قراءات نقدية
منير محقق: الفن الروائي وفضاء المدينة
ملخص الدراسة: تتناول هذه الدراسة إشكالية العلاقة بين الفن الروائي وفضاء المدينة بوصفها علاقة تأسيسية أسهمت في تشكّل الكتابة السردية الحديثة، حيث لم تعد المدينة مجرد إطار جغرافي للأحداث، بل تحولت إلى بنية دلالية وجمالية فاعلة تُسهم في بناء الشخصيات وتوجيه مسارات الحكي وتشكيل الرؤية الروائية للعالم. وتنطلق الدراسة من رصد حضور الفضاء المديني في الرواية العالمية، خاصة من خلال ارتباط مدينة باريس بأعلام الرواية الفرنسية مثل فيكتور هوغو وبلزاك وإميل زولا، قبل الانتقال إلى تمثلات المدينة في الرواية العربية، حيث ارتبطت القاهرة بعالم نجيب محفوظ، والإسكندرية بتجارب إدوارد الخراط وإبراهيم عبد المجيد، وصولاً إلى التجربة الروائية المغربية التي جعلت من مدينة الدار البيضاء فضاءً مركزياً للتخييل السردي.
وفي هذا السياق، تركز الدراسة على التجربة الروائية للكاتب المغربي نور الدين محقق، باعتبارها نموذجاً دالاً على تفاعل الرواية المغربية مع الفضاء المديني في بعديه المحلي والعالمي. فقد شكّلت مدينة الدار البيضاء محور مشروعه الروائي من خلال رباعية سردية تسعى إلى تفكيك التحولات الاجتماعية والإنسانية داخل المدينة، ورصد تشابك العلاقات الإنسانية في فضائها الحضري المتعدد. وفي المقابل، تحضر مدينة باريس في أعماله باعتبارها فضاءً ثقافياً وحضارياً يتيح مساءلة علاقة الشرق بالغرب، كما يتجلى في روايتي «إنها باريس يا عزيزتي» و*«أوراق كاتب في باريس»*، حيث تتداخل التجربة الذاتية بالتمثيل الثقافي للمدينة بوصفها مجالاً للمعرفة والحب والتفاعل الحضاري.
وتكشف الدراسة أن المدينة في الرواية ليست مجرد خلفية للأحداث، بل تتحول إلى عنصر بنيوي يشارك في إنتاج المعنى، إذ تصبح حاملة للذاكرة الجماعية، ومرآة للتحولات الاجتماعية، وفضاءً لتجربة الذات في علاقتها بالآخر. كما تُبرز أن تجربة نور الدين محقق تمثل امتداداً واعياً لتقاليد الرواية العالمية التي جعلت من المدينة مركزاً للتخييل الروائي، مع خصوصية نابعة من المزج بين فضاءين ثقافيين مختلفين: الدار البيضاء بوصفها فضاء الانتماء، وباريس بوصفها فضاء الاكتشاف والحوار الحضاري.
مقدمة
ارتبط الفن الروائي بفضاء المدينة، بحيث قد حاول الروائيون القبض على هذا الفضاء وجعله مجالا لشخصياتهم وللأحداث الواقعة التي يتطرقون إليها في رواياتهم، ومن ثمة فقد سعى العديد من الروائيين لجعل هذا الفضاء المديني يدخل ضمن اهتماماتهم الفنية، ومن هنا فقد ارتبط فضاء مدينة باريس بمجموعة من الكتاب الفرنسيين نذكر من بينهم كل من الشاعر والروائي فكتور هوغو والكاتب والروائي هونوري دو بالزاك والكاتب والروائي إميل زولا،كما حضر فضاء مدينة باريس في روايات العديد من الكتاب العرب بصفة عامة والكتاب المغاربة بصفة خاصة نذكر من بينهم كل من سهيل إدريس وأحمد المديني ونور الدين محقق على سبيل التمثيل لا الحصر. وخصوص اللكتاب والروائيين العرب في علاقاتهم بفضاء مدن بلدانهم، فقد ارتبط فضاء مدينة القاهرة بالكاتب والروائي نجيب محفوظ، كما ارتبط فضاء مدينة الاسكندرية بالكاتب والروائي إدوارد الخراط وبالكاتب والروائي إبراهيم عبد المجيد، وبالنسبة للكتاب والروائيين المغاربة فنجد الكثير منهم قد ارتبطت رواياته بفضاء مدينة الدار البيضاء، نذكر منهم كل من محمد زفزاف ومبارك ربيع وأحمد المديني ونور الدين محقق ومحمد صوف وغيرهم .وهو ما سيدفع بنا إلى الحديث عن الكاتب والروائي المغربي نور الدين محقق وارتباط رواياته بكل من فضاء مدينة الدار البيضاء من جهة وفضاء مدينة باريس في المقابل من جهة أخرى.
