ترجمات أدبية

زيدي سميث: الصمت

بقلم: زيدي سميث

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

اتسع في داخلها صمت مهيب. ولكن جعله ذلك يبدو دراماتيكيا أكثر مما هو عليه. حصل الأمر على درجات، وتنامى وهو يزحف بخبث. وفي بعض الأوقات، وفي بعض الأماكن والظروف، كان متوقعا ومرحبا به - في نزهة طويلة، أو حينما يعترف شخص بشيء بائس، أو في جنازة، أو احتفال. في كل تلك الأماكن، حيث كان لديها الكثير لتقوله في إحدى المناسبات - الكثير جدا إن شئت الحقيقة - ولكن الآن لدينا هذا الصمت، كما أنها أصبحت مستمعة بشكل أفضل مما كانت عليه بما لا يقارن.

كان ذلك أحد النتائج غير المتعمدة. فهو ليس صمت الزن أو الصمت التنويري أو شيئا تتعب من أجل تحقيقه. ولكنه نوع من أنواع البياض. في إحدى المرات، وفي استراحة عاجلة، لاحظت عبارة مكتوبة على جسر في باريس تقول: "العالم أي شيء يدل على قضية" (كانت مكتوبة بالإنكليزية ولذلك علقت في ذهنها). وكان شعورها بالصمت هكذا: إنه يوضح نفسه. ولكنه أيضا قد يستفز ويخيب أمل الآخرين، ويبدو كأن العالم لا يكفي بعض الناس. لكنه لا ينفع، على سبيل المثال، في المناسبات العائلية الكبيرة أو حينما تناديها إحدى بناتها من غرفة أخرى، أو إذا طلب شخص ما في العمل رأيها عن أخبار اليوم. قد يجعل هذا الآخرين يشعرون بالضيق. ولكنه لا يزعجها حين تكون وحدها، وتمارس عادتها القديمة، وهي النظر إلى أغصان الأشجار العالية.

حينما ينظر شخص إلى شجرة، لا نتوقع منه أي كلام أو تفكير: يمر الضوء بصمت من بين عناقيد الأوراق، ولا تجد شيئا تقوله. ولهذا التوافق (الأوراق، الضوء، الصمت)، والذي تجده في كل مكان، ويسهل جدا تمريره، القوة الكافية ليدفعها إلى البكاء - "دموع سعيدة"، كما تسميها بناتها. ولذلك غالبا تذرف الدموع. وتسيل على وجهها باستمرار، لأن رموشها ليست كثيفة، ولا تستطيع حبس دموعها. كما أنها كانت تستعمل الكثير من الكحل. وفكرت: على بعضهم تنبيه بناتها. ولكن هذا لا يحصل بسبب الصمت.

كانت شارون تشعر أنها شابة من الداخل، مثل الجميع، ولم تتبدل أساسا منذ بلغت سن الرشد، وغالبا ما عانت من مشكلة اندماج الصورة التي تراها في المرآة مع روحها الشابة التي تشعر بها. وهنا يأتي نفع الصمت - فهو يوضح. لأنها حتما ليست مثل ركاب الحافلة المراهقين والثرثارين. وقد استنتجت من مقارنة صمتها مع زعيقهم، أنها كبيرة العمر جدا، مثل شجرة. ولم يكن كلامها قليلا جدا بالمقارنة معهم، ولكن أيضا صوتها الداخلي - السرد الداخلي الموجود دوما، المونولوج الذاتي، والذي تعلم الآن أنه كان بمعنى من المعاني يحضر نفسه ليؤدي دورا، وهكذا قد يصبح شخصية لها كيانها أمام الآخرين في هذا العالم. وتأمل أن يحبها أو يتفاهم معها أولئك الآخرون - ولكن اضمحل وتلاشى ذلك أيضا. ولم يكن حال الأولاد في الحافلة هكذا، وأي أحمق يمكنه ملاحظة ذلك. فهم يواصلون الكلام. مع أنفسهم ومع أي إنسان مستعد للإصغاء. وكلما بلغ سمعها ضجيجهم يدفعها عمليا للارتباك والعودة بأفكارها إلى ثلاثين عاما خلت، وكيف كانت تتهور بالكلام في حفلات عيد الميلاد والشواء وتجمعات الكنيسة واللقاءات الودية جدا - كانت تثرثر دون توقف!. دون شعور. وكان الكبار ودودين معها، وهي تطمح في هذه الأيام لتلك الروح الودودة بالضبط، وتبذل جهدها عمدا لتبدو مهتمة بثرثرة بنتيها، وقد قطعت وعدا على نفسها أنها لن تطلب من أي منهما الصمت، فهو مزروع في داخلك أحيانا وفي وسط حياتك، حتى دون أن تنتبه له، ثم يتطور في الظلام كالبرعم، ليلة بعد ليلة، حتى يخترق فجأة سطح تربة حياتك ويستلم زمامها.

