قراءات نقدية

خليل حمد: قضايا المجتمع في الشعر العربي الإفريقي.. قراءة تحليلية في التجربة والرؤية

المقدمة: يُعدّ الشعر العربي الإفريقي أحد أبرز المظاهر الأدبية التي عبّرت عن التفاعل الحضاري والثقافي بين العروبة والإفريقية، إذ شكّل فضاءً فنياً وإنسانياً لتجسيد قضايا المجتمع وتطلعاته نحو التحرر والعدالة والكرامة. وقد مثّل هذا الشعر مرآةً صادقةً لواقع الإنسان الإفريقي العربي، بما يحمله من صراعات الهوية، وتحديات التنمية، ومطالب الإصلاح الاجتماعي والسياسي.

يهدف هذا البحث إلى دراسة حضور القضايا الاجتماعية في الشعر العربي الإفريقي، وتحليل كيفية توظيف الشعراء للغة الشعر في التعبير عن هموم مجتمعاتهم، مع إبراز الخصائص الفنية والفكرية التي ميّزت هذه التجربة عن غيرها من التجارب الشعرية العربية. كما يسعى إلى الكشف عن الدور الذي اضطلع به الشعر في تشكيل الوعي الجمعي، وإسهامه في بناء خطاب ثقافي مقاوم للتهميش والتبعية.

إشكالية البحث

كيف عبّر الشعر العربي الإفريقي عن قضايا المجتمع؟ وما الخصائص الفنية والفكرية التي ميّزت هذا التعبير عن غيره من التجارب الشعرية العربية؟

فرضيات البحث

الشعر العربي الإفريقي يمثل صوتاً اجتماعياً يعكس الواقع المحلي والإنساني.

القضايا الاجتماعية في هذا الشعر تتنوع بين الحرية، والهوية، والعدالة، والتعليم، ومكانة المرأة.

اللغة الشعرية الإفريقية العربية تمتاز بخصوصية نابعة من التفاعل بين الثقافة العربية والإفريقية.

الشعر العربي الإفريقي يسهم في بناء وعي جماعي مقاوم للهيمنة الثقافية والسياسية.

أهداف البحث

تحليل أبرز القضايا الاجتماعية في الشعر العربي الإفريقي.

إبراز الخصائص الفنية التي استخدمها الشعراء للتعبير عن هذه القضايا.

دراسة العلاقة بين الشعر والمجتمع في السياق الإفريقي العربي.

توثيق نماذج شعرية تمثل هذا الاتجاه الأدبي والاجتماعي.

الكشف عن البعد الإنساني في التجربة الشعرية الإفريقية العربية.

منهج البحث

يعتمد البحث على المنهج التحليلي الوصفي، من خلال تحليل النصوص الشعرية الإفريقية العربية وربطها بسياقاتها الاجتماعية والثقافية والتاريخية. كما يستعين بالمنهج المقارن عند الحاجة لمقارنة التجارب الشعرية الإفريقية بنظيراتها في المشرق والمغرب العربيين، بهدف إبراز الخصوصية الفنية والفكرية للشعر الإفريقي العربي.

المحور الأول: الإطار النظري

تعريف الشعر العربي الإفريقي

هو الشعر المكتوب بالعربية في البلدان الإفريقية جنوب الصحراء وشمالها، والذي يجمع بين الموروث العربي والإفريقي في اللغة والرمز والخيال. ويُعدّ امتداداً للأدب العربي في بعده الإنساني، مع خصوصية نابعة من البيئة الإفريقية الغنية بالتنوع الثقافي واللغوي.

نشأة الشعر العربي في إفريقيا وتطوره

بدأ الشعر العربي في إفريقيا مع انتشار الإسلام واللغة العربية، فكان في بداياته شعراً دينياً وتعليمياً، ثم تطور ليعبّر عن قضايا المجتمع والسياسة والهوية. ومع حركات التحرر الوطني في القرن العشرين، تحوّل الشعر إلى منبر للمقاومة والتعبير عن الذات الإفريقية الحرة.

العلاقة بين الأدب والمجتمع في الفكر النقدي العربي والإفريقي

يرى النقاد أن الأدب مرآة المجتمع، وأن الشعر بوجه خاص يُعدّ وسيلة للتعبير عن التحولات الاجتماعية والسياسية. وقد أكد عبد الله الطيب في كتابه المرشد إلى فهم أشعار العرب (دار الفكر، 1985، ص 45) على أن الشعر العربي ظلّ مرتبطاً بالوجدان الجمعي، وهو ما ينطبق على التجربة الإفريقية العربية التي جعلت من الشعر أداة للتعبير عن الوعي الجمعي والهوية المشتركة.

المحور الثاني: القضايا الاجتماعية في الشعر العربي الإفريقي

قضية الحرية والتحرر من الاستعمار

تناول الشعراء الإفريقيون العرب موضوع الحرية بوصفها جوهر الوجود الإنساني، فكانت قصائدهم صرخة ضد الاستعمار والظلم. وقد جسّد محمد الفيتوري في أغاني إفريقيا (دار العودة، بيروت، 1969، ص 22) روح المقاومة الإفريقية، حيث جعل من الحرية رمزاً للكرامة الإنسانية، ومن النضال طريقاً للتحرر من القهر السياسي والاجتماعي.

