عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

حنيف قريشي: ضوء الليل

بقلم: حنيف قريشي

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

"دائما تحتاج القبلة إلى شخصين".

ر. ل. ستيفنسون "من: اعتذار للكسالى".

جاءت إليه في ساعة متأخرة من يوم الأربعاء، للجنس فقط، ولذلك انتظرت السيارة في الخارج. منذ أربع شهور مضت رشحها أحدهم له للعمل، ولكن لم يكن لديه عمل مناسب لها. حتى أنه لا يكسب أي أجر الآن. لم يتكلما كثيرا عن أي شيء، وامتد بينهما الصمت والذي مكنهما من تبادل النظر. ولم يرغب أي منهما بالانسحاب، وكان هناك شيء يتحرك بينهما، فقد وقفا معا، ثم تمددا بجانب الطاولة، بدون كلام. في نفس الوقت من الأسبوع القادم كانت أمام الباب. تعريا فورا. ثم غادرت، بدون أن تنام، ولكنه شعر أن النعاس غلبها قبل أن تقرر وتوقظ نفسها. تداركت نفسها بسرعة من غير أي اعتذار، وانصرفت ولم تنظر إلى الخلف. ولم يكن لديه فكرة أين تعيش، أو من أين جاءت. لكنها اليوم لم تأتي إلى البيت، وتوجهت مباشرة إلى القبو الذي لم يتمكن من تأثيثه، وهناك ألقى شراشف وأغطية على السجادة. ولم يشربا ولم يعزفا الموسيقا، وبالكاد كان الواحد منهما يرى الآخر. كان عرضا صامتا في هذه الغرفة، حيث كل شيء، كما يبدو، مسموح إلا الوضوح. فقد تزايدت ديونه في العمل. وما بقي عرضة للاقتطاع، ولا أحد غيره يعرف ذلك. كان يفقد قبضته القوية على الأشياء، وهل هذا يهم؟. لماذا يجب أن يكون قويا، مع أنه شيء حرج وحدي وممكن. وشعر في أحد الأيام على نحو مختلف، أنه لن يتمكن من استعادة شعوره الماضي. في معظم أوقات حياته، ولا سيما في المدرسة، كان ناجحا، أو على الطريق إلى مكان ما اسمه النجاح. ومثل معظم الناس كان يخاف من أن يصبح مكشوفا، غير أنه بعكس معظم الناس من المحتمل أنه كان كذلك. كانت لديه شقة صغيرة، وسيارة قديمة، ومشاعر متواضعة. وعانى من خسارات ثانوية. واليوم يفتقد للتحسن المعهود، أو للإحساس أن أحواله الجيدة تنمو على قدم وساق، إن لم تحقق له السعادة الكاملة، وهذا يقوده يوميا إلى مستقبل مزدهر وواضح. لكنه لم يتكهن بكل هذا الكم من العذاب العشوائي. وكان يأتي بأولاده من المدرسة في ثلاثة أيام من الأسبوع، يطعمهم، ثم يعود بهم إلى البيت، الذي أنفق عليه معظم نقوده، والذي حرمته زوجته الآن من دخوله. وفي يوم الجمعة يتناول وجبة منتصف اليوم مع صديقه الوحيد. بعد ذلك يذهبان إلى بار أسود تعجبه فيه الموسيقا. والرجال هناك في الغالب الأعم في أواسط ثلاثيناتهم، حياتهم عبارة عن ألغاز غامضة بنظره، ويبدو أنهم يجلسون ليلة بإثر ليلة من غير أي علامة تدل على السخط، وهم يقلبون نظرهم بالنساء وببعضهم البعض. وكان يحسدهم على هذا، ويتساءل إن كانت حيواتهم نقية وصافية من القلق، سواء وصلوا إلى حالة من الزهد والاستقرار، أو أنها حالة من اليأس العميق التي ينضجون بها. وفي يوم مجيء هذه المرأة يستحم لمدة ساعة. لكنه لا يتذكر اسمها، وهي لم تنطق اسمه. وتناديه كلما دعت الحاجة "يا رجل". وقريبا ستصل. وها هو يستلقي هناك يفكر بحظه البالغ الذي مكنه من توفير ترتيبات