عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

حنيف قريشي: الصباح الباكر بعد منتصف الليل

بقلم: حنيف قريشي

ترجمة: صالح الرزوق

***

كانت تثلج. عاد إلى البيت، نظر في ساعته، ورأى أنه تأخر، فأسرع إلى بار  معروف في نهاية الشارع. دفع الباب فقفز  نحوه كلب ألسازي (*) مربوط بسلسلة وهو يعوي. هناك أطفال صغار، أحدهم يعاني من رض ملحوظ، يطاردون بعضهم البعض على الأرض المبلولة، ويتعثرون بأقدام الكبار. علبة الموسيقا مرتفعة الصوت، وكذلك التلفزيون وأصوات المخمورين. لم يدخل إلى هنا منذ شهور، ومع ذلك رأى نفس الأشخاص. تراجع حينما صاح الساقي: "ألان. مرحبا بك. أين كنت يا صاحبي". وسكب لأجله مكيالا من الجعة. جلس ألان على كرسي في البار، وأشعل سيجارة، وشرب نصف كأسه. إذا انتهى منها بسرعة لربما يحصل على مكيال آخر . وهذا يعني أنه بدون نقود، ولكنه لماذا يحتاج الليلة للنقود؟. كان بعمر أربعة عشر عاما حينما شارك في مسرحية مدرسية عن ولادة المسيح وأنشد مع الجوقة، وقد حضرها والد أقرب أصدقائه، وكان منقوعا بالكحول، ولم ينتبه أن ربطة عنقه مبتلة بالنبيذ الأحمر، ولا تزال تنقط. أشار الأولاد له بالبنان ضاحكين، وغمر ابنه الخجل. بإيماءة شكر ألان الساقي الذي وضع المكيال الثاني بجانب الأول. كان ابن ألان صغيرا جدا ولا يعرف الخجل. في الحقيقة بدأ مايكي يقدس أباه. واحتاج ألان أن يهدئ نفسه. أما ميلاني، خليلته الحالية، والتي يعيش برفقتها لعدة سنوات، فقد تبعته  في الشارع بعد أن غادر الشقة، وقبضت على يده وألحت أن لا يذهب. وكان قد أخبرها مرارا أنه وعد ابنه بحضور المسرحية المحلية. فقد قال له مايكي: "كل الآباء سيكونون هناك". ورد ألان: "وكذلك سيكون حال أبيك وسأحضر". وبعد الكثير من الصياح ترك ألان ميلاني واقفة في الثلج. والله يعلم بأية حال سيراها بعد عودته إلى البيت، إذا كانت موجودة أصلا. عمل ألان في المسرح، ولكن ليس بصفة ممثل. وشعر اليوم أنه يأخذ دور مجرم، دور لم يكن جاهزا لتأديته. أنهى ألان الشرابين ونهض للانصراف. ستكون أول مرة يخرج فيها مع زوجته وابنه كعائلة واحدة منذ أن رحل قبل ثمانية عشر شهرا. وربما تواصل مع ميلاني بواسطة مشاعر الخوف. لكنه غير متأكد أن كلمة خوف مفردة مناسبة. وفي الطريق حاول أن يحدد مشاعره. لم يكن النفور. وتبادر لذهنه الآن وهو يقترب من البيت أنه اللوعة. شكلت كتلة ثقيلة لم يهضمها لوعة في صدره.   كان الولد يقف على كرسي بجوار النافذة. وحينما شاهد والده قفز نحو الأعلى والأسفل، وهو يصيح: "أبي. أبي. أبي" ويطرق على الزجاج المسود. مر أسبوع منذ أن رأى ألان مايكي، واعتاد أن يتوقع تغيرات تطرأ عليه. ومع ذلك كان يجد أن زيارة ابنه أمر غريب كأنه يعرج على أحد أقاربه ليشرب الشاي معه. وأكثر شيء ارتاح له هو صحبة مايكي في المقاهي. أحيانا يترك الولد مقعده ويعدو في أرجاء المكان ليريه ارتفاع قفزاته، ولكنهما غالبا يجلسان ويعقدان محادثة مثل صديقين، وخلالها يوجه له مايكي أصعب الأسئلة.

