ترجمات أدبية
هاروكي موراكامي: كاهو
بقلم: هاروكي موراكامي
ترجمة: د. صالح الرزوق
***
قال الرجل: "تعرفت على كل أنواع النساء في حياتي. ولكن لم أقابل واحدة دميمة مثلك".
قال ذلك بعد أن تناولا الحلوى، وكانا بانتظار تقديم القهوة. استغرقت المرأة لحظة لتبتلع ذلك. ربما ثلاث أو أربع ثوان. جاءت عبارته فجأة، ولم تتمكن كاهو أن تفسر بالحال نواياه. وحينما كان الرجل ينطق بهذه الكلمات الفجة والمقلقة، كان يبتسم طيلة الوقت. ابتسامة لطيفة وصداقية على وجه العموم. ولم يكن فيما قال حتى أي لمسة من المرح. لم يكن يلقي طرفة، وكان جادا تماما. والطريقة الوحيدة التي توفرت لكاهو كي لا ترد عليه كانت بتناول الفوطة من حضنها، وإلقائها على الطاولة، والقبض على حقيبتها من الكرسي المجاور، والوقوف، وبدون كلمة، مغادرة المطعم. وعلى الأرجح كانت تلك هي أفضل طريقة للتعامل مع الموقف. ولكن لسبب ما لم يمكن كاهو أن تفعل ذلك. وأحد أسباب ذلك - وهو ما تبادر لذهنها لاحقا - أنها صدمت حقا. سبب آخر هو الفضول. كانت حانقة - طبعا عليها أن تغضب. وكيف لا تغضب؟ وأكثر من ذلك، أرادت أن تعلم بحق الجحيم ماذا أراد هذا الرجل أن يخبرها به. هل هي دميمة حقا؟. وهل يوجد شيء آخر وراء تلك الملاحظة؟.
وقد أضاف الرجل بعد لحظة صمت: "القول أنك أقبح امرأة لا يخلو من المبالغة. ولكنك امرأة سطحية لم أقابل مثلها، وهذا لا شك به".
ضمت كاهو شفتيها بصمت وتمعنت بوجه الرجل، وثبتت عيناها عليه. لماذا يشعر هذا الرجل بالحاجة للتكلم بشيء من هذا النوع؟ إن كنت لا ترتاح كثيرا للامرأة المقابلة لك في موعد غرامي (وهذا اللقاء من هذا النوع)، يمكنك أن لا تكرر عقد لقاء معها. شيء بسيط. فلماذا يهينها علنا؟. ربما كان الرجل أكبر من كاهو بعشر سنوات أو قرابة ذلك، وهو أنيق، وثيابه نظيفة ومتناسقة. لم يكن من النمط المثالي لكاهو، ولكن يبدو كأنه من عائلة جيدة. وجهه يتبدل بالضوء - وهذه أدق عبارة نصفه بها. ولو أضفت عدة بوصات لطوله يصبح مناسبا لأخذ دور ممثل. والمطعم الذي اختاره، أيضا، مرتب وبمستوى لائق، والأطباق طيبة المذاق، ومنتقاة. وهو ليس من النوع الذي يقال عنه ثرثار، غير أنه يعرف بما فيه الكفاية كيف يجعل الحوار مستمرا - أضف لذلك عدم وجود فراغات صامتة مزعجة (والأمر العجيب أنه كلما فكرت بما حصل، لا تتذكر ماذا كان موضوع الحديث). وخلال العشاء وجدت نفسها دافئة معه. عليها أن تقر بذلك. ثم فجأة - حصل هذا. ماذا يجري هنا بالضبط؟.
قال بصوت هادئ بعد إحضار فنجاني إسبريسو إلى طاولتهما: "ربما تستغربين ذلك". كما لو أنه بمقدوره قراءة تفكير كاهو. وضع مكعبا صغيرا من السكر في الإسبريسو وحركه بتؤدة. وأضاف: "لماذا أتناول العشاء حتى النهاية مع إنسانة أرى أنها دميمة - أو ربما يجب أن أقول، مع من لا يعجبني وجهها؟. بعد أن شربنا أول كأس نبيذ، كان علي اختصار الأمسية. إنه هدر للوقت، أليس كذلك، أن أستغرق ساعة ونصف الساعة بالتهام وجبة عشاء من ثلاث أطباق؟ ولماذا في نهاية الأمسية يجب علي أن أقول شيئا من هذا النوع؟".
