عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

أماليا أولمان: معلِّم اللغة الألمانية

بقلم: أماليا أولمان

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

بدأت الأمور عندما نفذت وزارة المساواة "برنامج التنوع". كنت عاطلاً عن العمل منذ زمن طويل، وجعل القانون الجديد تنويع الموظفين إلزاميًا على جميع الشركات. كانت الأمور تزداد يأسًا، فانجذبت على الفور إلى أول إعلان رأيته على الموقع الحكومي:

" هل تبحث عن وظيفة مرنة في الهواء الطلق؟ تحب المشي؟ اربح المال وأنت تمدد ساقيك.

تفاجأت أن شركة "إل كوبرادور ديل فراك" ما زالت موجودة، لأنه مرّ وقت طويل منذ أن رأيت أحد محصلي ديونهم - أولئك الرجال ببدلات الفراك والقبعات العالية. على أية حال، كان هذا أفضل من أن أكون أمينة صندوق في سوبرماركت، أجلس طوال اليوم، أعاني من الصداع بسبب الأضواء الفلورية والثرثرة عن القسائم والتخفيضات الموسمية. لذا تقدمت للوظيفة.

في يوم المقابلة، كنت شديدة التوتر. ولم يُساعد في تهدئتي أن الجدران كانت مغطاةً بجوائز صيد. في كل اتجاه ألتفت إليه، أرى حيوانًا ميتًا: ماعز، أسود، أرانب، وحتى ثور. قال المدير بيدرو - وأنا أحدق في أنفه لأنه كان أحول -:

- المدير التنفيذي صياد ناجح.

كانت المقابلة سريعةً للغاية. لم تكن أي من النساء الأخريات اللواتي حضرن يمتلكن رخصة قيادة، لذا منحوْني الوظيفة على الفور. هنأني بيدرو قائلًا إنني أول امرأة في التاريخ تصبح "كوبرادور ديل فراك" - أو في حالتي، "كوبرادورا". قال مبتسمًا:

- أنتِ تُصنعين التاريخ!

شرح بيدرو كل التفاصيل: في يومي الأول، سأحضر لأرتدي الزي الرسمي، وأدرس ملفات "الفرد" -المدين في الواقع- الذي يجب أن أتعقبه، ثم آخذ مفاتيح إحدى سيارات الشركة. لاحظت أنهم يستخدمون كلمة "الفرد" بدلًا من "المدين"، مما أضحكني، لكني توقفت عندما رأيت أن ذلك يزعج بيدرو. لم أرد أن يظن أني أضحك عليه... بسبب عينيه، كما تعلم.

كان الزي الرسمي أكثر ما حمّسني، لكن عندما سألت عنه، أخبرني بيدرو أن علينا شراءه بأنفسنا. قال لي: "اعتبريه استثمارًا، أداةً في المهنة". ولاحظ خيبة أملي، فاقترح إعارتي واحدًا مؤقتًا. غادرنا مكتبه ومررنا بقاعة كبيرة مملوءة بمكاتب موظفين، حتى وصلنا إلى خزانة تحوي أقلامًا ترويجية ومنشورات وقبعات رفيعة احتياطية. بينما كان جميع الموظفين يحدقون بي. لسبب ما، بدوا شاحبي الوجوه، حزينين، وكأنهم منهزمون. لا أعتقد أنهم سعداء برؤيتي. لقد كان هذا المكان حكرًا على الرجال منذ تأسيسه عام ١٩٧٨. وجودي هنا كان إعلانًا عن بداية النهاية. لم ألومهم. كانوا مُحِقّين.

كان الزيّ الوحيد المتاح بمقاس XXL، لكن بيدرو قال إنه لا يهم طالما لم أتعثر بالسروال وأن القبعة العالية لا تحجب رؤيتي. بالإضافة إلى ذلك، قال، بعد أن أحصل على العمولة من "أول صيد"، سأتمكّن من شراء واحد يناسبني- ربما بمقاس الأطفال، والذي كان أرخص على أية حال. قال:

- النساء دائمًا يكنّ الأسهل حظًا

كنت على وشك أن أقول له أن هذا غير صحيح، لكن اكتفيت بالإيماء وقلت:

-   شكرًا.

- تذكّري، أنتِ الأولى! أنتِ تصنعين التاريخ!

خرجت من المكاتب إلى شارع أورينسي أشعر وكأنني على قمة العالم.

