عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

أ. س. بايات: أنفاس التنين

بقلم: أ. س. بايات

ترجمة: صالح الرزوق

***

في سالف العصر والأوان، في قرية تقع في أحد الأودية التي تحاصرها جبال شاهقة، عاشت عائلة مع ابنين، هما هاري وجاك، وابنة هي إيف. كانت القرية في أسفل جزء من المرتفعات، وكان في حوض القرية العميق بحيرة، شواطئها صافية كالكريستال، لكن وسطها الأعمق أسود كالحبر. وفي ظل جوانب الجبل غابة صنوبريات، أما القرية فهي وسط مروج وبساتين مزهرة، وحقول ذرة، وإن كانت غير كثيفة، تكفي احتياجات القرويين. أما قمم الجبال فليست مفتوحة، ويخيم عليها ظل جليد مزرق وحقول تغطيها ثلوج براقة. وكانت تتخلل جوانب الجبل قنوات طويلة متحدرة، كأنها أثلام محراث عملاق. في إنكلترا تعزى الدوائر المرسومة حول بعض التلال ليد تنانين مضمومة قديمة ذات أصابع ملتوية. وقد انتشرت حكاية في ذلك البلد أنه في وقت من الأوقات قام نسل دودة عملاقة بحفر القنوات ابتداء من الذروة. وفي الليل، وبجانب النار، يسعد الآباء أن يرعبوا أبناءهم بحكايات عن نسل تنانين هائجة تطلق اللهيب. لم يشعر هاري وجاك وإيفا بالخوف من تنانين، ولكن بطريقة مختلفة، كانوا ينفرون من الضجر. فالحياة في تلك القرية تكرر نفسها، جيلا بعد جيل. كانوا يولدون ويعشقون، ويصبحوا جدودا، ثم يموتون. كانوا، والحقيقة تقال، نسل منغلق، والعالم الخارجي بعيد عنهم، ويصعب بلوغه، ولا يأتي ويذهب غير حفنة من التجار، في أشهر الصيف، وعلى نحو غير منتظم. كان القرويون ينسجون نوعا تقليديا من السجاد بالمغزل اليدوي، وبنطاق محدود من الألوان المستخلصة من أصبغة الخضار المصنعة يدويا - أحمر دموي، وأزرق داكن مع ظل أخضر، وأصفر رملي، وأسود كالفحم. ولديهم تصاميم تقليدية معدودة، لا تتنوع إلا قليلا: شجرة متفرعة، ذات ثمار تشبه الرمان، وطيور مذكرة، تشبه التدرج قليلا، أو تصميم هندسي تجريدي، بأقراص من لون واحد تتوالى على شكل شبكة متقاطعة من أقراص متتالية على أرضية خط أقراص ثالث. والسجاد على نحو عام من صناعة النساء، اللواتي تطبخن وتغسلن أيضا. أما الرجال كانوا يهتمون بقطيع الحيوانات، ويعتنون بالحقول ويعزفون الموسيقا. كانت لديهم أداتهم الموسيقية، وهي الناي الذي ينوح، ولم يكن يوجد مثله في أي مكان آخر، مع أن معظمهم لم يسافر لمسافة بعيدة كي يعرف ذلك. عمل هاري برعي الخنازير، وجاك بالفلاحة في الحقول، البذار والحصاد. صادق جاك خنزيرا ما، وهو خنزير صغير يدعى بوريس، وكان مخلوقا ناشزا، يمكر ويهرب ويجد أنواعا غير متوقعة من الفطور. ولكن لم يكن عبث بوريس يكفي للتأثير بضجر هاري المتصاعد. حلم بمدن عظيمة وراء الجبال، يتدفق عليها حشد من الناس المتعجلين على اختلاف مشاربهم ومشاغلهم الكثيرة. أراد جاك أن يشاهد الذرة وهي تنمو، والنباتات الخضر وهي تبرز من الأرض السوداء، وكان يعلم أين يجد الفطر الناضج والعسل الأسود، ولكن هذا النشاط لم يؤثر إلا قليلا بضجره المهيمن. وحلم بحدائق للزينة وراء جدران مرتفعة تحيط بقصور رحبة. وحلم بأطعمة شهية، كالبهارات والكحول الملتهبة غير المعروفة في الوادي. وحلم أيضا برقصات عنيفة، وأجساد تترنح حوله بحرية، على أنغام موسيقا لم يكن يعرفها إلا في غيبوبته: القانون، طبلة البونغو، والبيانو الكبير، والأجراس الإنبوبية. بالمقابل انشغلت إيفا بنسج السجاد. كانت تعتقد أنها تستطيع أن تنسج في نومها، وقد فعلت ذلك، وحين تستيقظ تجد نفسها مشغولة بتصاميم متشابة ومتنوعة، وبثني الخيوط والتبديل بين السداة واللحمة. حلمت بألوان مجهولة، البنفسجي والزئبقي والأزرق والبرتقالي، ألوان الورود والريش، والحرير الناعم، والقطن الخشن. حلمت بإيفا الكبيرة، المجللة بالأحمر والفضي. وحلمت بالبحر، والذي لم يمكنها تخيله، وحلمت بالماء المالح وتذوقت طعم دموعها المالحة والتي نفد صبرها. لم تحسن الحياكة، فقد كانت الخيوط شديدة التوتر، وتصاميمها خانقة، ولكن هذا هو عملها. فهي نساجة. غير أنها تفضل أن تكون رحالة، وبحارة، وطبيبة متدربة، ومغنية أوبرا أمام الأضواء البراقة وهدير المشاهدين. أما أول إشارة عن التغيير فقد كانت تقرير الصيادين عن انهيار الثلج في غير موعده على الجبال الشاهقة. أو ربما كان، كما زعم لاحقا بعضهم، أن الفجر كان ورديا جدا، بينما الغروب كان يلمع بلون قرمزي ساطع. ثم تناهى لسمعهم زمجرة غريبة وتشققات تأتي من هناك، من فوق حدود المنطقة المثلجة، وناقشوا ذلك، كما ناقشوا كل صوت غريب ومعتاد، وكرروا تعليقاتهم والتي جعلت أسنان جاك وهاري تصطك من الحنق بسبب تشابهها كلها. وبعد قليل أصبح من الواضح أن ذروة الجبال المشرفة مباشرة على القرية، وفي الليل والنهار، تلمع وتتراقص بطيف ناري، ودخان له لون السلمون الوردي، الذي ينفجر هنا وهناك بطيف قرمزي وذهبي. كانت الألوان جميلة حقا، واتفقوا وهم يشاهدونها من عتبات بيتهم، أن شريط الألوان يومض من بين دخان هواء أزرق رمادي، ثم ينحسر. وتحت الذروة الملتهبة كان بياض الثلج يفسح للناظر كي يرى صخرة مبلولة رمادية رقيقة، لها لمعة، ونعم، لها بخار - المياه الجديدة. لا بد أن يخافوا من هذه البداية: كان بمقدورهم رؤية التبدلات الواسعة التي تحصل، والمترافقة مع حركة شملت كل شيء، الأرض والهواء، النار والماء. ولكن امتزج الخوف بقدر كبير من الاهتمام والإثارة، وحتى بمتعة الشيء الجديد، ومتعة الجمال، وهو ما سوف يدفع العديد منهم لاحقا للشعور بالخزي. استمر الصيادون بمتابعة هذه الظواهر، وعادوا لتقديم تقرير مفاده أن الهضبة تتحرك على ما يبدو، وهي تغلي وتحترق، ومن الصعب أن ترى من خلال سحب الرماد والدخان والبخار التي تنتشر فوقها. لكن الجبل لم يكن بركانيا، وكما يعلم الجميع، حياة الإنسان قصيرة بالمقارنة مع الصخور والحجارة، لذلك استمر الرجال بالتساؤل والمناقشة. بعد بعض الوقت شاهدوا الأفق على صورة كتل تشبه عقد سلاميات قبضة عملاقة، ست كتل، في أمكنة فارغة، كتل بعيدة قد ترمز لأشياء بحجم أكواخ كبيرة أو بيوت صغيرة، وبعد عدة أسابيع تقدمت الكتل، ومعها دخان وشرارات تتطاير، وزحفت بانتظام وبطء باتجاه أسفل السفوح، جنبا إلى جنب، بدون تلكؤ أو انحراف. وخلف كل كتلة أنبوب طويل لا ينثني، كما لو أنه حافة أخدود أو شيء من الأرض، كان يفيض من قمة الجبل، ويخرج من جوفه، وينسكب ببطء نحو الأسفل. بعض الشجعان خرجوا للاستطلاع، ولكن أجبروا على العودة بسبب غيوم