عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عدنان حسين: التناص الأسطوري والتاريخي في قصيدة "بَرديّة.." لهاني شُعيب

مَنْ يقرأ الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر المبدع هاني شُعيب سيكتشف من دون عناء إشارات لشخصيات وأحداث تاريخية وأسطورية في خمس مجموعات شعرية ما عدا (سراب) التي تنتمي إلى بداياته الشعرية التي يغلب فيها الطابع الذاتي على النزعة الموضوعية. وبعد ستة عقود من كتابة الشعر الجاد والعميق بدأ هاني شُعيب يُتحفنا بنماذج شعرية جديدة يتسيّد فيها التناص الأسطوري والتاريخي والديني وخاصة في قصيدته الأخيرة (بَردّية إيزيس العصريّة.. من متون بهيّة) وقد سبقها بقصيدة مماثلة تحمل عنوان (صلاة في معبد عشتار) التي سنفرد لها في القريب العاجل دراسة نقدية خاصة بها لما تنطوي عليه من أهمية ملحوظة في توظيف المنحى الأسطوري الذي عرفه العراق القديم منذ الحضارة السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والإسلامية وحتى يوم الناس هذا.3265 hany

تنتمي قصيدة (بَردّية إيزيس العصريّة.. من متون بهيّة) إلى الشِعر الثقافي أو شِعر النخبة لأنّ هذا النمط من الشعر لا يجد طريقه بسهولة ويسر إلى عامة الناس فهو يحتاج إلى معرفة واعية ودقيقة بالمصادر والمراجع والأصول التي يتوفر عليها المتلقي الأكاديمي بينما ينأى عنها القارئ العادي الذي لا يريد التورّط بالأنماط الشعرية المركّبة والمعقّدة أو العصيّة على التأويل من وجهة نظره. وقبل أن نلج إلى أجواء (بَردّية إيزيس العصريّة..) لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هناك العديد من الشعراء العرب الذين وظّفوا الأسطورة واستنطقوا التاريخ، واستحضروا القصص الدينية والتراثية في قصائدهم وأبرزهم أمل دنقل وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي ومحمد عفيفي مطر من مصر، والسياب والبياتي وسعدي يوسف وعبدالرزاق عبد الواحد والجواهري ونازك الملائكة من العراق. ولا نريد الإسهاب في ذكر الأمثلة لأنّ القائمة تطول ولا يمكن أن تحتوي كل الشعراء العرب الذين وظفوا الأساطير واستنطقوا التاريخ، وتمثلوا التراث العربي بكل تجلياته الثقافية والاجتماعية والدينية وأبرزهم أدونيس ومحمود درويش وأبو القاسم الشابي تمثيلًا لا حصرًا. ولا بدّ من الإقرار قبل أن نشرع في تحليل القصيدة بأنَّ الشاعر الحاذق هاني شُعيب يتقدّم كثيرًا على أقرانه المُشار إليهم سلفًا ومَن يقرأ قصيدة (بَردية..) بإمعان سيتيقّن من صحة ما ذهبت إليه.

تتّسم قصيدة (بَردّية..) بالعديد من الأساليب والمظاهر البلاغية كالتناصّ الأسطوري والتاريخي، والتشبيه، والاستعارة، والكناية، والطِباق، والتشخيص، والمفارقة والسخرية وما سواها من مظاهر بلاغية سنتوقف عندها تباعًا.

من الأسطورة إلى الوطن

تقوم هذه القصيدة على التناص الأسطوري والتاريخي؛ فالأول يستمد مادته من الأساطير والموروثات الأسطورية، بينما يستقي الثاني عناصره من الأحداث والشخصيات والوقائع التاريخية. والأهم أنَّ التناص في الحالتين ليس مجرد اقتباس أو استعادة أو استحضار، بل هو إعادة إنتاج للمرجع القديم داخل سياق جديد يمنحه دلالة تتصل بتجربة النص المعاصر. وما يميّز قصيدة (بَرديّة..) للشاعر هاني شُعيب هو إعادة إنتاجها وإسقاط تجربة الشاعر ورؤيته الخاصة عليها الأمر الذي يمنحها مناخًا جديدًا يتيح له أن يستنطق الحاضر بكل معطياته السياسية والاجتماعية والثقافية ويضعه داخل سياق جديد يمنحه دلالة تتصل بتجربة النص المعاصر. لا بدّ من اختصار قصة الأسطورة نفسها لأنَّها واسعة ومتشعِّبة فهي تقول: ( كان أوزيريس ملِكًا عادلًا، لكن أخاه ست Set قتلَه غدرًا، ومزّق جسده، وشتّت أجزاءه. الأمر الذي دفع إيزيس، زوجته الوفيّة المخلصة، للبحث عن أجزائه المبعثرة وجمعها، وتمكّنت بمعرفتها الروحية المقدّسة من إعادته إلى الحياة مؤقتًا. ثم أنجبت منه حورس، الذي كَبُر وانتقم لأبيه، وأصبح أوزيريس حاكمًا لعالم الموتى، ورمزًا للبعث والحياة بعد الموت).

