمسك بفكرة الإبادة، وكأنه يرفض الاعتراف بأن هذا العالم بكل كثافته وتعدده ليس عدوا يمكن القضاء عليه بل نظاما قائما بذاته لا يختزل في منطق السيطرة.

 وهذا التعنت الإنساني يتناقض تماما مع الانسجام في لوحة سنايدرز ومع السعي الروحي في منطق العطار.

كل هذا يذكرنا بأن النظرة الأداتية للطبيعة هي التي تنتج العنف بينما النظرة التأملية تنتج شعر الرومي وجمال اللوحة. وبين خوف السينما وانسجام اللوحة ورمزية الرومي ورحلة العطار، تتشكل شبكة من المعاني المتقاطعة تدفعنا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالعالم.

واخيرا هل الكثرة التي نراها حولنا هي فوضى ينبغي إخضاعها كما يريد البائع المتجول، أم أنها نظام خفي يدعونا إلى التأمل كما توحي لوحة سنايدرز.

أم أنها مجرد طريق يقودنا إلى ما هو أبعد من العالم نفسه حيث يصبح التعدد انعكاسا لوحدة أعمق؟

***

د احمد عابر