حتى الآن كانت شارون تعمل في مستشفى وفي عنبر الأمهات اللواتي يعانين من ذهان الولادة. لكنها ليست طبيبة أو محللة نفسية - بل تعمل في الإدارة - ومع ذلك تتضمن واجباتها إدارة ومراقبة النساء الشابات والمضطربات، وكانت وظيفة المستشفى العناية بالأطفال والأمهات في لحظة الأزمة، ولذلك لا يصرف الأولاد، ويتم توطينهم بشكل دائم. وهو عمل مهم ومدعاة للاطمئنان. وطيلة عشرين عاما كانت تشعر أنها بمكانها الصحيح، وتقوم بواجب يمكنها أداؤه، في هذه الزاوية من لندن.

يعود جزء من هذه القناعات إلى طفولتها، فقد عانت، مما تعلم الآن، أنه لا يسمى الجنون. كان عمرها حينها حوالي عشر سنوات. وقفت أمام مرآة في شقة والدتها وتشكلت لديها "أفكار لجوجة"، وبعد عدة أيام بدأت تسمع في رأسها الأصوات، أصواتا متعددة، ومرتفعة. وترافقت هذه الأصوات مع الإحساس "برؤية" جمل تتحرر من الصفحة، وتدور حول غرفة نومها، وكانت تعوم على السقف وأمام عينيها، وكلها تقريبا من الإنجيل. ولحسن الحظ، مهما كان ذلك، لم يستمر، أيام قليلة، وبعدها لم يتكرر. وأشعل ذلك فيها شرارة فضول دائم. في عمر المراهقة شاهدت الكثير من الأفلام التي تدور أحداثها في مصحات عقلية، حتى شعرت أنها مناسبة للعمل في هذا المجال. ولكنها لم تكن متخصصة بالرياضيات أو العلوم، وكانت كسولة في المدرسة، وتكره تكبر وتعالي الأطباء، سواء في السينما أو في الواقع. وحينما خضعت لفحص الطفولة، بدا أنها مضطربة، وحين اجتمعت مع المستشارين النفسيين في المستشفى بعد عدة سنوات، لم تبدل رأيها. وكانت تستمتع بعملها. وتعتز أن عملها لا يمكن الإعلان عنه أو تحويله إلى شخص آخر ببساطة: كانت مهمتها خاصة ومبنية على مهارتها، مثل ثوب مفصل لها فقط. كانت سكرتيرة وإدارية، نعم، ولكنها تعلم أيضا كيف تتكلم بالضبط مع الآباء المصدومين بعد مواجهتهم فجأة لثورة وعنف شريكاتهم، وتعلم كيف تطمئن أو تسلي الأطفال في غرفة العائلة، بينما أمهاتهم تصرخن وراء الجدران. وكانت تتعامل مع المحققين الحكوميين، والتأمينات الخاصة، والشرطة، والخدمات الاجتماعية، والمنظفين، والعمال، والقابلات، والممرضات، والخدمات النفسية (ولدهشتها لاحظت أن النساء الثريات تفقدن عقولهن). وكان الناس يقولون أشياء مثل "شارون هي القلب النابض لهذه المهنة"، وحين يتكلمون هكذا لا تسرف بالتواضع، أو تؤيد كلامهم: هذا صحيح. يمكنها الكلام مع أي شخص، دون أن تطلق الأحكام. وهذه هي أهم مهاراتها، ويقر لها المستشفى بذلك. كانت قادرة على ضبط نفسها، بينما كل ما حولها يعاني من هذا القلق الغامض والساحر والذي كانت تسميه الجنون، فهو يبتلع المرأة كلها، ويخلق غمامة من سوء الفهم بين النساء والعالم. لم يكن من مهامها أن تصحح سوء الفهم هذا. وعملها يقتضي أن تكون أحوال العنبر مقبولة للطرفين، "العاقل" و"المجنون". كانت تلجأ لذلك حينما تتكلم مع نفسها. ولكنها لم تفهم تماما منطق المرأة. وقد توصلت إلى ملاحظاتها الأولية، بعد سنوات من مراقبة المريضات اللواتي تعرضن للهوس الذهني والأصوات الشيطانية، والهلوسة، والبارانويا، والعلامات والرموز، وتقاطع وتداخل كل الأشياء.

