عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: اناكساغوراس يتحدّى المألوف ويغيّر الفلسفة اليونانية

أدخل الفيلسوف اليوناني اناكساغوراس مفهوم العقل الكوني Nous كقوة عقلانية لا محدودة تنظّم الكون وتخلق النظام من الفوضى . عند مراجعة أي كتاب في تاريخ الفلسفة، من الشائع جدا ان نرى استبعاد أناكساغوراس. مع ذلك، يبقى اناكساغوراس من أهم المفكرين القدامى ذوي الإنتاج الغزير. كان اناكساغوراس من فلاسفة ما قبل سقراط. هو كما بالنسبة لأسلافه ومعاصريه، كان لديه الكثير من القول حول الكون والعالم الذي نعيش فيه، وساهم كثيرا في ذلك. أفكاره الكبرى برزت كرد فعل على عمل الفيلسوف برمنديس لأنه لم يتفق معه حول ما قاله.

الحياة المبكرة

وُلد اناكساغوراس في كلازوميني Clazomenae التي كانت جزءا من الإمبراطورية الفارسية. تقول الأسطورة انه كان من بين الفلاسفة النادرين ان لم يكن الوحيد الذي تلقى رسالة صوتية توحي له ان يصبح فيلسوفا. طبقا للاسطورة، هو كان بعمر 17 عاما عندما سمع بذلك، وكان أخبر امه التي اعتقدت بصدق في قوى خارقة للطبيعة. هي نصحته في البدء بان لا يهتم في الرسالة، لأنها ربما كانت روحا سيئة تحاول استدراجه الى عالم الظلام. لكنها أيضا نصحته بانه لو سمعها مرة ثانية، يجب عليه الوثوق بها. مع ذلك، وقبل مرور يومين سمع اناكساغوراس نفس الصوت مرة أخرى. لذا، هو قرر اتّباعها.

عندما بلغ العشرين عاما، قرر الذهاب الى أثينا لتحقيق حلمه ونبوئته. بعض الكتاب يقولون انه بالرغم من ان الفلسفة موجودة سلفا في أثينا في ذلك الوقت، لكن اناكساغوراس ألهم رغبة الناس في تعلّمها، وبهذا، هو ساهم لتصبح أثينا مركزا للحكمة الفلسفية. وقبل الوصول الى أثينا، هو قرر التخلي عن أملاكه من الأرض ورأس المال التي ورثها من ابيه الى أقاربه لكي يتمكن من تسخير نفسه بالكامل للفلسفة. افلاطون ذاته شهد بذلك في كتابه هيبياس الاصغر Hippias Minor.

هو أيضا لم يتزوج طوال حياته ولم يرغب التعامل مع أي نوع من السياسة. في البدء، كان هذا غريبا للعديد من الناس لأن الكثير من الاثنيين اهتموا فقط بامتلاك وقت جيد محاطين بالنساء والكحول. وفي كتاب آخر، يعلن افلاطون أيضا ان اناكساغوراس كان معلما للسياسي والعسكري اليوناني الشهير بريكلس اثناء العصر الذهبي لاثينا. كانت هناك مصادر أخرى تؤكد ذلك أيضا. لكن علاقته مع بريكلس خلقت له الكثير من المشاكل. وبعد ان أمضى 30 عاما في أثينا، اتُهم بنشر تعاليم الهرطقة، أي ان الشمس ليست إله وانما صخرة محترقة عائمة. بريكلس كان له الكثير من الأعداء في ذلك الوقت، وبسبب هذا، وُجد اناكساغوراس مذنبا الى جانب تلامذته. في النهاية، ساعدته صداقته مع بريكلس في الهروب من السجن حيث غادر بعدها أثينا. وبعد ان عاش في أثينا، انتقل اناكساغوراس الى لامبساكوس Lampsacus حيث أسس مدرسته الخاصة. كانت امنيته الأخيرة ان يعلن شهر وفاته عطلة رسمية لجميع التلاميذ والطلاب، وقد تم احترام هذه الأمنية لاحقا كما يذكر المؤرخ ديوجين.