لا تستدعي قصيدة (بَردّية..) الأسطورة المصرية القديمة بوصفها ماضيًا محجوبًا، مُحكم الإغلاق، وإنما تستعيدها باعتبارها بِنيةً حيّة قادرة على تفسير الحاضر، واستشراف المستقبل. ومن هنا تبدو أسطورة إيزيس وأوزوريس في القصيدة أشبه بنموذج أصلي يعاد إنتاجه في التاريخ المصري الحديث؛ فالموت يتكرر، والحب يقاوم، والأشلاء تتناثر، لكن إيزيس تظل تجمع ما مزّقه الموت، وتنفخ فيه سرّ الحياة.

تُحيل كلمة (البَرديّة) التي تعني (الوثيقة أو المخطوطة) إلى الكتابة المصرية الأولى لكن الشاعر يمنحها صفة (العصريّة) حينما ينتقل من الماضي الفرعوني المُوغل في القِدم إلى الحاضر. أمّا (بهيّة) فهي ليست أنثى عابرة وإنما هي تحمل الاسم الشعبي الرمزي لمصر الحديثة، وبذلك تصبح إيزيس القديمة وبهية الحديثة وجهين لروح مصر الواحدة؛ فالأولى تحمل ذاكرة الأسطورة ومحمولاتها الدلالية والجمالية، والثانية تختزن حضور الوطن في الوجدان المعاصر.

يراهن الشاعر هاني شُعيب على إيزيس كثيرًا في هذه القصيدة ويسند لها دورًا يتجاوز شخصيتها الأسطورية ويجعل منها مصرَ التي خبرت الفقد، لكنها تعرف أيضًا كيف تحوّل الفقد إلى استمرار وديمومة. وحينما يتشظى أوزوريس، لا يكون الأمر مجرد إعادة سرد للحكاية القديمة، بل يتحوّل إلى صورة رمزية للشهيد الذي تمزّقه الحرب أو الخيانة، ثم تستعيده الذاكرة الوطنية في صورة أكثر خلودًا. وهنا يتداخل الحب بالموت، ويصبح الحبيب الشهيد هو أوزوريس العصر.3266 hany

التاريخ في مواجهة الحاضر

يستدعي الشاعر اللمّاح هاني شُعيب عشرة أسماء مهمة ومحورية في صنع الحدث وهي: إيزيس، أوزوريس، حورس، صقر قريش، طه، موريس، صابر، ناصر، بهيّة، يهوذا والبهلوان إضافة إلى مدينة منف ونهر النيل فتتداخل مصر الفرعونية بالتاريخ العربي الإسلامي والتاريخ المصري الحديث. وبذلك يصبح أوزوريس وإيزيس وحورس رموزًا تتجدد عبر العصور، وليسوا مجرد شخصيات مُستقاة من الأسطورة التي استقرت في الذاكرة الجمعية للناس.