لاحظت تكرار ظاهرة عبور تلك العلاقات من خلال صور مألوفة لديها - المسيح، مريم العذراء، الشيطان، الملائكة، الجن - وارتاحت لسيل هذه الأفكار المستمرة، وطريقة بروزها حتى هنا، في الجهة الأخرى من العقل. ومرة، ارتكبت خطأ وحاولت الإعراب عن رؤاها لمحللها النفسي. ولكنها عبرت عن نفسها بحماقة، وارتباك، حسنا - كان من الضروري أن تصارحه بتلك الطريقة؟. وبحضور الممرضة؟. قال لها المحلل: في المغرب يسمونه الله. وكانت لهجته كأنه يكلم طفلة، لكن الجميع في نيويورك يعتقدون أنهم في فيلم "برنامج ترومان". وفي جزيرتك ربما يسمونه الأرواح. السياق مختلف. ولكن عدم فهم المريض للواقع وتطوراته يبقى نفسه. هزت رأسها لهذا المحلل، وقررت في سرها أن لا تصارحه بعد الآن. وحدث ذلك حينما بدأ الصمت يتغلغل بجذوره في داخلها. وهي تعلم أن هذا غير منطقي، ولكنها أنحت باللوم على المحلل. كان مثل رجل لفظ من فمه بذرة تفاح على الأرض، ولم يتخيل أن ينمو منها شجرة في وقت لاحق.

كانت تشعر بالأهمية وهي في العنبر، وفي فترة كوفيد كانت تدرك أنها في مكانها. وبعد فرض أدوات الحماية الذاتية، ارتدت الكمامة، وبهذه الطريقة اكتشفت أنها موهوبة بالكلام مع الناس باستعمال عينيها. وتبين أنه لا يتمتع كل الأشخاص بهذه الموهبة. ارتعبت النساء في العنبر من الغزو المفاجئ لأشخاص مقنعين بكمامات. وحتى وهن في أوهامهن العميقة، لم تعتقد أي واحدة أن شارون المقنعة عفريت أو جنية أو زومبي، ولكن اعتقدن أن المحللين النفسيين كذلك. وأصبحت فعلا عاملة ضرورية. وخلف كمامتها تبرعم الصمت. لم تخسر بعدم الكلام مع المحلل، ولكن كان المفروض أن تكلم الممرضات والعائلات وامرأتين تديران المكتب معها، وأصبح ذلك أصعب بالتدريج. عانت لسنوات، دون أن تخبر أحدا، حتى أصبح الصمت عائقا في عملها، وخطرا يخيم على المرضى.

جرت محللة نفسية معروفة شارون جانبا، وتكلمت معها عن سلسلة من العقاقير التي تتناولها، وهي "منحة إلهية" - ومن الواضح أنها "أنقذتها". وإذا لم تحصل عليها من خدمات الصحة الوطنية، ربما بمقدورها أن تفعل، بعد القليل من الجهد، ولكن مهما كان الدواء الذي وصفته لها الخدمة الصحية، لن يكون على الأغلب "هرمونا مناسبا". أصغت شارون بصبر لكل هذا اللغو، ثم عادت إلى غرفتها، وتابعت يومها. بعد عدة أسابيع، شاهدت، إفيجينيا، عاملة النظافة، شارون وهي تتلألأ بالعرق وتغرق بالصمت، وتحدق بالفراغ. قالت لها إفجينيا إن النساء في غينيا تأكلن اليام. في نفس اليوم، ذهبت شارون إلى متجر يبيع الطعام الإفريقي، في كيلبورن هاي رود، واشترت اليام أكثر من المعتاد، وسلقته وطحنته، وأكلته مع أي وجبة، لعدة شهور. اعتقدت بنتاها أنها جنت. كان زوجها يحب اليام وسره هذا الإقبال المفاجئ. لكن استمرت حالة الصمت.

قررت أن تتقاعد بوقت مبكر. في آخر يوم، حملت العلبة واتجهت إلى غرفتها لتنظيفها، أزالت الدبابيس عن بطاقات البريد والصور التي زينت بها المكان لوقت طويل، وكل واحد منها، كما ترى الآن، لوحة لشخص صامت، مع أن الصمت في كل حالة كان مختلفا. رأس هايفي من نيجيريا يعبر عن صمت متكبر. كبرياء إمبراطورة مكتفية بذاتها. أما الصورة القديمة لزوجها فقد كانت صامتة لأن ذلك الرجل الشاب لم يعد موجودا، وحلت محله ثماني أو تسع نسخ مختلفة وكلها لرجل واحد. ولم تعد تتذكر لماذا كان هذا الصبي الوسيم فيما مضى مبتسما، ولأن فمه مفتوح قليلا، وكأنه يشرف على الكلام، ماذا كان يود أن يقول. ولكن ها هو يجلس، باسما، في مقهى بمدينة باث، وخلف رأسه حجر أصفر أوليتي مغمور بالشمس، رجل شاب معافى، ولا يحمل أي فكرة تنم على غير ذلك. وفي عطلة ذلك الأسبوع وجهت لكليهما أسئلة عن المبنى - وكانت أول عطلة لهما خارج لندن - وهكذا علما أن الأحجار في باث تدعى الجير الأوليتي. لكن زوجها الآن معلول في صمامات قلبه، وأصبحت مسؤولية العائلة كلها على كاهلها. كان العالم يأخذ هذا الاتجاه بكل تفاصيله.