تمسكت كاهو بأردان الصمت، وحملقت بوجه الرجل المقابل لها وراء الطاولة. والتقطت يداها فوطة حضنها بإحكام.
فقال الرجل: "أعتقد أن السبب هو عدم قدرتي على تجاوز فضولي. ربما أردت أن أعرف كيف تفكر امرأة أليفة مثلك، وكيف أن الروح المنزلية تؤثر على حياتك".
تساءلت كاهو: وهل أرضيت فضولك. وبالطبع لم تسأل بصوت مرتفع.
سألها الرجل بعد أن رشف من القهوة: "وهل أرضيت فضولي؟". لم يعد هنا شك: أن باستطاعته قراءة أفكارها. مثل آكل نمل يلعق بيت النمل حتى ينظفه، بلسانه الرفيع والطويل. هز الرجل رأسه قليلا وأعاد فنجان القهوة إلى الطبق. ثم أجاب على سؤاله بقوله: "كلا. لم أرض فضولي". رفع يده، واستدعى النادل، ودفع الفاتورة. والتفت نحو كاهو، وانحنى قليلا، وغادر المطعم مباشرة. حتى أنه لم ينظر إلى الخلف.
*
الحقيقة أن كاهو ومنذ صغرها لم تهتم بمظهرها. فالوجه الذي تراه بالمرآة لم يصدمها لا بجماله ولا بقبحه على وجه الخصوص. ولم يخيب أملها أو يبهجها. وعدم اهتمامها بوجهها يعود إلى أنها لم تشعر أن مظهرها يؤثر على حياتها بأي طريقة. أو ربما من الأفضل أن تقول أنه لم تسنح لها الفرصة لتعلم إن كان مظهرها مؤثرا. كانت طفلة، وأغرقها والداها دائما بعاطفة لا تضع بالحسبان إن كانت جميلة أم لا.
طيلة مراهقتها لم تبالي كاهو بمظهرها. ومعظم صديقاتها اعتنين بمظهرهن وحاولن استعمال خدع المكياجات التي تنصح بها الكتب، لتحسين أشكالهن. ولكنها لم تفهم ضرورة ذلك. وأنفقت وقتا قليلا أمام المرآة. وكان هدفها الوحيد أن تحتفظ بجسمها ووجهها نظيفين ومرتبين. ولم يكن ذلك مهمة عسيرة حقا. كانت تداوم في مدرسة ثانوية أهلية عامة ولديها عدد من المعجبين. ولكن إذا صوّت الأولاد على الزميلة المفضلة، لن تربح أبدا - فهي ليست من ذلك النمط. ومع ذلك لسبب ما، في كل حصة حضرتها، كان هناك ولد أو اثنان اهتموا بها وعلنا. ولم تعرف كاهو ماذا يلفت انتباههم فيها. وحتى بعد أن أنهت دراستها الثانوية وبدأت بدراسة الفن في طوكيو، نادرا ما افتقدت الصديق المعجب. ولذلك لم تكن بحاجة للقلق عما إذا هي جذابة أم لا. وبذلك المعنى، يمكنك أن تقول إنها محظوظة. ودائما رأت أنه من المستغرب أن الصديقات الأجمل منها بكثير يقلقن من مظهرهن، وفي بعض الحالات يلجأن لعمليات تجميل أساسية. ولم تتفهم كاهو هذا.
ولذلك حينما تجاوزت بقليل عيد ميلادها السادس والعشرين وأخبرها هذا الرجل الذي لا تعرفه مسبقا بفظاظة أنها قبيحة، اضطربت على نحو عميق. وعوضا أن تصدمها كلماته، ببساطة تامة، قلقت واحتارت.
