الطقوس، الرموز، والهوية الجمعية.. دراسة في أنثروبولوجيا النص وسيميائية الأداء
ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى استجلاء مفهوم "الإشهار الثقافي" في الأدب العربي القديم بوصفه منظومةً من الأنساق الرمزية والطقسية المتشابكة، التي وظَّفتها الثقافة العربية قبل الإسلام وفي فجر صدره لإنتاج المعنى الجمعي وتوزيعه وتثبيته. وتنطلق الدراسة من افتراض نقدي مركزي مفاده أن إيقاد النار احتفاءً بالمواليد الذكور، وتعليق المعلقات على أستار الكعبة، والمنافسة الشعرية في سوق عكاظ، وما اقترن بها من ولائم وفخر وهجاء، ليست ممارسات منعزلة بل تشكِّل نسقًا إشهاريًّا متكاملًا يمكن مقاربته من زوايا: السيميائية الثقافية، وأنثروبولوجيا الأداء، ونظرية الفضاء العام. وتخلص الدراسة إلى أن هذا النسق أنتج أشكالًا مبكِّرة من "الهوية المُعلَنة" في بيئة شفهية، تنافس في فاعليتها آليات التواصل في الثقافات الكتابية المعاصرة.
الكلمات المفتاحية: الإشهار الثقافي، الأدب العربي القديم، سيميائية الأداء، الهوية القبلية، المعلقات، سوق عكاظ، الطقوس الإشهارية.
1. المدخل النظري: حين تُعلن الثقافة عن ذاتها
ثمة مفارقة لافتة تستدعي التأمل في مستهل هذه الدراسة: إن الباحث في تاريخ الإعلام، وتاريخ الاتصال البشري يكاد يُجمع على أن "الإشهار" ظاهرة حديثة، تعود في جذورها إلى الثورة الصناعية وما أنتجته من تحوُّل في أنماط الإنتاج والاستهلاك والتواصل. بيد أن النظر الثاقب في الموروث الأدبي العربي القديم يكشف أن الإنسان لم يحتج إلى اختراع المطبعة، ولا إلى ظهور الإنترنت، كي يُدرك أن الحضور في الوجدان الجمعي يستلزم فعل إعلانٍ مدروسٍ ومُصمَّم. وهذا الإدراك هو ما نُسمِّيه في هذه الدراسة بـ"الإشهار الثقافي" — وهو مصطلح نستعيره من حقل الدراسات الثقافية ونُعيد توظيفه في سياق ما قبل الحداثة، بعد أن نُجرِّده من تحيُّزاته التجارية ونُعيد تعريفه على النحو الآتي:
الإشهار الثقافي: كلُّ فعل رمزي أو طقسي أو خطابي تُمارسه جماعةٌ ما بقصد إعلان هويتها، وترسيخ مكانتها، وتوزيع قيمها في الفضاء العام المتاح لها.
وهذا التعريف يستعير من رولان بارت فكرة النسق الثانوي للدلالة — أي إن الطقسَ أو القصيدةَ لا تعمل على مستوى الدلالة المباشرة (الاحتفال بمولود، أو مدح ممدوح) بل على مستوى ثانٍ أعمق هو إنتاج الأسطورة الاجتماعية وتغذيتها. ويستعير من يورغن هابرماس مفهوم "الفضاء العام" بوصفه الفضاء الذي تُمارَس فيه هذه الأفعال الإشهارية وتتداول. ويستعير من فيكتور تيرنر نظريته في الطقوس بوصفها "عروضًا اجتماعية" تُفصح عن البنى الخفية للمجتمع وتُعيد إنتاجها.
غير أن هذه الدراسة لا تكتفي بتطبيق هذه المفهومات الغربية على تراثٍ شرقي كما لو كانت قوالب جاهزة؛ بل تسعى إلى استجلاء الخصوصية المعرفية لهذا التراث، واستخلاص مفهوماته من داخله قبل أن تستعين بما هو خارجه. فالتراث العربي القديم لم يكن ينتظر بارت ليُخبره أن للشعر وظيفةً اجتماعية، ولا هابرماس ليُخبره أن عكاظ فضاءٌ عام؛ بل كان يعلم ذلك وهو يُمارسه.
