ترجمات أدبية
هاربر لي: خزان الماء
بقلم: هاربر لي
ترجمة: د. صالح الرزوق
***
من موقع جلوسها في باحة المدرسة، اعتقدت آبي أنها ترى سماء وحقولا محترقة تتلألأ تحت النظر. الجو حار جدا بالنسبة لحفلة راقصة. صدر عنها أنين وهي تمد ساقيها الصلبتين بين الأعشاب الصفراء، وتساءلت لماذا أصابعها الكبيرة كبيرة هكذا - ولا تتناسب مع بقية حجم قدميها. لم تكن طفلة يرغب أحد بالاقتراب منها ولمسها: أظافر أصابعها المحدبة متآكلة، وعدة ندوب حمراء على عقدها الخشنة - الجلد مثل ذلك الذي على ركبتيها. وشعرها الأشقر مبعثر على جبينها، وخصل منه طويلة جدا، وعيناها الواسعتان جدا غائرتان في جمجمتها، وبجفون ثقيلة جدا حتى أنها تبدو كأنها نصف مفتوحة. كانوا يقولون عنها ذات مظهر بليد. تحلقت حولها مجموعة كبيرة من الفتيات، بأقدام حافية وبثياب قطنية ملونة وباهتة. وكان هناك بنات الشعبة الثانية من الصف السادس، تتراوح أعمارهن بين الخامسة والسادسة عشر عاما وكنّ يقطفن القطن نصف العام ويفكرن بما يمكنهن أن يفعلن في النصف الثاني: فتيات بكواحل غليظة ووجوه محمرة، وأياد وردية لماعة وشعر متهدل. هذا العام كانت صويحبات آبي من الشعبة الثانية، وكلهن مغتربات عن بقية بنات القرية، وهذا ما فتن آبي بهن. والاغتراب من جراء خطابات وحكمة المزرعة المتعبة. قدمت آبي لهن بحماقة ما يريد لهن آباؤهن: صديقة محلية يمكنها أن تدخل إلى الجامعة وأن تتزوج في أحد الأيام من طبيب أسنان أو محام، أو على الأقل أن تعود إلى بيتها وتصبح سكرتيرة في مصرف منطقة مايبين. نفخت أضخم الفتيات أنفاسها من رئتيها وزحفت نحو آبي قائلة: "أفسحي لي. الأرض حارة جدا ولا يمكنني الجلوس عليها". جرت مايبيل نفسها على المقعد الحجري الرمادي، وشمت آبي رائحة عطر وعرق هوايت وقالت: "من الأفضل أن لا تشم الآنسة ناش رائحتك يا هوكنز". نخرت مايبيل تقول: "هي لا تريد أن نتبرج لأنها تريد ريموند والترز لنفسها". كان ريموند أطول وأكبر الأولاد في ابتدائية مقاطعة مايبين: يبلغ سبعة عشر عاما بطول ست أقدام. جاءت الشعبة الثانية إلى المدرسة في تلك السنة والبنات بشعر أجعد وقوام مكتنز، وفكرت الآنسة ناش أنه يجب أن توقف ذلك فورا. قالت في أحد تعليقاتها الكثيرة والخاصة: "كل الصغيرات تنظرن إليكن أيتها البنات الكبيرات. وسيكون لكن تأثير كبير عليهن سواء خيرا أو شرا. فليكن نحو الخير. موافقات؟".
قالت مايبيل بتشنج: "لن يمكنها أن تبدلني. سأضربها على مؤخرتها بالمذراة". وضحكت البنات.
"حسنا، من الأفضل أن تبتعدي عنها اليوم. رأيتها تأكل ذلك الطعام الأبيض مجددا، وأتوقع أن يصيبها عسر الهضم".
التمعت عينا مايبيل الزرقاوان وهي تقول: "يمكن للآنسة ناش أن تذهب وترى بنفسها. هل سمعت ما يدور حول لويس فينلي؟. الجميع كن يتكلمن عن ذلك في الحافلة صباحا".