لا يستعير الشاعر أسطورة إيزيس وأوزوريس لكي يتحدث عن الماضي، وإنما يستدعي الماضي لكي يمنح الحاضر تفسيرًا أسطوريًا؛ فمأساة أوزوريس تصبح نموذجًا متكررًا لمأساة الوطن، وإيزيس تتحول إلى ذاكرة مصر التي تجمع ما مزّقه التاريخ، وحورس يصبح وعدًا بمستقبل يولد من رحم الموت. وعلى الرغم من أهمية الأطروحة المركزية لهذه القصيدة إلّا أنَّ قيمتها تكتسب قوة خاصة باستدعاء الشخصيات العشر وهي على التوالي: صقر قريش، طه، موريس، صابر، ناصر، بهيّة، يهوذا والبهلوان إضافة إلى مدينة منف ونهر النيل باعتبارهما شخصيتين حيويتين وفاعلتين في النص الشعري الذي تتشابك فيه الأسطورة والتاريخ والحياة المصرية. فصقر قريش يشير إلى عبدالرحمن الداخل؛ وهو مؤسس الدولة الأموية في الأندلس وباني استقلالها السياسي. بينما يُحيل طه إلى الكاتب والمفكر المعروف طه حسين بوصفه رمزًا كبيرًا للعقل التنويري على الرغم من أنَّ مصر تحتضن العديد من الكُتّاب والمفكرين التنويريين وأبرزهم سلامة موسى، زكي نجيب محمود، أمين الخولي، علي عبد الرازق، العقاد، وسيد محمود القمني، ونصر حامد أبو زيد وما سواهم من رموز الفكر التنويري المصري. أمّا موريس وصابر فهما شهيدان من شهداء حرب 6 أكتوبر  1973 فيمثِّلان المعنى الأعمق للوحدة الوطنية القائمة على أبناء الديانتين الإسلامية والمسيحية فيصبح الدم المشترك أبلغ من كل الانقسامات الزائفة التي تتلاشى أمام وحدة الدم والمصير المشترك. لا يحتاج (ناصر) تعريفًا أو إحالة فهو رمز مصري وعربي في آنٍ واحد ألهبَ مشاعر المصريين والعرب وحركات التحرر الوطني في مختلف أرجاء المعمورة. بينما يكتسب اسم (بهيّة) أهمية كبيرة في هذه القصيدة فهي ليست امرأة عادية في الحكاية لأنها تحوّلت في الوعي الشعبي إلى رمز لمصر نفسها وللشعب المصري وآلامه وأحلامه. يستدعي الشاعر يهوذا الأسخريوطي بوصفه رمزًا للخيانة والغدر. ويستحضر البهلوان بوصفه رمزًا للقناع والاستعراض الزائف.  ولا بدّ من الإشارة إلى أنَّ مدينة منف (ممفيس) ترمز إلى عمق الهُوية المصرية وامتدادها الحضاري، ويستحضرها الشاعر ليصل الماضي المصري القديم بالحاضر، مؤكدًا استمرارية مصر وقدرتها على التجدد والانبعاث رغم عصور الضعف والهوان. أمّا الإحالة الأخيرة إلى النيل الذي لا يمثّل مكانًا فحسب، وإنما يصبح رمزًا للحياة والاستمرار والذاكرة المصرية كما يرتبط بالخصوبة والفيضان.

تتسم هذه القصيدة بالعديد من المظاهر البلاغية أبرزها التشبيه الذي ورد لخمس مرّات في هذا النص الشعري ننتقي منه قول الشاعر: (وباسمةً كصباحٍ خجولٍ) حيث يجعل ابتسامة إيزيس رقيقة ومشرقة، ويضفي على المشهد جوًا من الهدوء والدِعّة والسكينة. وفي موضع آخر تجسِّد إيزيسُ محبوبَها فيغدو (طويلاً.. كسنبلةٍ فى الصعيدْ). وثمة تشبيهات جميلة لـ (صقر قريش) الذي يرمز إلى القوة والمنّعَة والانتصار التاريخي.

بلاغة الصورة.. من المجاز إلى التشخيص

تعج هذه القصيدة بخمس استعارات مكنية واستعارة تصريحية واحدة. وأوضح تعريف للاستعارة هو: (تشبيه حُذِف أحد طرفيه، مع وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي). أمّا (الاستعارة المكنية) Implicit Metaphor فتعني (أن نذكر شيئًا ونحذف المشبَّه به، ونبقي على إحدى صفاته). كما يقول الشاعر (يبكي الكمان) إذ صوِّر الكمان بإنسان يبكي، وحذف المُشبّه به (الإنسان) وأبقي على صفة من صفاته وهي البكاء. و (يموت النشيد) استعارة مكنية حيث شبَّه النشيد بإنسان يموت لكنّ الشاعر حذف المشبّه به الإنسان وأبقى على صفة من صفاته وهي الموت. وفيما يتعلّق بالاستعارة التصريحية Explicit Metaphor فتتمثّل خير تمثيل في(خمر العيون الحسان) حيث شبّه الشاعر العيون الحِسان بالخمر لما فيها من تأثير وسُكرٍ مجازي، ثم حذف المشبَّه وهي (العيون) وصرّح بالمشبَّه به وهو (الخمر). لا بد من الإشارة إلى أنَّ هذه الاستعارات تنطوي على (التشخيص) Personification  الذي يمنح الجماد أو الطبيعة أو المعنى المجرّد صفات إنسانية، تمامًا كما فعل الشاعر هاني شُعيب في استعارته المكنية (تُغازل صمت المكان) حيث شبِّه الصمت بإنسانٍ يمكن مغازلته، ثم حذف المشبَّه به (الإنسان) وأبقى على إحدى صفاته، وهي المغازلة. وهذه الصورة الشعرية تنطوي على تشخيص أيضًا لأن الشاعر منح الصمت، وهو معنى مجرّد، سلوكًا إنسانيًا.