البخار العنيفة ومطر النثار المحترق. صديقان وكلاهما صياد شجاع، خرجا ولم يعودا. وفي أحد الأيام قالت امرأة تقف في حديقتها: " كما لو أنه ليس انهيارا أرضيا ولكنها مخلوقات، ديدان هائلة الحجم برؤوس كبيرة، وتزحف نحونا. رؤوس صلعاء وكبيرة جدا وتهتز، وعليها قبضات وتفريعات وحلازين وطوافات، وعيون قبيحة ومبتلة وحارة ترقد في محاجر ضخمة داخل جسمها الموحل، وتلمع بلون أحمر كالدم، اثنتا عشر عينا، هل ترونها، واثنا عشر منخارا مشعرا على أنف متطاول من الطين الرمادي". بعد حوار ومقارنة وإشارات ووصف أمكن الجميع رؤية ذلك، وكانوا كما قالت، ست رؤوس كبيرة متأرجحة ومقرفة، يتبعها أجسام ثقيلة وطويلة بطول الطريق الذي يقود من قريتهم إلى القرية التالية، أجسام تتلوى بصعوبة، وبمشقة مؤلمة، كما يبدو، ولكن ببطء مميت ولا يستكين. وحينما اقتربت - وكان بطء تقدمها كالحلم، وغير واقعي - أمكن رؤية فكوكها، فكوك عريضة تشبه ما للحيتان ومسلحة بمنجل متقرن أو حافة مشحوذة كمنقار مرعب، وبه تحفر وتبتلع طبقة من الأرض وكل ما عليها - الأدغال والأسوار والقش وأشجار الفاكهة وزوجا من الماعز وديكا أبيض وأسود وبركة بط وما يعيش فيها. حلبوا وحصدوا مع ضجة مسموعة، وبصقوا الرماد الناعم، أو أنه انحدر من شفاه محفورة في فكوك مضطربة، واستقر على كل شيء. وهم يقتربون، ظهرت غمامة من الرماد أمامهم، وحطت على كل موجودات البيوت والحدائق، وغلفت النوافذ، وغطت الجدران بطبقة رقيقة. انتشرت من الرماد رائحة كريهة، وكانت خانقة لدرجة يصعب وصفها. في البداية دمدموا ونظفوا الغبار، ثم يئسوا من مسح الغبار، لعدم تحقيق الغاية المرجوة، وجللهم الخوف. كل شيء تم ببطء شديد ومرت مرحلة من خوف خرافي ونصف غامر، قبل تمكن الخوف المرضي والحقيقي والذي يشل الحركة، وحينها اقتربت المخلوقات من الرجال والنساء ورأوا عيونها، وكانت تحيط بها إفرازات صمغية، مثل مطاط ذائب، وكانت ألسنتها من اللهب. لم تكن ألسنة اللهب تشبه الرايات الحمر الشجاعة للتنانين المرسومة في الكنائس، ولا سيوف الملائكة المشتعلة. كانت منصهرة ومتأرجحة، مغطاة بجلد شفاف سميك مليء بالثآليل القرمزية وبراعم الذوق المتوهجة كالجمر، وهي بحجم الملفوف، وتسيل منها مادة لاصقة كبريتية وتفوح رائحة اليأس والتحلل الأبدي الذي لن يزول طيلة الحياة. كانت أجسادها مقززة، تنحني وتزحف وتسحق، بطيئة ورمادية وعشوائية. ووجوهها كبيرة جدا بحيث لا يمكن التعرف عليها كوجوه - فقط يمكن التعرف عليها بالتدريج من أجزاء متتالية. لكن الرائحة الكريهة أسوأ شيء، وقد أثارت الخوف، ثم الذعر، ثم رعشة مشلولة مستسلمة، مثل أرنب أمام ابن عرس، أو فأر أمام الأفاعي. ناقش القرويون لفترة طويلة احتمالات تدمير القرية. كما ناقشوا وسائل تحويل مسار الديدان أو إتلافها، لكن ذلك كان عديم الجدوى، ولم يسفر عن شيء. ناقشوا أيضا مسار تقدم المخلوقات؛ هل ستعبر القرية، أم ستمر بها من جانب أو آخر. بعد ذلك كان من السهل الاتفاق على أن القرية تقع في مسار انحدارها الرهيب، لكن الأمل يضلل، والجمود يضلل، ومن الصعب تخيل اختفاء ما يبدو كالحجر الراسخ. لذا، تأخر القرويون في وضع خطة لإخلاء قريتهم، وفي النهاية غادروها