لا تكلف شيئا. قبل خمس سنوات، ترك الزوجة، التي لم يعرف كيف تزوجها، من أجل امرأة أخرى، والتي هجرته لاحقا بدون أي سبب. ومن يومها دخلت حياته أخريات. ولكن حالما تقتربن يتراجع، دون أن يستوعب السبب. لم تكن زوجته تتكلم. إذا ردت على الهاتف وسمعت صوته، تنادي الأولاد، هؤلاء الوسطاء الذين يكبرون بين أحقاد عاجزة عن التحرك. فهي امرأة ناجحة، ولكن وجدت في العام المنصرم، أنها عاجزة عن مغادرة سريرها. ولم تطلب المساعدة، وتوجب على الأولاد رعايتها. وكانوا يميلون للاعتقاد أنه هو من تسبب بذلك. وبدأ يعتقد أنه قادر على جر امرأة إلى الجنون، ولاحظ أن هذا الاعتقاد يدغدغ قلبه. والآن يمر بهذه الحالة غير المفهومة. في البداية يهاجم أحدهما الآخر بحماسة إنسان في وسط العمر، ثم يستلقيان في الظلام، حتى تلتهب الرغبة مجددا، وهو كل ما لديهما. ورأى أن يستغل الفرصة بقدر ما يستطيع. وبعد أن تنصرف يستمني، ويفكر بها فعلا، ويطبع كل شيء في ذهنه ليكون خيالها جاهزا: هي مستلقية على بطنها، وهو على ظهرها الشبيه بالزورق، رأسه مدفون دائما في شعرها الأسود. ويفكر بخصلات شعرها الأسود المحيط بفرجها، ويكون مبتلا بالعرق، ويشبه تسريحة أنيقة. وهو يتجول لاحقا في بيته شعر بالرضا وعدم الاكتفاء بوقت واحد، وكره نفسه لأنه لم يعرف لماذا شعر بذلك - قيده غموض ذهنه، وأربكته صعوبة فهم أسباب هذا السلوك البشري الغريب، ولماذا يمنع أحد هذين الطرفين المتناقضين المرء من تحقيق شيء لا يسعى إليه. لا شك أن ذلك يشكل شبكة من الأوهام، ولكن هل هو أحمق؟. عموما هو بحاجة لمزيد من الحماقة، وليس في أيام الأربعاء فقط؟. وعلى ما يبدو بدأ في الأسابيع التالية ينتابه شعور معين. وكان المكان الذي يستلقيان فيه تحت مستوى الشارع، وتقريبا تحت الأرض - جحر فأرة في العالم - وكانت تطلب منه أن يبدل وضعية استلقائه فيه. وأرادت أن يلمسها من مواضع أخرى في جسدها. وعلمته كيف يمكن لأحدهما أن ينسكب على الآخر. كان شيء استفزازي يحصل في هذه الغرفة، ويتكرر كل أسبوع. لم يعرف ما هو. مع أنه غير متأكد أنها ستأتي. وغير واثق أنها لن تخذله، كما أنه لم يثق بأي امرأة غيرها. كانت تفاجئه كل أسبوع، حتى تساءل ماذا يمكنه أن يوقفها عن ذلك. ثم حان يوم الأربعاء في إحدى المرات ولم تقف سيارة الأجرة. انتظر أمام النافذة بثوبه المنزلي وخفيه لثلاث ساعات، في الساعة الأولى شعر كأنه كازانوفا، في الثانية كأنه طفل بانتظار أمه، وفي الثالثة كأنه رجل كهل. هل هي مريضة، أم أنها برفقة زوجها؟. استلقى على الأرض حيث كانت تستلقي بالعادة، وهو محموم بالرغبة والاشتياق، حتى شعر لاحقا بشيء في الغرفة، مثل عمود معلق في الهواء، فجلس وصرخ على خياله. افترض أنه مخمور. بالنسبة له نقص السيئات يعتبر جريمة بحد ذاتها. أما أسباب ذلك فقد أشارت لها زوجته. ولم يمنعها هذا أن تحيا على نفقته. لبعض الوقت حاول أن يكون رجلا تستطيع أن تعتمد عليه. كان يبكي في كل مناسبة، ويستأنس بالحيوانات أينما وجدها. وحاول أن لا يرفع من صوته، ولكن بالنسبة لها كان "من المريح" أن يصبح شرسا. وسريعا أدرك أي شخصية يفترض أن يكونها.