2. النار في الأفق: سيميائية الإعلان الأوّل
2-1. الطقس في مواجهة الصمت
لنتوقف أمام المشهد في كثافته الأنثروبولوجية: في خيمةٍ يحفُّها الليل وتمتد من ورائها الصحراء بصمتها الهائل، تضع المرأة حملَها. إذا كان الوليد ذكرًا، لم يمكث الخبرُ حبيسَ الخيمة؛ إذ كان الرجال يتسابقون إلى الربوات والتلال المُشرفة، فيُضرمون النيران، فيرتفع الضوء في الظلام والدخان في أديم السماء؛ رسالةً إلى كل عين تقع على ذلك الأفق في مدى يمتد ميلًا أو ميلين أو أكثر.
هذا الفعل البسيط في مظهره لا يكون بسيطًا حين يُنظر إليه من منظور السيميائية الثقافية. فالنار هنا لا تعمل كنارٍ — أي مصدر دفءٍ وضوء — بل تعمل كـعلامة، والعلامة في حاجة إلى ثلاثة أركان كما أرسى سوسير: الدالُّ (لهيب النار المرئي)، والمدلول (الخبر: وُلد غلام)، والنظام الذي يُتيح هذه العلاقة (الاتفاق الثقافي المشترك بين أبناء القبيلة على دلالة هذا الفعل). وما يجعل هذا الطقس بالغ الدلالة هو اشتراط هذا النظام: فالنار لا تُعلن شيئًا لمن لا يعرف الشفرة، وإنما تُعلن لمن يشاركون الإطار الثقافي ذاته.
2-2. الذكورة رأسمال رمزي:
ثمة إشكالية نقدية جوهرية لا يمكن تجاوزها بسهولة: لماذا كان هذا الإشهار حكرًا على المولود الذكر من دون الأنثى؟ إن الإجابة السريعة ستحيل إلى الموروث الذكوري وثقافة الفحولة، غير أن الإجابة الأكثر عمقًا تُلزمنا بفهم المنطق الداخلي للمجتمع القبلي. فالقبيلة في بيئة صحراوية عدائية كانت تُقاس قوتها بعدد مقاتليها لا بعدد سكانها، وكان المولود الذكر يُمثِّل وعدًا بالحماية، وامتدادًا للنسب، وتعزيزًا لموازين القوى مع القبائل المجاورة. ومن ثَمَّ فإن الإشهار به إشهارٌ برأسمالٍ رمزي ومادي في آنٍ واحد.
وقد رصد القرآن الكريم هذه المعادلة القيَمية ونقدها في موضعٍ شديد الدقة، إذ يقول في سورة النحل (آية 58-59): ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾. وما يلفت في هذا النص القرآني أن الله تعالى يستخدم لفظة "بُشِّر" لكلٍّ من الذكر والأنثى، مُعيدًا بذلك تأسيس أخلاقيات التبشير على أساس يتخطى منطق الإشهار القبلي. وفي هذا ما يُشير إلى أن الوحي الإسلامي كان واعيًا بنظام الإشهار القائم وسعى إلى إعادة هيكلته.
2-3. الوليمة بوصفها خطابًا موازيًا:
لا تنفصل النار عن الوليمة في هذا الطقس الإشهاري؛ إذ كانت نيران الإعلان تتبعها موائد الضيافة، وهنا يتضاعف الإشهار في بُعدَين: الأول بصري — النار المرئية من بعيد — والثاني حسّي مُباشر — الطعام الذي يجمع الشهود ويُلزمهم بالحضور المادي في مجلس الاحتفال. والوليمة هنا ليست كرمًا خالصًا، بل هي استثمار في العلاقات الاجتماعية؛ من حضر وأكل صار شاهدًا ومدينًا بالاعتراف، وصار مُلزَمًا بالمعاملة بالمثل في مناسبةٍ مقبلة. وهذا ما يُسمِّيه الأنثروبولوجي مارسيل موس في كتابه الهبة بـ"اقتصاد الهبة المضادة"، حيث العطاء فعلٌ اجتماعي يُرتِّب التزامات متبادلة.
وقد وثَّق ابن رشيق القيرواني)ت 463هـ(في العمدة في محاسن الشعر وآدابه ما يُشبه هذا: "كانت القبيلة إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنَّأتها، وصنعت الأطعمة واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعن في الأعراس." فالوليمة هنا تحتفي بالشاعر كما تحتفي بالمولود، مما يُثبت أن منظومة الإشهار الثقافي كانت متسقة في منطقها: كلُّ ما يُعزِّز مكانة القبيلة يستحق طقس الإعلان الجمعي.