*
كانت محررتها، وهي امرأة تدعى ماشيدا، من قدمها للرجل. كانت ماشيدا تعمل في شركة نشر صغيرة في كاندا، وتنتج أساسا كتب الأطفال. وهي أكبر من كاهو بأربع سنوات، ولديها طفلان، وتحرر كتب الأطفال التي تكتبها كاهو. ولكن كتب كاهو لم تكن تبيع على نحو جيد، أنما بين تلك المهمة وعملها الحر الذي يتلخص بوضع رسوم لبعض المجلات، كانت تكسب ما يكفي لتعيش. وفي وقت موعد التعارف، كانت كاهو قد انفصلت عن رجل بعمرها، وقد رافقته قليلا طيلة عامين، وشعرت بالخيبة على نحو غير اعتيادي. وخلف الانفصال لديها طعما سيئا. وجزئيا لهذا السبب، لم تكن تتقدم بعملها. وقد لاحظت ماشيدا الوضع فرتبت اللقاء. وقالت لها: ربما أنت بحاجة لتبديل الجو وحسب.
وبعد ثلاثة أيام من لقاء كاهو مع الرجل، اتصلت بها ماشيدا.
ولم تضيع الوقت قبل أن تسأل: "كيف كان اللقاء؟".
ندت عن كاهو "همهمة" غامضة، لتتجنب سؤالا مباشرا، ثم سألت سؤالا من عندها: "ومن أي نوع من الرجال هو بأية حال؟".
قالت ماشيدا: "بصدق، لا أعرف الكثير عنه. صديق لصديق. شيء من هذا النوع. أعتقد أنه بحوالي الأربعين. ويعمل في استثمار عادي. وخلفياته جيدة، ويتقن عمله. ليس له سجل جنائي، كما أعلم. قابلته مرة وتكلمنا لعدة دقائق، واعتقدت أنه وسيم ومرح بما يكفي. قصير نوعا ما، وأعترف بذلك. ولكن توم كروز ليس طويلا، أيضا. مع أنني لم أقابل توم كروز شخصيا".
سألت كاهو: "ولكن لماذا رجل بالغ الوسامة ومرح ويتقن عمله يكلف نفسه عناء لقاء تعارف؟".
قالت ماشيدا: "ليس لديه الكثير من النساء ليخرج معهن؟. أفترض ذلك. وهو دقيق جدا، وكفؤ في مهنته، ولكن تصادف وسمعت أن شخصيته غريبة قليلا. وقررت أن لا أذكر ذلك. لأنني لم أرغب أن تنحازي ضده قبل أن تلتقي به".
كررت كاهو الكلمات: "غريب قليلا". وهزت رأسها. هل يمكن أن تسمي ذلك غرابة محدودة؟.
سألت ماشيدا: "هل تبادلتما أرقام الهواتف؟".
صمتت كاهو لحظة قبل أن تجيب. وفكرت: تبادلنا رقمي الهاتف؟. وقالت أخيرا: "كلا. لم نفعل".
*
بعد ثلاثة أيام من هذه المكالمة، كالمتها ماشيدا ثانية.
قالت: "خابرتك للكلام عن الوسيم السيد ساهارا. هل يمكننا الكلام؟".
كان ساهارا اسم الرجل الذي عقدت معه موعد تعارف.
لفظه مثل لفظ كلمة صحراء. تركت كاهو قلم الرسم ونقلت السماعة من طرفها الأيسر إلى الأيمن. وقالت: "بالتأكيد. تفضلي".
قالت ماشيدا: "خابرني ليلة أمس. قال إنه يريد أن يقابلك ثانية. ويتساءل عن إمكانية الدردشة. وكان صوته جادا".
لم يمكن كاهو أن تكبت شهقة، وتمسكت لحظة بالصمت. يريد أن يراني ثانية ليتمكن كلانا من تبادل الكلام؟ لم تصدق كاهو ما تسمع.
قالت ماشيدا باهتمام: "كاهو - شان. هل تسمعينني؟".
قالت كاهو: "نعم أنا أسمعك".
"يبدو أنه معجب بك. فماذا أقول له؟".
أملى عليها الحس البديهي أن ترفض. فهو في النهاية لم يذكر غير أشياء فظيعة وأمام وجهها مباشرة. فلماذا عليها رؤية هذا النوع من الأشخاص ثانية؟. ولكن لم تتخذ قرارا في هذه اللحظة. وتداخلت الشكوك في دماغها، وازدحمت كلها معا. فسألت ماشيدا: "هل يمكنني التفكير بالأمر. وسأرد عليك لاحقا".