وكان هذا كل شيء لذلك اليوم. ثبتّ أطراف السروال ومارست المشي حول شقتي مرتدية الزيّ. طاردت قطتي "ليلا" وأخبرتها بأنها مدينة لي بالمال، وأنها لم تدفع الإيجار طوال حياتها اللعينة.

في تلك الليلة، بالكاد استطعت النوم. كان معدتي مليئة بالفراشات، تمامًا كما قبل أول يوم دراسي بعد صيف طويل. في الصباح، استيقظت قبل أن يرن المنبّه.

وصلت إلى المكتب في اليوم التالي، ارتديت البدلة، التقطت أوراق "الفرد"، وانطلقت بسيارة الشركة. لم يكن لدي أية معلومات عن المدين سوى عنوانه واسم شركة غامضة تدعى "فارسوفيا ذ.م.م". وما إن وصلت حتى لاحظت أن العنوان ليس سوى واجهة متجر بائسة، زجاجها مغطى بطبقات من ملصقات النوافذ اللاصقة، مما لمل يبشر بخير. إذا لم يظهر "الفرد"، سأكون عالقة في الانتظار طوال الدوام – وهذا أمرٌ فظيع.

أثناء تجوالي في الشارع، أدركت سريعًا أن أحد أسوأ أجزاء الوظيفة هو أن الجميع يكرهونني. دخلت مقهى لاستخدام الحمام، فطردوني على الفور إلى الشارع مطاردين بمكنسة، مما اختبر قدرتي على الجري بهذه البدلة الضخمة. ارتداء زي المحصل جعلني كالأبرص. لا أحد أراد الاقتراب مني. كان الأطفال يخرجون ألسنتهم في وجهي، وأمهاتهم يسرعن بالمرور. معظم الناس خافوا أن أكون مطاردة لهم. من الفتاة التي سرقت فستانًا من "زارا" إلى السيدة التي نسيت دفع فاتورة الكهرباء، الجميع هرب مني.

كنت أتأمل لساعات أنماط الملصقات اللاصقة على النافذة عندما حدث ذلك، عندما سمعت فجأة شخصًا يعبث بقفل المتجر. بووم. فتح الباب، وقفز قلبي. خرج رجل قصير يرتدي قبعة بيسبول زرقاء. كنت متوترة لدرجة أنني حين حاولت الصراخ في وجهه، خرج صوت صفير خافت بدلاً من ذلك. مرتعشة، ركضت خلفه ولمست كتفه. استدار وهو في حيرة. أما أنا؟ وقفت هناك، مصدومة. "فارسوفيا ذ.م.م" كان مانو  -  معلم اللغة الألمانية. وقفنا هناك، متجمدين. بلا كلمات.

في عام ٢٠٠٤، كنتُ في الصف الثالث الثانوي. كانت تلك أيامًا رائعة. أنا وصديقتي المفضلة راشيل كنا غريبتي الأطوار، لكن لم يتنمر علينا أحد. كنا جذابتين، نشرب الكحول ونمارس الجنس، مما جعلنا رائعتين في أعين الجميع- حتى وقع "الحادث" بالطبع. كنا متلازمتين مثل الظل، نجلس معًا في كل الحصص. ولضمان استمرار الأمور على هذا النحو، اخترنا لغةً لا يريد أحد أن يدرسها: الألمانية.

بدت الحصص في البداية مثالية. كان لدينا ذلك المعلم الوسيم الجذاب الذي يحكي لنا النكات والقصص عن سفرياته. كان ممشوق القوام، أسمر البشرة، فصيحًا.  أحبه الجميع. كان أروع رجل في العالم. كل شيء فيه كان مثاليًا إلا قلبه. وعندما غادر لإجراء عملية زراعة قلب، حل محله رجل قصير غريب الأطوار، دائم السخط:  مانو.  خاب أمل الجميع. وكأننا نناصر معلمنا السابق، بدأ الجميع يطلقون على مانو ألقابًا مهينة. كان هناك "بيبي باندا" بسبب الهالات السوداء تحت عينيه، و"الفأس" بسبب رائحة عرقه النفاذة. في النهاية استقر الجميع على "٣ في ١" لأن شخصيته كانت مزيجًا من ثلاثة من الأقزام السبعة: النعسان، الغضبان، والخجول.