3. المعلقات والكعبة: حين يُقيم النصُّ في المقدَّس
3-1. إشكالية التعليق: بين التاريخ والأسطورة
لا بدَّ لباحثٍ أمين أن يقف أمام رواية تعليق المعلقات على أستار الكعبة وقفةَ الناقد الذي لا يُسلِّم من دون أن يُمحِّص. فقد أثار المستشرق ريجيس بلاشير في تاريخ الأدب العربي شكوكًا جدية في صحة هذه الرواية تاريخيًّا، مستندًا إلى غياب الإشارة إليها في المصادر الأولى. وذهب الباحث اليمني عبد العزيز المقالح إلى أن الرواية ربما نشأت في سياق الرغبة في تمجيد هذه القصائد وتعظيم شأنها. بل إن مصطلح "المعلقات" نفسه محلُّ جدل: هل هو من "التعليق" بمعنى التعليق المادي على أستار الكعبة؟ أم من "العلوق" بمعنى ما علق بالذاكرة ورسخ فيها؟ أم أنه من "المُعلَّق" بمعنى المُكمَّل المُتقَن؟
غير أن هذا التشكيك في الحرفية التاريخية لا ينبغي أن يُلقي بظلاله على ما هو أهم من ذلك: فحتى لو لم تكن القصائد مُعلَّقة فعلًا، فإن انتشار هذه الرواية وتجذُّرها في الوعي الجمعي هو في حدِّ ذاته دليلٌ أنثروبولوجي على طبيعة العلاقة التي رسمها العرب بين الأدب الرفيع والمكان المقدَّس. فالأسطورة — بالمعنى الأنثروبولوجي، لا المعنى التكذيبي — هي الحقيقةُ التي يرويها مجتمعٌ ما عن نفسه، وما يرويه هذا المجتمع هو أن أرفع شعره يستحق أن يُعلَّق حيث تُعلَّق كسوةُ الكعبة.
3-2. ثنائية المقدَّس والأدبي:
إن ما يجعل هذا الطقس الإشهاري مثيرًا للتأمل النقدي هو أنه يُقيم علاقةً غير مألوفة بين ساحتَين لا يُفترض تلاقيهما بسهولة: المقدَّس والجمالي. فالكعبة مكانٌ ديني في المقام الأول، وتعليق القصائد عليها — أو التصوُّر بتعليقها — يعني إضفاء القداسة على الفعل الشعري، ومنح الشاعر منزلةً تتجاوز كونه منتجًا جماليًّا إلى كونه صاحب رسالة شبه كهنوتية.
وقد ذهب عبد الله الغذامي في كتابه "القصيدة والنص المضاد" إلى أن الشاعر في الثقافة العربية القديمة كان يحتل موقعًا مزدوجًا: فهو متكلِّمٌ باسم القبيلة (وظيفة سياسية) و"كاهنٌ" يُفصح عمَّا تعجز عنه الكلمة العادية (وظيفة ميتافيزيقية). وهذا الازدواج هو الذي يُفسِّر ما قد يبدو تناقضًا: كيف يجتمع الشعرُ الغزلي الصريح — كمعلقة امرئ القيس — مع المكان الديني المقدَّس؟ الإجابة هي أن الثقافة العربية القبلية لم تكن ترى في الشعر مجرد ترف جمالي، بل كانت تراه تعبيرًا عن الكيان الإنساني في كليَّته، بما فيه الغريزة والجمال والرعب والفرح.
3-3. قراءة في مطلع المعلقة: نصٌّ يُعلن عن نفسه
قال امرؤ القيس في مطلع معلقته، التي تُعدُّ في رأي كثير من النقاد أعلى هذه القصائد درجةً وأكثرها تمثيلًا للظاهرة الإشهارية:
قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
بسِقطِ اللِّوى بين الدَّخول فحَوملِ
ما يلفت الانتباه في هذا المطلع من منظور إشهاري أنه يبدأ بأمرٍ موجَّه إلى مُخاطَبَين اثنين: "قِفا" (قف يا صاحبَيَّ). فالشاعر لا يبكي وحده في الظلام، بل يستدعي شهودًا على بكائه؛ وهذا الاستدعاء هو أول فعلٍ إشهاري في القصيدة. ثم يُتبع ذلك بتحديد المكان بدقة شديدة — سقط اللوى، الدخول، حوملِ — كأنه يُثبِّت إحداثيات التجربة في الذاكرة الجمعية، ليقول للسامعين: "إن مررتم بهذا المكان فاعلموا أني كنتُ هنا، وأن ألمي شهد عليه ذلك الأفق."