بجوار زوجها - الصغير توجد صورة لأعز صديقاتها، باسمة وصامتة، وفي إطار، وكأنه صمت القبور. وعلى قفا الصورة، سجلت دار الجنازات اسمها، وتاريخ ولادتها وموتها، مع جملة تقول: "ما كتب على جبينك، سيتحقق لا محال". وهذه نغمة إنجيلية، مع أن صديقتها جزائرية مسلمة. وعندما بحثت شارون بغوغل، ذكر برنامج الذكاء الصناعي إن العبارة هندوسية وإلى حد ما لها علاقة بالإسلام، وتعني أساسا أنك ستجني ما هو مقدر عليك. عبست، وهي تقرأ ذلك. القدر لا يستميلها، لا بمعناه عند الآخرين ولا بمعناه في دينها. وهو حكاية ثقيلة الوطأة، وتحتاج للكثير من التنبؤ. ولا توفر ما يكفي من الصمت. ولم تحب قول ابنتها أن "كل ما يجري له سبب". ولو أن هذا صحيح واضطر الجميع لقبول المكتوب عليهم، هذا يعني أن ذلك الشاب ضحية شخص دفعه أمام قطار، وأن الأطفال تعرضوا للقصف من فوق، وأن النساء اغتصبن خلال انقلاب، وبالطبع، أن السرطان الشرس هو من أودى بحياة صديقتها الجزائرية حين بلغت السابعة والثلاثين فقط. لكن كلا.

آخر بطاقة بريدية هي التي تحمل صورة بنت نهضة هارلم. بنت جميلة بثوبها الزهري الأنيق. وكان صمتها نفاذا. لونها أسود، جميلة، بتسريحة شعر متموجة، وكانت تبدو قليلا كأنها جدة شارون. ويمكنك القول إن بنت هارلم مضطربة. كان الوقت عام 1927، وكانت تتساءل عما يخبئ لها مستقبل أمريكا. هناك بالتأكيد أشياء كثيرة عن المستقبل وبمقدور شارون أن تخبر البنت عنها، تنبؤات عما سيلحق بشعبها، خلال ما تبقى من القرن العشرين وما بعد. ولكن إن تكلمت مع بطاقة بريدية في عنبر للأمهات المضطربات نفسيا، سيعتقدون أنك مجنون. بصمت، انتزعت صورة بنت هارلم من أطراف شاشة الكومبيوتر. وتخلصت من اللصاقة الزرقاء الموجودة على القفا وأضافتها إلى العلبة، لتكون برفقة الصامتين الآخرين.

ست وخمسون سنة عمر مبكر للتقاعد، ويشعر الجميع حيال ذلك بالقلق. وليس واضحا لأي كان كيف أن امرأة بعمرها وخلفياتها ومهارتها، تستطيع كسب عمل آخر في هذا الوضع الاقتصادي. كان لدى زوجها وبناتها الكثير مما يقال في هذا الموضوع. الكثير جدا. ماذا تعتقد بنفسها لتتقاعد؟ وكيف سيعيشون؟ (ما تزال ابنتاها في البيت. وليس لديهما عمل. وزوجها يستفيد من الجعالة). هذه كلها أسئلة هامة وتتطلب إجابات ولكن لا يمكنها النطق بشيء. عوضا عن ذلك غرقت بالإنترنت، وبحثت عن رحلة طيران بسعر تسع وثمانين جنيها، مع حقيبة يد فقط، وسافرت إلى كراكوف. زارت كراكوف من قبل مرة واحدة، حينما كانت شابة وكراكوف أرخص من روما أو باريس، وأقل استفزازا بما لا يقاس: ليس هناك الكثير الذي يفترض أن تعرفه عن الأمر مسبقا. ولكن المدينة لم تشاهد نساء كثيرات مثلها، وحينما كانت تسير على الطريق المبلط نظر إليها رجل وصاح شيئا لم تفهمه. فقد زوجها أعصابه من جراء ذلك وتشاحن مع الرجل - مع أنها توسلت إليه أن يتجنبه - وبعد ذلك أنفقا جزءا من أول عطلة أوروبية قصيرة وهما يتجادلان في الشارع. في هذه الأيام تبدو المدينة مزدحمة بالقادمين الجدد، من كل زاوية من المعمورة، وربما نتيجة ذلك لم ينتبه أحد لشارون. فعليا كأنها ليست حاضرة. ولم يعد عليها أن تزور مدينة أجنبية وكأنها امتحان لها، وكانت موقنة أنه مكتوب عليها الفشل. ولم يكن هناك أطفال، لا صغار ولا كبار، كي تجادلهم أو تبحث لهم عن دورة مياه، ولا زوج لتناقشه عن المطاعم أو الأسعار المحلية، ولا أحد يناديها باللغة البولونية. ولا مخططات لزيارة المتاحف ولا وقائع لتقرأها. ولا خط سير على الإطلاق. كان الوقت في آب، والطقس جميلا. جلست في ساحة عامة تحت شجرة دراق. ومر الضوء من خلال حاجز شكلته أوراق الأشجار.