لقد ضاع كلاهما. وكره أن يعود إلى البيت. واحتفظ بفمه مغلقا، خشية من النتائج. وهو ما جعلها تبحث بحنق عن طريقة لاستفزازه. ثم أقلقه أن شيئا ما حدث لهذه المرأة الجديدة، ولم تكن لديه طريقة ليعرفه. أي جرح أو يأس جعلها تريد هذا فقط؟. جاءت في الأسبوع التالي، ووقفت أمام الباب، معطفها مغلق، وتبتسم، وكانت في بواكير ثلاثيناتها، أصغر منه بحوالي خمس عشرة سنة. ربما لديها عشيق أو زوج، وربما كانت عاطلة عن العمل. أو لعلها تتوهم الحب، أو أنها ستتزوج في الأسبوع الآتي. ولكنها رقيقة. كيف خسر ما كان يفعله برفقتها. في الصباح التالي هبط إلى الأسفل، وشم رائحتها من الشراشف. اكتمل يومه بها، كائنا من تكون. ووجد نفسه يفكر بها دوما، متسائلا عن المزيج الغريب للنكران والتقارب الذي بينهما. إذا كان الجنس هو أسلوب تعارف ولقاء الناس، ماذا يعرف عنها؟. يمكنه أن يرسم شكلا خياليا لجسمها، كما هو حال الأيام المبكرة في العشق، حينما يمكن إسقاط أي حلم وأي رغبة على الشخص، حتى توقظك الحقيقة وتعيد ترتيبه. وأنت غير متأكد أنه جميل، كما لو أن كل شيء أدركته تأخذه من متعة التخيل الخالص والصافي. يمكن للشهوة أن تقدم لها المزيد من الرضا بالمقارنة مع الواقع. ولكنها بدأت تجعله يتساءل، وفي إحدى الليالي حينما لمسها، وشعر بها، أحبها أكثر من أي شيء آخر - إذا كان الحب هو فقدان الذات في الآخر، نعم، هذا يعني أنه يحبها - وبدأ يريد التأكد من الأفكار التي تتراكم يوميا بدون أي شكل مرئي. بعد العديد من السنوات في هذه الحياة، يمكن للثقافة العالية، واللغات المتخيلة، أن تنفعه، كالكتب والصحف التي قرأها، ولكن هل يمكن أنه قادر على الحب فقط مع رفيقة غريبة صامتة تشاركه غرفة معتمة؟. وها هو يرفض الآن فكرة الكلام، لأنه لا يستطيع تقبل المزيد من خيبات الأمل. لا يجب أن يفسد مساءاتهما المثالية أي شيء. أنت تطلب الجنس والوقت الطيب، وقد حصلت عليهما. غير أنه يأتي بالعادة مع الموهبة الطليقة - شيء مثلك، شخص من نوعك. ترتيباتهما على ما يبدو تتقدم، تقترب مما يرغب به الناس، الأفضل وبدون الأسوأ، وبلا شروط - وبالأخص حينما يفكر، كما يفعل باستمرار، بالروح التي ضيعها هو وزوجته، وقتلاها، وبالسنوات التي لجآ فيها إلى الانتقام القانوني والمالي. كان يفكر غالبا بالليلة التي غادر فيها.