وهذا البُعد الإشهاري الكامن في القصيدة العربية القديمة لم يُلتفَت إليه كثيرًا في التقليد النقدي الكلاسيكي الذي انصبَّ اهتمامه على الجمالي والبلاغي. والحال أن النصَّ الأدبي لا ينفصل عن سياقه الأدائي: فهذه القصيدة ما كانت لتُعلَّق — أو يُتصوَّر تعليقُها — لو لم تكن مُؤدَّاةً أمام جمهور، ولا كانت مُؤدَّاة لو لم يكن ثمة فضاءٌ عام يحتضن هذا الأداء.
4. سوق عكاظ: أنثروبولوجيا الفضاء العام الأدبي
4-1. عكاظ بوصفه مؤسسة ثقافية:
حين يُطلق الباحثون المعاصرون وصف "السوق" على عكاظ، فإنهم يُحيلون الذهن تلقائيًّا إلى التجارة والبضائع والمبادلة الاقتصادية. وهذا صحيح جزئيًّا، لكنه مُضلِّل في جوهره. فسوق عكاظ كان — ولنستعر مصطلح بيير بورديو — حقلًا بالمعنى الاصطلاحي: أي فضاءً اجتماعيًّا تتقاطع فيه أشكال متعددة من الرأسمال (الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والرمزي)، وتتنازع القوى داخله على السلطة والاعتراف.
فالتاجر القادم إلى عكاظ لا يُريد بضاعتها المادية فحسب، بل الوجود في الشبكة الاجتماعية التي تنسجها. والشاعر القادم إليها لا يُريد الجائزة المادية فحسب، بل الاعتراف الرمزي الذي يُحوِّله من فردٍ موهوب إلى صوتٍ يُمثِّل قبيلةً وأمةً. والزعيم القادم إليها لا يُريد التفاوض السياسي فحسب، بل الإعلان عن حضوره في الوجدان الجمعي لمن يحضرون من كل حدبٍ وصوب.
4-2. النابغة الذبياني حَكَمًا: سلطة النقد وشرعيتها
لعل أكثر ما يكشف عن النضج المؤسسي لعكاظ بوصفها فضاءً للإشهار الثقافي أن ثمة من اضطلع بدور "الحَكَم" فيها — وهو المنصب المنسوب إلى النابغة الذبياني. يروي أصحاب الأخبار أن النابغة كان يجلس في خيمةٍ حمراء، يأتيه الشعراء فيُلقون عليه قصائدهم، فيُقيِّمها ويُرتِّبها ويُصدر حكمه فيها. وقد وثَّق هذا الأثرَ الأصفهانيُّ (ت 356 هـ) في الأغاني بروايات متعددة تُشير إلى حوارات نقدية بالغة الدقة جرت في هذه الجلسات.
ما يستوقفنا في هذا المشهد هو سؤال الشرعية: بأي سلطة يجلس النابغة حَكَمًا؟ ليست سلطته دينية ولا سياسية ولا اقتصادية، بل هي سلطةٌ نقدية — أي إن المجتمع اعترف بقدرته على تمييز الرفيع من الدنيء في فنٍّ يعدُّه أساسيًّا لهويته. وهذا الاعتراف يعني أن المجتمع القبلي طوَّر نوعًا من "الذوق الجمعي" المُقنَّن، وأنشأ آليةً مؤسسية للحكم على مخرجاته الأدبية.
ولا يبعد هذا كثيرًا — في بنيته الوظيفية إن لم يكن في بيئته — عمَّا تفعله لجان التحكيم في جوائز الأدب العالمية الكبرى؛ غير أن الفارق الجوهري هو أن سوق عكاظ كان مشهودا، أي إن التقييم كان عامًّا ومباشرًا، "لا سريًّا كما هي الحال في معظم جوائز اليوم"، مما يمنحه بُعدًا تشاركيًّا في الإشهار يتجاوز ما توفِّره الجوائز المعاصرة.