جرت مناقشة في فترة العطلة القصيرة والتي مر عليها عهد طويل، ومفادها: هل كان الرجل البولوني يشتم أم يتحرش جنسيا، وكان الاحتمال الثاني أقوى، بسبب الثوب الصيفي الأصفر الرقيق الذي ترتديه، وبسبب صدرها وساقيها وقفاها، حينها كان كل شيء في هذا السياق، وقبل الإنجاب، ومرض زوجها، وقبل مشاركتها في جنازات الأصدقاء- قبل كل ذلك. كانت وقتها تحمل جسدها مثل سلعة ثمينة. والآن تمر بها الجميلات، وهي جالسة على المقعد، وتفكر أنها كانت محقة طيلة السنوات التي خلت: كانت ثمينة، وهذا هو حال البنات اللواتي أمامها. الجميع يتكلم عن جمال الطبيعة، ولكن البشر أجمل كثيرا. شعرت شارون بذلك، حتى لو أن كلماتها تعجز عن التعبير عن ذلك. الطبيعة خلفية فقط، مثل مشهد في مسرح، تظهر فيه أشياء صنعها الإنسان. البشر هم الجمال والنور والهدف والغاية.

كان هذا واضحا لها دائما في العنبر، حيث كل شيء إما بلاستيك أبيض أو رمادي صناعي وهي ميزة المستشفيات البريطانية، وبالمقارنة كل امرأة شابة كانت مثل سهم مدهش ينطلق في السماء المعتمة. شيء منوم. وهي نفسها منومة. ولا تزال كذلك ولكن لا يلاحظ هذا أحد. يمكنها الجلوس على كرسي في أوروبا بلا حراك، ودون أن يقول شخص واحد كلمة لها، حتى تغيب الشمس من السماء. الصمت في الداخل، الصمت وحده. ولكن حتى لو أن جمالها ضاع في العالم، وتم استهلاكه، كما تأكل الصخرة في باث نور الشمس، وكما تأكل الأوراق الضوء لتصبح براقة، وتكشف عن هيكلها الهش، وتبدو مثل عظام أجنحة الخفاش - لا تزال ترى الجمال في الآخرين، وتبتهج به، بصمت. كالبنات الجميلات، طبعا نعم، وأيضا الجميع. وهي بالتأكيد تهتم بشجرة الدراق التي فوق رأسها، والضوء ينساب من بين الأوراق، ثم هجمة مفاجئة للخفافيش التي تطير على ارتفاع منخفض عبر الساحة، فوقها مباشرة - ولكن أبدا، لن يمكن لهذا الجمال الطبيعي أن يجعلها تغفل عن عظمة الإنسان. وحتى لو أنها لم تكلم شخصا آخر بقية حياتها، لا يمكنها أن تفقد هذه الفكرة.

فجأة رحلت الشمس، واشتعلت مصابيح الشارع. وهي ذات مظهر فكتوري، بأسلاك حديدية، ولكنها كهرباء. ولا ترى أحدا تدهشه طريقة إضاءتها للساحة بسرعة، لتكشف العشاق والسكارى والسناجب السريعة والمرأة السوداء الغريبة الجالسة وحدها على كرسي محدقة بشجرة دراق. بنظر شارون يبدو هذا اليوم الدافئ من آب، حتى لحظة خلت، طويلا وواسعا كالصمت. ويدهشها أن ينتهي، وأن هذه اللحظة من الجلوس على كرسي تحت شمس بولونيا لن تستمر حتى الأبد. أصبحت الرسائل التي ترن في جيبها الخلفي محمومة، وتأتي كل عدة لحظات. أصبح لديها الكثير لتتفقده. أخرجت الهاتف من جيبها، وضعته على فخذها، ونظرت إلى الوارد الأحدث:

رجاء يا أمي الوالد قلق.

من تعرفين في بولونيا؟؟

هل أنت في فندق؟ أي مكان للإقامة؟؟؟.

