أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: إعادة مساءلة مفهوم "المعقول"
هل ما زال العقل معيارا للضرورة الفلسفية؟
إن مسألة العقل ومعيارية الضرورة الفلسفية تمثل منذ فجر التفلسف الإغريقي ذلك الخط الفاصل الذي لم يتوقف الفلاسفة عن إعادة رسم حدوده وتفكيك أسواره، ذلك لأن العقل لم يكن قط مجرد أداة من أدوات المعرفة بل هو الحكم ذاته الذي يمنح الفلسفة شرعيتها ويميزها عن الخطاب الأسطوري أو الشعري أو الديني. غير أن تاريخ الفلسفة بحركاته النقدية الكبرى وانعطافاته الجوهرية لم يكد يمر بقرن واحد دون أن يجد نفسه مضطرا إلى مساءلة هذا الأساس الذي يقوم عليه، وكأن العقل الذي أسس الفلسفة هو نفسه ما يدفع الفلسفة إلى التشكيك فيه. فمن شكوكية بيرون إلى نقد هيوم، ومن ثورة كانط إلى تفكيك دريدا، يتجلى سؤال محوري لا يلبث أن يعيد طرح نفسه باستمرار: هل ما زال العقل بعد كل هذه النقوضات والتقويضات قادرا على أن يشكل ذلك المعيار الجامع الذي لا غنى عنه للضرورة الفلسفية أم أننا أمام ضرورة تاريخية لإعادة تعريف “المعقول” ذاته على نحو يخرج من دائرة العقلانية الضيقة إلى فضاءات أرحب لا تختزل الحقيقة في المقولات والبراهين؟
يكتسب هذا السؤال راهنية مضاعفة في اللحظة الفلسفية الراهنة حيث لم يعد ممكنا تجاهل الإرث المزدوج لنقض العقل من جهة النقض القادم من داخل التقليد العقلاني نفسه ممثلا في النقد الكانطي للعقل المحض، ومن جهة أخرى النقض القادم من خارج هذا التقليد أو من هوامشه ممثلا في فلاسفة الريب والجسد والإرادة واللاوعي. وإذا كانت الفلسفة المعاصرة في تياراتها التفكيكية وما بعد البنيوية قد بلغت ذروة هذا التشكيك حين أعلنت “موت الإنسان” و”نهاية الميتافيزيقا” و”تفكيك المركزية اللوغوسية”، فإن السؤال الأكثر إلحاحا اليوم ليس هو ما إذا كان العقل قد فقد عرشه بل ما إذا كانت هناك إمكانية للحديث عن “معقول” بعد هذا التفكيك وما إذا كانت الفلسفة قادرة على أن تظل فلسفة دون أن تجعل من العقل معيارها الأخير. هذه الأسطر إذن تحاول فتح أفق هذا السؤال دون أن تبتلعها سهولة الرفض أو سذاجة القبول، بل من خلال استحضار التوتر الخصب بين ثقة العقل بنفسه وشك العقل في نفسه.
ومنذ ذلك المنعرج الأيوني حين أعلن هرقليطس أن “الفكر المشترك لدى الجميع” هو ما يفصل بين اليقظة والحلم ظل العقل يُحتلف به كالسمة الجامعة التي لا تفارق الإنسان حتى في أقصى حالات غربته عن ذاته. لكن سؤال الضرورة الفلسفية للعقل ليس مجرد استفسار عن أداة بل هو نقب في أساس الميتافيزيقا الغربية نفسها، فإذا كان العقل هو ما يمنح الفلسفة شرعيتها فكيف نفسر تلك اللحظات الكبرى التي انقلبت فيها الفلسفة على عقلانيتها الصارمة لتنحت من حدس الجمال أو من هاوية الوجود ما لا يخضع للبرهان؟ وإذا كان العقل قد توقف عن كونه المعيار الوحيد فهل يظل ممكنا الحديث عن “معقولية” ما زالت تصلح كأرضية للتداول الإنساني أم أننا أمام ضرورة استبدال العقل بما هو أوسع منه مثل الجسد أو الرغبة أو الإرادة؟
ولا يمكن الاقتراب من هذه المعضلة دون العودة إلى اللحظة الديكارتية التي أسست لسلطان العقل بوصفه “الأكثر توزيعا بالعدل بين الناس”، حيث جعل ديكارت من الشك المنهجي تطهيرا لكل ما ليس بدهي ومن “الكوجيتو” حجر زاوية لا يهتز. ذلك العقل الذي يتطابق مع الضوء الطبيعي لم يكن مجرد ملكة نفسية لأن مبدأ الصدق الميتافيزيقي الذي يحكم العلاقة بين التصور الواضح والوجود الخارجي والمفترض ضمنا في كل فعل من أفعال الإدراك الصادق لا يمكن أن يكون قد غرس فينا نظاماً للمعرفة يقودنا بالضرورة إلى الخطأ متى أحسنّا استخدامه.