لقد حولوا حياته إلى جحيم. كل صباح كان يظهر أكثر انهزامًا من اليوم السابق، وهذا زاد من قسوتهم جميعا إلا أنا. ما لم يعرفه أحد، حتى راحيل، هو أنني كنتُ مغرمةً تمامًا بــ"٣ في ١". كلما دخل الفصل وهو نعسان، يجر قدميه الصغيرتين، تمنيتُ أن أقع عليه وأغطيه بملايين القبلات.

بدأ كل شيء في اليوم الذي ارتديت فيه قميصًا بنقوش "بانك" من برشكا. سألني إن كنت أحب جووي ديفيجن. لم أفهم ما قاله، لأنه بمجرد اقترابه كفاية ليتحدث، شممتُ رائحة شعره وتجمدت في مكاني. أعجبتني رائحته. قال إنه سيُحضر لي أسطوانة حتى لا أرتدي قميص فرقة لم أسمع موسيقاها أبدًا. هززت رأسي. لم أعرف ماذا أقول. قالت راحيل بعد خروجنا من الفصل.

- يا إلهي، رائحته كريهة جدًا.

عندما ظهر بالأسطوانة، لم أصدق عيني. ظننتُ أنه سينساني تمامًا، لذا حين جاءني بعد الحصة وأخرجها من حقيبته الجيشية "الرائعة" التي يحملها بشكل متقاطع، كدت أذوب من الخجل. "أوه! سأضطر لإحراق هذه الأشياء عندما أعود للمنزل، إنها ملوثة تمامًا!" كذبتُ على راشيل في محاولة لإخفاء مشاعري.

في ذلك اليوم، عندما عدت إلى المنزل، استمعت إلى الأسطوانة مرارًا وتكرارًا. توقفت فقط للذهاب إلى حصة السباحة. لكن حتى هناك، في حمام السباحة، كنت أطفو بلا هدف، أفكر فيه. نظرت إلى جسدي العاري في مرآة غرفة الملابس وتساءلت إن كان سيعجب بجسدي رغم أنني لم يكن لدي صدر بعد. قلت في نفسي: لا يفهمون شيئاً حين يلقبونه بـ'3 في 1'. هذا الرجل استثنائي، يهتم بأمور مهمة كالفن والسينما. هم ببساطة لا يستوعبون ذلك."

بعد يومين، اقترب مني بعد حصة اللغة الألمانية ليسألني عن رأيي في الأسطوانة. أخبرته أن أغاني ذا كلاش كانت المفضلة لدي، بينما أثارت فرقة كورتاتو شيئاً من القلق لدي بسبب مواقفهم المناصرة للانفصاليين الباسك والإرهاب،  لكنها تبقى رائعة. قام بنسخ المزيد من الأسطوانات وبقي بعد الحصة لمناقشتها معي. قلت لراشيل:  "يا إلهي، يبدو مهووسًا بي. هذا مخيف حقا!"، ، بينما في الحقيقة كنت مغرمة به بشدة ومستعدة للزواج منه.

استمر في إعطائي أسطوانات حتى توقف فجأة. لاحظت التغيير. انتظرت بضعة أسابيع لكنه بدا وكأنه يتجاهلني عمدًا. شعرت بالحزن والارتباك. لماذا يفعل هذا؟ قالت راشيل: "لا بد أنه حصل على صديقة، لكلٍّ طريقته كما تعلمين" حتى أنها لاحظت الأمر! هذا أثار غضبي. كنتُ أتوق لجذب انتباهه مجدداً:غيرت من أسلوبي في الملابس لجذب انتباهه. أصبحت أكثر "بانك". اشتريت مجموعة من الرقع والأزرار من متجر الكتب الأناركي. أصبحت أكثر "بانك". قصصت شعري بأشكال مختلفة. لا شيء. صبغته باللون البنفسجي. لكنه تجاهلني تمامًا. شعرت أنني أريد الموت.

انفجرت غضبًا وبدأت أناديه "3 في 1" مثل الجميع. لكني كنت مهووسة. غاضبة. أردت أن ألعب بمشاعره كما لعب بمشاعري. أردت الانتقام. قررت أن أُغويه بأي وسيلة ممكنة. خطرت لي فكرة: سأتظاهر بالمرض في يوم الامتحان حتى أضطر لأجريه في يوم آخر بعد المدرسة. بمفردي. معه.