الحقيقة أنها كانت تنتظر أحدا يأخذها إلى السرير. حدقت بتعمد في المارة، وخصورهم بمستوى عينها، وأدركت أنهم لا يعلمون كم من السهل أن تقف وتتبع أحدهم إلى البيت. لن يكلفها ذلك شيئا. كيف يمكنهم تخيل ذلك؟. كانت صامتة. لم تكن تريد أن تطلب، أو ترفض، أو حتى أن تقبل- لا. أرادت أن توضح نواياها باستعمال عينيها، بدون أن تستعمل أسلوب ابنتيها اللبق والمعقول في طريقة التقبل - ولم تكن تريد أي مقدمات. أن يأخذها الصمت وتتقدم للصمت وتعود إلى الصمت. أي كان!. من يمر أو يجلس لحظة بجانبها على المقعد، أو تراه يشرب البيرة الأوروبية على طاولة في العراء تحت تلك المظلات المدهشة والصفراء بلون النرجس، كل شخص من هؤلاء الغرباء مرحب به كي يأتي ويخترقها أو يحضنها بطريقة ما - فيمتص وينكح ويبصق ويلتصق ويقبل ويعري ويقيد ويتمسك ويسيطر ويستسلم. لا توجد حدود بعد الآن. من تراب أتيت وإلى تراب تعود، وفي مكان ما في منتصف تلك العملية أصبحت حدودها سائلة، وربما تبدو شارون الآن، حرفيا، جاهزة لأي شيء. ماذا سيقول قسيسها إذا رآها؟. ربما احتلتها الشياطين، وهو ما يفكر به حول نساء العنبر. ولكن تبين أن القساوسة يعرفون أشياء ويجهلون أشياء. البنات أيضا: تعلمن أشياء وتجهلن أشياء. وكذلك الأزواج والمحللون النفسيون.

فكرت شارون إذا ضغطت ستعترف بوجود لغز عملاق في مركز العالم، جوهرة متعددة السطوح، ولا يوجد إنسان لمح منها غير سطح واحد. هي لا تعرف المبادئ العلمية، أو بالأحرى، البرهان اللاهوتي، ولكنها تعرف الكثير. في يوم قريب، ستموت وتدفن وستنمو زهور النرجس من شارون. وسينوح عليها زوجها - كان بينهما حب عميق - وسيستمر شيء من ويبقى مرئيا، بلا شك، وذلك من خلال بنتيها. ولكن بنظر كل إنسان آخر، ستكون مجرد جزء من العالم، يمكنك أن تلاحظه أو تتجاهله. وهو جزء واحد من كل تلك الأمور، أو كان كذلك، مثل كل شيء آخر. ولكن بالتأكيد يوجد لدى أحد هؤلاء البولونيين غرفة؟. مكان يسعها البقاء فيه حتى تنخفض الحرارة؟. ولكنها تحتاج لصياغة السؤال. هي لا تتكلم أثناء الجماع، وتركز عليه فقط، وربما بدأ الصمت كله من ذلك في حياتها، وهو يتغلغل الآن وينتشر في جميع تصرفاتها وأفعالها، وحتى العطل القصيرة. ما هي العطلة القصيرة؟. رفعت بصرها وشاهدت ضوء القمر ينفذ من بين أوراق الدراق، وهو رقيق كالفضة. سالت دموع السعادة على وجهها، ولم يوقفها شيء. وخشيت أنها قد تبدو بنظر أولئك البولونيين، مثل إنسانة عبرت المحيط بقارب ضيق، والآن تعيش في شوارع كراكوف، وعلى وجه التحديد في هذا المقعد.

ثم أدركت فجأة لماذا هي هناك. يبدو كما لو أن الكلمات أمامها، براقة وصفراء ومتصدعة، كما لو أنها مكتوبة في جو الليل بشرارة. روح كراكوف THE KRAKóW CHAKRA. مكان مقدس وصامت. قبل سنوات، أهاب كتاب سياحي بشارون المتزوجة حديثا، أن تبحث عن مكان يدعى قلعة فافيل، وأن تضع يدها على بقعة سقطت عليها الحجرة السحرية. يقال أنه ألقاها إله هندي، من الهند البعيدة حتى بولونيا. وفق ذلك الكتاب السياحي، دفنت الحجرة نفسها في كراكوف، في زاوية من باحة، داخل قلعة، ولذلك يأتي السياح من كل العالم ليكونوا بحضرتها. ليشعروا بالرجفة الناجمة عن الحجرة الغامضة. أو، في حالة شارون، لتأخذ صورة لزوجها الجالس بتصلب في تلك البقعة، ثم لتتبادل معه الأماكن، وتسلم نفسها له ليأخذ صورتها. ولاحقا ستوضع هاتان الصورتان فوق المدفأة الكهربائية في أول شقة لهما، ليتذكرا أنهما كانا سائحين أيضا. يمكنك أن تنظر إلى الأشياء وأن لا تكون فقط محط نظر الآخرين.