قالت له آن عند الباب: "لقد تأخرت. وكنت تشرب". وارتجفت واتسعت عيناها بنظرة ثابتة. كان يعرف هذه التصرفات الوجيزة. نوبة الغضب المفاجئ التي انتابتها في يومها، وبالعادة حينما يتوجب عليها أن تطلب شيئا. مر ألان من جوارها وهو يقول: "شجرة عيد ميلاد جميلة". أقعى وألقى مايكي نفسه بين ذراعيه. كان يرتدي بنطالا بالدانتيلا وبلوزة تريكو. قدم لألان قبعة بنية من الصوف. ذهبت آن لتأتي بمعطفها. جر ألان القبعة لتغطي وجه مايكي، ثم حمله وهو يكافح ويصيح، ودفن وجهه في بطنه. لم يكن ألان يحب الشارع، ولا المنطقة ولا البيت. كانت تترك عليه نوعا من الإحساس بالذنب. حينما يزور المكان يشعر أن عليه أن يصعد إلى الطابق العلوي، ويستلقي على السرير، ويغلق عينيه ويتابع حياته القديمة، كما لو أنها قدر وواجب مفروض. آن لا تزال تلومه على رحيله، ولكن  لا يرى ألان لماذا لا تستوعب أن هذا أفضل لكليهما. قال مايكي حينما انضمت آن لهما: "خذ منها قبلة. قبلها".

"ماذا؟".

"قبّل ماما".