وقد صار المعقول مرادفا لما هو قابل للقياس والبرهان وأصبحت الفلسفة ملزمة بأن تكون هندسة أفكار أكثر منها حكمة كينونة. لكن هذا البناء الشامخ لم يلبث أن تكشفت فيه التصدعات فكانت نقدات فيكو للعقل الديكارتي من زاوية التاريخ، حيث أصر على أن “الرئيس” و”المصنوع” يتطابقان وأن العقل لا يدرك إلا ما يصنعه بينما التاريخ واللغة والمؤسسات البشرية تحتاج إلى عقل آخر، هو العقل الشعري أو العقل الفطري الذي يعمل بالرموز قبل المقولات. ثم جاء هيوم ليهز الثقة في السببية، ذلك العمود الفقري للعقلانية حين أظهر أن العلاقات بين الظواهر ليست ضرورية بل مجرد تعاقد نفسي مع العادة وأن العقل وحده لا يستطيع أن ينتج حكما أخلاقيا أو جماليا دون وساطة الانفعال. عندئذ بدأ مفهوم “المعقول” يتشقق من داخله، فإذا كان العقل عاجزا عن إثبات وجود العالم الخارجي أو عن تبرير مبادئه الخاصة دون مغالطة المصادرة فأي معنى يبقى لكونه معيارا للضرورة الفلسفية؟
لم تكن استجابة كانط مجرد تصحيح وإنما قلبا للعلاقة بين العقل والوجود، فبدلا من أن يظن العقل أنه يكتشف قوانين الواقع من خارجه أعلن كانط أن العقل هو من يشرع القوانين للطبيعة بما يحمله من صور قبلية (المكان والزمان) ومقولات (السببية والجوهر وغيرها). وتحول العقل من متلق ساذج إلى مشرّع نشط، لكن الثمن كان باهظا، ما يسمى بالمعقول لم يعد مطابقا لما هو موجود في ذاته (النومينون)، بل صار صالحا فقط لظواهر العالم (الفينومينون). وهذا يعني أن العقل لم يعد معيارا للحقيقة المطلقة وإنما أصبح مجرد أداة تنظيمية لعالم الخبرة الممكنة. ولسان حال الفيلسوف الكونيغسبرغي يقول: “لقد وجدت أنه من الضروري تعليق المعرفة لأفسح مكانا للإيمان”، فأقر بحدود العقل النظري وأعاد الاعتبار للعقل العملي حيث الأخلاق والإرادة الصالحة والأحكام التأملية. لكن هل هذا الاعتراف بالحدود يكفي للحفاظ على سلطان العقل؟ كلا؛ لأنه فتح الباب أمام سؤال أكثر إزعاجا، إذا كان العقل لا يستطيع بلوغ المطلق ولا الوصول إلى الأشياء في ذاتها فلماذا نعتبره المعيار الأسمى للضرورة الفلسفية؟ أليس في الفلسفة نفسها شيء يتجاوز “معقولية” العلاقات بين الظواهر؟
مع هوسرل وظواهرية القرن العشرين، بدا الأمر وكأن العقل يسترد عافيته لكن من باب مختلف تماما. فبدلا من العقلانية الكلاسيكية التي تبحث عن قوانين موضوعية مستقلة عن الذات، اقترح هوسرل “عودة إلى الأشياء نفسها” عبر منهج وصف دقيق للوعي المقصود . هنا لم يعد العقل مجرد ملكة استدلال وإنما صار مجالا للكشف المباشر عن المعاني التي تظهر للوعي في تجربته الحية. بهذا المعنى عاد “المعقول” ليعني “ما يمكن أن يظهر للوعي بوضوح”، لكن هذه الوضوحية هذه المرة لم تكن رياضية هندسية بل كانت وصفيّة تأويلية تحتاج إلى شهود حدسي قبل البرهان المنطقي. لكن قدر هوسرل المأساوي أنه رغم تأسيسه لفينومينولوجيا قادرة على ردم الهوة بين الذات والعالم، ظل أسيرا لنموذج الوعي التام متجاهلا أبعادا كاللاشعور