على عجل وبشكل فوضوي، وهم يركضون هنا وهناك في ظل رائحة ودخان تلك الرائحة الكريهة، ليجمعوا ممتلكاتهم، ويضعونها أرضا، ثم ليأتوا بغيرها، وكأنهم عش نمل مهتاج. ركضوا إلى الغابة حاملين أكياس الذرة وأواني المطبخ، وأسرة الريش وشرائح لحم الخنزير المقدد، والحيرة تغلبهم بسبب وجود تلك المخلوقات البغيضة. لم يكن واضحًا ما إذا كانت الديدان قد رأت البشر بالفعل. لم يكن البشر على مقياسهم، لأن المخلوقات الصغيرة التي تسكن فروة رؤوسنا، أو التي تحفر في أوراق السلطة التي نأكلها، غير مرئية، ولا نضعها في الحسبان. أصبحت حياة القرويين في الغابة رتيبة، بل مملة، فالملل لدى البشر ممكن ولا سيما في اللحظات الرتيبة التي تقع بين بذل الجهد والرعب. وعانوا من برد قارس، خاصة في الليل، وجاعوا، واضطربت بطونهم باستمرار، وخافوا من طعامهم القليل. كانوا يعلمون أنهم بعيدين عن أنفاس الديدان، ومع ذلك شموا رائحتها الكريهة، في أحلامهم، وفي دخان نيرانهم، وفي أوراق الشجر المتعفنة. وشكلوا فصيلا من المراقبين، في أماكن تمكنهم من رؤية حدود القرية من بعيد، فشاهدوا صفوف الرؤوس الضخمة تتقدم ببطء، ورأوا ألسنة اللهب المفاجئة وانفجارات الدخان الكثيف الذي لا بد أنه شرارات تأتي من المنازل. وشاهدوا عالمهم يتهدم، ومع ذلك شعروا بنوع من الضجر هو علامة على بقية الضيق الذي يعانون به. قد تتساءل: أين ذهب الفرسان؟ أين المحاربون الذين يجب أن يتصدوا على الأقل لتلك العيون الدامعة بسهم أو رصاصة؟ دار الحديث حول هذا الأمر قرب نيران المخيم، لكن لم يظهر أي بطل، وربما كان هذا دليلا على الحكمة، فالمخلوقات محصنة ضد وخزة أي سلاح بشري. قال الشيوخ من الأفضل ترك الأمور كما هي، لأن تلك الأجسام الضخمة الصاخبة والمميتة كانت حية وسط القرية. قالت العجائز إن الحكايات القديمة تروي أن أنفاس التنانين تشل الإرادة، لكن عندما طلب منهن نصيحة عملية، لم يكن لديهن ما ينفع. اكتشفت إيفا أنه قد يرغب المرء في الانتحار إذا كان ينام على جذر شجرة، أو على أرض صلبة، تضغط على جسده وتؤلمه ألاما مبرحة، يسعر بها بحاستيه. - أخيرا ذهب هاري وجاك مع بعض الشبان، باتجاه القرية، ليروا عن كثب طبيعة الدمار ومدى انتشاره. وجدوا أنهم يسيرون نحو جدار كامل من الدخان واللهب ذي الرائحة الكريهة، الذي يمتد عبر أفدنة من المراعي وحقول الذرة، وخلفه أمكنهم رؤية النتوءات الصخرية الضخمة للرؤوس، وقد تباعدت، لتتحرك مثل شلالات المياه الهادرة في مصب دلتا غزير. قال جاك لهاري هذا الانتشار في المسارات لا يترك فرصة تذكر لبقاء أي شيء في القرية، فأجاب هاري وهو مشتت الذهن أن هناك أشكالا من نوع ما تتحرك في الدخان، ثم قال إنها خنازير، تركض هنا وهناك، وتصرخ. اندفع خنزير من بين الدخان، يلهث ويصرخ، فصاح هاري: "بوريس". وبدأ يركض خلف خنزيره، الذي شخر بشراسة وانطلق عائدا إلى الظلام، وتبعه هاري. رأى جاك الخنزير والإنسان في صورة ظليلة سوداء قبل أن يسمع صوت بزل مرعب، وزفير أبخرة ساخنة، وأنفاسا نارية كثيفة خانقة جعلته يترنح ويفقد وعيه. عندما استعاد وعيه، كان جلده مغطى بطبقة سميكة من الرماد اللزج، وبدا له أنه يسمع السوائل تغلي وتحترق في