نظر ألان إلى زوجته. كانت قد خسرت بعض وزنها، وأصبح وجهها مدببا عند ذقنها لأول مرة منذ سنوات. كانت تلتزم بحمية، كما يبدو أنها تفرض الجوع على نفسها. كان وجهها ملطخا بمستحضرات أو مساحيق بيضاء. وشفتاها حمراوان. لم يسمح لها باستعمال طلاء الشفاه، فهو لا يحب أن تلوث به وجهه. لاحظ أن ثيابها أفضل، ومن المفترض أنها تنفق من نقوده. لم تكن تنام في البيت كثيرا، وهو يعلم ذلك. وكانت أمها تمكث مع مايكي، بدون أن تعرف - أو أن آن لا تقول لها - متى ستعود. ضغط شفتيه على شفتي آن لدقيقة. فلمست بعطرها ومضة من ذكريات لا يتحكم بها، ودعته للارتجاف. حاول أن يفكر بآخر مرة لمس فيها أحدهما الآخر. لا بد أن ذلك حصل قبل شهرين من رحيله. وتذكر أنه توقع حينها أنها ستكون آخر مرة. كان الجو معتما حينما غادروا. أمسك مايكي أيديهما وهما يؤرجحانه ببنهما. واستحسن ألان أنه كان يثرثر. خارج المدرسة برز الآباء المتأنقين من سياراتهم ومروا من البوابة في الطقس المثلج. لاحظ ألان بدهشة بالغة كيف كان الأطفال مبتهجين وكيف كانت تنطلق ضحكاتهم بيسر وسهولة، بينما تبادل الآباء المجاملات الضرورية فقط. هل كان شخصا كئيبا على نحو خاص؟. أكدت خليلته ذلك فرد عليها: "إذا كنت كذلك فهذا بسببك". بالتأكيد تنتابه مشاعر الكآبة. ربما نتيجة عمره. في الداخل الجو دافئ ومشرق، حتى المعلمين كانوا مبتسمين. تبسم ألان لنفسه، وتخيل كيف يفكر الآخرون، وهم يرونه برفقة آن. في هذه الأيام كان من غير المعتاد رؤية زوج وزوجة معا.  تبادل معها عدة كلمات دافئة كاستعراض أمام الحضور. أدى العرض أولاد بعمر ثماني وتسع سنوات، مع أطفال أصغر بدور الرعاة وكذلك الأشجار والنجوم. علقت سماء ملونة بين أيدي مكانس قصيرة رفعها ولدان صغيران. أما الملائكة فقد كانوا بأجنحة من الورق المقوى وبأزياء مصنوعة من شبكة من الستائر. في العام التالي سيبلغ مايكي عمرا كافيا ليشارك بالعرض.  منذ عدة أسابيع سأل المعلم ألان عن رأيه حول عرض المسرحية. كان ألان مديرا في جماعة مسرحية جوالة صغيرة. أحب التقارب العاطفي الذي ساد بين الممثلين.  ولا يزال يحب بهجة "العرض"، وذلك الترابط الدافئ بين الزملاء على الخشبة من جهة وأولئك المتحمسين الذين غادروا بيوتهم للمشاهدة من جهة. كان هناك نوع من الخوف المحسوس الذي وحدهم جميعا، والذي جعل المسرح شيئا مختلفا عن السينما. كان أجره في عمله شحيحا، بالطبع. وبعض الممثلين الذين عمل معهم ظهروا في التلفزيون: تزوج المخرج من امرأة غنية. أما ألان فلم يكن يتقاضى أجرا آخر. وكانت خليلته ميلاني ممثلة. كانت حاملا وقريبا لن تتمكن من العمل لبعض الوقت. عندما بدأ العرض فحص ألان جيبه. كان قد أحضر معه منديلا، قطعة قماش مناسبة أعطتها له آن، بدون تفسير، منذ سنوات. ولكنه لم يخرج ومنديل جيب معه منذ آخر عام له في المدرسة. وكان طيلة فترة ما بعد الظهيرة يخشى أن يسبب له صوت الأولاد الانهيار. وليحسن من معنوياته فكر بوالده، في الكنيسة في عيد الميلاد - ولكنه لم يذهب إلى الكنيسة غير مرة واحدة - وهناك أنشد بأعلى صوته ولم يهتم أنه تجاوز نغمة الآخرين. قال له الأب إنهم يحتفلون، ولا يسجلون إسطوانة لشركة دويتشي غرامافون. صاح الآباء وضحكوا خلال العرض، والصغار مثل ابن ألان هتفوا بمرح وحبور. قارن ألان نفسه مع من يعرفهم هناك. حياه عند الباب رجل قال له: "يمكنني أن أشرب كأسا أيضا، ولكنني ممنوع عنه". ثم ذكره الرجل بشخص اعتنى من أجله بسيارته مرتين، ولكنه لم يتعرف عليه، فقد كان نحيلا وضعيفا، وبرأس