لا تحفل هذه القصيدة المميزة بكنايات متعددة، والكناية هي صورة بلاغية يُراد بها معنىً غير مباشر مع جواز إرادة المعنى الأصلي كما يقول الشاعر هاني شعيب (حافية القدمين، مسدلة الشَعر) وهذه الصورة البلاغية كناية عن حالةٍ من الإهمال أو الانكسار.3267 hany

جمالية المُحسنات البديعية

استعمل الشاعر هاني شُعيب بعض المحسنات البديعية مثل (الطباق) Antithesis الذي يعني (الجمع بين لفظين متضادين في المعنى؛ لإبراز الفكرة وتقويتها) ومن بين الأمثلة (الموت والخلود) الذي يُعبِّر فيهما عن انتصار الحياة والخلود على الموت. و (الشروق والمغيب) الذي يؤكد فيه إصرار إيزيس على الاستمرار وعدم الاستسلام للفناء. وكلا الطباقين طباق إيجاب لأنه تضاد بين لفظين مُثبتين. وفي السياق ذاته يوظّف الشاعر التكرار  في قوله: (نعود.. نعود)، لتوكيد معنى البعث والتجدد، وإبراز الإصرار على تجاوز المحنة. ويُستعمل التكرار كمحسّن لفظي لتوكيد المعنى وتعميق أثره في المتلقي.

يوظّف الشاعر هاني شعيب أسلوب النداء وهو من الأساليب الطلبية الإنشائية كما في قوله: (يا واهب الخصب، يا ربنا، تقدست، يا أوزوريس)، الأمر الذي يمنح النص طابعًا احتفاليًا وطقوسيًا.

يستثمر الشاعر أسلوب الاستفهام في قوله: (تُراها تعود؟ تُراها.. تعود؟!)، وهو استفهام لا يُراد به طلب الإجابة، وإنما يعبّر عن حالة من الترقّب والأمل الممزوج بالشك، بما يعكس اضطراب الحالة النفسية وتعلّق الذات بإمكان العودة. وهذا الأسلوب هو أسلوب إنشائي طلبي يستعمل لمعرفة شيء مجهول لدى المتكلِّم.

نخلص إلى القول بأنَّ هذه القصيدة تكشف عن قدرة الشاعر هاني شعيب على تحويل الموروث الأسطوري والتاريخي من مادة كامنة في الماضي البعيد إلى طاقة شعرية قادرة على إنتاج معنى معاصر.

 تقوم قصيدة (بَرديّة..) في عمقها على رباعية (الوطن، والذاكرة، والعقل والشهادة) حيث ترمز مصر وبهية إلى الوطن، كما يتحوّل أوزوريس أيضًا إلى صورة للوطن. أمّا الذاكرة فتمثِّلها إيزيس التي تحفظ الماضي وتجمع أشلاء أوزوريس؛ أي تحافظ على ذاكرة الوطن. في حين يمثّل طه حسين العقل ويرمز إلى التنوير الفكري الذي أشرنا إليه سلفًا. وفيما يتعلّق بالركن الرابع أو الشهادة فيمثلها صابر وموريس باعتبارهما شهيدين مصريين ضحيا بنفسيهما من أجل الوطن فأحدهما مسلم والآخر مسيحي الأمر الذي يرمز إلى وحدة المصريين الذين يدافعون عن حياض الوطن. وفي الختام لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ  أهمية التناص في هذه القصيدة يكمن في جعل الماضي حاضرًا، لا على سبيل الاستعادة الحرفية، وإنما بوصفه مرآةً للحاضر وأفقًا للمستقبل. فالأسطورة تعود لكي تقول إن ما يتناثر يمكن جمعه، وإن ما يموت يمكن أن يولد من جديد، وإن الذاكرة قادرة على مقاومة الطمس والمحو والإلغاء.

***

لندن: عدنان حسين أحمد

في المثقف اليوم