مبدأ النوس

كان اناكساغوراس اول فيلسوف سعى لتوضيح الكون ليس من خلال الأسطورة او المنظور الديني وانما من خلال المبادئ الطبيعية والتفكير العقلاني. وبسبب هذا، هو اعتُبر شخصية محورية في التحول من الميثولوجيا الى علم الكون العلمي.

خلافا لأسلافه الذين أكدوا على مادة أساسية واحدة، مثل الماء (طاليس) او الهواء (اناكسمينس)، افترض اناكساغوراس رؤية اكثر تعقيدا ودينامية للواقع، احتضنت التنوع والتعقيدية اللامحدودة. ان مفهوم النوس هو في قلب فلسفة اناكساغوراس، وهو يفسر لماذا هو مفهوم أساسي ويحاول من خلاله توضيح فلسفته هنا. نحن نستطيع القول ان مفهوم النوس كان من بين المحاولات الفلسفية المبكرة لتحديد قوة مجردة ذكية كأصل للنظام الكوني. اناكساغوراس رأى النوس كمبدأ منظِّم وتأسيسي للكون. انه وجود محض لا محدود ومستقل ومتميز عن المادة. النوس هو خالص وغير ممتزج مع أي مادة أخرى ، وهو ما يسمح له ليبقى متميزا ويمارس التحكم. هو غير متغلغل في كل مكان، بل هو الأفضل والأكثر استقلالية من بين كل الأشياء. يبدأ الحركة بدون ان تمتزج ذاته مع أي شيء آخر. انه عقلاني، لكن اناكساغوراس لا ينسب له بشكل واضح أي هدف او نية بالمعنى التيتولوجي التام.

وبما ان النوس هو المبدأ العقلاني الذي يحكم نظام وحركة الكون، فان انكساغوروس يصفه بـ "ذهن"، والعديد من المفسرين يتبعونه في هذا. لكن هذا لا يجب ان يُفهم كمساوي لمفهوم ذهن او وعي كامل التطور في التقاليد الفلسفية اللاحقة.

 قيل أيضا ان النوس حاضر في الكائنات الحية وخاصة تلك القادرة على التصور، لكن اناكساغوراس لا يدّعي بوضوح انه مسؤول مباشرة عن الحياة او الوعي. دوره الرئيسي هو كوني: يبتدأ ويتحكم بالدوران الأصلي الذي يشكل الكون. بهذا المعنى، من الصواب وصف النوس كمبدأ كوني منظِّم بدلا من ان يكون مبدأ بايولوجي. الآن دعونا نرى كيف يتلائم هذا مع البناء الواسع لفلسفة اناكساغوراس.

كيف خُلق الكون؟

من المهم ملاحظة ان اناكساغوراس كان مهتما أساسا بتوضيح كيفية خلق الكون. بسبب هذا، نحن نستطيع عادة ان نجده يُصنف كفيلسوف كوني. هو اعتقد ان الكون بدأ كمزيج فوضوي من الجسيمات، وهو يعني بـ "فوضوي" يفتقر لأي نظام او تحكّم. في البداية، كتب اناكساغوراس، ان الكون كان لا يمكن تمييزه، مزيج بلا حركة حيث كل الأشياء (عناصر، مواد، سمات) وُجدت مجتمعة في حالة غير متمايزة. لم يكن هناك فصل او نظام. كل العناصر التي تحتوي على المادة كانت مجتمعة في كتلة واحدة.

سمى اناكساغوراس العناصر "بذور". لذا السؤال يبرز: كيف بدأت هذه الحالة غير المتميزة بالانفصال وكيف جاءت الأشياء الى الوجود؟ حسنا، هنا يأتي مبدأ النوس ليدخل اللعبة.