حليق. قال له الرجل: "على الأقل تبدو بحالة طيبة، تبدو بحالة طيبة". ابتعد ألان دون أن يشعر بالراحة، وحينما أصبح على الخشبة انتبه أن الرجل مريض. جلست هناك امرأة في الصف المجاور. وسمع ألان في وقت مبكر من السنة من أحد المعارف أنها ألقت بنفسها عارية من النافذة، وهشمت وجهها وكسرت أضلاعها، قبل أن تنقل إلى المستشفى بقميص المجانين. جلست امرأة غيرها بعدها في نفس الصف، وتجاهلته، أو لعلها لم تشاهده. وقد رافقته كثيرا في الحديقة، حينما كان أولادهما يلعبون. وأخبرته أنها ستنفصل عن زوجها. كان قرنا مجرما، ولكن هنا في هذه الزاوية المريحة من الأرض، وبمعجزة، سلم معظمهم من الأذى. وأنشد لأجل هذه المنة، وهو يتساءل، رغم كل شيء لماذا هم غير سعداء. لم تحمل ميلاني لفترة طويلة، ومع ذلك تبدل جسمها، وفقدت روحها المؤنثة البسيطة. مع خصرها البدين شعرت بالثقل وزعمت أنها مجبرة على المشي كما لو أنها 'تتبختر'. لم تكن في ذلك الوقت تعمل، ولذلك لم يكن يهم أنه عليها أن تعود إلى سريرها في الصباح. حينما لا يتخاصمان يجلس معها، ويتناول إفطاره. حصلت على موعد في اليوم التالي، لأجل الإجهاض. وعليه أن يلتقي بها ويقلها في اليوم الذي بعده. قبل وقت طويل تورط بإجهاضين آخرين. تجنب الأول بالانفصال ومرافقة امرأة أخرى. من الثاني يتذكر فقط كيف استلقت المرأة على الأرض وانخرطت بعد ذلك بالبكاء. ويذكر أنه جلس أمامها في الغرفة وعيناه مغلقتان، وهو يعد من الألف حتى الصفر. وعلى الفور انتهت العلاقة. وحياته مع ميلاني ستنتهي كذلك. يبدو أن استمرارها بلا معنى. لماذا من المهم استمرار العلاقات؟. في مساء الغد سيتحطم أمله. لا يمكنه أن ينتقل من امرأة لغيرها بعد الآن. أصبحت نقاشاتهما مريرة والمصالحة لم تعد حلوة الطعم. فطردها من الشقة، وألقت هي إلى الخارج صورة أعطته إياها زوجته. فألقى ألان بعض ممتلكاتها في الشارع. لعدة أسابيع وهما يتعاركان، ويخرجان إلى العالم كما لو أنهما هربا من النار، جلدهما مسود، عيونهما تحدق، دون معرفة بما يجري. هل سيمكثان معا إلى الأبد أم حتى الغد؟. نظر نظرة جانبية إلى زوجته، من فوق رأس الصبي الذي ربطهما معا حتى الأبد، وكان ألان يعلم أنه لن يرتكب غلطة مماثلة ثانية. خلال فترات المزاج الأفضل كان يتكلم هو وميلاني مع الطفلة التي كانت في رحمها وينتقيان أسماء لها. وعقدا العزم على إنجاب طفلة بغضون سنوات.  ولكن الطفلة ليس ثلاجة يمكنك أن تشتريها إذا أردت، أو حينما يكون لديك ثمنها. لكن للطفلة التي في بطنها وجه منذ الآن. أمام المدرسة، وحينما كان الثلاثة يمشون، شاهد ألان عربة سوبرماركت.  وعلى الفور حمل مايكي، وألقاه فيها، وجرى معه على طول الممشى. في عتمة المساء الباكر ترددت صيحات الطفل السعيد الذي جلس القرفصاء في العربة وهي تقعقع وتلتف عند المنعطفات وتقفز في الحفر، ومعها صيحات آن التي تعدو خلفهما بمحاولة للحاق بهما. وصلوا سريعا إلى البيت ضاحكين ومقطوعي الأنفاس وحرارتهم مرتفعة. أغلقت آن أغطية النوافذ وأشعلت أضواء شجرة عيد الميلاد. تبدلت الغرفة بعد زيارته الأخيرة. ليس فيها غير أشيائها. ولم يتبق شيء منه. سكبت لألان كأس براندي. ابتلع ألان عصيره. وقالت له آن إنه بإمكانه تناول لوح شوكولاتة من الشجرة بشرط أن يتقاسمه معهما. وهم يتكلمون عن مسرحية ميلاد المسيح لاحظ ألان أن ابنه قلق وغير واثق، كما لو أنه غير متأكد من عليه أن يختار من بين والديه، وشعر أنه لا يستطيع تفضيل أحدهما دون إزعاج الآخر. وفي النهاية نهض ألان ليغادر. 

