أقلام ثقافية

احمد عابر: احتكار الحب.. حين تختصر النجاة في وجه واحد

(لحظة بكاملها من السعادة.. رباه، هل تحتاج حياة إنسان إلى أكثر من هذا؟)... فيودور دوستويفسكي من رواية الليالي البيضاء

بهذه الجملة لا يصف دوستويفسكي حبًا مكتملًا، بل لحظة. لحظة وحيدة، مكتفية بذاتها، تكاد تغني عن عمر كامل. ليست وعدا بالمستقبل، ولا امتلاكا للآخر، بل حضورا مكثفا إلى حد أن الزمن نفسه يتقلص داخلها.

السعادة هنا لا تقاس بالاستمرار، بل بالكثافة. وكأن الحب، في أصفى حالاته، لا يطلب الدوام، بل الاكتمال. هذا المعنى يضع الحب خارج السرد الرومانسي التقليدي، ويقرّبه من تجربة وجودية مركزة: الحب ليس ما يمتد، بل ما يحدث. ليس مشروع حياة، بل لحظة يعاد فيها ترتيب المعنى.2397 love

لكن هذه اللحظة المكثفة، على صفائها، ليست بالضرورة متجانسة من الداخل. فحتى في أقصى حالات القرب، قد لا يعيش الطرفان الحب بالطريقة نفسها، أو بالإيقاع ذاته. قد يكون أحدهما أكثر انكشافا أو ترددا، بينما يكون الآخر أكثر هدوءا واكتفاء. وهذا الاختلاف لا يضعف اللحظة، بل يكشف طبيعتها الإنسانية:

الحب ليس تطابقًا كاملا، بل تلاقي حالتين غير متماثلتين في نقطة واحدة من الزمن.

هذا التفاوت الخفي يضيف بعدا آخر للحظة الامتلاء: فهي ليست فقط كثيفة، بل هشة أيضا. الكثافة لا تعني الدوام، والامتلاء لا يلغي قابلية الفقد، بل يجعلها أكثر حضورًا في الوعي، وإن لم تُنطق. من هنا، لا يكون الحب فعل امتلاك، بل حالة انتباه قصوى. ليس حركة نحو السيطرة، بل توقف مؤقت عن التشتت. ومع ذلك، ومن قلب هذه الكثافة، ينهض سؤال أخلاقي يتجاوز الرومانسية:

هل الحب احتكار؟.. وهل يحق للمحب أن يطلب من الآخر أن يحبه لا سواه؟.. في هذا السياق، يقدم عبد الجبار الرفاعي تفكيكا مهما لفكرة احتكار الحب، حين يشبهها باحتكار الخلاص يوم القيامة لدى بعض الأديان. فكما يختزل النجاة أحيانا في جماعة واحدة، يختزل الحب في شخص واحد بوصفه الممر الوحيد للمعنى. هذا الفهم، كما يشير الرفاعي، يتجاهل أن مراتب الحب تختلف شدة وضعفا، وتتنوع كيفياته. فالحب ليس كتلة صلبة تستحوذ، بل طيف واسع من العلاقات، لكل واحدة مقامها وحدودها.

غير أن هذا الطيف لا يلغي التوتر الذي يلتقطه المتصوفة بدقة. يقول محيي الدين ابن عربي في الفتوحات المكية: اعلم أن الحب لا يقبل الاشتراك، فلا يصح أن يحب المحب اثنين أصلًا، لأن القلب لا يسعهما.

عبارة صادمة في ظاهرها، لكنها لا تتعلق بعدد الأشخاص، بل بوحدة المعنى. فالقلب لا يحتمل محبوبين متنازعين، لكنه قد يتسع لوجوه متعددة لمعنى واحد. لذلك يستشهد ابن عربي ببيت ينسب إلى علي بن أبي طالب:

ملك الثلاث الأنسات عناني

وحللن من قلبي بكل مكان

ليبين أن التعدد ممكن حين يكون المعشوق واحدًا في جوهره.

أما أبو حامد الغزالي، فيذهب أبعد في ربط الحب بالانصراف الوجودي، حين يقول في إحياء علوم الدين:

من ذاق من خالص محبة الله تعالى شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر.

هنا يبلغ الحب ذروته بوصفه حالة إقصاء، لا إقصاءً أخلاقيًا للآخرين، بل انشغالًا كاملًا يمنع القلب من التوزّع.

الحب، حين يبلغ أقصاه، يعيد ترتيب العالم كله حول مركز واحد. لكن هذا الانشغال نفسه لا يخلو من توتر إنساني صامت.

فالحب حين يشتد، لا يكتفي بالتركيز، بل يحمل في داخله خوفًا خفيفًا من الفقد، لا يفسد اللحظة، بل يجعلها أكثر صدقا. هنا يتضح الفارق الدقيق بين نوعين من الاحتكار:

الاحتكار بوصفه أنانية وامتلاكا، والاحتكار بوصفه كثافة حضور وانتباه. العالم لا يلغى لأن المحب يكره سواه، بل لأنه، في لحظة الامتلاء، يصبح زائدا عن الحاجة.

هنا يلتقي دوستويفسكي مع ابن عربي والغزالي والرفاعي، رغم تباعد عصورهم: الحب ليس وعدا دائما ولا حقا مكتسبا، بل لحظة امتلاء. قد تكون لحظة واحدة، لكنها قادرة على أن تمنح الحياة معناها. المشكلة لا تبدأ حين نحب شخصا واحدا، بل حين نطالب أن يكون هذا الحب خلاصًا نهائيا، أو معيارا يقصي سائر أشكال القرب الأخرى. في هذا المسار، يصبح الحب اختبارا أخلاقيا دقيقًا:

هل نحب لأننا حاضرون؟ أم لأننا نريد أن نحتكر المعنى؟ وربما، كما قال دوستويفسكي، لا تحتاج حياة الإنسان إلى أكثر من لحظة واحدة من هذا الامتلاء، إذا كانت صادقة بما يكفي.

***

د. أحمد عابر

 

في المثقف اليوم