"كلا. من هي؟".
لوحت مايبيل بأصبع زهري نحو المدرسة الثانوية وقالت: "هي في الصف التاسع. أقصد أخت ملدريد الكبيرة".
أومأت آبي. كانت ملدريد فينلي ذات عينين جاحظتين من بنات الصف الرابع ومن المكسيك، وخلقت جوا حولها منذ أول يوم لها في المدرسة لأنها لا تعرف كيف تستعمل ماء خزان دورة المياه.
سألت آبي: "نعم؟ ماذا بشأنها؟".
اقتربت ذات رداء القطن العرجاء قائلة: "حسنا - مرحبا جميعا، استيقظن. هل تود أي منكن الاستماع لأخبار لويس فينلي؟". انحنت مايبيل عليهن وقالت: "سترزق لويس فينلي بمولود. وأنا أعرف من هو الأب".
صاحت الفتيات، واطمأنت مايبيل للنتيجة. وضعت ذراعها الممتلئ على قبعات البنات المتسائلات من أخبرك وأين سمعت حتى أخمدت الأسئلة. ثم قالت: "علاوة على ذلك سترسل لويس غدا إلى بيت خاص بالأمهات غير المتزوجات في موبايل. وبالتأكيد أرسل والدها قائد الشرطة ليقبض على ابن عائلة إدوارد، فهو من فعلها. وبالمناسبة اكتشف السيد فينلي أن لويس أخبرت الدكتور سيمونز بالأمر، فنقل الخبر له، وسمعت أنا وأخي الوالد يخبر الوالدة. وأرادت الوالدة أن تحطم الجرة وقالت إن المسيحي يخجل من هذا التصرف، وعلى الدولة أن تعاقب آل فينلي، وأضافت إنه خطأ السيد فينلي، فقد سمح لتلك البنت أن تعيش على هواها في كل مكان، وقالت إن السيد فينلي لن يتمكن من رفع رأسه بعد الآن". لعقت مايبيل شفتيها وقالت ببطء: "سأخبرك بشيء. على ميلدريد ولويس فينلي أن لا يظهرا في ميكسيا* بعد الآن. فهما عار على المجتمع، وهذه هي الخلاصة".
شعرت آبي بالغثيان وقالت: "لويس بعمرك. اليس كذلك؟".
"نعم. أصغر بعدة شهور. على ما أظن".
احتارت آبي فاتسعت عيناها وحكت مؤخرة رأسها. وقالت: " لا يمكن للويس أن تلد طفلا. فهي غير متزوجة يا مايبيل".
قطبت مايبيل وجهها أمام الفتيات وقالت: " بل يمكنها أيتها الغبية". أخذت نفسا عميقا وأضافت همسا: " اسمعي يا حلوة. يمكنك إنجاب ولد في أي وقت بعد بلوغ الثانية عشرة. يا للجحيم. بمقدوري أنا الإنجاب في الحادية عشرة... أنت تفكرين بعقلية رجل متعصب - وأنت يا آبي ألم تحيضي بعد؟".
"نعم. الشهر الماضي".
"حسنا. يجب أن تعرفي كيف هو الأمر إذا".
"ماذا تعنين يا مايبيل؟ أعلم ماذا؟". ثنت يدا آبي المتعرقتان أطراف ثوبها بشكل لفة قذرة. قرقرت بطنها وزحف ثقل غامض على كتفيها. وبدت خصل شعر مايبيل الأشقر بعكس السماء على نحو ملحوظ، وتحرك قليلا مبنى المدرسة وراءها.
تأرجحت الخصل وهي تقول: "حسنا. اسمعي هذا واسمعي جيدا: إذا لمسك رجل بعد حيضك ستنجبين ولدا كاملا". ضربت مايبيل راحتها على المقعد. غار اللون من وجه آبي، وسمعت صوتها يأتي من داخل مبنى المدرسة يقول: " أنت تقصدين أنه إذا طلب منك ولد أن..؟".