قالت آن: "آه. نسيت. اشتريت بعض فطائر اللحمة وزبدة البراندي. لا أعلم لم أتعبت نفسي ولكن فعلت ذلك. أنت لا زلت تحبها. أليس كذلك؟. سأضعها في طبق واحد لتتقاسمها مع مايكي. هل يناسبك ذلك؟". ذهبت لتسخينها. أخبر ألان ميلاني أنه لن يتأخر. وتوجب عليه أن يعود إليها. كم أن آلة التخيل مرعبة. إذا كانت مزعجة اليوم قد يرتكبان غدا أمرا لا يمكن تصحيحه. وخشي أن يكون ذهنها قد عقد عزمه وانتهى الأمر. قالت آن بعد عودتها: "يبدو كأنك على عجلة". فقال: "سأنهي شرابي وأتناول واحدة من هذه الفطائر، ثم أنصرف".

قالت: "هل ستأتي في يوم عيد الميلاد؟".

هز رأسه. قالت: "ولا حتى لمدة ساعة؟ لا يمكنها أن تفترق عنك أبدا. أليس كذلك؟".

أجاب: "أنت تعلمين كيف هي".

نظرت إليه بحنق وقالت: "كيف يبدو الأمر وأنت لا تستطيع إنفاق بعض الوقت مع ابنك؟".

لم يقدر أن يقول أن ميلاني تريد منه أن يخصص يوم عيد الميلاد لها، وإلا ستنفصل عنه. لزم مايكي الهدوء، وراقبهما. قالت: "طال الوقت مع هذه المرأة. هذا وقت طويل بالنسبة لك".

"نعم. الأمور تمضي بشكل جيد. وسننجب طفلة أيضا".

قالت بعد فترة: "أفهم ذلك".

فقال: "وأنا بغاية السعادة".

أخبرت ميلاني عددا من صديقاتها أنها حامل، وتابعت الكلام عن الموضوع بالهاتف. لكن كانت آن أول من أخبرها.

قالت: "كان بمقدورك أن تتريث".

قال: "لماذا؟. للأسف لم أتمكن من التريث. وأنت تعرفين مثل هذه الظروف".

"لماذا تكرر هذا الكلام؟".

"ولكنها الحقيقة. وها أنت تتعايشين معها".

قالت: "سأفعل ذلك. شكرا". ثم أضافت: "لن ترغب بعدها برؤية مايكي كثيرا".

"بل يجب أن أراه".

"لماذا؟".

قال: "ولم لا؟".

"لأنك تركتنا. ولم يبق لي سواه. أما هي فلديها كل شيء".

"من؟".

"خليلتك".

قال: "اسمعي. سنناقش ذلك فيما بعد".

ونهض وخرج إلى الردهة. عند الباب تمسّك الولد بذيل معطف ألان قائلا: "ابق هنا معنا إلى أبد الآبدين آمين".

قبله ألان وقال: "سأعود قريبا".

قال مايكي: "يمكنك أن تنام في سرير ماما".

"افعل ذلك عوضا عني".

وضع مايكي قطعة شوكولا في يده وقال: "إذا جعت وأنا نائم ستنفعك". وأردف: "سأكلمك خلال غيابك. سأكلمك وستنقل الأرض كلامي".

قال له ألان: "وسأسمعك".

وقف ابنه وراء النافذة، وهو يلوح له ويصيح. وأمكنه رؤية زوجته واقفة خلفه في الغرفة، وكانت تراقب ابتعاده.