*
قررت كاهو أن تلتقي بساهارا مرة إضافية، في يوم السبت بعد الظهيرة. واتفقا على اللقاء خلال النهار، لفترة قصيرة، بدون تقديم طعام أو كحول، في مكان يمكنهما الكلام فيه بهدوء، مع وجود آخرين حولهما بالجوار - وتلك كانت شروط كاهو، وقد نقلتها ماشيدا له. ولكنها علقت بقولها: "شروط غريبة للقاء المرة الثانية. أنت حذرة جدا".
قالت كاهو: "أفترض ذلك".
قالت ماشيدا: "لن تضعي في حقيبة يدك مفتاحا إنكليزيا أو أي شيء من هذا النوع. صحيح؟". وضحكت بسرور.
فكرت كاهو: لن يكون ذلك فكرة سيئة.
*
آخر مرة التقيا كان مظهر ساهارا يبدو فيها كأنه عائد من العمل إلى البيت، ببذة داكنة رائعة وربطة عنق، ولكنه في هذه المرة ارتدى ثيابا عادية تناسب عطلة الأسبوع - جاكيت من الجلد السميك، وجينز ضيق، وبوط عمل متهالك. مع نظارة شمسية مدسوسة في جيب صدر القميص. مظهر أناقة تامة. وصلت كاهو بعد التوقيت المقرر بقليل، وحينما وصلت إلى بهو الفندق كان ساهارا هناك، يكتب رسالة قصيرة لشخص ما. وحينما رأى كاهو، صعدت ابتسامة خفيفة على شفتيه وأغلق غطاء الهاتف الجلدي. وكانت على كرسي بجانبه خوذة سائق دراجة. قال ساهارا: "أنا أقود بي إم دبليو 1800cc. ومن بين كل البي إم دبليو لديها قوة فائقة على الحركة المرنة والمحرك يشخر بصوت قوي ورائع".
لم تقل كاهو شيئا. ودمدمت بصمت لنفسها: أنا لا أهتم بمركبتك - سواء دراجة بي إم دبليو، أو دراجة بثلاث دواليب، أو عربة يجرها ثور.
أضاف ساهارا: "أراهن أنك لست مهتمة إطلاقا بالدراجات، ولكن أردت أن أذكرها على كل حال، لمعلوماتك فقط F.Y.I" فكرت كاهو مجددا: هذا الشاب يعرف كيف يقرأ أفكاري.
جاء النادل فطلبت قهوة. وطلب ساهارا البابونج. ثم سألها: "بالمناسبة، هل ذهبت إلى أستراليا؟".
هزت كاهو رأسها. لم تذهب إلى أستراليا.
سألها ساهارا وهو يصنع مروحة في الهواء بكلتا يديه: "وهل تحبين العناكب؟ أراكنيدس؟ النوع الذي له ثماني أرجل؟".
لم ترد كاهو. فهي تكره العناكب أكثر من أي شيء، ولكنها لم تفضل أن تذكر ذلك.
قال ساهارا: "حينما ذهبت إلى أستراليا، رأيت عنكبوتا بحجم قفاز بيسبول. مجرد النظر إليه سبب لي الرعب. جعلني أرتجف. ولكن السكان المحليين يرحبون بهم في بيوتهم. هل تعلمين لماذا؟".
لزمت كاهو الصمت.
"لأنها ليلية وتأكل الصراصير. هي ما يمكن أن نقول عنه حشرات مفيدة ومساعدة. تخيلي عناكب تأكل الصراصير. دائما أدهشني كم هي بنية السلسلة الغذائية ذكية ورائعة".
جاءت القهوة وشاي الأعشاب، ولبعض الوقت جلس كلاهما أمام المشروبين بدون كلام.
قال ساهارا بعد عدة دقائق بنبرة رسمية: "أتصور أنك وجدت ذلك عجيبا. وقد أردت أن أراك ثانية هكذا".
لم ترد كاهو. ولم تجرؤ أن ترد.
فقال ساهارا: "ويجب أن أقول لك إنني مندهش حتما أنك وافقت على رؤيتي مجددا. أشعر بالامتنان، ولكنني مندهش لأنك وافقت بعد ما قلته من كلام وقح. كلا - ما قلته يتجاوز الوقاحة. كان إهانة لا تغتفر تضر بكرامة المرأة. حينما أقول ذلك للنساء، معظمهن لا يوافقن على تجديد اللقاء. وهو شيء متوقع حقا".