والجسد والتاريخ التي تعمل في صمت قبل كل وعي. وهذا ما اكتشفه تلاميذه المنشقون خاصة هايدغر الذي قلب السؤال رأسا على عقب، "ليس العقل هو الذي يحدد معنى الوجود، بل الوجود هو الذي يسبق العقل ويفتح إمكانية العقل نفسه". فـ”الكينونة” التي يتحدث عنها هايدغر ليست موضوعا للمقولات العقلية بل هي ذلك الأفق الخفي الذي منه فقط يمكن أن يظهر شيء بوصفه “معقولا”. وبهذا الضربة يكون هايدغر قد انتحل العقل من عرشه، فنحن لا نفكر بالعقل ثم نكتشف الوجود، بل نحن مرميون في الوجود أولا والعقل إنما ينمو من هذه الرمية كإحدى إمكانياتها وليس كأساسها. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نقدس العقل بوصفه الضرورة الفلسفية القصوى؟ ألا يكون الوجود نفسه بغموضه وألمه ودهشته أولى بأن يكون معيار الفلسفة؟
أما في التقليد الأنغلوسكسوني فقد سلكت الأمور مسارا مغايرا لكنه لا يقل تمردا على العقلانية الذاتية. فمن جهة نرى فتجنشتاين المتأخر يهدم فكرة “اللغة الخاصة” ويزعم أن المعنى نتاج قواعد لعبة لغوية مشتركة داخل شكل من أشكال الحياة. ولم يعد العقل الفردي المعيار وإنما الحوار العملي الذي يحدث بين الكائنات في سياقاتها الاجتماعية والجسدية. هذا يعني أن “المعقول” هو ما يعمل داخل اللعبة اللغوية وليس ما يطابق نموذجا عقليا مسبقا. من جهة أخرى نجد جيلبرت رايل وهو يسخر من “شبح الآلة” أي الفكرة الديكارتية التي تفصل العقل كجوهر عن الجسد مؤكدا أن السلوك الذكي ليس تعبيرا عن عمليات عقلية خفية بل هو أداء عام متقن يظهر في الفعل. ويتفكك مفهوم “العقل” إلى مجموعة استعدادات وانحرافات وأفعال ولا يبقى منه ما يستحق أن يكون “معيار الضرورة الفلسفية” إلا إذا نحن قبلنا بتفكيك العقل نفسه. وهنا يكمن السؤال الجوهري إذا انحل العقل إلى أبنية لغوية وعادات جسدية وقواعد اجتماعية فأي معنى لقولنا إن الفلسفة “معقولة”؟ ألا يتحول “المعقول” عندئذ إلى مجرد ما هو متوافق مع السياق أي إلى ما هو “طبيعي” أو “مألوف” وليس إلى ما هو “ضروري” بمعنى عالمي وقبلي؟
غير أن الهجوم الأكثر شراسة على سلطان العقل جاء من زوايا لا تعترف بالعقل كمركز بل تعلن وفاته الصريحة. هناك في أعمال نيتشه الصارخة حيث العقل ليس إلا غريزة من الغرائز توارت خلف حجاب الأخلاق لكي تسيطر على الغرائز الأخرى. أليس هذا هو ما يعنيه نيتشه بـ”إعادة تقييم كل القيم”؟ إنه كشف لمؤامرة العقل التي استمرت ألفي عام، جعل الضعف فضيلة والطاعة عقلانية والقناعة حقيقة. فبدلا من أن يكون العقل “معيار الضرورة” هو نفسه يحتاج إلى مساءلة حول رغبته في السلطة. وكما يصرح نيتشه في “إرادة القوة” “العقل أداة لكنه أداة تميل إلى جعل نفسها غاية”. هذه النزعة للتموضع كهدف نهائي والتي شهدناها في المثالية الألمانية وفي الوضعية المنطقية هي برأي نيتشه شكل مقنع من أشكال الانحطاط، لأنها تسلب الحياة حيويتها وتقدس الجمود البرهاني. وهذا يقودنا مباشرة إلى فرويد الذي أعلن أن الأنا (أي العقل الواعي) ليس سيدا في بيته وأن اللاوعي هو الذي يدبر أغلب أحكامنا وقراراتنا ومعتقداتنا. فإذا كانت جذور “العقلانية” تنبع من دوافع غير عقلانية تماما فما قيمة العقل كمعيار؟ أليس مجرد قناع يخفي حقيقة أعمق وهي التوتر بين الغرائز والمجتمع؟