بطن الدودة. للحظة، ظن أنه سيبقى مستلقيا هناك، في مسار ذلك الفك، ويجرف مع حقل الذرة والسياج. ثم قرر أن يتدحرج، وشيئا فشيئا، تدحرج وزحف وتسلق، حتى أصبحت هناك مسافات بينه وبين الدودة. استلقى لساعات عديدة، منهكا ومريضا، تحت شجرة شوك، قبل أن ينهض بصعوبة، ويعود إلى المخيم في الغابة. كان يأمل أن يعود هاري أيضا، لكنه لم يتفاجأ، لم يتفاجأ حقا، عندما لم يعد. - وهكذا استمر الأمر لأسابيع وشهور، والهواء مليء بالرماد والجمر المتساقط، وأشبعت ملابسهم وأجسادهم بتلك الرائحة الكريهة، حتى جاءت الأجساد الطويلة البغيضة وتقدمت، تدريجيا، عبر الحقول والمروج، تاركة وراءها نفس الأخاديد على السطح الصخري، بعد أن جرفت منها الحياة والنمو. ومن نقطة مرتفعة، رأوا المخلوقات، جنبا إلى جنب، تعبر الشاطئ الرملي للبحيرة، ودون تغيير أو تردد في سرعتها، تقدمت عبر المياه الضحلة، كما لو كانت مدفوعة بصورة ميكانيكية، أو تحت إلحاح حاجة عضوية مثل عودة الضفادع أو السلاحف دوريا إلى العالم المائي للتكاثر. وقد انخفضت الرؤوس الكبيرة لتلتقي بسطح البحيرة، وعندما حصل ذلك، غلى الماء وتصاعد منه البخار وتناثر مثل مرجل عظيم. ثم غرقت الرؤوس تحت السطح، الذي كان يغلي ويضطرب ويفور، بينما كانت الأجسام الطويلة والبطيئة تنحني وتنزلق، يوما بعد يوم، فوق الرمال وعبر الماء إلى الأعماق، حتى لم يتبق في النهاية سوى مؤخرات قبيحة غير حادة، تحت المياه الضحلة، ثم في يوم من الأيام، وبقدر ما كان قدومها غير مؤكد، أصبح من الواضح أن رحيلها قد انتهى، وأن الديدان قد انغمست في البحيرة، وأصبحت فيها، تحتها، ولم تترك سوى العلامات القاسية لوزن أجسامها وأنفاسها المحترقة في التربة والصخور والعالم النباتي المسحوق والذابل.

عندما عاد القرويون ليتفقدوا قريتهم من بعيد، بدا الدمار واحدا: البيوت مسواة بالأرض، والأشجار مقتلعة، والأرض مجرحة، تملأها الأخاديد، ويغطيها الرماد، وتتصاعد منها الأدخنة. تجولوا بين الأنقاض، يفتشون بين الطوب والألواح، ووجد بعضهم، كما هو الحال دائمًدا، كنوزا وأشياء تافهة مفقودة بين الرماد، كعملة معدنية، أو نصف كتاب، أو قدر طهي مشوه. وعاد بعض الذين اختفوا في الفوضى الأولى، بحواجب محترقة أو وجوه مشوهة، بينما لم يعد آخرون. عاد جاك وإيفا معا، وللحظة لم يستطيعا تحديد الاتجاه الذي يبحثان فيه عن أنقاض منزلهما السابق. ثم، عندما دارا حول كومة من الأنقاض المتساقطة، رأياه هناك، لم يمسه شيء. مر أحد هياكل التنين على مبعدة، ووازى سياج الحديقة، لكن السياج لم يسقط، وداخل السياج كانت الحديقة والشرفة والأبواب والنوافذ كما هي، باستثناء الرماد المتطاير. رفع جاك الحجر الذي كان يحفظ تحته المفتاح دائما، فوجده هناك، في مكانه المعتاد. دخل جاك وإيفا إلى المنزل، فوجدا الطاولات والكراسي، والمدفأة وخزانة الكتب، ونول إيفا، ملقى في النافذة الخلفية للمنزل، التي تشرف على المنحدرات ثم على قمم الجبال. وسمع صوت ارتطام قوي بالباب الخلفي، ففتحه جاك. وحينها وجد الخنزير بوريس، مطأطئ الرأس قليلا، تفوح منه رائحة لحم الخنزير المشوي، وجلده المتفحم خال من الشعيرات، لكن عينيه الصغيرتين الغائرتين تعكسان