معظمهن - كررت كاهو كلماته في ذهنها. فقد صدمها ذلك.
ثم تكلمت لأول مرة قائلة: " معظمهن؟. هذا يعني أنك قلت نفس الشيء لكل من قابلت من النساء؟ أنت تقول...".
بسهولة اعترف ساهارا: "بالضبط. أخبر كل النساء اللواتي ألتقي بهن بالضبط ما قلته لك: 'لم أشاهد أي امرأة قبيحة مثلك'. وبالعادة حينما نستمتع بالعشاء وتكون الحلوى قد قدمت للتو. في هذا المجال التوقيت يحدد كل شيء".
سألت كاهو بصوت جاف: "لكن لماذا؟ لماذا عليك أن تفعل شيئا كذلك؟ لم أفهمك. أنت تجرح الآخرين بدون سبب. تنفق الوقت والنقود فقط لجرح الآخرين؟".
حرك ساهارا رأسه قليلا وقال: "لماذا - هذا هو السؤال الحقيقي؟. ولكن الشرح معقد. لذلك لماذا لا نتكلم عن أثر مثل هذه الأقوال. ما يفاجئني دائما هو رد فعل النساء اللواتي أكلمهن بهذا الكلام. ربما تعتقدين بعد النطق بتلك الكلمات بوجوههن، معظمهن تشتعلن بالغضب، أو بالضحك الساخر. هناك نساء من ذاك النوع. ولكن ليس كثيرات حقا. ومعظم النساء... تشعرن بالإهانة. وبعمق ولفترة طويلة. وفي بعض الحالات، تنطقن بشيء غريب. شيء يصعب فهمه". ساد الصمت لفترة. وبعد بعض الوقت، بددته كاهو قائلة: "وأنت تقر أنك تستمتع برؤية ردود الأفعال هذه؟".
"كلا. لا أستمتع به. ولكنني أجده غريبا فقط. كيف أن نساء جميلات على نحو واضح، أو على الأقل فوق المعدل كثيرا، ويقال لهن علنا أنهن قبيحات، تنتبهن على نحو ملحوظ أو تشعرن بالإهانة".
ببطء بردت القهوة التي لم تلمسها كاهو، وببخارها الذي يعلوها. ثم قالت بحزم: "أعتقد أنك مريض".
أومأ ساهارا قائلا: "أظن ذلك. ربما أنت على حق. ربما أنا مريض. لا أعذر نفسي على أي شيء، ولكن بعين المريض يبدو العالم أشد مرضا. صحيح؟ - في هذه الأيام الناس ينتقدن بشدة المظهر. ومعظم الناس ينتقدن بصوت مرتفع مسابقات الجمال. ذكر كلمة 'نساء قبيحات' في العلن تسبب الضرب. ولكن تفحصي التلفزيون والمجلات. هي حافلة بالإعلانات عن مواد التجميل، وعمليات التجميل، ومساجات السبا. ومهما نظرت بالأمر، يبدو أن المعايير مزدوجة لدرجة مضحكة وبلا معنى حقا؟".
اعترضت كاهو. فقال ساهارا: "نعم. أنت محقة. أنا مريض. هذه حقيقة لا تنكر. ولكن أن أكون مريضا أمر ممتع، وهذا يتوقف على زاوية النظر. المرضى لهم مكان خاص لا يرتاح له غير المرضى. مثل ديزني لاند للمضطربين نفسيا. ولحسن الحظ لي أيضا. ولدي الوقت والنقود لأستمتع بذلك المكان".
وقفت كاهو بدون كلام. حان وقت وضع حد لهذا. فهي ليست جاهزة للكلام مع هذا الرجل بعد الآن.
قال ساهارا لكاهو وهي تقف هناك: "انتظري ثانية. هل يمكنك منحي القليل من وقتك؟. لن أحتاج لفترة طويلة. خمس دقائق تكفي. أود منك أن تنتظري وتسمعيني".
ترددت كاهو لفترة وجيزة، ثم احتلت مقعدها ثانية. لم تكن تريد ذلك، ولكن كان هناك شيء في صوت الرجل ورأت أنه يصعب عليها مقاومته.