لكن ربما يكون أعنف نقض للعقل بوصفه معيار الضرورة الفلسفية قد أتى من حركات ما بعد البنيوية الفرنسية لا سيما عند فوكو ودريدا. ففي الحالة الأولى يعلن فوكو أن العقل لم يكن قط معيارا عالميا بل شبكة من الممارسات الخطابية والمؤسساتية التي تعمل على إقصاء “المجنون” و”المنحرف” و”الخارج عن النص”. العقل هنا ليس حقيقة أبدية، بل نتاج صراعات تاريخية على السلطة والمعرفة. تتغير “معقوليات” العصور (من عصر النهضة إلى الكلاسيكية إلى الحديثة) وكلما تغيرت تغير معنى “المعقول” نفسه. ويتبخر أي ادعاء بوجود معيار ثابت للضرورة الفلسفية اسمه العقل، إذ لا يبقى سوى أرشيف من أنظمة المعرفة المؤقتة والمحلية. أما عند دريدا فالأمر يتعلق بتفكيك “مركزية اللوغوس”، أي ذلك الحضور الذاتي الكامل الذي يظن العقل نفسه قادرا على بلوغه. كل نص وكل حقيقة وكل قول عن العقل يحمل في داخله أثره الخاص به، أثر غيره وأثر ما لا يمكن احتواؤه. وهذا يعني أن “المعقول” ليس خالصا نقيا بل هو دائما ملوث ببذور لا معقوليته الخاصة. والعقل كمعيار للضرورة الفلسفية يعاني من انشقاق أصلي، فهو يريد أن يكون وحدة متماسكة لكنه لا يستطيع التخلص من هامشه المظلم، هامش اللامعقول الذي يرافقه كظله.
هذا الانشقاق الأصلي الذي أشار إليه دريدا ليس مجرد حيلة بلاغية بل هو جوهر ما يمكن تسميته بأزمة العقل المعاصر. فإذا انتقلنا من المشهد الفلسفي المحض إلى الساحة الأنثروبولوجية والسياسية نجد أن العقل الغربي لم يعد يجرؤ على تقديم نفسه كمعيار كوني دون أن يصطدم بفضيحة التنوع الثقافي. ذلك أن ما يعتبر معقولا في تقليد كونفوشيوسي حيث التضحية بالذات من أجل الأسرة قد تكون فضيلة قصوى، وقد يبدو في المنظور الكانطي انتحارا أخلاقيا غير معقول. وإذا كانت شعوب الأمازون تعتبر أن أحلامها تكشف حقائق موضوعية عن الغابة فهل يصح لنا أن نصف معتقداتهم بأنها “غير معقولة” لمجرد أنها لا تخضع لمعايير العقل الأداتي الغربي؟ هنا يبرز درس كلود ليفي ستروس السوسيولوجي العميق، العقل ليس ملكة موحدة تضبط بها كل البشر أفكارهم وإنما هو نتاج بنى رمزية مختلفة و”العقل المتوحش” (أو العقل البري) الذي درسه ليس أقل تنظيما أو قدرة على التصنيف من العقل العلمي الحديث، إنه فقط يعمل بوسائل أخرى. ما نسميه “معقولا” هو في حقيقة الأمر مجرد اتفاق على قواعد لعبة معينة والعقل الغربي ليس سوى واحدة من آلاف القواعد الممكنة، لكنه استطاع بفضل القوة الاستعمارية أن يفرض نفسه كالأصل وكل ما عداه انحراف أو خرافة. ويتبين هنا الخطر الأخلاقي المترتب على التمسك بالعقل كمعيار للضرورة الفلسفية، إنه يتحول بسهولة إلى أداة إقصاء وعنف رمزي حيث يوصم الآخر بـ”اللاعقلانية” قبل أن يُسمع.