عندما حان ذلك اليوم، ارتديت سروال جينز منخفض جدًا يظهر حزام ملابسي الداخلية الوردي. وكنت أتظاهر بإسقاط القلم على الأرض كي أنحني وأظهره. لا بد أن المشهد كان مثيراً للإحراج، لأنه في النهاية انفجر..:

- أمايا، توقفي! ما هذا الذي تفعلينه؟

قالها بغضب تقريباً، وأخبرني أنه يستطيع رؤية ملابسي الداخلية.

نطقت فجأة:

- أليس هذا ما يُسمى موضة؟

أكملت الامتحان وقدمته إليه، وأنا أسحب قدميَّ بامتعاض. في تلك اللحظة، كنت قد فقدت كل أمل، لكن عندما وضعت الورقة على مكتبه، أمسك بيدي فوق الورقة محدّقاً في عينيّ.

- لدي المزيد من الأقراص الموسيقية في المنزل.

قالها وهو ينظر إلى الأرض

أما ما حدث بعد ذلك، فقد أصبح من الماضي. كنت أذهب إلى منزله مرة في الأسبوع لأستمع إلى الموسيقى، وأدخن الحشيش، ونمارس الجنس. كنتُ أعشق الذهاب إليه. كان يحدثني عن كل شيء، وأنا أحدّق فيه مفتونة بكل ما يقوله عن القصص المصوّرة السرية. في أحد الأيام قال لي إنه يحبني. فأجبته بأنني أحبه أيضًا، تمامًا كما في الأفلام. كنتُ في حالة ضبابية. كنت في الخامسة عشرة وأدركتُ أنني لا أعرف شيئًا عن الحب أو النشوة الجنسية، لكنني كنت معجبةً به حقًا. لذا حتى لو كنتُ أكذب، فقد كان كذبي غير كامل. ربما لم أكن أفهم تمامًا ما أعنيه بكلمة "حب"، لكنني كنت أعرف أنني أشعر بشيءٍ ما، شيء لم أعرف له اسمًا آخر.

بعد شهرين، تم كشف أمرنا وتحول كل شيء إلى فوضى. قاموا بفصله على الفور وبعد بضعة أشهر إضافية، اضطررت إلى الانتقال إلى مدرسة أخرى لأن الجميع استمروا في مناداتي بـ "سنو وايت". لم أره مرة أخرى بعد ذلك، ولكن الأسوأ من ذلك كله أن راشيل كانت غاضبة مني لأنني أخفيت عنها سري. لن أنسى أبدًا خيبة أملها. على عكس البقية، لم تكن تنتقدني بشأن الأمر بل حتى اعترفت بأنها لو كانت في حالة سكر كافية، لربما ضاجعته هي أيضًا. لقد آلمها أنني خنت ثقتها. إذن أجل، هذا ما أعنيه بـ "الحادث".

تصرف الجميع كما لو أنه قد أساء إليّ. وأنا أتفهم ذلك، فقد كان في الثلاثين من عمره. لكن عندما قالوا إنه استغلني، كنت أتذكر كيف كنت أسقط قلمي عمدًا وأحني ظهري لأريه سروالي الداخلي الوردي، وهذا جعلني أشعر بالأسف الشديد تجاهه. إذا كان فاشلًا وضعيفًا كما وصفه الجميع، ألم أكن أنا من أغوته؟ كيف تحول فجأة إلى ذلك الرجل القوي والمتلاعب المسيطر عليّ؟ بكيتُ لأسابيع. قال لي معالجي النفسي إنني بكيت لأنني تعرضت لصدمة نفسية، لكنني بكيت لأنني شعرت بالذنب. لو لم أفعل شيئًا، لكان مانو قد توقف ببساطة عن إحضار الأقراص الموسيقية لي. لقد دمرتُ حياته إلى الأبد، وكان كل ذلك خطأي.

*

وقفنا هناك، متجمدين في أماكننا. عاجزين عن الكلام. في النهاية احتضنته وانهمرت دموعي. قادني إلى المتجر الخالي وأجلَسني على أريكة "إيكيا" قديمة. جلسنا هناك لحظة، نتبادل النظرات. ثم قطع الصمت ليسألني منذ متى وأنا أعمل في "هذا النوع" من الوظائف. أخبرته أنه أول يوم لي. فضحك ثم احتضنني بحرارة. ظللنا جالسين في أحضان بعضنا حتى لاحظت أنه منتصب. قلت له: "أنت منتصب". أطلق سراحي، محرجًا بعض الشيء، فجذبته إليّ مجددًا ومارستُ الجنس معه على الأرض البلاستيكية. لم يكن الأمر مختلفًا كثيرًا عن أيام المدرسة، إلا أنني الآن أعرف كيف أصل إلى النشوة.

بعد ممارسة الجنس، تحدثنا لوقت طويل. أخبرني أنه بعد "الحادثة"، مُنِعَ من العمل كمُدرِّس إلى الأبد ووقع في اكتئاب شديد. في النهاية، تعرَّف على أمينة مكتبة من كوبا، وقع في حبها، تزوّجا، ورُزقا بطفل. قال إن هذه كانت طريقته لمحاولة نسيان كل ما حدث بيننا بأسرع ما يمكن. ولهذا تزوّج بسرعة، دون أن يكون متأكدًا تمامًا. أخبرته أن الأمر لا بأس به إذا كان حقًّا واقعًا في الحب، وأن هذا لن يجعلني أشعر بالغيرة. فقال إن الأمر لا علاقة له بي، وهذا جعلني أشعر بالغباء قليلًا.

في الواقع، كانت الأمور بينه وبين الكوبية تسير على ما يرام حتى كبر طفلهما رافيتا قليلاً، وأدركا أن هناك شيئًا غير طبيعي. أصبح الطفل صعب المراس مع تقدمه في العمر، يصرخ طوال الوقت ويكسر الأشياء. أخذاه إلى أخصائي، وقال الأطباء إن رافيتا مصاب بالتوحد. بدون تفسير واضح، غادرت الكوبية، وتورط مانو في رعاية ابنهما. كان رافيتا يبلغ الآن 13 عامًا وقد طُرد من كل مدرسة التحق بها، لذا اضطر مانو للعمل من المنزل. كان يعمل مُشغّلًا لخط ساخن يُقدّم الاستشارات للنساء اللواتي خضعن للإجهاض أو الإجهاض التلقائي. قال مانو إن هذا ساعده في التغلب على اكتئابه لأنه ذكّره بأن هناك أناسًا يعانون من ظروف أسوأ بكثير من ظروفه. وأنه حتى لو كان ابنه متعبًا أحيانًا،  ففي النهاية، كانا معا.

كان يروي لي كل هذا بينما نستلقي عاريَين على الأرض، وأنا أعبث بخصلات شعره. لم يتغير شيء بيننا. ساد المتجر الخالي هدود لذيذ. لم يعد لدينا ما نقوله. ذابت كلماتنا في صمت الضوء الذهبي الذي كنّا نستحم فيه مثل صغيرين في راحة. حتى انعكس شعاع شمس من إبريق قهوة مباشرةً على وجهي، فأنهضني من غفوتي.

- كم الساعة الآن؟ عليّ أن أعيد سيارة الشركة!

أفسدتُ الهدوء كإعصار. بدأ عقلي يعدو بجنون. المدين هو مانو خاصتي! ماذا سأقول لهم عندما أعود إلى المكتب؟ صرختُ وأنا أبحث عن سروالي الداخلي:

-    إذن أنت تعيش هنا؟

نعم، مانو يسكن في واجهة متجر تجاري لأن الإيجار أرخص. صرختُ من الحمام:

- وكيف صرت مدينا بمبلغ  7000 يورو ؟

أجاب مانو:

- كنت أنا ورافيتا في متجر 'ميدياماركت' عندما صدر صوت صفير من إحدى الأجهزة فأفزعه، فأسقط أحد تلك الشاشات المسطحة العملاقة على الأرض.

قبلته وهرعت خارج المحل لأقود السيارة عائدةً إلى مدريد. كنت سعيدةً لدرجة أنني كنت سأصطدم بسيارتي بعمود إنارة.عند وصولي إلى المكتب، تفحصت نفسي في مرآة الرواق وأدركت أنني أبدو في حالة يرثى لها. مثل ممثلة في غرفة تغيير الملابس قبل الصعود إلى المسرح، عدّلت ربطة عنقي وأصلحت مظهري قدر استطاعتي واستعددت للكذب:

- لم يظهر الشخص المعني في العنوان المذكور في التقرير.

قال بيدرو إن الأمر ليس بالأمر الجلل - من الطبيعي ألا يعثر المرء على الشخص من المحاولة الأولى. كان علي فقط أن أعود في اليوم التالي. وهذا بالضبط ما فعلته. عدت كل يوم لمدة أسبوع حتى بدأت أبدل قليلاً في مواعيدي لكي لا أكشف أمري. أحيانًا كنت أصل إلى ليغانيس وأقضي اليوم كله بملابسي المدنية، أتسكع مع مانو ورافيتا في الحديقة أو في مول إيسلازول، نتفرج على الملابس التي لا نستطيع شراءها. أصبحت حياتي تدور حولهما بالكامل، بينما توقفت حياتي خارج هذا العالم الصغير تمامًا. شعرت وكأنني لم أزر شقتي منذ سنوات، كل شيء في ثلاجتي كان متعفنًا وقطتي ليلا كانت تكرهني. كنت مهووسة بمانو، بإنقاذه، بإعادة ما سلبته منه. عندما كنا وحدنا، كنت أقضي اليوم عارية. أحياناً كان مانو يعمل على خط الإجهاض الساخن بينما ألمس نفسي في الجانب الآخر من المحل الفارغ، أراقبه. كنا نصنع وجوهاً مضحكة ونضحك على بعضنا. أتمنى لو أستطيع وصف بعض اللحظات الأكثر سعادة، لكني في الحقيقة لا أتذكر الكثير. تتسرب السعادة دائمًا من بين الأصابع.. كل ما أردته حقاً كان القفز إلى السرير مع مانو والاقتراب منه لدرجة أن يتحول كل شيء آخر إلى ضباب.

للأسف، كنت بحاجة إلى المال، وبما أن عملي كان يعتمد على العمولة، فإن الأيام التي لم أذهب فيها إلى ليغانيس كان علي أن أعمل بجد، بزيي الرسمي، ألاحق "الأشخاص المستهدفين" الآخرين. في إحدى المرات، استدار أحد هؤلاء الأشخاص وصفعني مباشرة على وجهي، لكنه اعتذر بشدة عندما أدرك أنني امرأة. شعر بالسوء الشديد لدرجة أنه وافق على تسوية كل ما عليه في نفس اليوم. وعند عودتي إلى المكتب، احتفلنا. كانت هذه أول عملية ناجحة لي. وبينما كنت أضغط الثلج على عيني، سلمت النقود إلى بيدرو. هذا الأسلوب أصبح جزءًا من طريقتي لاحقًا. كنت أتابع أهدافي، محاوِلةً التصرف بأكبر قدر ممكن من الذكورة، حتى أتعرض للاعتداء منهم، ثم أبكي، وأكشف أنني امرأة، وأجعلهم يشعرون بالذنب لدفع ما عليهم. والغريب أن الخدعة كانت تنجح في كل مرة.

بعد شهرٍ من هذا العذاب،  صرت منهكة تماما، مغطاة بالكدمات وأشعر بالألم في كل جسدي. كنت أرغب في التوقف عن الكذب والتعرض للضرب من قبل الغرباء، لكنني ما زلت بحاجة إلى المال. لم أكن أعرف ماذا أفعل. كنتُ غارقةً في الرغبة، والشعور بالذنب، ومحاولة إنقاذ مانو. لكن في النهاية، كان عليّ الاستقالة. لم يكن هناك خيار آخر. كنت أنتظر من مانو أن يرشدي، أن يعطيني إشارة ويخبرني بما يجب علي فعله، لكن اليقين الوحيد الذي كنت أحصل عليه منه هو أنه سيكون في انتظاري في منزله وسيحتضنني إذا حضرت. كما كان عدم حماسه هذا مصدر خلافاتنا المستمرة. كان سلبياً لدرجة تدفعني للجنون أحياناً. لكنه كان يحتضنني فتهدأ أعصابي. لم أستطع كرهه حقاً.قد لا يبدو الأمر كبيراً، لكن جسده أصبح مصدر راحتي الوحيد. شعرتُ وكأنني مدمنةٍ تتجه مراراً وتكراراً إلى أوكار الأفيون.

في النهاية، كانت "ليلا" هي من قدمت لي الإنذار النهائي. لقد أهملت شقتي لدرجة أنني نسيت تنظيف صندوق فضلاتها، فلم يكن أمامها خيار سوى التبول على سريري. صعقتني رائحة الأمونيا القوية وأعادتني إلى الواقع. رميت الملاءات في سلة المهملات وقضيت الليل على المرتبة العارية، أحدق في السقف وأخطط لطريقي للخروج، وأتدرب على ما سأقوله لـ"بيدرو" في الصباح.

لكن الأمور لم تسر كما خططت. في طريقي إلى المكتب، عازمة على الاستقالة، وجدت نفسي أمام مجموعة من العملاء الغاضبين يحتشدون عند المدخل يصرخون. كانوا يزعمون أن "إل كوبرادور ديل فراك" قد استرد أموالهم من المدينين، لكنهم لم يعيدوا تلك الأموال أبداً إلى العملاء.

بينما كنت أشق طريقي بين الحشد، صعدت الدرج وأنا في حالة من الحيرة. وعندما دخلت المكتب، اصطدمت بـ"بيدرو" المثقل بالهموم، الذي توسل إلي أن أتحدث مع المحتجين. وقال إنه بما أنني امرأة سأكون أكثر لباقة من "بقية أولئك الحمقى"، مشيرًا إلى الرجال في المكتب. كانت الخطة هي سداد جميع المبالغ في نفس اليوم قبل وصول الصحفيين بكاميراتهم. سألته:

- هل هذا صحيح؟

- ماذا؟ أنهم مجموعة من الحمقى؟

- لا! أنتم تمتلكون الأموال حقاً؟

- الأموال دائماً هنا، في الخزنة، قبل أن تُحول إلى ماربيا في نهاية الشهر.

أجاب وهو يفتح الخزنة.

- تعالي، سأريك.

وسط كل هذه الفوضى، لم أتمكن من إخبار بيدرو برغبتي في المغادرة. لم أنم تلك الليلة، لأنني لم أستطع التوقف عن قراءة الآلاف من التقييمات السلبية للشركة على الإنترنت. لقد تم خداع آلاف الأشخاص. هناك مثل إسباني يقول: "مَنْ يسرق لصاً، ينال مئة عام من الغفران". لقد أخطأ بيدرو حين أراني مكان حفظ الأموال.

منذ ذلك اليوم، بدأت أراقب ما يحدث في المكتب عن كثب. صرت أصل مبكراً قليلاً كل صباح لأطلع على ملفات زملائي وأقدّر حجم الديون التي يجمعونها. حسبت أن هناك حوالي 20 ألف يورو في الخزنة بنهاية كل شهر. كانت راكيل قد انتقلت إلى برلين ويمكنها أن توفر لي عملاً في مطعم بيتزا هات الذي تديره هناك.

قلت لمانو لنذهب إلى برلين!. في ألمانيا، سيحصل رافيتا على تعليم أفضل، ويمكن لمانو العودة إلى التدريس.

- هيا بنا، سنبدأ من الصفر.

بينما كنت أفتح أزرار قميصه، بدأ فجأة يقلد صوت ليونارد كوهين الغليظ وهو يغني: "أولاً سنستولي على مانهاتن، ثم نغزو برلين!" ضحكتُ وقلت له إننا لم نزر نيويورك في حياتنا، فقفز فوقي وبدأ يدغدغني بمرح.

لسنوات كنت أعطيه التعليمات قبل، وأثناء، وبعد العلاقة الحميمة.

"في التاسع والعشرين من أبريل، ستقابلني في المطار، أمام مطعم ماكدونالدز الذي يقع مباشرة بعد نقطة التفتيش الأمني. حين نرى بعضنا، سنسير معاً نحو بوابة المغادرة مع المحافظة على  على مسافة بيننا، ونصعد الطائرة بشكل منفصل. سنطير إلى برلين حيث ستنتظرنا راشيل. سنعيش حياة هادئة في البداية، لكننا سنبني حياة جديدة معاً. أنت، رافيتا، ليلى وأنا. ستكون حياة رائعة، أعدك. أحضر معك الضروريات فقط، واترك كل شيء خلفك. أحبك."

ثم كنت أبلغ ذروتي، مُتَحَمِّسة لمستقبل جديد. مجرد كلمة "مطار" كانت تثيرني. أصبحت هذه كلماتي المثيرة الجديدة، ويبدو أن مانو كان يستمتع بها. كنت أريه شوارع برلين على "خرائط جوجل" فكان يبتسم وهو مفعم بالأمل بينما يلف سيجارة حشيش. كتبت كل التعليمات بدقة، وضعتها في مظروف أزرق أنيق وتركته فوق السرير وهو نائم.. في اليوم التالي، اشترى لي زهورًا.

حلّ يوم التاسع والعشرون. أنهيتُ نوبتي وانتظرت في الحمام حتى يغادر الجميع المكتب. كان من المفاجئ أن الحصول على النقود كان سهلاً، رغم أنها كانت أقل بكثير مما توقعت. وعلى الرغم من أن "إل كوبرادور ديل فراك" كانوا أنفسهم نصّابين ، كانت طرقهم ما تزال تقليدية جدًا. لا كاميرات، لا أثر رقمي. مجرد ابتزاز، قوة خام، وخوف.

ذهبتُ إلى شقتي، وضعتُ ليلا في حاملها وركبتُ سيارة أجرة إلى المطار. ألقيتُ هاتفي من النافذة كي لا يتم تعقبي. وانتهى الأمر. لم يكن هناك مجال للعودة. بحلول وقت وصولنا إلى صالة المغادرة، كان قلبي ينبض بسرعة وبقوة وبصوت عالٍ لدرجة جعلتني أتساءل إذا كنتُ بحاجة إلى عملية زرع قلب أيضاً، تماماً مثل معلمنا الألماني الأول، الوسيم. كانت الأمور تسير ببطء شديد وتتسارع في الوقت ذاته. ضباب من الشاشات، وجداول المواعيد، والمغادرات والوصول. لم أكن أعلم كم هو مرهقٌ أن تحمل هذا القدر من النقود. ظلت "ليلا" صامتة وكأنها تعرف ما سيحدث. بالطبع، كانت تعرف. انتظرتُ مانو أمام مطعم ماكدونالدز بعد نقطة التفتيش الأمنية مباشرة، تمامًا كما أخبرته ليلة الأمس، لكنه لم يظهر أبداً. بحثتُ عن هاتف عمومي، ، لكنه لم يعد موجودًا. طلبت من أحد الأشخاص استعارة هاتفه، لكن محاولتيْن ذهبتا مباشرة إلى بريده الصوتي. وصلت إلى البوابة وهم على وشك إغلاقها، وقد نفد صبري، ودخلت الطائرة.

عندما جلستُ، بدوتُ متوتراة جداً لدرجة أن المرأة الجالسة بجانبي اعتقدت أنني أخاف من الطيران وأمسكت بيدي. وما أن شعرت بلمستها، بدأت أبكي. كانت تحاول مواساتي، لكن بعد ذلك بكيت بشكل عشوائي لدرجة أننا انتهينا نحن الاثنان بالضحك. وضحكنا بشدة حتى بدأ المسافرون الآخرون يضحكون أيضًا. وعندما توقفنا أخيرًا وحل الصمت المحرج، اجتاحتني موجة هائلة من الارتياح: كنت حرة أخيرًا.

هبطنا في برلين، واجتزتُ الجمارك دون مشاكل. كانت راشيل تنتظرني على الجانب الآخر. تحمل لافتةً على شكل قلب مكتوب عليها: "أمايا + ليلا إلى الأبد".

قالت، بابتسامة عريضة:

- ما الذي أخرك ؟

(تمت)

***

.........................

الكاتبة: أماليا أولمان/ Amalia Ulman: أماليا أولمان (مواليد 1989) هي فنانة ومخرجة أرجنتينية-إسبانية تعيش وتعمل بين نيويورك ولوس أنجلوس. يستكشف عملها متعدد التخصصات، من خلال السرد القصصي الخيالي، التوترات بين العولمة والنزعة الاستهلاكية والصورة العامة والرغبات الخاصة. وُلدت أولمان في الأرجنتين عام 1989، ثم هاجرت مع عائلتها إلى مدينة خيخون في مقاطعة أستورياس الإسبانية، حيث عاشت سنواتها الأولى. في 2009، انتقلت إلى لندن لدراسة الفن في كلية سنترال سانت مارتنز، وتخرجت منها عام 2011. في 2013، تعرضت لحادث حافلة خطير تركها بإعاقة دائمة.

رابط النص الأصلي:

https://www.guernicamag.com/the-german-teacher/

 

في نصوص اليوم