من البيت ذهب إلى البار. وطلب البيرة والعصير. ولم يتذكر أنه بدون نقود إلا بعد أن وضعهما الساقي أمامه. اعتذر ومع أن الساقي بدأ يهمهم استدار وانصرف. وكان الطقس باردا. كل شيء متجمد. معدن السيارة، النسغ في النباتات، الأرض بذاتها. مر من شوارع مألوفة، لكنها تبدو غير مألوفة بسبب الثلوج. العديد من البيوت مظلمة، بدأ الناس بالسفر. ومع تزايد الثلج، هبط أيضا صمت نادر وغير معتاد على المدينة. أسرع بالحركة، ملوحا بذراعيه داخل معطفه ليشعر بالدفء. فكر بالرجل المحتضر الذي قابله عند باب المدرسة، وبالحالة المزعجة بسبب عدم تعرفه عليه. وأراد أن يراه ليقول له، كلنا نتبدل ويلحق بنا التغيير، يوميا. وهذا يعني هذا فقط.  وبالتأكيد اعتقد ألان أنه فهم شيئا عن نفسه بعد تبدله. من نقطة ما أصبح العالم رمادا. ويمكنك كذلك أن تتحول إلى تراب إذا أحرقت كل أمل لك، وكل شهية ورغبة. ولكن لتحيا، بمعنى ما، يعني أن تؤمن بالمستقبل. لا يمكنك أن تستمر بالعودة إلى نفس المكان القذر. جرى على الدرج نحو البيت. كان الضوء مشعا. يعلم أن الأمور على ما يرام إذا كانت بالثوب الذي قدمه لها. في المطبخ كانت تسخن فطيرة كويشي فرنسية وتجهز السلطة. نظرت إليه بدون عداء. لكنها لم تتكلم ولم يتكلم أيضا. راقبها، ولكنه صمم أن لا يستسلم لها. اعتقد أنه إذا تخلى عن رغبته بها، يمكنه أن يعيش. وفي نفس الوقت أدرك أنه بدون رغبة لا يوجد شيء. جلس هناك، وهو يفكر أنه لم يدرك قبل الآن أنه الحياة قد تصبح مؤلمة جدا. وأدرك أيضا أنه لا يمكن لأي كمية من الشراب و لا المخدرات ولا التأمل أن تحسن الأمور إلى الأبد. وتذكر عبارة لسقراط تعلمها في الجامعة وهي: " لا يمكن للرجل الطيب أن يعاني من الشر، لا في الحياة ولا بعد الممات". وتكلم فتغنشتاين على سبيل التعقيب عن مشاعره "بالأمان التام". سيتأكد من ذلك. ربما فيها شيء له، بعض "الأمان الداخلي" النهائي. ارتديا الثياب الليلية وفي الختام وصلا إلى مكانه المفضل، سريرهما. فتح ثوبها ووضع يده على بطنها وعانقها. لبعض الوقت استسلمت لذراعيه وهو يلمسها. ثم لمسته برفق، قبل أن تستدير وتغط بالنوم. بدأ يفكر بابنه النائم، كما يفعل دائما في هذا الوقت. وتساءل إن استيقظ مايكي وهو يكلمه حاليا "ويرسل كلامه عبر الأرض". وأراد أن يذهب ويقبل ابنه قبلة تصبح على خير، كما يفعل بقية الآباء. ربما سينجب ابنا آخر، وسيكون مختلفا. تلفت في الغرفة. لم يجد فراغا يكفي خزانة، كانت ثيابهما مكومة على طرف السرير. وعلى كرسي بجانبه يضيئه نور مائل، نسخة من "آمال عظيمة"، وزجاجة زيل للتدليك يغلفها طبقة من الغبار، ونظارته الخاصة بالقراءة، وكوب فيها بقايا نبيذ، ودفتر ملاحظات. كانت حياته وذهنه مشغولين وفكرة الجلوس في السرير ليكتب يومياته، أو ليقرأ، أشبه برفاهية لا يمكن بلوغها، عبارة عن أمثولة عن الهدوء المستحيل. ولكن أيضا يبدو ذلك النوع من العزلة مثل انتظار شي سيبدأ. أراد أن يكون قلقا، وتحقق ذلك. وهو يعلم أن نفورهما عميق ويواصل التعمق. ولكن كان هو وميلاني خائفين وليسا متآمرين. وبطريقتهما الحمقاء كل منهما يقاتل ليحمي نفسه. يمكن للحب أن يتبدد في لحظة، مثل ضرب شبكة عنكبوت بعصا. ولكن الحب مزيج، ولا يمكنه أن يكون نقيا. وهو متأكد من وجود ما يكفي من الحب والدماثة بينهما، ولا يمكن لأي حب أن يضيع.

***

.......................

* كلب الراعي الألماني.

* حنيف قريشي :Hanif Kureishi كاتب بريطاني من أب باكستاني.  بدأ حياته بنقد حياة الضواحي والطبقات الشعبية واللاجئين، ثم بدأ بالتدريج يميل لموضوعات فلسفية عن مشاكل الهجونة والحضارة والسوق في الغرب. لا يزال يرفع صوته ضد السياسة الاستعمارية والتمييز بين الأعراق. من آخر أعماله "ممزق"، وهو مذكراته عن صراعه مع مرض الشلل. من أعماله المشهورة "بوذا الضواحي" رواية، "مغسلتي الجميلة" سيناريو، "جسد" نوفيلا، وغير ذلك.