اهتزت خصلات الشعر بقوة وهي تقول: "هذا صحيح. وإذا فعلت ذلك ستحملين بطفل".
“وذلك حال لويس فينلي - إه، هذا هو حال حكايتها؟".
استيقظت، وعلى وجهها غطاء مبلول، وأنفاس الآنسة ناش تهب على جفنيها. شعرت آبي أنها تنسحب عن الأرض، قالت الآنسة ناش: "سأرسلك إلى البيت في بقية اليوم". عادت النبرة لما كانت عليه وقالت: "هل يمكنك العودة إلى البيت بمفردك؟".
"نعم يا سيدتي". كانت آبي تعيش وراء المدرسة، على بعد مشوار قصير.
قالت الآنسة ناش وطقم أسنانها البيضاء والصلبة تلمع أمامها: "أخبري أمك أن حرارتك ارتفعت هنا قليلا".
انتظرت السيدة هندرسون وذراعاها على وركيها حتى صعدت آبي على الدرج ودخلت في الممر البارد والمعتم. سألتها: "هل تورطت بالعراك مجددا؟. كلمتني الآنسة ناش وقالت إنك في طريقك إلى البيت، وأنك ستخبرينني بما جرى".
وجرتها السيدة هندرسون في الممر.
"أغمي علي يا أمي".
اختفت غضون أمها. ثم قالت: "آه. من الأفضل أن آتيك بشيء ما. اذهبي وارتاحي".
بصقت معظم السائل المر والماء في الكوب، وانقلبت على بطنها واستلقت بصمت حتى غادرت السيدة هندرسون الغرفة.
حالما صر الباب وهو ينطبق أغلقت آبي عينيها. ارتجفت بعنف تحت الملاءة، وكتلة متماسكة صعدت في قصبتها الهوائية، ففتحت فمها لتسمح لها بالخروج. صلت تقول: آه يا إلهي. لا تتخل عني. لا تتخل عني. سأفعل ما تريد إن لم تتخل عني. زحف الحمل الذي يثقل على كاهلها حتى ذراعيها. فتوجعت ركبتاها وفخذاها. من فضلك يا ربي. أريد أن أموت. لم أقصد ما فعلت. لم أكن أعرف. آه يا ربي. سوف يرسلونها إلى موبايل ولن تراهم بعد الآن ثانية. كان معها ابنة إميس. لكن عائلة إميس غادرت مقاطعة مايبين ولن يعود أحد منهم أبدا. كل المقاطعة تعرف آل هندرسون. سوف يرحلون إلى باربور. كلا. العم ديك بعيش هنا بالفعل. ماذا سيكون حالهم بدونها؟. شاهدت والدها عائدا من عمله إلى البيت، يبحث في الشارع عن آبي كي تسرع إليه وتشاهد معه متجر برانتلي فقط. دخل إلى البيت وتخلى عن قبعة القش. قال: أين الوالدة. قالت: هي في المطبخ يا جيم. حينما لمسها السيد هندرسون انخرطت بالبكاء. جلسا وحيدين في غرفة المعيشة ليلة بعد ليلة يتساءلان ماذا حصل لآبي في موبايل. زمجرت آبي وأطلقت كتلة أخرى من قصبتها الهوائية. كل كلمة قذرة تعرفها رنت في ذهنها. ماذا يريدون؟ ها هي: تشرف على إنجاب ولد، حسنا. يا إلهي. ماذا سيقول أبوها وأمها؟.
وماذا عن إيد دينيس؟ لم يتعمد ذلك. لم يكن ليفعل لو لديه علم مسبق. حتى اليوم كانت قد نسيت إيد دينيس بسرواله المفتوح وهو يعانقها، مر على ذلك فترة طويلة. كلا. كان ذلك في مساء الثلاثاء الماضي. كانا يلعبان كرة القدم في الباحة الخلفية، تعبا، استلقيا على الأرض وراء غرفة السيارة. فقال لها: "آبي. دعيني أراك. أريد أن أرى كيف يكون شكل البنات".
لو اكتشفوا ما جرى سيودعه الآمر في سجن البلدة المليء بالجرذان. وهذا بسببها. مسكين إد. لا يعاني من أي خطأ. تعارفا منذ ولادتهما، وحينذاك مرر إد ساقه حتى خصر آبي فتلقته - وأعلن عن حضوره فيها. فكرت بكل شيء عن إد دينيس: والده يدير محطة كاسا لوما للوقود على أطراف البلدة، ويعاني من فقدان أصبعين في يده. أما أمه فهي من أتباع الناصري المسيح. وله أختان كبيرتان....
انحنت للخلف وحدقت بالثقوب في السقف الخشبي الأزرق. عدت الشقوق، وفكرت، مثل تلك المرة هاجمتك الحمى القرمزية. عدي الشقوق وستجدين أنها عدد الأيام. وسيولد الطفل وسيلقى القبض عليك... ستسرع السيدة دي بيفي في الطرف الآخر من الشارع لتخبر السيدة بيركيت عن عار آل هندرسون وسيرمقون والدك كلما جاء إلى البيت من المكتب... وفجأة ضحكت وجلست منتصبة.
ركلت الغطاء ونهضت: لن يحدث ذلك قبل أسبوع على الأقل، وحينها ستخبئه تحت المنزل قرب المدخنة! نادت: "أمي، أشعر بتحسن الآن، هل يمكنني النهوض؟".
قال صوت السيدة هندرسون من أعماق المطبخ: "لا، ابقي مكانك قليلا."
استلقت على السرير. توترت أطراف أصابعها، وجعلتها متعبة. لكن سرعان ما غطت في نوم عميق.غير أن طمأنينتها لم تستمر طويلا. في المدرسة، كانت المناقشات اليومية مع الشعبة الثانية تؤكد ذلك: إذا أنجبت فتاة طفلا ليس من المفترض أن تربيه، لأنه سيرسل بقوة القانون إلى دار رعاية، وسيخسر والده عمله. ولن يتمكن من الحصول على وظيفة أينما ذهب لأن ما حدث سيطارده دائما. أطفال؟ أوه، إنهم ينمون داخل بطنك ويولدون عندما تذهبين إلى الحمام. إنه مؤلم جدا. أجل، أي فتى فوق الثانية عشرة يمكنه أن ينجب لك واحدا.
أقسم والدها أنه لا يعرف ما بها. لماذا أصبحت متوعكة في غضون أسبوع؟ عندما لا تكون مكتئبة، تجلس في نهاية المرآب. وعندما يناديها باسمها، تنظر إليه وكأنها تتوقع أن يضربها.
قالت السيدة هندرسون: "أوه، أنت تعرف ما الأمر يا جيم. لم يمر على التدريب فترة طويلة، ولم تعتد عليه بعد".
"لكنك شرحت كل شيء، أليس كذلك؟". ظن جيم هندرسون أنه يعرف الفتيات، لكنه لم ير قط فتاة تتحمل الأمر مثل آبي.
قالت والدتها: "كنت أظن ذلك."
عندما حدث ذلك، الحيض، كان رد فعلها الأول هو عدم التصديق، ثم الرعب. وضعتها والدتها في السرير وأخبرتها أنها ستعاني من ذلك كل شهر. كانت آبي خائفة جدا من طرح الكثير من الأسئلة، ولم تفعل والدتها أكثر من الإجابة عليها. ضحك جيم هندرسون عندما تذكر كيف جاءت آبي إليه لتتأكد. لقد عانى كثيرا ليقنعها أن الأمر طبيعي، وأن جميع الفتيات يعانين منه، وأنها لن تضطر إلى التوقف عن لعب الكرة، بل عليها فقط أن تخفف من اللعب من الآن فصاعدا. ثم قال: "على أي حال، يا آبي، أنت تكبرين."