قال ساهارا: "ما أردت قوله لك أن ردة فعلك تختلف عن غيرك. حينما أهنتك بتلك الكلمات الفظبعة، لم تفزعي، ولم تردي بغضب، ولم تضحكي بتهكم، ولم يظهر أنك متضررة بها. ولم تسمحي لهذه العواطف المؤسفة أن تستولي عليك، واكتفيت بالنظر لي بإمعان. كما لو أنك تدرسين بكتريا تحت ميكروسكوب. وأنت الوحيدة التي تصرفت بتلك الطريقة. وقد تأثرت بها. وفكرت، لماذا لا تشعر هذه المرأة بالإهانة؟ ولو كان هناك شيء ما يجرحها بعمق، حسنا، إذا، فما هو؟".
قالت كاهو: "إذا أنت تتصرف هكذا. ترتب لهذه اللقاءات المقررة، مرارا وتكرارا، فقط لترى ردود فعل النساء؟. هل هذا هو الموضوع؟".
خفض الرجل رأسه قائلا: "لم يكن هناك كثيرات. فقط حينما تقدم الفرصة نفسها. لم ألجأ لتطبيق مواعيد أو أي شيء. الأمور المبسطة جدا مضجرة. معارفي يقدمونني، ولا أقابل غير نساء بخلفيات أعرفها. قديمات الطراز، ولقاءات يرتبها طرف ثالث omiai-type هي الأفضل. التعارف بطرق المدرسة القديمة. وجدت ذلك مثيرا".
قالت كاهو: "ثم تهين المرأة؟".
لم يرد ساهارا. وبصعوبة منحها ابتسامة سرعان ما تلاشت. ثم مد يديه أمام صدره، وتأملهما قليلا. كما لو أنه يفتش عن أي تبدل في خطوط راحتيه. ثم قال ونظره إلى أعلى: "كنت أتساءل إذا ما كنت توافقين على الركوب معي على الدراجة. فقد أتيت بخوذة إضافية من أجلك. والطقس اليوم جيد، وبوسعنا الاستمتاع بالتجوال. سجل العداد أنني تجاوزت خمسة آلاف كيلومتر، ومحرك بي إم دبليو غير الأفقي والذي أعتز به جاهز لدرجة مثالية".
بدأ هياج لا ينكره أحد يغلي في داخل كاهو. مرت فترة طويلة منذ شعرت بهذا الغضب. أو ربما هذه هي أول مرة. يمكننا الاستمتاع بالتجوال؟ بحق الجحيم بماذا يفكر؟. قالت كاهو محتفظة بعواطفها لنفسها، وبصوت هادئ بقدر الإمكان: "سأتجاوز ذلك. هل تعرف الشيء رقم 1 الذي سأطلبه حالا؟".
هز ساهارا رأسه. وسألها: "وماذا يكون؟".
"أن تترك مسافة بيني وبينك. مسافة قليلة. لتتمكن من تنظيف هذه القذارة التي أحملها".
قال ساهارا: "مفهوم. فعلا. أعتقد لسوء حظي أنه يجب أن أيأس من التجوال والعبث معك في هذه المرة. ولكن ما رأيك؟. هل تعتقدين أن الاحتفاظ بمسافة عني ستنفع؟".
"ماذا تعني؟".
بكى ولد في مكان ما. نظر الرجل بذلك الاتجاه، ثم عاد بنظره إلى كاهو. وقال: "ستفهمين بعد قليل. ما أن أهتم بشخص لا أفلته بسهولة. وربما يدهشك هذا، ولكننا أنا وأنت غير متباعدين جدا بمعيار المسافة. اسمعيني. الناس لا يتملصون من حلقات السلسلة. مهما حاولوا أن لا يروها، وحتى إذا لم يريدوا أن يلمسوها. ابتلاع شيء وأن يبتلعك شيء وجهان لنفس قطعة النقود. وجه وقفا. رصيد وديون. هذا هو حال العالم. وأعتقد أنه ربما نلتقي ثانية في مكان ما.