4-3. الأداء بوصفه نصًّا: ما وراء الكلمات
أسهم الباحث الأنثروبولوجي ريتشارد باومان في كتابه الأداء الشفهي في تقديم مفهوم "الأداء بوصفه حدثًا تواصليًّا"، وهو مفهوم يُضيء جانبًا مهمًّا في ظاهرة عكاظ: فالقصيدة المُلقاة في عكاظ لم تكن النصَّ وحده، بل كانت النصَّ مُضافًا إليه صوتُ الشاعر وإيقاعه ووقفاته وتلوينات نبرته ومشاعر الحشد المُتلقِّي. هذا كله يُشكِّل ما يُمكن تسميته بـ"النص الكامل"، وهو أوسع بكثير مما تُثبته المخطوطات والدواوين.
ولعل هذا ما يُفسِّر ظاهرةً نقدية لافتة: وهي أن كثيرًا من القصائد التي وصفها النقاد القدامى بأنها الأفضل أو "المختارة" كانت مُفضَّلةً في أدائها، لا في نصِّها المجرَّد. وقد أشار الجاحظ في "البيان والتبين" إلى هذا البُعد حين ذهب قائلا: "ليس الشأن في إجادة المعنى فحسب، بل في إبلاغه سامعه على أتمِّ ما ينبغي." وهذا إدراكٌ باكر لما يُسمِّيه نقد القرن العشرين بـ"جماليات التلقي".
5. الفخر والهجاء: إشهارٌ بوجهَين
5-1. الفخر بوصفه بناءً للعلامة
يُمثِّل الفخر في القصيدة العربية القديمة أكثرَ من مجرد غرضٍ شعري؛ إنه فعلٌ إشهاري بالمعنى الدقيق: بناءٌ ممنهجٌ لعلامةٍ ثقافية مُرتبطة باسم الشاعر وقبيلته. فحين يذهب المتنبي قائلا:
أنا الَّذي نَظَرَ الأعمَى إلى أدَبي
وأسمَعَت كلماتي من بهِ صَمَمُ
فإنه لا يمدح نفسه بقدر ما يُنشئ صورةً ذهنية راسخة عنها — صورة من تتجاوز قدرتُه حدود الممكن المادي. وهذا بالضبط ما تسعى إليه العلامة التجارية المعاصرة: لا وصف المنتج بل خلق صورة تتجاوزه. والفارق بين الاثنين هو أن علامة المتنبي لا تبيع بضاعةً بل تُرسِّخ حضورًا في الوجدان.
وقد بلغت ظاهرة الفخر القبلي ذروتها في ما يُعرف بـ"التفاخر بين القبائل"، وهو جنسٌ خطابي أدبي شبه رسمي كانت القبائل تتبارى فيه بإنجازاتها وأنسابها. وقد أفرد له ابن عبد ربه في "العقد الفريد" بابًا مستقلًا، يُشير إلى أن المجتمع كان يُضفي عليه طابعًا مؤسسيًّا يوازي في مكانته التحالفاتِ السياسية. فالقبيلة التي يفوز شاعرها في مبارزة الفخر كانت تخرج منها بمكاسب رمزية تُعادل — أحيانًا — مكاسب الغلبة العسكرية.
5-2. الهجاء: تقويض العلامة
إذا كان الفخر إشهارًا إيجابيًّا يبني المكانة، فإن الهجاء إشهارٌ سلبي يُقوِّضها. وهنا تتجلى أشد أدوات الإشهار الثقافي العربي القديم خطورةً وتأثيرًا في آنٍ واحد. ولعل أكثر ما يُبيِّن هذا خطورةً أن الهجاء كان يتوارثه الأبناء عن الآباء: فهجاء جرير للفرزدق لم يكن مجرد خصومة شخصية بل استمرارية إشهارية يتصاعد فيها السجال جيلًا بعد جيل، ويُنتج في كل جولة رأسمالًا رمزيًّا لصاحب القصيدة الأفضل.