- نور الدين محقق ومدينة الدار البيضاء
سعى الكاتب والروائي نور الدين محقق منذ روايته الأولى إلى الكتابة عن فضاء مدينة الدار البيضاء وجعله مسرحا لشخصيات رواياته وللأحداث المرتبطة بها، وهو في كل ذلك، قد قدم لنا رباعية روائية كما سبق له أن أعلن عنها من قبل، وهي "بريد الدار البيضاء" و"ليالي الدار البيضاء" اللتان صدرتا منذ مدة، كل واحدة منهما في كتاب، و"زمن الدار البيضاء" التي نشرت في الصحافة الثقافية المغربية و"بنات الدار البيضاء" التي أعلن الكاتب عن عنوانها ولم تصدر بعد، وهي رباعية روائية قد سعى الكاتب من خلالها إلى الكتابة عن مدينة الدار البيضاء، كما فعل الكاتب البريطاني لورانس داريل بالنسبة لفضاء مدينة الإسكندرية، وهي مسألة غاية في الأهمية سواء بالنسبة للكتابة الروائية المغربية من جهة أو بالنسبة للكتابة الروائية المشرقية من جهة أخرى.
إن الكاتب الروائي نور الدين محقق، وهو يقدم لنا هذه الروايات التي ترتبط بفضاء مدينة الدار البيضاء، محاولا من خلالها القبض على أسرار هذه المدينة المغربية الموغلة في الجمال المديني وفي تشابك العلاقات الإنسانية الموجودة فيها يكون بعمله هذا يسير في رحاب الرواية العالمية بامتياز.
- نور الدين محقق ومدينة باريس
كما حضرت مدينة الدار البيضاء بقوة في روايات الكاتب الروائي نور الدين محقق، فقد حضرت أيضا في المقابل لها مدينة باريس. حيث نجد أنه قد كتب عنها في روايته الأولى التي حملت عنوان "إنها باريس يا عزيزتي" وهي رواية قد نشرت في المشرق العربي ونال حظها من الكتابات النقدية حولها سواء من لدن نقاد مغاربة أو من لدن نقاد مشارقة معروفين . وهي رواية ثقافية بامتياز تطرق الكاتب الروائي نور الدين محقق فيها إلى علاقة الشرق بالغرب عن طريق إبداع علاقة حب بين رجل في كامل رجولته وفتاة في مقتبل العمر . ومن خلال سيرورة الأحداث فيها قدم معظم الفضاءات الباريسية الفاتنة بحيث تطرق إلأى فضاءات المقاهي الباريسية الشهيرة مثل مقهى دو فلور، حيث كان يلتقي كل من الفيلسوف الفرنسي دون بول سارتر والكاتبة الفرنسية الكبيرة سيمون دو بوفوار، كما قدم لنا أيضا فضاءات المتاحف الفنية الذائعة الصيت وفي مقدمتها فضاء متحف اللوفر . كل ذلك بطريقة روائية شديدة التشويق وغاية في الجمالية الفنية القوية .
أما في روايته الثانية المتعلقة بفضاء مدينة باريس، وهي رواية "أوراق كاتب في باريس" والتي قد سبق له، على طريقة كل من الكاتب الفرنسي الشهير هونوري دو بالزاك والكاتب المصري العالمي نجيب محفوظ، أن نشرها متسلسلة في الصفحات الثقافية لجريدة "الأحداث المغربية" قبل أن تصدر مجتمعة في كتاب، فقد تتبع فيها مسار طالب جامعي مغربي، في علاقاته الإنسانية مع بنات باريس، وفي اهتماماته الثقافية المتنوعة وحبه الشديد لكل من الآداب والفنون .