 *

ساعدته المرأة التي يقابلها حاليا بقتل المخاوف، التي يحملها دائما، والتي تجعله يشعر أن ذاته الرومنسية مسحوقة. كان يشعر أنه خطير، غير أنه يريد أن يستيقظ ويشعر بالحب. بالنعومة. ويحلم أنه يفتح بابا، ليرى الشخص الذي يحبه واقفا خلفه. يمكن لهذا الحنين أن يتمكن منه في الحفلات، وفي المطاعم، وفي بيوت الأصدقاء وفي الشوارع. جلس قبالة امرأة في القطار. برفقتها يمكن استعادة الماضي. تبعها. عبرت الشارع. فعل مثلها. أوشكت أن تشعر بالخوف. قبض على ذراعها وصاح: "كلا. كلا. أنا لست من ذلك النوع". وأسرع بالجري. لم يكن يعرف كيف يتقرب من الآخرين، ولكن النفور منهم مرهق. الآن لا يريد الخروج، فمن هناك ليهتم به؟. ولكن وقته في البيت يفترس نفسه، وهو يقتات على وعيه الشخصي. ويتضور من الجوع للحب. خزي العزلة، شعور نتن. هناك القليل من المخلوقات التي نستهين بها أكثر من رجال بغريزة قوية وهم في أواسط العمر، والغريزة تجدد نفسها يوميا، وتعود مثل مرض متكرر، وتصرخ: نريد المزيد من الحياة، المزيد منها. في الليل يجلس في العلية وينظر في علبة رسائل قديمة كتبتها له النساء. وفيها الكثير من وصف السهوب. تجلس النساء في المقاهي وتشرب القهوة الجيدة، تأكلن الدراق على الشرفة، وتراقبن الثلج. وتسمو الأحاسيس على مدار اليوم. يريد أن يكون جاهزا للتوبيخ. من السهل أن تتصور أن "التأنيب" و"العقوبات" تأتي بالرضا العميق. ولكن ماذا يرضيه؟. كما لو أن مسننات حياته انفصلت عن الآلية التي تدفعه إلى الأمام. حينما يرى ما يعذب الناس الآخرين، لا يمكنه فهم عدم معرفتهم أنه لا يوجد شيء يستحق الرغبة. أراد العودة إلى الحالة العادية وبعيون جديدة. وأراد أن يلعب لعبة جديدة: أن يضع قائمة بما لاحظه اليوم، وأن يضيف إليها رغباته، وأسباب ندمه، ورضاه، إن وجدت. وهكذا لا تمر حياتك قبل أن تلاحظها. ولكنه في أيام الأربعاء كان يطلب ويحتاج للمدهش والفائق. استلقى على جانبه بقربها، الفمان مفتوحان، وساقاها تلتفان حوله. وكلما دعت الضرورة يتقلبان للمحافظة على مستوى الدفء الوثير. يمكنه فقط تحديد مزاجها من خلال أسلوبها في ممارسة الحب. أحيانا تقبض عليه وحسب. أو أنها تتمدد، وتقدم له رقبتها وحنجرتها ليقبلهما. فتح عينيه وشاهدها تراقبه. مر وقت طويل منذ أن نظر إليه شخص بمثل هذا الانتباه. وتضاعف أمله بشعوره الجديد: الفضول. كان يفكر أن يشهر علاقتهما في العالم. أراد أن يرى الآخرين وهم يشاهدونها، وأن يراه الآخرون وهما معا، على سبيل التأكيد. هناك الكثير من الحب الذي يمكن أن يتكلم معه. لعدة أسابيع قرر أن يتكلم خلال ممارسة الحب، وفي كل مرة يخبر نفسه أنه في هذه المرة ستخرج الكلمات. "علينا أن نتكلم"، جملة حضرها، وحولها لتصبح "هل تريدين الكلام؟" ثم لخصها بكلمة "نتكلم؟". على كل حال أسعد هذه المرأة وبوضوح امتناعه عن الكلام. من غيرها بوسعه أن يسعده بهذا الأسلوب؟. هل سيخرب الوضوح تفاهمهما، وهل لديهما مفردات بديلة للعناق؟. خرجت الكلمات مشوهة، ولكن من يستطيع أن يشوه قبلة؟. كان يجب أن يتخيل باستمرار ضرورة اتخاذ خطوة عملية، والتفكير بشيء ما عليه أن يحصل، فالصداقة، كالقطارات، يجب أن تقصد مكانا ما. وبدأ يفكر أن ما يجري في هذه الغرفة عبارة عن أمنية مجردة. نسيان ما يحبه في العالم، والتفكير بالوجود كشيء ثانوي، جعلها أنملة بعد أنملة، تذكره بشيء يستحق الحياة. وعلى ما يبدو أنه في كل حياته يبحث عن الجنس. وهو غير متأكد لماذا، ولكنه خمن أنه من المهم أن يريد ذلك. والآن بعد أن حصل على ذلك، لا يبدو أنه يكفي. ولكن ما أهمية ذلك؟. وما دامت هناك رغبة يوجد نبضات قلب، أنت حي، أن تريد يعني أن تتجاوز نفسك، وتدخل في العالم، أنملة بعد أنملة.

***

..................

* حنيف قريشي Hanif Kureishi: كاتب بريطاني من أصول باكستانية. من أهم أعماله رواية "بوذا الضواحي".

 

في نصوص اليوم