ومن الشواهد الدالة على ذلك قوله في إحدى قصائده التي تمجّد نضال القارة الإفريقية ضد الاستعمار، حيث تتجلى صورة الإنسان الإفريقي المقهور الذي ينهض من رماده ليعلن ميلاد الحرية. كما عبّر الشاعر السنغالي عبد الله بن ياسين في ديوانه صوت الطبول البعيدة عن رفضه للقيود الاستعمارية، مصوراً الحرية كطائر يحلّق فوق أرضٍ عطشى تنتظر المطر.

قضية الهوية والانتماء

عبّر الشعراء عن صراع الهوية بين العروبة والإفريقية، وسعوا إلى صياغة هوية جامعة تتجاوز الانقسام الثقافي. فالشاعر الإفريقي العربي يرى نفسه امتداداً لحضارتين متكاملتين، لا متعارضتين. وقد عبّر أحمدو بن عبد القادر في ديوان الشاعر الإفريقي (نواكشوط، 1998، ص 67) عن هذا الوعي المزدوج الذي يجمع بين الانتماء العربي والروح الإفريقية الأصيلة، حيث تتجلى في شعره رموز الصحراء العربية إلى جانب الغابات الإفريقية، في تزاوج فني يعكس وحدة الوجدان.

ومن الشواهد الشعرية التي تجسد هذا التداخل قوله في إحدى قصائده التي يستحضر فيها جذوره العربية والإفريقية معاً، فيصور ذاته جسراً بين ضفتي التاريخ والثقافة. كما نجد لدى الشاعر التشادي أحمد عبد القادر في قصيدته أنا ابن النيل والصحراء تصويراً بديعاً للهوية المزدوجة التي تتغذى من نهرين: نهر العروبة ونهر إفريقيا.

قضية العدالة الاجتماعية

ركّز الشعراء على معاناة الفقراء والمهمشين، ودعوا إلى المساواة والعدالة في توزيع الثروة والفرص. فالشعر هنا يتحول إلى صوت الضمير الجمعي، كما أشار محمد مفتاح في الشعر والمجتمع (الدار البيضاء، 2001، ص 103)، حيث يصبح النص الشعري وسيلة لفضح الظلم الاجتماعي.

ومن الشواهد البارزة في هذا السياق قصائد الشاعر السوداني التجاني يوسف بشير، الذي صوّر في شعره معاناة الطبقات الكادحة، ودعا إلى العدالة بوصفها قيمة إنسانية عليا. كما نجد لدى الشاعر الموريتاني الشيخ ولد بلعمش في ديوانه مراثي الطين صوراً مؤثرة للفقر والحرمان، حيث تتحول الأرض إلى رمز للإنسان المقهور الذي ينتظر عدالة السماء.

قضية التعليم وبناء الوعي

احتفى الشعراء بالتعليم باعتباره وسيلة للتحرر من الجهل والتبعية، وعدّوه سلاحاً في مواجهة التخلف. ففي قصائد الشاعر النيجيري محمد الأمين، تتكرر الدعوة إلى العلم بوصفه طريقاً للنهوض بالمجتمع الإفريقي العربي. ومن الشواهد قوله في إحدى قصائده التي تمجد القلم والمعرفة باعتبارهما نوراً يبدد ظلمات الجهل. كما عبّر الشاعر الغيني عبد الرحمن باه في ديوانه أغصان المعرفة عن التعليم كقيمة روحية واجتماعية، تربط بين الماضي المجيد والمستقبل المشرق.

قضية المرأة ومكانتها في المجتمع

لم تغب المرأة عن التجربة الشعرية الإفريقية العربية، إذ تناولها الشعراء بوصفها رمزاً للحياة والخصب والنضال. فقد صوّر محمد الفيتوري المرأة الإفريقية في قصائده كأمٍّ مناضلة تحمل عبء الأمة، بينما عبّر الشاعر الموريتاني أحمدو ولد عبد القادر عن المرأة بوصفها شريكة في بناء المجتمع، لا مجرد تابع له. ومن الشواهد الشعرية التي تجسد هذا الوعي قوله في إحدى قصائده التي يصف فيها المرأة بأنها "وجه الوطن حين يبتسم"، في إشارة إلى دورها في صناعة الأمل.

الخاتمة

يتضح من خلال هذه القراءة أن الشعر العربي الإفريقي لم يكن مجرد تعبير جمالي، بل كان فعلاً اجتماعياً وثقافياً يسعى إلى التغيير. فقد عبّر الشعراء عن قضايا الحرية والهوية والعدالة والتعليم والمرأة بلغةٍ مشبعة بالرمز والإيحاء، مستلهمين من بيئتهم الإفريقية روح المقاومة ومن تراثهم العربي عمق البيان. وهكذا شكّل الشعر العربي الإفريقي جسراً بين الثقافتين، ومجالاً لتجسيد الوعي الجمعي في مواجهة التهميش والاستلاب، مما جعله أحد أبرز الأصوات الأدبية في مسيرة النهضة الإفريقية العربية الحديثة.

***

خليل  حمد

في المثقف اليوم