أما في الميدان السياسي فالقصة لا تقل إحراجا، لقد كان مشروع الأنوار الأوروبي بقيادة العقل العملي الذي أراده كانط أساسا للتشريع الكوني حلما جميلا تحول إلى كابوس في القرن العشرين. فإذا كان العقل هو الذي يفترض أن ينتج القوانين العادلة فكيف نفسر أن أرقى الأمم الأوروبية تلك التي أنجبت كانط وهيغل قد انزلقت إلى النازية والفاشية والستالينية؟ هل كان العقل غائبا عن ألمانيا هتلر؟ أم أن العقل نفسه حين يتجرد من كل مرجعية خارج ذاته يصبح قادرا على تبرير أبشع الجرائم باسم “الضرورة التاريخية” أو “القوانين العلمية للعرق”؟ هذه المعضلة هي ما عبر عنها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو في كتابهما “جدل التنوير” حيث أظهرا أن العقل الأداتي الذي يهتم فقط بحساب الوسائل وأكثر الوسائل فعالية لتحقيق الأهداف دون مساءلة الأهداف نفسها هو نفسه الذي أنتج أوشفيتز. فبمجرد أن يتحول العقل إلى مجرد تقنية حسابية يصبح أي هدف ممكنا حتى لو كان إبادة جماعية. إن العقل لم يعد معيار الضرورة الفلسفية بل أصبح مشكلة تحتاج إلى علاج، كيف يمكننا إنقاذ العقل من نفسه؟ هل نعود إلى العقل الجوهري التقليدي؟ لكن هذا العقل لم يعد ممكنا بعد نقد نيتشه وفوكو أم نبحث عن “عقل تواصلي” كما اقترح يورغن هابرماس أي عقل لا يعمل في رأس فرد مغلق بل في فضاء التداول العام بين الأفراد حيث تكون القوة الوحيدة هي قوة الحجة الأفضل والحقيقة هي ما يتفق عليه المجتمع التواصلي الشامل؟ لكن هذا الحل وإن كان جذابا يظل أسيرا للمثالية، فهل يمكن حقا تطهير التداول العام من تشوهات السلطة والمال والإعلام؟ وهل “الاتفاق” مرادف للحقيقة أم مجرد تسوية سياسية؟
لعل المحاولة الأكثر جرأة لتجاوز العقل دون التخلي عن إمكانية الفلسفة تأتي من اتجاهات الفكر النسوي وما بعد الكولونيالي. هنا لا يُطلب إلغاء العقل بل تفكيك ذلك القناع الذكوري والأوروبي الذي ارتداه عبر التاريخ. تقول لوس إيريغاراي مثلا، إن عقلانية الغرب بنيت على الإقصاء الأنوثي وعلى جعل المرأة “اللامعقول” الذي لا يدخل في المقولات. وبنفس التصور يرى إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” أن العقل الأوروبي لم يبن نفسه إلا عبر اختراع “الشرق” كمرآة مظلمة للاعقلانية والغرابة والانحطاط. فإذا تخلصنا من هذا الإرث هل يبقى للعقل معنى؟ أم أن معنى العقل ذاته هو ذلك النضال المستمر ضد نزعته الخاصة للهيمنة؟ ربما هنا تكمن إجابة ممكنة، العقل ليس معيارا جاهزا بل هو مهمة لا تنتهي، نقد دائم لذاته وشك في يقينياته وانفتاح على ما لا يقبل البرهان دون خيانة للبرهان. الفلسفة التي تريد أن تظل حية لا يمكنها أن تتخلى عن العقل ولكنها أيضا لا يمكنها أن تجعله صنما. الضرورة الفلسفية اليوم قد لا تكون في معيارية العقل بقدر ما هي في فضح معيارية العقل نفسها في إظهار كيف أن ما يبدو معقولا ليس إلا عرفا مؤقتا، اتفاقية محلية، شبكة قوة متوارية.