نعم، أتت إلى بولونيا لتقف مجددا في تلك الساحة الغامضة. في تلك الزاوية الخاصة. لتشعر بالطاقة الكونية. وشعرت بها فعلا في هذه المرة. فهي لن تقف هناك على قمة العالم بثوبها الأصفر كصبية جميلة وشكاكة وتحسن الدفاع عن نفسها، ولديها الكثير لتقوله. ولكن ككائنة صامتة متواضعة أمام العالم، وجاءت إلى هذا المكان من نقطة أدنى، أدنى بكثير، طاعنة بالسن لدرجة غير محدودة، ومع أنها نصف شجرة، لا تعرف غير جانب صغير من كل شيء، وهذا هو الحال. في الختام - في الختام - من يعرف كل الأشياء التي لا تعرفها. صامتة. بعكس زيارتها الأولى، وليس لديها شيء تقوله عن أرواح العالم السبعة، وحقائقها، أو خلاف ذلك. وبلا فكرة إذا كانت أرواح العالم تلك تتوازى مع الموجود في الجسد، علما أن كليهما غير موجود. امرأة بأواسط العمر بدون رأي عن التشاؤم القديم، ما يقول عنه زوجها "الأساطير الحضرية"، أو حتى عن شرعية المعتقدات باستثناء معتقدها، الذي تطبقه في أرض نائية، مع شعب أسمر، ومع أنها سمراء، لا يوجد بينهما أي قدر من التشابه.

وكما لو أنها في طابور لاحظت أنسانة من هذا النوع تقترب. ملاك مرسل. امرأة سمراء شابة بشعر غزير أسود، وترتدي جاكيت نورث فيس نفسه، والذي يرتديه الجميع في بولونيا، وربما كل من على هذه الأرض، باستثناء شارون، جاكيت قلل من سرعتها في كراكوف، لأنها كلما رأت الكلمات الثلاثة البيض هذه - "ال، وجه، الشمالي" - تشعر أنها مضطرة أن تقف وتنظر إلى الشمال. وعلى الأقل تعرف الآن لماذا. نهضت. واجهت الشمال. وها هي، على التلة - القلعة. تبعت البنت السمراء الخائفة شمالا، على طول الطريق إلى القلعة، وعند المدخل الذي انعطفت البنت منه يسارا ثم اختفت، وهكذا أدت واجبها، وقادت شارون إلى البوابات. وربما هذا ما جرى في منتصف حياة المرأة: قادوها إلى البوابات.

كم جميلة هي هذه القلعة. باحة من أيام النهضة محاطة بأجنحة كلاسيكية بيضاء - قوس، بعد قوس بعد قوس - مثل المدينة القديمة في كنغستون، جامايكا. كل ركن ذكرها بكل ركن آخر في هذه الأيام، كأن بداية حياتها تلتقي مع نهايتها القادمة. نظرت إلى خلفيات كل مكتبية، وطريقة الحجر في أكل الضوء ليلقي ظله. ثم هناك اللبلاب على الجدران، يعلو ويهبط لدى أبسط نسمة، كما لو أن الباحة نفسها تتنفس. تبعت شارون اللبلاب الذي يتمدد من جدار إلى جدار، ومجسات يائسة متمسكة، تلتف من زاوية إلى ما بعدها، مثل أم شابة تتحسس طريقها بحثا عن وليدها. رن الجرس. وبدا الناس مسرعين ليصلوا إلى الزاوية الغامضة المشهورة. لم يكن هناك مرأى خاص للجدار - كان زاوية فقط. ولكن أراد الجميع أن يقفوا هناك، وقريبا ستغلق القلعة أبوابها، فالوقت يجري. اتضح لشارون أن هناك طرقا كثيرة للتأقلم مع وضعها، وبدأ عدد من هذه الطرق يتضح أمامها، ولكنها لبعض الوقت تراجعت ونظرت بصمت.

بعضهم لمس الجدار براحته المبسوطة، انتظر دقيقة، وابتعد. بعضهم ضغط بقفاه على الجدار وهو في وضع نصف قرفصاء، العينان مغلقتان، كأنه يجلسو في كرسي وهمي. امرأة صلعاء شابة استلقت على الأرض ورفعت قدميها، وباعدت ما بينهما. الروح شاكرا هي طبيب خصوبتها. والشاكرا قابلة أتت لتوليد يسوع ابن المرأة، ولتوفير الأمان له، حتى أدركت أنه ليس المسيح حقا. وألقى شاب يرتدي نورث فيس بطنه على الزاوية، كأنه يريد أن ينكح شاكرا كراكوف، أو تصور أنها هكذا ستمنحه ميزة. نظر من فوق كتفه إلى الخلف نحو أصدقائه وهو يفعل ذلك، ضاحكا، فضحكوا معه. يبدو الشباب، بنظر شارون ذات الخبرات المحدودة، يتمتعون بالقليل جدا من إدراك اللغز المتعدد الوجوه، لدرجة اعتقدت فيها أن معظمهم يعمى عن اللغز. (ليس لدى شارون صبيان، ولكنها تعرفت على شباب يأتون ويغادرون من غرف نوم بنتيها). وتعتقد شارون أن وجوه العالم تكشف نفسها للناس في أوقات متباينة. هناك سبب يجعل الحكايات الخرافية تتكلم عن عجائز حكيمات، وبالعادة أكبر النساء في القرية تحملن أفضل خصال أنانسي (عنكبوت يتحلى بالمكر والحكمة - في حكايات غانا. هامش مترجم). 

