عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سعد الدغمان: "الأم" لجواد الحطاب.. التحول الدرامي بألوان الدلالة وشاعرية التفاصيل

- استطاع الحطاب تجميد اللحظة العابرة وتحويلها إلى تجربة شعورية عميقة

- سعى لانتقاء مفرداته بعناية ليوحي للقارئ بأن إيقاع النص مبني على الاسترخاء

أعاد جواد الحطاب من خلال نصه هذا الذي يتسم بالكثافة الحسية- تشكيل المشهد اليومي المعتاد ببساطته (أشغال البيت)؛ سعياً لتحويله إلى لوحة طبيعية تتسم بالصمت، لكنها تنبض بالحياة. هذا المشهد الصامت، و(الصَمت) جماد، حاول الحطاب ونجح في «أنسنته»؛ فجعل المادة تلامس الروح وتسجل حضوراً طاغياً على جلّ المشهد الذي أحاله إلى حياة نابضة. وبصور خارجة غرائبية ومشوقة، جسد الحطاب المشهد الذي جعل منه إرثًا حسياً، صوّر من خلاله معاكسة المتوقع وكسر حاجز الثبات في الأشياء؛ فجعل الرائحة (تنمو) بدلاً من أن تنتشر، ما منحها كينونة وحيزاً وكأنها جسد له كيان وتواجد. كما جاء باختيارات واقعية رمزية تدل على بيئة ريفية محددة (عصير الطماطم، الطست، الخميرة) أضفت على النص واقعية حميمية، وظفها الحطاب بصورة جمالية استحضر عبرها الحواس؛ فكانت تعبيراً عن الشم في الرائحة، والبصر في الفقاعات البراقة، والسمع في «شخير» الخميرة.

هذا التوصيف الغريب حوّل ما يحيط به من أشياء إلى كائن حي يشاركه لحظة الغروب، في تجربة رائعة تشخّص حالة الإبداع وتجسد مدى التداخل بين الصورة والرمزية الدلالية. أما استهلاله للمقطع الثاني بذكر "القط"، فقد جاء كعنصر توازن في مشهد الصورة الوصفية حين قال: (وحده جنب القدور)؛ ليوحي بالأمان الذي يطغى على المشهد المنزلي، ويُبعد صورة القلق التي قد ترافق عمليات الإعداد والتجهيز المعتادة. إنَّ التحول الدرامي في النص، والذي انتقل من خلاله الحطاب من المطبخ إلى الواقع، ثم القرية، فالحلم، شكّل صورة سريالية شديدة العذوبة، ومنها قوله: "ينحني فوق نومي البنفسج"؛ إذ جسدها بصورة حالمة جعلت من اللون والزهر غطاءً لحماية اللاوعي (النوم)، مما أضفى لمسات حانية تتخللها السكينة التي يستشعرها (الشاعر) قبل غيره.

 الحطاب شاعر مُتقن، يملك قدرة بارعة على تجميد اللحظة العابرة وتحويلها إلى تجربة شعورية عميقة، حيث تَحول بسلاسة من الداخل إلى الخارج، في انسيابية جعلت من البيت والفضاء مكاناً واحداً، وهي تقنية تمنح نصوصه دائماً سمة محببة وقريبة من وجدان القارئ.

نَمَتِ الرائحة ..

في عصير الطماطم

تبدو الفقاعات – في الطست – برّاقة

وشخير الخميرة يأتي أليفا

ودافئ

.. النباتات مشغولة بالظلال الأخيرة

.. والشمس

تجمع أسمالها من حبال الغروب

والخريف تثاءب

وعبر استنطاق الجماد، جاء الحطاب بالمتناقضات؛ فجعل الخميرة «تشخر»، ومنها أضفى الألفة على المكان الذي كرّسه بالتوصيف، فقال فيه: (أليفاً ودافئاً)، بأسلوب مشوق يصف من خلاله طبيعة المكان الذي صوره —كما أسلفنا— بمتناقض القول؛ فجعل النباتات (مشغولة، والشمس تجمع أسمالها، والخريف يتثاءب). هذا التوصيف الغريب جسد الحطاب من خلاله ما يحيط به من أشياء عبارة عن كائن حي يشاركه لحظة الغروب. إنّ "أنسنة الأشياء" تجربة رائعة تشخّص حالة الإبداع التي يكتب فيها الشاعر نصه، وتجسد مدى التداخل في الصور والرمزية التي تحتويها. فعندما قال (أليفاً ودافئاً): أراد تسكينها لتأتي متوافقة مع إيقاع النص، ورغم أنها معطوفة على المنصوب إلا أنها سُكّنت —كما ذكرنا— مراعاةً للقافية أو الإيقاع الداخلي، وهذا ما نصفه بالإبداع في التفاعل مع النص حين يراعي الشاعر القافية ويوظف المفردة بما يتناسب والايقاع الداخلي للنص.

تتجلى الغرائبية التي وظفها جواد الحطاب في نصه حين جاء بالألوان ليغني مادته الشعرية بتعدد دلالاتها وتحديد الأشياء بها، وهو توظيف نادر ينم عن إبداع حقيقي (أحمر الطماطم، لمعان الفقاعات، وظلال الغروب). ومن الغرائبية أيضاً تكريس صورة الشمس في النص بوصفٍ يعلوها، فجاءت (تجمع أسمالها)، وهو توصيف بديع يوحي بأن ثياب الشمس بالية من حبال الغروب؛ صور سريالية تحتاج لبراعة في التوظيف حين تُعبر عن الزوال والتلاشي بتعبير ذكي يجسد أشعة الشمس وكأنها "خيوط" مادية تُجمع قبل الغروب (الرحيل). (نمت، تبدو، يأتي، مشغولة، تجمع، تثاءب)؛ كلها مفردات منتقاة أراد بها الحطاب أن يوحي للقارئ بأن إيقاع النص مبني على «الاسترخاء» عبر تلك الأفعال التي تعبر عن المعنى الحرفي لتلك الصفة، كما تفيد الإبطاء في الحركة؛ وهو تصور يتناسق مع حركة الغروب وانحسار النهار، فيما وظف صورة الخريف ليُعبر من خلالها عن حالة ذهنية تتسم بالخمول أو التعب والسكينة، وأصعبها (التعب الذهني).

- القطّ – وحده، جنب القدور

يمرّغ في رقدة آمنة

.. إنه لا يغيظ كوابيسها

.. (في ليالي القرى

ينحني فوق نومي البنفسج

وتثغو المشاعل في باب ليلي طوال السنة)

استهلّ الحطاب المقطع الثاني من النص بذكر "القط"، الذي جاء به كعنصر توازن في مشهد الصورة الوصفية التي جسدها بواقعية حين قال: (وحده جنب القدور)؛ في اختيار موفق لتوصيف ذلك الحدث الذي جعله الحطاب يشغل حيزاً وجودياً من المكان، وهو الكائن الذي (لا يغيظ كوابيسها). ومن خلال هذا الاشتغال على الصورة الشعرية، أراد الحطاب "أنسنة الكوابيس"؛ إذ هدف من تجسيد هذا المشهد إلى إظهار الحركة الرتيبة التي توحي بالهدوء والسكينة عبر وجود "القط"، ليوحي للقارئ بالأمان الذي يطغى على المشهد المنزلي، ويُبعد صورة القلق التي قد ترافق ذهن المتلقي حين يتصور "الأبعاد الحركية" المرافقة لعمليات الإعداد والتجهيز التي تُدار في المطابخ، سواء في البيت أو في أماكن أخرى.

ذهب الحطاب ليخلق نوعاً من التمازج بين الثغاء (صوت الشياه) وإسناده للمشاعل (النار، الضوء)؛ هذا التمازج الغريب يوحي للقارئ بحركية الضوء، حيث لم يكتفِ بإضفاء صفة الحياة عليه، بل جعل في صوته صفات أخرى (كالضعف والحنان الفطري)، ممّا يحوّل الزمان في المشهد الشعري (الليل) إلى مكان مأهول بالحياة والأصوات الأليفة، حتى في ذروة الصمت. اعتاد الحطاب ان يوظف الجمالية في إنتقاءه مفردات تغني الخطاب أو الشكل العام للنص، ومنها توظيف لفظ "ينحني" لوصف البنفسج يعطي انطباعاً بالرعاية والحماية، وهو ما يجعل النص يتنفس (الأمومة أو الاحتواء) بشكل غير مباشر.

وفي تحولٍ هائلٍ في سياق التناول، نجح الحطاب في تقديم صورة أكثر عمقاً مما سبق في صيغة السرد التي أوردها؛ حيث انتقل من رصد الرائحة والفقاعات إلى رصد الأحلام والذاكرة، وجعل من القرية فضاءً تجاوز من خلاله جغرافية المكان ولو نفسياً عبر تهيئة ذهن القارئ لصيغة التناول التي جاءت تمثيلاً للطبيعة (البنفسج)، والجماد (المشاعل)، واللذين جعل منهما حراساً للسكينة.

المفارقة الجميلة التي أضفت على النص مزيداً من الجمالية تجلّت في التناول فيما بين (الرقدة الآمنة للقط، وبين الكوابيس والمشاعل)؛ حيث جسد الحطاب من خلالها مساحة من التأرجح ما بين (الأمان والقلق الكامن)، كشعور أراد له الشاعر أن يكون امتداداً زمنياً يُعبر من خلاله عن الخلود أو الديمومة، أو يخلق منها حالة وجودية تتصف بالاستمرارية التي تتخلل ذاكرة المتلقي أو حتى واقعه المعاش.