إذا عدنا إلى السؤال الذي افتتحنا به هذا التأمل، هل ما زال العقل معيارا للضرورة الفلسفية؟ فإن الجواب الذي يلوح في الأفق ليس بنعم ولا بلا، بل هو ما يمكن تسميته بضرورة ما بعد نقدية. فالعقل بهذا المعنى يشبه ذلك الملك الذي خلعه شعبه ثم أعاد انتخابه بعد أن تعلم ألا يثق به تماما. ولم يعد ممكنا اليوم أن ننادي بعقلانية ساذجة ترى في العقل أداة مسطحة لقياس الحقيقة كما يمسح الحاكم طول القماش. التاريخ الفلسفي بأكمله - من هيوم إلى نيتشه ومن هايدغر إلى فوكو - علمنا أن العقل له ظل وأنه في كل لحظة يبني فيها معقولا ينتج أيضا لا معقولا وكلما أضاء منطقة أسدل ستارا على أخرى. لكن السقوط في نقيض العقلانية أي في التمجيد الرومانسي للاعقلانية والحدس والغريزة ليس أقل خطورة. فبدون العقل تصبح الفلسفة مجرد خطاب بلا معايير حيث كل رأي صحيح بقدر ما هو قوي وحيث تصبح الحقيقة مرادفة للعنف. أليس ما فعله بعض فلاسفة ما بعد الحداثة من تطرف في نقد العقل قد قادهم دون قصد إلى تبني مواقف لا تستطيع التمييز بين البرهان والدعاية وبين الحجة والإغراء؟ هذا هو المأزق الحقيقي من جهة العقل الذي يدعي البراءة المطلقة هو عقل قاتل ومنافق؛ ومن جهة أخرى رفض العقل بشكل كامل هو انتحار الفلسفة نفسها.
لذلك ربما تكمن ضرورة الفلسفة المعاصرة في مفهوم ثالث، ليس العقل كمعيار بل العقل كأفق وكممارسة. كأفق لأنه لا يمكننا أبدا أن نقول إننا وصلنا إلى العقل الكامل بل نحن دائما في الطريق إليه، نرسمه كفكرة تنظيمية كما قال كانط لكن دون أن نتملكه. وكممارسة لأنه ليس شيئا نمتلكه بل شيئا نفعله ننقد، نناقش، نفحص الأسباب، نعطي الحجج، نستمع للآخر ونغير رأينا عندما تقتضي الحجة. هذه الممارسة لا تحتاج إلى أن يكون العقل معيارا جامدا بل تحتاج فقط إلى الالتزام بقواعد أولية متواضعة، الصدق الفكري واحترام التناقض وعدم المصادرة على المطلوب والقدرة على الاستماع. هذه القواعد لا تشكل عقلانية كبرى لكنها كافية للحفاظ على الفلسفة حية.
إن إعادة مساءلة مفهوم “المعقول” ليست إذن دعوة للتخلي عن العقل بل هي دعوة لتوسيع مفهومه ولتنقيته من ادعاءات الألوهية ولفتحه على ما ليس هو وعلى ذلك الغير الذي لا يختزل إلى هويته، على الجسد الذي يشعر قبل أن يفكر وعلى اللاوعي الذي يحلم قبل أن يحسب وعلى التاريخ الذي يثقل كل تفكير بثقل الأموات وعلى اللغة التي تتكلمنا أكثر مما نتكلمها وعلى الآخر الذي يختلف عنا قبل أن يتفق. هذه العناصر جميعها ليست “لاعقلانية”، بل هي ما يسبق العقل ويجعله ممكنا وهي ما ينبغي للفلسفة أن تأخذه على محمل الجد إذا أرادت ألا تصبح مجرد تمرين عقيم في المنطق الصوري أو تعبيرا عن سلطة ثقافية معينة.
العقل الذي يمكن للفلسفة أن تظل مخلصة له هو العقل المتواضع، العقل الذي يعترف بأنه محدود وأنه ليس كل شيء وأن هناك مناطق من الوجود لا تختزل إلى مقولاته دون أن تفقد غناها. هذا العقل لا يفرض نفسه كمعيار بل يعرض نفسه كاقتراح متواضع، لنحاول أن نفكر معا، لنعط أسبابنا، ولنستمع لأسباب الآخرين ولنغير رأينا إذا لزم الأمر. هذه هي “الضرورة الفلسفية” اليوم، ليس أن نقدس العقل بل أن نمارسه بتواضع، عالمين أن كل معقولية هي مؤقتة ومهددة، لكنها مع ذلك أفضل ما لدينا لنتفادى التعصب والعنف والجهل. ويكون العقل ضروريا لكنه لم يعد كافيا ولم يعد معيارا وإنما أصبح رفيقا في الرحلة نحو حقيقة لا ندركها تماما لكننا نستطيع أن نقترب منها عبر حوار لا ينقطع بين المعقول وغير المعقول، بين البرهان والحدس وبين الحلم والحساب. عندئذ فقط تكون الفلسفة قد أنقذت عقلها من عقلانيته الزائفة وأعادته إلى موضعه الأصلي، أداة للتحرر لا سجنا للروح.
***
د. حمزة مولخنيف