اقتربت شارون من الجدار. على يسارها، بمسافة أقل من قدم، وقفت امرأة بيضاء مسنة. يمناها تبدو مثل معظم أيدي الناس، ولكن اليد الأخرى مسطحة جدا، ملونة بلون قرمزي وأخضر، مثل بطن السمكة، ومتدلية كسمكة ميتة. ويبدو أنها لا تتحكم بها. فهي لا تتحرك و لا تنتفض، متهدلة فقط، بدون حياة - كأنها تكملة. لم تشاهد شارون مثلها. للحظة نسيت شاكرا كراكوف. ومع أنها تكره أن يحدق بها أحد، وبحزم منعت ابنتيها، في طفولتهما، من التحديق، وجدت أنها الآن غير قادرة على كبح نفسها. العالم هو على ما هو عليه. تم استدراج الأسماك في جامايكا على شاطئ الكنوز، فاستلقت هامدة على الرمل، بفم مفتوح، وبدهشة بالغة لأنها ميتة، وبدون روح. وكذلك الأسماك التي تجدها في الجليد الذائب في متجر أسماك إيرلندي، تنشر رائحتها الكريهة في كليبورن هاي رود خلال الصيف، وذبابة الدواب جالسة في محاجرها. والآن اليد. تمتد للطفل المسيح، طاردة الأرواح الشريرة، متمسكة بالكلمات العائمة. أياد تعمل ولا تعمل. عقول تفكر ولا تفكر - أو انها لا تلتزم بالأسلوب الذي يتمناه المحللون النفسيون. بيت السمك هو البحر. والأسماك بلا روح. من نورث فيس وحتى ساوث فيس، من ضوء الشمس وحتى نور القمر، من بذرة إلى شجرة. يا له من عالم.

كانت المرأة أكبر من شارون بعشرين عاما. وترتدي صدرية مدرعة عليها زهور الربيع، وسروال كابري أزرق، وزوجا من الصنادل. لم تكن طويلة. سمحت لشعرها المتموج أن يكون أبيض، بينما الفلينات تتطاير في كل مكان مثل ورق ممزق ومتجعد يمكنك أن تلف به شيئا ثمينا. ثمينا جدا. ضمت العجوز قدميها ومالت إلى الأمام بزاوية ووضعت جبينها لصق شاكرا كراكوف، حيث طاقة العالم الغامضة كما يعتقد كثيفة جدا ومتاحة جدا للكائنات البشرية. وحالما لمس جلد المرأة المتجعد الحجر الأبيض، لاحظت شارون ابتسامتها. حكمة ما خرجت. رسالة سرية موجهة لهذه العجوز فقط، ذات اليد الميتة كالسمكة والمعلقة بجانبها، من غير ارتباط مع أي شيء. امرأة، فكرت شارون، لا تهتم و لا تفكر بما يظنه هؤلاء البولونيون عن مظهرها. كانت بمكان آخر يختلف عن مكان شارون - بعيدا عن شارون. وشارون قرابة أن ترى ذلك المكان فقط. وتأمل أن تبلغه في يوم ما. عند الفراغ الصامت تحت الأشجار على الجهة الأخرى من منتصف الحياة. كيف يكون الحال في البيت هناك، فالمرأة هذه تبدو في بيتها؟. حيث الضوء يمر من بين الأوراق ولكن لا يوجد شيء تنطق به على الإطلاق. ضمت شارون قدميها مثل وضعية تلك العجوز الحكيمة. مالت نحو الأمام، وسمحت للدموع أن تنساب، ووضعت الجزء الجاف من وجهها - جبينها - بصمت على الحجرة.

***

......................

*القصة مستوحاة من "والدي يكلمني عن حقائق التقدم بالعمر" لغرايس بالي، والمنشورة في هذه المجلة عام 2022.

*القصة منشورة في النيويوركير. عدد 7 تموز 2025.

* زادي سميث Zadie Smith: روائية بريطانية تنحدر أصولها من الكاريبي. من أهم أعمالها: عن الجمال 2005، التزوير 2023، السقوط الحر (مقالات. 2018)، وسوى ذلك. بدأت الكتابة عام 2000 بروايتها الأولى: الأسنان البيض.

في نصوص اليوم