*
فكرت كاهو: يجب أن لا أقابل هذا الرجل ثانية. كانت متأكدة من هذا وهي تغادر بسرعة باتجاه الباب. كان علي أن أخبر ماشيدا بكل وضوح عن قراري حينما اتصلت بي في تلك المرة، وأقول لها: "كلا. شكرا. لن أقابل هذا الشخص مجددا". ولكنه الفضول. الفضول قادني إلى هنا. أعتقد أنني أردت أن أجد هدف هذا الرجل بحق السماء. ماذا يريد. أعتقد أنني أردت أن أعرف ذلك. ولكن كان ذلك خطأ. استعمل الفضول كطعم خدعني به بمهارة، مثل أفعال العنكبوت. مر تيار بارد بعمودها الفقري. وفكرت: يجب أن أذهب إلى مكان دافئ. كانت الرغبة قوية جدا. جزيرة في الجنوب، بشاطئ أبيض. أستلقي هناك، وأغمض عيني، وأغلق ذهني، وأترك ضوء الشمس يغمرني.
*
مرت عدة أسابيع. أرادت كاهو بالطبع أن تطرد من ذهنها أي فكرة عن ذلك الرجل، ساهارا، بقدر ما تستطيع. وأن تغسل هذا الجزء المجدب، والذي لا علاقة له بحياتها، وتودعه في مكان لا تراه مجددا على الإطلاق. ولكن وهي تعمل على طاولتها في الليل، كان وجه الرجل يستيقظ في ذهنها فجأة. مبتسما ومتأملا بدون أي سبب محدد في أصابعه الطويلة والرقيقة. بدأت تنفق المزيد من الوقت أمام المرآة، أكثر من قبل. كانت تقف أمام مرآة الحمام، وتتفحص بحرص تفاصيل وجهها، كأنها تتأكد من شخصيتها. وخطر لها أنها غير مهتمة بأي شيء من ذلك. هذا هو وجهها بالتأكيد، ولكنها لا ترى أي شيء يؤكد أن هذا هو وجهها. حتى أنها أصبحت تحسد رفيقاتها اللواتي أجرين عمليات تجميل. هن تعلمن - أو على الأقل تعتقدن أنهن تعلمن - أي جزء من وجوههن، تبدل بالجراحة، لتصبحن أجمل، وأكثر رضا عن مظهرهن. ولم تتمكن من أن لا تفكر: ربما تنتقم حياتي بذكاء مني. وحينما يحين الوقت، ربما تسترد حياتي ببساطة ما تدين لي به. رصيد وديون. كانت كاهو تفهم ذلك، ولو أنها لم تقابل الرجل، ساهارا، لما فكرت بهذه الطريقة. وقالت لنفسها: ربما كان ينتظر بصبر، ولفترة طويلة، أن تظهر أمامه. مثل عنكبوت عملاق ينتظر فريسته في الظلام.
*
أحيانا تمر دراجة نارية في الشارع بجانب شقتها، في وقت متأخر من الليل، حينما يكون الجميع نياما. وكلما سمعت الهدير الجاف والمنخفض، دقات المحرك، يرتجف جسمها قليلا. وتضيق أنفاسها، ويسيل عرق بارد تحت إبطيها. قال لها الرجل: "أتيت معي بخوذة إضافية". تصورت نفسها تركب على مؤخرة تلك الدراجة البي إم دبليو. وتخيلت إلى أين يمكن أن تأخذها تلك المركبة القوية. أي نوع من الأمكنة ستأخذني إليها؟.
وقال لها الرجل: "بمعايير المسافة نحن، أنا وأنت، لسنا متباعدين".