السرور والتعرف. ولما شاهدا أن الخنزير نجا بأعجوبة، أو بفضل الحظ، من أنفاس التنين وألسنته النارية، رغبا، بالطبع، أن يعود هاري أيضا. انتظرا عودته لأيام وشهور، بل ولسنوات، خلافا للتوقعات. لكنه لم يعد. نفضت إيفا الغبار عن سجادتها المغطاة بطبقة خفيفة من الرماد، لأنها كانت في الجزء الخلفي من المنزل، وكانت النوافذ متينة الصنع. رأت الألوان - الأحمر والأزرق والأصفر والأسود - كما لو أنها لم تر لونا من قبل، ومع ذلك شعرت بمتعة ممزوجة بالانزعاج من ألفة هذه الألوان. لو عثر عالم آثار على هذه الغرفة، وعلى هذه السجادة وهي على هذا النول، بعد ألفي عام مثلا، لربما شعر بإثارة شديدة لأن هذه الأشياء سليمة بشكل عجيب، وسيغلبه فضول شديد حيال هذه الصنعة، وحتى حول الحياة اليومية التي يمكن تخيلها وهي تتطور قرب هذه القطع الأثرية التي عثر عليها. شعرت إيفا بدهشة بالغة، تجاه عملها، وتجاه صمود الخشب والصوف والعظم ، أو حتى الشجرة غير المكتملة بطيورها الجاثمة ورمانها الممتلئ. شعرت أيضا بتأثر عميق واضطراب داخلي، من أسلوب ماضيها، وماضي والدتها وجدتها، ومن آثار لحظات كفاءتها المتدفقة، وفترات انطوائها وتوترها وقلقها وارتباكها. شعر جاك أيضا بالبهجة والدهشة، وهو يمشي مرارا وتكرارا ويعبر المنزل من خلال النوافذ التي واجهت الدمار المتصاعد، ليصل إلى تلك التي ترى من خلالها الجبال الثابتة. عانق الاثنان بوريس، الذي استعاد عافيته ونجا، وشعرا بأنفه المبلل وجوانبه الدافئة. مثل هذه الدهشة، مثل هذه الدهشة، هي عكس الملل بالضبط، وكثير من الناس لا يعرفونها إلا بعد الخوف والفقدان. بمجرد معرفتها، لن يمكنك نسيانها؛ فهي تترك لمحات وفيضانات من نور فردوسي في أماكن غريبة وفي أوقات غريبة. أعاد القرويون بناء قريتهم، ووقفت الأشياء التي تم إنقاذها بين البيوت الجديدة التي نبتت في حدائقها أزهار وخضراوات جديدة، وغرست فيها شتلات جديدة. بدأ الناس يروون حكايات عن قدوم الديدان من الجبل، وكانت تلك الحكايات نقيض الملل. فقد جعلت من الرماد ورائحة الفم الكريهة، والسحق والابتلاع، أمورا شيقة ومثيرة، بل تكاد تكون جميلة. بعض الأشياء تحولت إلى حكايات، وبعضها الآخر لم يرد ذكره. روى جاك عن شجاعة هاري وتهوره، فقد اندفع وسط الدخان المتصاعد لإنقاذ خنزيره، ولم يروِ أحد أي شيء عن البؤس اليومي المصاحب لأمل عودته الذي يتلاشى ببطء. احتفلوا بمهارة الخنزير وقدرته على التعافي، ولكن لم يحتفلوا بمصيره المحتوم في تلك الأيام العصيبة. وهذه الحكايات، التي نسجت من دهشة هؤلاء الناجين، أصبحت مع مرور الوقت تعويذات ضد الملل لأبنائهم وأحفادهم، تحمل في طياتها تلميحات غامضة عن العلاقات الحقيقية بين السلام والجمال والرعب.

س. أ. بايات A S Byatt  روائية بريطانية. حازت على البوكر عن روايتها "حيازة". تعيش في لندن. من أهم أعمالها: حكاية كاتب السيرة، كتاب الأطفال، كاحل ميدوزا. تهتم في أعمالها بالبنية النفسية للشخصيات والطبيعة المحيطة وعلاقة الذات بالعالم. وتعتبر من أبرز أدباء موجة ما بعد الحداثة في الأدب الإنكليزي المعاصر.

***

..................

* تمت الاستعانة ببرامج الترجمة الآلية جزئيا.