والمفارقة الثانية التي ابدع من خلالها الحطاب هي التي كسرت هدوء النص وسكونه، تمثلت في الانتقال من (الألفة إلى الحرب)، وهي مفارقة جسدها جواد الحطاب ببراعة وتقنية عالية حولت سكون المشهد المنزلي إلى مساحة أو مسرح للمأساة.

...قاطعتها، مع الأفق، الطائرات

فهّرّت على قطّها

: بِشْ     

لنوقد مصابيحنا في طريق القنابلِ

موت القنابل .. أعمى !!

المفارقة التي أشرنا إليها بتحول المكان من السكون المنزلي إلى مشهد مغاير، قطع الحطاب من خلالها الانسياب الجمالي للرائحة والبنفسج بكلمة: (قاطعتْها)؛ وهي جملة اعتراضية دالة على تدخل خارجي يشي بالعنف، غير المشهد المنظور للنص، شوّه صفة التناغم التي كانت قائمة بين المرأة (الذات الشاعرة) والأفق الذي تدور فيه حبكة النص. هذا التحول في المشهد أو الصورة الشعرية عند الحطاب، كان لا بد له من ردة فعل تجسده وتوازيه في القوة، فكان أن "نهرتْ قطّها"؛ وهو تعبير يجسد ذروة التوتر الإنساني، وتغيراً حاداً في الصورة السائدة؛ حيث تحول الحيوان الأليف -الذي عُدَّ رمزاً للأمان- إلى شريكٍ في مشاعر الفزع التي أطبقت على المكان.

لقد اعتدنا أن نقرأ غرائب التوصيف الجمالي عند جواد الحطاب، وهو اليوم يجسد تلك الصفات في نصه بأعلى درجات الجمالية الغرائبية، التي لا تُوصف إلا بـ (التناقض التشكيلي الجمالي)؛ فحين يشكل الحطاب جملته من التضاد والتخالف بقوله: "لنوقد مصابيحنا في طريق القنابل"، نجد تعبيراً ينمّ عن السخرية قبل أن يمثل مفارقة تراجيدية خارجة عن المألوف؛ فـ"المصابيح" رمز للوعي والأمل والحياة، بينما "القنابل" للعدم. ثم يسعى لتوظيف جملة أخرى يصف فيها موت القنابل بأنه "أعمى"، وهو توصيف مبدع؛ فالقنبلة لا تميز بين (طست الطماطم والبنفسج)، هي آلية صماء تقتل الجمال بجهل، إلا أن تلك المتناقضات أضفت على شكل النص وجوهره فداحة الألم المفجع، ووحشية الموت عبر تلك الوسائل المخيفة.

وحين أراد أن يترك الأمور تأخذ مداها في نصه دون تدخل بشري، ترك الحبكة تتجه نحو الغيبيات، بما يمثله (الشعور الجمعي أو المزاج الشعبي) في مواجهة الكوارث أو الفواجع. لقد مثلت القصيدة هروباً من الواقع أو استسلاماً مطلقاً للأقدار؛ مما يعبّر الحطاب من خلاله عن «انتظار المجهول».

جواد الحطاب شاعر متقن، لا نبالغ حين نقول إنه يملك القدرة على تجميد اللحظة العابرة وتحويلها إلى تجربة شعورية عميقة تتجاوز مجرد وصف مشهد منزلي؛ إذ يُبرع في التقاط (شاعرية التفاصيل الصغيرة). لقد صاغ نصاً بسيطاً بلغة طيّعة وظفها بعيداً عن التعقيد، ما جعل النص مترابطاً جداً حتى في انتقالاته الوصفية للمكان؛ حين تحول بسلاسة من الداخل (الطست والخميرة) إلى الخارج (النباتات والشمس والخريف)، في انسيابية جعلت من البيت والفضاء مكاناً واحداً. وتلك التقنية البارعة في التوصيف والانتقال يشتغل عليها الحطاب بديمومة، مما يمنح نصوصه سمة محببة لدى القراء.

بشكل عام النص "تمثيلٌ للصدمة"، نجح من خلاله جواد الحطاب في نشر السكينة المتناهية كشعور جمعي، إلا أنه عاد ليهدم ذلك التصور في آخر القصيدة؛ ليترك القارئ في جوٍّ من الفزع، وحالة من الذهول والتأمل حول عبثية الحروب، مقابل قدسية التفاصيل اليومية التي نعيشها.

***

سعد الدغمان