*
بعد ست شهور من اللقاء الغريب ذاك، كتبت كاهو قصة أطفال جديدة. في إحدى الليالي، كانت تحلم أنها في قعر بحر عميق، وحينما استيقظت شعرت كما لو أنها أصبحت فجأة على السطح، طافية من أسفل البحر. ذهبت مباشرة إلى طاولتها وكتبت قصة. لم تستغرق طويلا لتنتهي منها. كانت القصة عن فتاة تبحث عن وجهها. في لحظة ما، فقدت البنت وجهها. سرقه أحدهم وهي نائمة. وتوجب عليها أن تفعل شيئا لتسترده. ولم يمكنها أن تتذكر على الإطلاق كيف كان وجهها يبدو. حتى أنها لم تعرف إذا كان وجها جميلا أو دميما، مستديرا أم نحيفا. سألت والديها وأخوتها ولسبب ما لم يتذكر أحد نوع وجهها. أو بالأحرى لم يرغب أحد أن يخبرها بالحقيقة. فقررت الفتاة أن تخرج وحدها برحلة تفتيش عن الوجه. ولبعض الوقت وجدت وجها مناسبا، فثبتته حيث يجب أن يكون مكان وجهها. من دون وجه من أي شكل، سيجدها الناس الذين تقابلهم في طريقها غريبة. تجولت الفتاة في كل أنحاء المعمورة. صعدت الجبال العالية، عبرت الأنهار العميقة، مشت في الصحارى الواسعة، وتمكنت من شق طريقها عبر الأدغال المتوحشة. وكانت متأكدة أنها إذا مرت بوجهها ستعرفه حالا. قالت لنفسها: ما دام هذا هاما جدا لوجودها. وأثناء سفرها، قابلت العديد من الناس. وحصلت على مختلف أنواع التجارب العجيبة. وتقريبا دهسها قطيع من الفيلة، وهاجمها عنكبوت أسود عملاق، وركلتها جياد برية. مرت فترة طويلة، وهي تتجول في كل مكان، وفحصت وجوها لا تحصى في طريقها، ومع ذلك لم تجد وجهها. ما رأته دائما وجوه الأخرين. ولم تعرف ماذا تفعل. وقبل أن تقرر تحولت من فتاة إلى امرأة بالغة. هل يستحيل عليها رؤية وجهها ثانية؟. وسقطت في براثن اليأس. وحين كانت جالسة على قمة خليج في الشمال، وهي تبكي بيأس تام، ظهر رجل طويل وشاب بمعطف من الفرو، وجلس بقربها. طار شعرها الطويل قليلا في ريح البحر. تأمل الشاب وجهها، وابتسم ابتسامة واسعة، وقال لها: "لم أشاهد امرأة بوجه جميل مثل وجهك". ثم أصبح الوجه الذي اختارته وجهها الحقيقي. كل أشكال التجارب وكل أنواع العواطف والأفكار، اندمجت معا لتشكل وجهها. هذا هو وجهها، وجهها وحدها. وتزوجت من الرجل الشاب، وعاشا بفرح في المنطقة الشمالية. لسبب ما - ولم تتأكد كاهو من السبب - بدا لها هذا الكتاب وكأنه أشعل شرارة شيء في قلوب الأطفال، ولا سيما الفتيات البالغات سن مراهقة مبكرة. وتابع هؤلاء القراء الصغار بشوق مغامرات وتجارب الفتاة وهي تنطلق في العالم الواسع بحثا عن وجهها. وفي النهاية حينما وجدت الفتاة وجهها، واكتشفت السلام الداخلي، تنفس القراء الصعداء. كان الأسلوب بسيطا، ورافقه صور رمزية توضيحية، رسمتها كاهو بلون الكروم.
وأتت تلك الحكاية - الكتابة والصور - لكاهو بنوع من الشفاء العاطفي أيضا. وأدركت: يمكنني أن أعيش في هذا العالم كما أنا، كما أنا فقط. لا شيء يدعو للخوف. والحلم الذي شاهدته في قعر البحر علمها ذلك. وتضاءل الاضطراب الذي شعرت به، في وسط الليل. ومع أنه لم يمكنها الإقرار بذلك فقد تلاشى تماما. وباع الكتاب على نحو ثابت، وشاع على الألسن، وحصل على قراءات جيدة في الصحيفة. فاهتمت ماشيدا به.
قالت لها: "أعتقد أن كتاب الأطفال هذا أصبح من لائحة المبيعات المفضلة لفترة طويلة. وقد تشكل عندي هذا الإحساس. أسلوبه مختلف كليا عن بقية كتبك، وهو ما أدهشني أول الأمر. ولكن أتساءل من أين أتيت بفكرته؟".
ردت كاهو بعد أن فكرت بالموضوع لدقيقة: "في مكان معتم وعميق جدا".
***
....................
* ترجمها عن اللغة اليابانية فيليب غابرييل.
* نشرت القصة في النيويوركير. عدد 8 تموز 2024.