وقد استوعبت الدولة الإسلامية الناشئة هذه القوة الإشهارية للهجاء وسعت إلى توظيفها؛ يروي ابن هشام في السيرة النبوية أن النبي ﷺ حضَّ حسان بن ثابت على هجاء المشركين، قائلًا له: "اهجُهم وجبريل معك." وهذا الحضُّ النبوي يعني أن الهجاء كان يُنظر إليه بوصفه سلاحًا تواصليًّا حقيقيًّا لا مجرد لعبة لسانية. وحين يُقال إن شعر حسان "أشدُّ على المشركين من وقع السيوف"، فإن هذه المقولة لا تنطوي على مبالغة شعرية بل على وصفٍ دقيق لكيفية عمل الإشهار في الفضاء العام: فالسيف يهزم صاحبه، أما الكلمة المُحكمة فتبقى في الذاكرة الجمعية بعد انقشاع غبار المعركة.
5-3. المفارقة النقدية: الهجاء الذي يُعلي المهجوَّ
ثمة إشكالية نقدية شديدة الطرافة في ظاهرة الهجاء العربي القديم، يكاد يُغفلها الدارسون: وهي أن الهجاء الجيِّد كثيرًا ما كان يُعلي شأن المهجوِّ ويُخلِّد ذكره بصورة لم يكن ليُحقِّقها لو لم يُهجَ. فلو لم يُوجد جرير قصائده الهجائية في الفرزدق، لكان الفرزدق شاعرًا كبيرًا يعرفه المختصون. لكنه بسبب تلك الحرب الإشهارية غدا اسمًا لا ينفصل عن اسم جرير في الوجدان الأدبي العربي. فكأن الهجاء، حين يبلغ ذروته الفنية، يتحوَّل إلى نقيضه: إشهارٌ يُعلن حجم المهجوِّ بقدر ما يُشير إلى حجم الهاجي.
6. الشاعر بوصفه مؤسسة: نحو سوسيولوجيا الدور الإشهاري
6-1. الشاعر: لسان القبيلة وحارس هويتها
يروي أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني أن القبيلة حين كانت يُولد فيها شاعر كانت تُقيم الاحتفالات وتُرسل المُهنِّئين من القبائل المجاورة. وهذا النص — الذي سبقت الإشارة إليه في رواية ابن رشيق — يكشف عن حقيقة جوهرية: الشاعر لم يكن فنانًا فرديًّا تُكرِّمه قبيلتُه، بل كان وظيفةً اجتماعية يحتاجها الكيان القبلي لاستمراريته الرمزية، كما تحتاج المدينة الحديثة إلى صحفيٍّ ومُعلِنٍ ومُؤرِّخ في آنٍ واحد.
فحين يوظف عمرو بن كلثوم ضمير المتكلم الجمعي "نحن" في معلقته مفاخرًا. فهو لا يتكلم بالفرد، بل يتكلم بالجمع ("نحن") متوحِّدًا مع قبيلته توحُّدَ المتحدث الرسمي مع المؤسسة التي يُمثِّلها. وهذا الجمع الشعري ليس مجرد أسلوب بلاغي، بل هو موقفٌ وجودي يُعبِّر عن طبيعة الدور الإشهاري للشاعر.
6-2. الأعشى أنموذجًا: الشاعر الذي يسبقه صيتُه
يمثِّل الأعشى — ميمون بن قيس — حالةً استثنائية في تاريخ الإشهار الثقافي العربي القديم، يستحق التأمل المستقل. فقد كان معروفًا بأنه يُرسل قصائده المدحية قبل أن يصل جسده إلى الممدوح، فتصل سمعتُه ويسبقه صوتُه — وهو ما يُذكِّر بأشد استراتيجيات الإشهار الحديثة ذكاءً: حين تسبق الحملةُ التسويقية المنتجَ وتُهيِّئ له السوق قبل وصوله.
وقد وصفه الأصمعي بأنه "أعشى القبائل"، أي إن عمى بصره — الذي كان ماثلًا في لقبه — لم يُقلِّل من قوة تأثيره، بل ربما زاد في رمزيته: شاعرٌ لا يرى لكنه يُرى، يُعلن عن الآخرين وهم يُعلنون عنه. وهذه المفارقة بين العمى الجسدي، والبصيرة الشعرية كانت هي نفسها جزءًا من الإشهار الشخصي للأعشى.
7. خاتمة: نحو نظرية عربية أصيلة في الإشهار الثقافي
يقف الباحث في نهاية هذا الاستقراء أمام حقيقة لا تقبل المراوغة: إن ما أنتجته الثقافة العربية القديمة من منظومات إشهارية لم يكن ظاهرةً عفوية ولا نتاج تطور اعتباطي، بل كان نسقًا متكاملًا وواعيًا لذاته يقوم على ثلاثة عناصر متلازمة:
العنصر الأول: المنصة؛ أي الفضاء العام الذي يُتيح الإشهار ويمنحه شرعيته: الكعبة، عكاظ، الربوة المُشرفة. ولا بد لهذه المنصة أن تكون مُعترَفًا بها جمعيًّا لكي يكتسب الإشهار الجاري فيها سلطتَه.
العنصر الثاني: الوسيط الرمزي؛ النار، الشعر، الوليمة، الهجاء. ولكل وسيط شفرته الثقافية الخاصة، وهو لا يعمل إلا داخل المجتمع الذي يشترك في معرفة هذه الشفرة.
العنصر الثالث: الجمهور النشط؛ لأن الإشهار الثقافي في هذا السياق لا يعمل على أنموذج البثِّ الخطي (مُرسِل ← مستقبِل) بل على أنموذج التشارك؛ إذ يُعيد الجمهور إنتاج الرسالة وتوزيعها شفهيًّا، مما يُحوِّل كل متلقٍّ إلى وسيطٍ جديد. وهذا ما يجعل هذا النموذج الإشهاري أقرب في بنيته — على المفارقة — إلى الإشهار الإلكتروني التشاركي في عصرنا، منه إلى الإعلان الإذاعي الخطي أحادي الاتجاه.
وقد كشفت هذه الدراسة — فيما نرجو — أن الثقافة العربية القديمة لم تنتج أداءً جماليًّا خالصًا، بل أنتجت نسقًا ثقافيًّا متكاملًا للتواصل الاجتماعي، والإعلان عن الهوية في بيئة شفهية لا تملك الكتابةَ الواسعة وسيلةً لتوزيع المعنى. وقد عوَّضت عن ذلك بأنظمة أدائية احتفالية بلغت من الدقة والفاعلية ما جعلها تؤدي ما تؤديه الصحيفة والتلفزيون والمنصة الرقمية؛ من دون أن يُكتب لها أن تُدرك أنها تفعل شيئًا من ذلك.
وتلك — إن شئنا الدقة — هي أعظم شهادةٍ على عمق هذا التراث: أن يُؤسِّس لأنساقٍ ثقافية عامرة بالمعنى دون أن يُسمِّيها، ويُمارس الإشهارَ دون أن يعرف الكلمة.
***
الباحثة والناقدة آمال بن الطاهر
المملكة المغربية
...................................
المصادر والمراجع المعتمدة:
1) العربية:
- ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، دار الجيل، 1981 (الطبعة الخامسة، 1401هـ).
- الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق: عبد السلام هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1949 (ط. 1، مع تعدد الطبعات اللاحقة).
- أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1994 (طبعة شائعة؛ تختلف حسب الدار والطبعة).
- ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، بيروت، دار الكتب العلمية، 1983 (طبعة متداولة أكاديميًا).
- ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا وآخرون، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1955 (طبعة معروفة، مع إعادة طبع لاحقة).
- حسين، طه، في الشعر الجاهلي، القاهرة، دار المعارف، 1926.
- الغذامي، عبد الله، القصيدة والنص المضاد، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1994.
2) الأجنبية:
- Barthes, Roland, Mythologies, Paris, Éditions du Seuil, 1957.
- Mauss, Marcel, Essai sur le don, Paris, Presses Universitaires de France, 1925.
- Bourdieu, Pierre, Les règles de l'art, Paris, Éditions du Seuil, 1992.
- Bauman, Richard, Verbal Art as Performance, Illinois, Waveland Press, 1984.
- Turner, Victor, The Ritual Process: Structure and Anti-Structure, Chicago, Aldine, 1969.
- Habermas, Jürgen, The Structural Transformation of the Public Sphere, Cambridge, MIT Press, 1989.
- Blachère, Régis, Histoire de la littérature arabe, Paris, Librairie d'Amérique et d'Orient, Adrien Maisonneuve, 1952–1966