بفضل مبدأ النوس، كل هذه الجسيمات المنفصلة او "البذور" وُضعت بانتظام، ولاحقا وُضعت في حركة. هذا، حسب اناكسوغوراس، أدى الى خلق الكون من خلال عملية الدوران والفصل. الدوران سبّب الاختلاف، لأن الجسيمات بدأت تنفصل طبقا لخصائصها. ولهذا، فان الجسيمات ذات الخصائص المتشابهة بدأت تتجمع الى بعضها مكونة مواد وأشياء متميزة. كذلك، من المهم التنويه الى ان هذه العملية مستمرة ودائمة لأن مجموعات وأشكال جديدة تظهر باستمرار.

اناكساغوراس مقابل برمنديس: الوجود، التغيير، الحركة

كما ذكرنا في البداية، تقف فلسفة اناكساغوراس في تضاد مباشر مع فلسفة بارمنديس او زينون. نظرياتهما اعتبرتا في تناقض حاد . ولكن لماذا هذا؟ للإجابة على هذا السؤال، سنحتاج الى نظرة موجزة لفلاسفة آخرين لما قبل سقراط. كان بارمنديس مؤسس المدرسة الايلية. تماما مثل اناكساغوراس، هو كان أيضا مهتما باستطلاع الكون ومحاولة الوصول الى المبدأ الأساسي للعالم. هو اعتقد ان الواقع هو وجود واحد فقط، وهو في الحقيقة الواحد. الواحد هو الكائن النهائي الموجود، وكل شيء في العالم هو ضمن الواحد. الواحد هو أيضا يتم تصوره كمتجانس، بدون أي أجزاء او تمايزات. بارمنديس رفض بشدة وجود التعددية مدعيا ان أي فكرة للتعدد في العالم هي وهم. اما اناكساغوراس فقد ادّعى ان الواقع متعدد في الأساس. وكما بيّنا، الكون طبقا لاكساغوراس يتألف من جسيمات لا متناهية، وكدليل على ذلك، نحن لدينا تعددية في الأشياء في العالم المحيط بنا.

فلسفة زينون الايلي

تختلف تعليمات الفيلسوفين ايضا حول رؤيتهما للتغيير والحركة. برمنديس أنكر حقيقة التغيير. هو اعتقد ان التغيير لا يوجد في العالم وان الأشياء هي على حالها من الولادة حتى الموت. هو أعلن ان "ما هو كائن، كائن ، ولا يمكن ان يكون غير كائن ". يعني بذلك ان الواقع منفرد، غير متغير، و"وجود" أبدي.

من جهة أخرى، اناكساغوراس اعتنق أفكار التغيير والحركة في فلسفته عبر رؤيته لهما كدوافع واقعية واساسية في الكون. بهذا المعنى، نحن نستطيع القول ان اناكساغوراس لديه تصور مشابه لهيرقليطس، الذي اشير اليه عادة كفيلسوف التغيير.

نقطة أخرى هامة هي ان برمنديس رفض فكرة الحركة مدّعيا ان الحركة مستحيلة لأنها تستلزم وجود "العدم"(1) وهو امر لا يمكن ان يوجد. هذه جرى تفصيله لاحقا في فلسفة زينون، تلميذ برمنديس. لكن اناكساغوراس يعارض هذه الرؤية أيضا، معلنا ان الحركة هي واقعية وضرورية للكون. هو أدخل النوس كقوة تبدأ الحركة وتحافظ عليها، بما يؤدي الى فصل وتنظيم المزيج الاولي.

***

حاتم حميد محسن

....................

(1) تتطلب الحركة من الشيء ان يسافر الى عدم، ينتقل من حالته الراهنة الى ما لم يصبح عليه بعد. فاذا كان الوجود مطلقا وثابتا، ستكون كل حالة ثابتة في مكانها، ولأصبح مفهوم الحركة او مرور الزمن غير منطقي.