صرخت قائلة: "لا أريد أن أكبر إذا كان هذا ما يحدث كل الوقت!"، وركضت إلى الخارج. في ذلك المساء، وجدها جيم هندرسون جاثمة خلف المرآب، ملتصقة بالجدار. لقد كان من الصعب إقناعها بالدخول. ومما زاد الطين بلة، أن الجميع في المدرسة يعرفن سبب غيابها ليوم واحد: عندما رفضت لعب الكرة في الاستراحة، ابتسم إد دينيس وقال شيئا لريموند والترز. فضحك ريموند ونظر نحو آبي. الآن، كانت تجلس كل يوم في غرفة الدراسة تحدق بذهول في بعض القصاصات البرتقالية التي ألصقها طلاب الصف السادس على السبورة. كانت تنورتها ملطخة دائما بالتراب من كثرة احتكاكها بها، ولم تتوقف راحتا يديها عن التعرق. وفي تلك الفترة الانتقالية بين اليقظة والنوم، كانت تجد السكينة، ولكن عندما تستيقظ، تعود السكينة وتحيط بها. أحيانا خلال النهار، عندما يكون هناك درس تاريخي شيق أو مباراة كرة قدم مثيرة، تنسى الأمر لبرهة. كل سبت بعد الظهر، عندما تلعب دور هوت جيبسون، تنسى، لكن الأمر يظهر على الشاشة عندما تتلاشى اللقطات الأخيرة. قالت مايبيل يوجد طبيب في المقاطعة يضعك على طاولة المطبخ ويجري لك عملية جراحية مقابل خمسين دولارا، ولكن من هذا الذي لديه خمسون دولارا؟. تذكرت يوم الأحد الذي ألقى فيه السيد ك. و. تاتوم موعظة عن الفتيات المعروضات للبيع، وكيف قال: "أيتها الأمهات، حذرن بناتكن! أيتها البنات، أطعن أمهاتكن".
كانت آبي تطمئن على الجنين في كل صباح عند استيقاظها، وتدعو الله أن يخرج عندما تضغط على بطنها. وسرعان ما جمعت المزيد من المعلومات من الشعبة الثانية. أحيانا كانت تصلها أخبار مشجعة: البطن تنتفخ ويرافق ذلك الألم أحيانا. كانت بطن آبي مسطحة لدرجة أن عظام وركيها بارزة. وباستثناء شعور دائم بالانزعاج قرابة أضلاعها، كانت تشعر أنها بخير. وعلمت أن البنات تذهبن أحيانا إلى المستشفى لإخراج الجنين والتخلص منه، لكن الثريات فقط من تستطعن تحمل التكاليف. وقد يستغرق الأمر تسعة أو عشرة أشهر ليولد الطفل، وأحيانا سنة: وهذا أكثر شيء مشجع حتى الآن - لأن لديها متسعا من الوقت.
على حد علمها، لم يشك والداها في أي شيء. يمكنها أن تتخيل النظرة المرعبة على وجه والدها لو أخبرته - ربما يحبسها في المرآب حتى تموت، أو يخبر الشرطة أنها ضلت طريقها ولم يعثر عليها إلا بعد ثلاثة أيام. ربما يخنقها بوسادة - لا، لن يفعل ذلك. سيرسلها بعيدا.
قالت ذات ظهيرة وهي تأخذ نقودها اليومية لأجل الآيس كريم وبعد أن بحثت عنه في كتاب قانون ولاية ألاباما الموجود على رفوف المكتب: "بابا، ماذا نقول عن قتل طفل رضيع؟".
"جريمة قتل".
وأفلت جيم هندرسون الجريدة وحدق في آبي.
"وهل يسجن المرء بسببها، أليس كذلك؟".
"بالطبع، إن لم يصعق بالكهرباء". وظهر خط بين حاجبيه الكثيفين الأسودين وتابع: "أنت تعلمين ذلك يا آبي. قتل طفل كقتل رجل بالغ."
"معك حق. وردت الفكرة في ذهني..."
قال: "يبدو أنك تفكرين بأمور غريبة هذه الأيام يا آبي". ثم قرر أن يصارحها. فقال: "ولكن ما بك؟ أنت كئيبة منذ أسابيع. لا تأكلين، وتبدين كالفزاعة، ولسانك سليط مع والدتك ولا تفعلين شيئا مما تطلبه منك. إن لم تتلافي ذلك، سأدهنك بالزيت وأضربك بحزامي على مؤخرتك.". وانثنت الجريدة وهو يلتقطها، ويقول لنفسه: يا لها من طفلة غريبة الأطوار.
قالت آبي وهي تنظر إلى الأرض: "مفهوم".
"حسنا، انصرفي الآن. فأنا مشغول."
سارت عبر الساحة الخضراء الصغيرة إلى عيادة الدكتور سيمونز. وقفت عند المدخل، ولعبت بالستارة ذهابا وإيابا. ثم قالت: "مرحبا، عمي تشارلي".
استدار الدكتور سيمونز فجأة وقال: “لقد وصلت لتعتني بالعيادة في الوقت المناسب تماما يا آبي. لدي زيارة واجب مع الآنسة ميتس".
لمست آبي أنفها بأصبعها قائلة: "هل ستتأخر؟".
"لا أعرف. إذا لم نعد بحلول الخامسة أغلقي الباب". نقب الدكتور سيمونز في جيبه، ووجد ربع دولار، ألقاه على المكتب وهو يقول: "مع السلامة. لا تعبثي بأي شيء". وعندما ركب الدكتور سيمونز وممرضته السيارة، قفزت آبي من كرسي الخيزران. كانت تحب التفتيش في أدراج الضمادات البيضاء، والأدوات اللامعة، والأنابيب الموجودة في الخزانة الزجاجية، لكنها في ذلك اليوم أخذت كتابا مغلفا بالجلد الأحمر وعنوانه "أمراض النساء" وبدأت تقلب في صفحاته. شاهدت أمامها صور نساء منتفخات ملفوفات بملاءات بيض، وأشياء تشبه ملاقط الثلج، وسكاكين طويلة رفيعة، وجروحا مفتوحة تنزف. ألقت بالكتاب على الأرض، وركضت إلى الباب الخلفي، وخفضت رأسها على السلالم. مسحت فمها، ثم ركضت على طول الطريق إلى المنزل، وجلست خلف المرآب حتى حلول الظلام.
خطرت لها الفكرة في الظهيرة عندما أرسلتها السيدة هندرسون إلى مخزن الثلج. حينما كانت آبي تجر عربتها على الطريق، رفعت نظرها إلى خزان مياه البلدة، وهو أطول بناء في مقاطعة مايبن. عبست للحظة، ثم لمست بطنها. قالوا إنها تستطيع سماع نبضات قلبها - نبضها ينتفض تحت يدها. كان موجودا، لا جدوى من إنكاره. لا شيء سيزيله: وحاولت ضرب معدتها مرات عديدة، لكنها لم تأت إلا عندما أصبحت جاهزة تماما. قالت مايبيل إنه يمكنك معرفة متى تبدأ الولادة، ولكنها لن تحصل إذا...
نظرت بإمعان إلى الخزان، كان وردي اللون وفضيا تحت شمس العصر المتأخرة: كتب عليه، وهو يتمايل في السماء "شركة مايبن لخدمات المياه". سحبت عربتها نحو قاعدته وقفزت إلى الدرجة السفلية من سلم الخزان. تشبثت بجوانبه الفولاذية الرقيقة وصعدت بسرعة؛ ستظهر علامات حمراء على قدميها إن لم تسرع، فالدرجات ساخنة. في منتصف الطريق، نظرت إلى الأسفل: كانت الأرض تتحرك. نظرت إلى الأعلى: الخزان لا يزال يتمايل. أغمضت آبي عينيها وصعدت حتى اصطدم رأسها بسور الرصيف. كانت المدينة بأكملها تحتها: قبة المحكمة البيضاء ترتفع فوق أشجار السنديان المنهكة؛ سقف مكتب عمها المصنوع من الإسمنت يتشقق ويتصدع من شدة الحرارة؛ مباني المتاجر المكللة بسقف من الصفيح تبدو بشكل مجموعة حول الساحة. كان منزلها من جهة اليسار، وأشجار التوت الصيني في الباحة الخلفية الرملية، ثم مستودع السيارات القديم وبجانبه غرفة ساعات فراغها. اعتقدت أنها تستطيع رؤية السيد بن واتس وهو يسير في الشارع، لكنها لم تكن متأكدة. جاء في ذهنها قول مايبيل إن بطنها ستؤلمها قبل أن يأتي. عندما يأتي، سيكون لدي وقت لأعود إلى هنا، ربما. سيفتقدونني، لكنني لا أطيق الذهاب إلى موبايل. ضحكت ضحكة مكتومة: جعلت دموع عينيها الساحة تبدو مشتتة ومهتزة، فمسحت عينيها. ارتطمت بخدها حشرة تطير بأقصى سرعة. فقالت: "يا للهول"، ومسحت البقايا الخضراء من كمها. ستمتلئ الكنيسة الميثودية عن آخرها في جنازتها، فآل هندرسون يعرفون الجميع. سيغطي سميلاكس جوقة الترانيم - في العلية لإخفاء الآنسة إيفا كيلباتريك والأرغن عن المصلين، وسيلقي السيد ك. و. تاتوم عظته بصوت خافت. ستسير العائلة بهدوء أمام النعش المفتوح لرؤيتها للمرة الأخيرة، وستغلق حركة تصدر من والدها غطاء النعش. كان أبناء عمومتها يحملونها من الكنيسة، ويجمع حاملو النعش المحترمون الزهور، وينهض المصلون ويغادرون، لكنهم سيتذكرونها دائما.
آبي كاثرين هندرسون
مواليد 1926
توفيت 1938
أحبها يسوع.
هل تكون ميتة وهي تسقط أم عندما ترتطم بالأرض؟.
عند ارتطامك بالأرض بالتأكيد. بدت بقايا العشب الأخضر والأصفر ناعمة كقطعة قماش ممدودة على الأرض. عجيب كيف ينمو العشب في دوائر حول حفر الرمال. بدأت السماء تعتم وهي تهبط. لم تسمع سوى أنفاسها الثقيلة وصوت خطواتها الخفيفة على كل درجة. عندما وصلت إلى الأرض، قفزت ببطء بقدم ثم بأخرى لتخفف من صدمة الأرض على أصابع قدميها وساقيها. وابتسمت وهي تتجه نحو المنزل. قالت مايبيل إنه سينبهها عندما يقترب قدومه، وسيكون لديها متسع من الوقت. التقطت بعض الحجارة الرقيقة وقذفت واحدة على الأرض. رأت كلبا بنيا فضربته بحجر. ضحكت عندما عوى، ثم تنهدت بعمق. في النهاية، لا داعي للتفكير في أي شيء وأنت تسقطين.
***
.............................
* بلدة في تكساس الأمريكية.
* تمت الاستعانة جزئيا ببرنامج الذكاء الصناعي.
* ها بر لي Harper Lee كاتبة أمريكية. مشهورة بروايتها الحائزة على البوليتزر "أن تقتل عصفورا متكلما". القصة من كتاب صدر بعد وفاتها.