هكذا نرى أن اهتمام الكاتب والروائي نور الدين محقق بمدينة باريس يعود بالتحديد إلى دراسته السابقة بفرنسا، وإلى زياراته المتعددة بعد ذلك إلى هذه المدينة كما يعود طبعا إلى قراءاته المختلفة والمتنوعة لكل ما كتب عن هذه المدينة الكونية لاسيما من لدن الكتاب العالميين الذين سبق لهم أن زاروها أو استقروا فيها وكتبوا عن تجاربهم في مختلف فضاءاتها الرائعة.
نتائج البحث
تؤكد الدراسة أن الفضاء المديني يشكّل أحد المرتكزات البنيوية الأساسية في الفن الروائي الحديث، حيث يسهم في بناء المعنى السردي وليس مجرد إطار مكاني للأحداث.
يتضح أن علاقة الروائي بالمدينة ترتبط غالباً بتجربته الحياتية المباشرة، سواء عبر الانتماء إليها أو الإقامة فيها أو الاحتكاك الثقافي بها.
أظهرت التجربة الروائية لنور الدين محقق مركزية مدينة الدار البيضاء باعتبارها فضاءً لتشخيص التحولات الاجتماعية والإنسانية داخل المجتمع المغربي المعاصر.
تمثل مدينة باريس في أعمال الكاتب فضاءً ثقافياً رمزياً يسمح بإعادة التفكير في علاقة الشرق بالغرب ضمن رؤية روائية إنسانية وجمالية.
تكشف المقارنة بين فضاءي الدار البيضاء وباريس عن حضور ثنائية المحلي/العالمي داخل الرواية المغربية الحديثة، بما يعكس انفتاحها على التجربة الكونية للرواية.
تؤكد الدراسة أن الرواية، من خلال اشتغالها على الفضاء والزمن معاً، تصبح أداة فنية لالتقاط تحولات المجتمع وتمثيل التجربة الإنسانية في بعدها الحضري.
التوصيات
ضرورة توسيع الدراسات النقدية العربية التي تتناول علاقة الرواية بالفضاء المديني، باعتبار المدينة عنصراً بنيوياً لا يقل أهمية عن الشخصية والزمن السردي.
تشجيع المقاربات المقارنة بين المدن الروائية العربية والعالمية للكشف عن أشكال التفاعل الثقافي والحضاري داخل النص الروائي.
الدعوة إلى دراسة الرواية المغربية الحديثة من منظور جغرا-سردي يركز على تمثلات المدن الكبرى وتحولاتها الاجتماعية.
الاهتمام بتحليل الفضاء المديني بوصفه حاملاً للذاكرة الجماعية ومعبّراً عن التحولات الثقافية والاقتصادية داخل المجتمع.
تعزيز البحث في ثنائية المحلي والعالمي داخل الرواية العربية المعاصرة لفهم آليات انفتاحها على الأدب الكوني.
تشجيع الروائيين والباحثين على توثيق التجارب المدينية أدبياً ونقدياً لما تمثله من أرشيف ثقافي وحضاري للأجيال اللاحقة.
خاتمة
يبدو لنا من خلال هذه الدراسة أن علاقة الروائيين سواء الروائيين الغربيين منهم بشكل عام أو الروائيين العرب بشكل خاص، بفضاء المدينة هي مسألة مرتبة بالتعبير عن تجاربهم الحياتية في فضاء المدن التي ولدوا فيها وعاشوا فيها أو المدن التي زاروها وأعجبوا بها بشكل من الأشكال .
وهذا الأمر يدخل في إطار عملية تشكل الفن الروائي باعتباره فنا يقبض على بنية الفضاء كما يسعى للقبض على بنية الزمن المرتبط به أيضا ومن خلال عملية القبض هاته يقبض على الأحداث الواقعة في هذه الفضاءات وعلى الشخصيات الروائية الفاعلة فيها .
***
د٠ منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ







