عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

صدر في الشهر الماضي كتاب مقالات في الفلسفة (1) احتوى على ملخص و 44 مقالا توزعت على مختلف الموضوعات والأفكار الفلسفية. هذه المقالات سبق وان نُشرت في فترات سابقة، وربما في إعادة نشرها يتمكن القارئ الإحاطة ببعض الأفكار الفلسفية بسهولة ودون عناء. انها ليست حبا في التكرار، بل أخذنا بالاعتبار أي تعديلات او إضافات لاحقة. بالطبع لا يمكن ايجاز كل المقالات هنا بل سنعرض لقسم منها ونترك المتبقي للقارئ الكريم.

ماهي الفلسفة ولماذا؟

في صفحة رقم 5 نبدأ بمقال بعنوان ما هي الفلسفة ولماذا؟ حيث جرى الحديث عن الفلسفة كطريقة في التفكير حول موضوعات معينة، هي ليست فقط طرح أسئلة وانما هي فهم للاسئلة ذاتها. الفلسفة وهي مشتقة من الكلمة اليونانية (حب الحكمة) عبارة عن دراسة منهجية للاسئلة العامة والاساسية المتعلقة بموضوعات مثل الوجود، المعرفة، الذهن، المنطق، اللغة، القيمة. هي تحقيق عقلاني ونقدي في طرق الفلسفة وافتراضاتها. تاريخيا، العديد من العلوم مثل الفيزياء وعلم النفس كانت جزءا من الفلسفة لكنها انفصلت لاحقا واعتُبرت كحقول أكاديمية خاصة. الفروع الرئيسية للفلسفة هي الايبستيمولوجي، الاخلاق، المنطق، الميتافيزيقا.

الايبستيمولوجيا يدرس ما هي المعرفة وكيف يتم اكتسابها. الاخلاق تحقق في المبادئ الأخلاقية وما الذي يشكل السلوك الصحيح. المنطق هو دراسة الاستدلال الصحيح وكيفية التمييز بين الحجج الجيدة و السيئة. اما الميتافيزيقا فهي تفحص السمات العامة للواقع، الوجود، الأشياء، والصفات. وهناك حقول فرعية أخرى مثل الجماليات، فلسفة اللغة، فلسفة الذهن، فلسفة الرياضيات، فلسفة العلوم، فلسفة الدين، فلسفة التاريخ، والفلسفة السياسية. ضمن كل فرع هناك مدارس متنافسة للفلسفة تهتم بمختلف المبادئ والنظريات و الطرق.

يستخدم الفلاسفة مختلف الطرق للوصول الى معرفة فلسفية: تحليل مفاهيمي، الوثوق بالحس العام او البديهة، استعمال تجربة فكرية، تحليل اللغة العادية، وصف التجربة، واسئلة نقدية.

هل الجمال ذاتي ام موضوعي؟

في صفحة 51 نأتي الى موضوع الجمال، حيث نجد ان مفهوم الجمال شغل أذهان الفلاسفة والانثربولوجيين وعلماء الأعصاب و نقاد الفن بالإضافة الى الناس العاديين. ارتبطت كلمة "جمال" عادة بالتجربة الجمالية للفرد وهي تشير بالاساس الى الصفات الجوهرية لشيء ما والتي تثير نوع من رد الفعل في سلوك الناظر، مثل الهدوء او المتعة او الفرح. يُنسب الجمال الى شكل من الظواهر الطبيعية (منظر الغروب او الجبال) وكذلك الى الأشياء الجميلة التي يصنعها الانسان مثل اللوحات الفنية او السمفونيات الموسيقية. يمكن النظر الى الجمال بطريقتين:

1- اما يعود الى "سمات أساسية " في الظاهرة الطبيعية او في الاعمال الفنية.

2- او انه يُعرف كليا تبعا لتجربة الانسان الجمالية.

الاتجاه الأول ينظر الى الجمال موضوعيا، كشيء جوهري يوجد بحد ذاته في شيء ما او شيء فني وبشكل مستقل عن تجربة الناظر له.

الاتجاه الثاني (الجمال هو ما يبدو في عين الناظر)، ينظر الى الجمال باعتباره امرا ذاتيا، شيء ما يحدث في ذهن الفرد الذي يتصور الجمال.

الآراء الموضوعية:

 حسب افلاطون، الجمال يقيم في عالم الأشكال، الجمال امر موضوعي ولا يتعلق بتجربة الناظر. ارسطو أيضا اعتقد بالرؤية الموضوعية للجمال لكنه عرّف الجمال بخصائص الشيء الفني مثل التناسق والنظام والتوازن والتناسب. هذا المعيار يظل قائما سواء كان الشيء طبيعيا ام من صنع الانسان. مع ان كلا الفيلسوفين يؤمنان بتصورات مختلفة للجمال لكنهما يتفقان على ان الجمال هو خاصية لشيء وليس شيء ما في ذهن الناظر.

الآراء الذاتية للجمال:

ديفد هيوم جادل بان الجمال لا يكمن في "الأشياء" وانما هو ذاتي تماما، انه مسألة مشاعر وعواطف. الجمال هو في ذهن الفرد الناظر للشيء وان ما يبدو جميلا للمراقب قد لا يبدو كذلك للاخر. هناك تعقيدات تبرز في اعتماد الرؤية الذاتية الخالصة للجمال، لأن فكرة الجمال تصبح بلا معنى لو اضحى كل شيء مجرد مسألة ذوق او تفضيل شخصي. اذا كان الجمال خالصا في عين الناظر فان فكرة الجمال لم تعد لها قيمة بالمقارنة مع أشياء مثل الحقيقة والخير.

آراء العلماء

هؤلاء يقولون ان الجمال هو ما يبدو في عين الناظر ولكن هل ان الفكرة لدى الناظر هي نتاج لجينات الفرد ام للبيئة؟ هذه كانت محل نقاش بين العلماء منذ وقت طويل. بعض البحوث ترى ان صفات جسدية معينة مثل الطول او قوة العضلات ربما كانت مشفرة في جيناتنا، لكن دراسة أخرى وجدت ان تجربة حياتنا الفردية هي التي تقود لإكتشاف ان وجها معينا اكثر جاذبية من الآخر.

مشكلة الأبدية.. ماذا لو كان الكون بلا بداية؟

في صفحة 23 نعرض لمشكلة الأبدية، حيث توجد هناك ثلاث خيارات حول طبيعة الكون الذي نحن فيه، اما ان يكون أزليا وموجودا منذ البداية، او ان هناك من أوجده، ام انه هو خلق نفسه. الفيلسوف اليوناني هيرقليطس كان اول المؤمنين بأبدية الكون، وهي النظرية التي سلكت طريقها الى الثيولوجيا المسيحية رغم ان الانجيل نقل قصة مختلفة. العقيدة الحالية المهيمنة هي ان الكون ظهر فجاة قل 13.8 مليار سنة بعد الانفجار العظيم. التحول من الايمان بان الكون كان ابديا الى كون له عمر محدد كان نقلة نوعية. هيرقليطس كان المسؤول الأول عن فكرة الكون الابدي، فهو أعلن عن ذلك صراحة: "هذا العالم الذي هو ذاته دائما، لم يصنعه احد من الالهة او الناس. انه كان دائما، وهو كائن وسوف يكون: نارا حامية ابدية، منها ما يشتعل ومنها ما ينطفئ".

بالتأكيد لا تُعرف الأسباب التي جعلت اليونانيين القدماء يؤمنون بأبدية الكون. يُحتمل هناك سببان لهذا، أولا ان قدرة آلهة الاغريق كانت محدودة جدا، هم ليسوا اكثر من رجال اسطوريين، هم غير قادرين على اصدار أوامر الخلق، وثانيا اليونانيون القدماء ومن خلال دراستهم للكيفية التي يعمل بها العالم من حولهم، لم يستطيعوا رؤية اية إمكانية بان العالم خلق نفسه. اذا لم يوجد هناك من خلق الكون والكون لم يخلق نفسه، فان الامكانية الوحيدة هي ان الكون يجب ان يكون موجودا دائما.

حجة ارسطو: جادل ارسطو في كتابه الفيزياء بان العالم يجب ان يكون وُجد من أبدية. هو جادل بان كل شيء يأتي الى الوجود من خلال طبقة تحتية substratum. لذلك اذا كانت المادة الأساسية للكون جاءت الى الوجود، فهي جاءت من طبقة تحتية، وبالنتيجة فان المادة الأساسية للكون جاءت الى الوجود فقط من مادة موجودة سلفا تشبه ذاتها بالضبط، وهذا جعل ارسطو يجادل بان المادة يجب ان تكون ابدية. وفي جداله عن الحركة يؤكد اننا اذا افترضنا بداية مطلقة للحركة، فان الشيء الذي يباشر اول حركة يجب ان يكون اما:

1- جاء الى الوجود وبدأ الحركة.

2- او وُجد بحالة أبدية من السكون قبل ان يبدأ الحركة.

الخيار الأول هو متناقض ذاتيا لأن الشيء لا يمكن ان يتحرك قبل ان يأتي الى الوجود، وان عملية المجيء الى الوجود هي ذاتها "حركة"، لذلك فان الحركة الأولى تتطلب حركة قبلها، أي، عملية المجيء الى الوجود. الخيار الثاني أيضا غير مقنع لسببين:

1- اذا كان العالم بدا في حالة من السكون، فان ظهور تلك الحالة من السكون سيكون في حد ذاته حركة.

2- اذا كان العالم تغير من حالة السكون الى حالة الحركة فان سبب ذلك التغيير للحركة سيكون هو ذاته حركة. ولذلك استنتج ارسطو ان الحركة أبدية بالضرورة.هو رأى ان "الفراغ" الذي هو (مكان لا مادة فيه) مستحيل. لأن الأشياء المادية يمكنها ان تأتي الى الوجود فقط في مكان،أي، تشغل مكانا. لو كان الشيء يأتي من العدم، ذلك يعني ان "المكان الذي يُشغل بما يأتي الى الوجود سيكون سلفا مشغولا بفراغ، بسبب عدم وجود شيء فيه". لكن هذا الفراغ مستحيل، والمادة يجب ان تكون أبدية.

هل هناك غاية للكون؟

وفي صفحة 38 تطرقنا الى مسألة الغائية في الكون. معظم الناس أخذوا فكرة غائية الكون من الدين. ما يحدث في هذا الكون، كما تذكر القصة هو بالتأكيد تعبير عن رغبة الله. ومع تطور العلم جرى استبدال فكرة الكون المنظم من الله بفكرة الكون المنظم بقوانين الفيزياء اللاواعية. تلك القوانين كونها غير واعية فهي فارغة من الهدف. القوانين الفيزيائية ليست "قبلية ولا هي تراقب المادة لتتأكد من عدم خروجها عن الخط". الاحداث ببساطة هي نماذج او عادات للعالم الطبيعي المنكشف غير مسترشدة بغرض كوني.

غير ان بعض المفكرين يرون ان إمكانية الغرض الكوني انتعشت من جديد بواسطة العلم الذي بدا كأنه قتلها. هذا الانبعاث يتجذر في الاكتشاف بان قوانين الفيزياء يجب ان تكون مضبوطة بدقة لدرجة غير متخيلة لأنه يجب ان يكون هناك كون يمكن ان يولّد ويديم الحياة (وحتى التعقيدية الكيميائية التي سبقت الحياة). مدى الدقة في ضبط الكون تتضح بكمية الطاقة المظلمة في الفضاء الفارغ – او ما يسمى يالثابت الكوني او "طاقة الفراغ" – يجب ان تكون اكبر من صفر ولكن ليس اكثر من 10 مرفوعة الى -122 وحدة. هذا يُعد ضروريا لكي لا ينهار الكون على ذاته او يتحطم الى أشلاء قبل ان يتكتل على شكل كواكب قابلة للحياة. الفيزيائيون وجدوا ان تغييرا بسيطا في القوانين الأساسية للطبيعة ستجعل إمكانية وجود الحياة مستحيلة.

المعارضون لفكرة الغاية من الكون:

 لسوء الحظ فكرة الكون المضبوط لا تبدو مقنعة كليا. الأكثرية العظمى مما يوجد في الكون هو ليس فقط كون غير مسكون وانما أساسا غير صالح للسكن، وبالتالي فارغ من الغرض كما يُفهم عادة. ان التقدم الحديث في الفيزياء أشار الى ان الكون وبشكل مدهش مرن في خصائصه الأساسية وانه ليس المكان الأفضل تماما لظهور الحياة. ربما لم يضعنا الكون في ذهنه ابدا ونحن لسنا مساهمين بدون قصد في تحقيق غرضه.

ان هدف الكائنات الفردية في سعيها لأغراض غير متصلة يتصادم مع تلك الكائنات الأخرى اما كمنافسة لها او مجرد العيش جنبا الى جنب. من الصعب رؤية الفريسة والمفترس يشتركان بهدف مشترك. كذلك، التمييز بين الكائنات الحية وبيئاتها يحصر الغرض في الأولى وليس في الأخيرة وهو يتعارض مع فكرة التوزيع العادل للغرض في جميع الكون. في المسار من الذرات الى المعادن، ومن هذه الى أولى خيوط الحياة، نجد آلية العشوائية وآلية اللاوعي هما أكثر وضوحا من الغرض.

 لازال في الكتاب عدد كبير من المقالات الهامة مثل مأزق الانسان بين الحتمية والإرادة الحرة، لماذا هناك شيء بدلا من لا شيء، لماذا هاجم روسو التنوير، الاختلاف بين ديفد هيوم وعمانوئيل كانط حول السببية، ولماذا يحتاج المعلم الى رؤية فلسفية، هل يمكن اثبات صلاحية المبدأ الأخلاقي؟ وأين تكمن قيمة الفلسفة، وأربعة أجوبة فلسفية لمعنى الحياة، هل العدالة غاية بذاتها؟ وكذلك أوجه التشابه بين الروح والمدينة في جمهورية افلاطون.

***

حاتم حميد محسن

..........................

(1) كتاب مقالات في الفلسفة للكاتب حاتم حميد محسن، صدر في مايو 2026 عن دار اديان للطبع والنشر والتوزيع في 218 صفحة.

بقدر حاجتنا إلى مراجَعات ذاتية، نحن نحتاج إلى مراجِعين قادمين من "أقصى المدينة"، ملمّين بلساننا، وعلى دراية بأحوالنا، لقراءة نثرنا وشعرنا. وتلك مهمّة اضطلع بها باقتدار الإيطالي سيموني سيبيليو، المنتمي إلى جيل المستعربين الجدد، في تناول المنتوج الشعري العربي، في كتاب صادر بالإيطالية هو عبارة عن فهرس مفصّل. جاء الكتاب بعنوان: "الشعر العربي بوجهيه الحديث والمعاصر" (معهد الشرق بروما)، وعماد صاحبه في ذلك، التحليل النقدي من منظور غربي وبأدوات غربية، وذلك على مستوى شمولي في النظر والتقييم، وعلى مستوى انتقاء العيّنات.

حرص المؤلف في عمله على الإحاطة بخارطة الشعر العربي الواسعة والمتشعّبة، مبرِّرا اختياره بما يرنو إلى تقديمه للقارئ الإيطالي من قراءة ضافية. وذلك من خلال عرض خلاصة تحليلية ميسّرة للشعر العربي في الفترتين الحديثة والمعاصرة. وضمن هذا الهدف الرئيس يستحضر المؤلف الجدل الدائر حول الشعر وفي الشعر، وما طرأ على القصيدة العربية عامة من أحوال وأطوار. ويشير إلى أنّ الحاجة إلى مصنّف من هذا النوع، جاءت أيضا جراء غياب خلاصة جامعة في الإيطالية، وإن توفّرت النصوص والدواوين المترجَمة لشعراء فرادى. ويشير المؤلف إلى أنّ ثمة نقصًا في وجود مصنّف "عضوي" يجمع بين الفترتين -الحديثة والمعاصرة- ويربط بينهما، ولذا جاء الكتاب مسعى لتجاوز ذلك النقص.

استعاد المنهج التحليلي المعتمَد أهمّ الثيمات التي حضرت في الشعر العربي. ليغرق الكاتب أحيانا، ودون وعي، في تقسيم غربي، يتوزع بين الكلاسيكي والحديث، والحال أن الكلاسيكي بمدلوله العربي هو النهضوي. ولكن هذا لا يقلّل من أهمية الكتاب في ما يثيره من قضايا حول تحولات الشعر العربي، وأنّ الشاعر العربي ما عاد لسان الجمهور، بل غدت اللغة مأواه الحصين. مفسّرا ذلك بأن الخيبات السياسية والاجتماعية والحضارية، قد أعادت الشاعر العربي إلى تعريف دوره وتحديد مهمّته. ففي مرحلة أولى تماهى الشاعر مع عمقه الحضاري، وذهب إلى جذور الأشياء بالعودة إلى التراث الفينيقي والكنعاني والفرعوني، لتتراجع تلك المغامرة ويقنع الشاعر باللّغة وطنًا وهاجسًا له.

ولو تمعّنا فحوى الكتاب، نلحظ أن القسم الأول (71 صفحة) قد حام تحديدًا حول عرض مضامين الشعر ومفاهيمه الكبرى، مع توضيح مساراته على مدى القرن. حاول فيها المؤلف تتبّعَ خصوصيات "الحديث" و"المعاصر" في الشأن. وفي خضمّ ذلك يشير سيبيليو إلى أن مسألة التحقيب في الشعر العربي خلال الفترة المدروسة، تأتي لديه بمنأى عن المنظور الغربي وتقسيماته المعهودة للحديث والمعاصر. يحاول الباحث سيبيليو أن يستمدّ التحقيب المعتمَد في الكتاب من داخل الانشغالات الشعرية العربية، متتبّعًا تحولات القصيدة، بما انطبعت فيها من خاصيات "الحديث" و"التجديدي" و"المعاصر" و"الحداثي" إلى مصاف بلوغ "ما بعد الحداثي"، وهي نعوت ومعايير وتحقيبات سائلة ومائعة، على حدّ قوله.

إذ يرتئي المؤلف أنّ الحدود بين الحديث والمعاصر مضلّلة، وإن أطلّت ملامح الشعر العربي الحديث منذ عصر النهضة. وفي هذا المسار المتداخل سعى الباحث سيبيليو إلى رسم خارطة توضّح تلك المراحل بقصد بيان ذلك التداخل. فمع انطلاق دعوات التجديد وظهور تيارات النقد المبكرة، بدأت تتشكّل ملامح الشعر الحديث إلى أن طغت. لتلي ذلك فترة تحول فاصلة بين السابق واللاحق، سادت بين الأربعينيات والخمسينيات من القرن الفائت، بدت في عمومها مسكونة بالهاجسين الرمزي والسريالي. أسهمت تلك المرحلة الوسطى، وفق الكاتب، في إنضاج ملامح الشعر المعاصر الذي ترافق مع ظهور الشعر الحرّ. وبحسب ما اتّضح له، وبعيدا عن مركزية التحقيب الغربي، فإنّ المعاصر ينطلق مع عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، نظرا إلى دخول ملامح مستحدَثة على القصيدة العربية غير معهودة.

وبعد أن تركّز الانشغال في القسم الأول على متابعة المفاهيم، أو لنقل المواضيع الرئيسة، التي راودت الشاعر العربي، هذا من جانب، وعلى الإنتاجات التي أُنتجت إبان فترة "النهضة"، بالمفهوم العربي، وانعكاساتها على حركة الشعر، من جانب آخر. انشغل القسم الثاني من الكتاب بالتجليات الشعرية، وبالنصوص، وبالخاصيات التي رافقت القصيدة العربية في مختلف حللها ومساراتها. مستندا الباحث إلى تجارب عدّة برزت كأصوات تجديدية، أو لنقل جارّة وراءها جحافل متنوعة من الشعراء، وذلك مع النصف الأول من القرن العشرين، من الكلاسيكية الجديدة، مرورًا بالرومنطيقية، وإلى غاية الرمزية. في الأثناء يُبرز سيبيليو الانتقال السلس الحاصل من الحديث إلى المعاصر، وإن استعرضَ الجدل الذي رافق هذا التطور. وهو ما انشغل به الفصل الرابع من القسم الثاني من الكتاب. مرتئيا الكاتب أن هذا التحول قد أتى بمثابة القطيعة الواعية داخل حركة الشعر العربي، عبر ما عُرف بثورة الشعر الحرّ، وهو ما طفحت به مجلتا "الآداب" و "شعر".

يُعتبَر الكتاب في اللغة الإيطالية متفرّدا في موضوعه وفي شموله. صحيح لم تخل المكتبة الإيطالية من مؤلفات تناولت الشعر العربي بوجهيه الحديث والمعاصر، ولكنها جاءت في معظمها مقتصرة على شاعر أو شاعرة، أو مخصَّصة لجهة محدّدة بمعالجة قضية من قضايا الشعر، على غرار مؤلف وسيم دهمش "المغرب.. الشعر العربي اليوم"، روما (2002)، وكتاب فتحي مقبول "الإنتاج الشعري في الأردن"، راغوزا (1992). لكن كتاب سيبيليو، في الأوساط الثقافية الإيطالية، يبقى محاولة متميزة لِما فيه من توسّع في دراسة المنتوج الشعري العربي، ولما تلوح من فحواه من معالجة رصينة في تناول قضايا أدبية بعيدا عن التحيز الغربي. فما يُلحّ عليه الباحث، في تناول الشعر العربي، وبخلاف دراسات غربية أخرى في الشأن، هو رفض القول بالتأثر، أو النقل، أو التقليد للتجارب الشعرية الغربية، وإنما يطرح الباحث المسألة ضمن معطى التفاعل والتثاقف بين التجارب.

العنصر المهمّ في كتاب سيبيليو وهو الإلمام الجيد بخارطة الشعر العربي المعاصر؛ مع هذا ثمة ملاحظة بشأن غياب أسماء لامعة من هذه الخارطة، بشكل يدعو للتساؤل، وهو ما لا يقلّل من قيمة الكتاب.

وفي ملمح لافت بين زملائه من المهتمّين بدراسات العالم العربي، يتميز مؤلّف "الشعر العربي بوجهيه الحديث والمعاصر" بإلمام متين بالعربية، وهو ما خوّل له الاطلاع المباشر على النصوص التي اشتغل عليها في كتابه. وكما يلوح من المصادر والمراجع المعتمَدة، ثمة استعادة موفّقة ومتابَعة جيدة من قِبل المؤلف للإنتاجات العربية. ليس الاطلاع على تلك المؤلفات عابرًا أو خاطفا، بل يكشف عن قدرة على سبر أغوارها وإدراك فحواها، وهو ما يُحسَب للمؤلف. فمنذ ما يزيد عن العقدين درّستُ سيموني سيبيليو في جامعة "الأورينتالي" في نابولي، وقد لمست لديه، منذ ذلك العهد، تميزا عن أقرانه في الشغف بالعربية وبالدراسات العربية. لم يخب ظني فيه وأنا أطالع كتابه القيّم، وهذه من النِّعم السارة التي تثلج الصدر في المهجر.

ما يميز الكاتب سيموني سيبيليو وهو الإلمام المزدوج بالفضاءين الشعريين، العربي والغربي، وهو ما خوّل له الكتابة بأريحية في الموضوع، ناهيك عن درايته بالمصطلح الموظَّف في عمله. ثمة قدرة لدى الكاتب في إغراء القارئ غير المولع بالشعر للاطلاع على كتابه، وهو ما يمكن أن نطلق عليه مصالَحة من لا يعنيهم الشعر مع الشعر، عبْر ما يثيره من قضايا سياسية وفكرية وتاريخية متنوعة على صلة بالشعر.

الشعر العربي بوجهيه الحديث والمعاصر

المؤلف: سيموني سيبيليو

الناشر: معهد الشرق كارلو ألفونسو نللينو، روما

عدد الصفحات: 325 ص.

***

د. عز الدين عناية

أستاذ تونسي في جامعة روما- إيطاليا

أسعدَ اللهُ أوقاتَك أيُّها القارئُ القادمُ من جهاتِ القلبِ كافَّة، أيُّها العابرُ إلينا محمولًا على شغفِ الحروفِ ودهشةِ المعنى. تعالَ واجلسْ قليلًا في ظلالِ الكلمات، فبين يديَّ اليومَ كتابٌ يستعاد من عتمةِ الجبِّ بعد طولِ انتظار.

سأقرأُ لك نصًّا يشبهُ العودةَ إلى الذاتِ بعد اغترابٍ طويل، فأهلًا بك في فضاءِ حروفي، إذْ تتقاطعُ الحكاياتُ مع الأسئلة، وتصافحُ الذِّكرياتُ ما تبقَّى من أرواحِنا.

تحيَّةٌ فلسطينيَّةٌ خالصةٌ لقرَّائي الأعزَّاءِ، تحيَّةٌ تنبضُ برائحةِ الزَّعترِ البريِّ، وبأغنياتِ الجدَّاتِ اللواتي حفظنَ الوطنَ في صدورِهنَّ عندما ضاقتِ الخرائطُ واتَّسعَ الحنين.

ومن بينِ هذه التحيَّاتِ تتقدَّمُكم قامةٌ أدبيَّةٌ عرفناها عاشقةً للكلمةِ التي تُزهِرُ، وللمكانِ الذي يتكلَّمُ، وللإنسانِ عندما ينكسرُ ويعاودُ النهوض.

إنَّه العرَّابُ ابنُ عرَّابةَ الذي حملَ بلدتهُ في قلبهِ كما يحملُ الشاعرُ قصيدتَه الأولى، هو صاحبُ "عرَّابِ الرِّيح" و"شيءٌ يُذكِّرُني بي"، الأديبُ المبدعُ عبدُ السَّلامِ العطَّاريُّ.

وإذا كانتِ الكتبُ في الغالبِ تحكي عن العالم، فإنَّ العطَّاريَّ يكتبُ العالمَ من داخلِ الإنسان، إنه يفتِّشُ في طبقاتِ الرُّوحِ، ويُنصتُ إلى ذلك الصوتِ الخافتِ الذي كثيرًا ما نُسكِتُه بضجيجِ الحياة.

يكتبُ عنَّا ونحنُ نظنُّ أنَّه يكتبُ عن شخصٍ آخر، ويُعيدُ إلينا ملامحَنا التي بعثرها التعبُ على أرصفةِ الأيَّام.

وتحيَّةٌ تمتدُّ من عرَّابةَ إلى البِروةِ فعكَّا، تحيَّةٌ تعبرُ الجغرافيا لتستقرَّ في ذاكرةِ فلسطينَ الثقافيَّة، فهناكَ ما يزالُ محمودُ درويشٍ يُعلِّمُ اللغةَ كيف تُقاومُ الغيابَ بالقصيدة، وكيف تُحوِّلُ الخسارةَ إلى غناءٍ أبديٍّ.

وهناكَ ما يزالُ غسَّانُ كنفاني يُعلِّمُ الذاكرةَ كيف تصبحُ بيتًا للمنفيِّين، وكيف تتحوَّلُ الكلمةُ إلى شكلٍ من أشكالِ المقاومةِ والبقاء.

ولعلَّ أجملَ ما يجمعُ العطَّاريَّ بدرويشٍ وكنفاني ليس تشابهَ الموضوعاتِ ولا تقاطعَ الأمكنة، إنّه يا سادة الحروف ذلك الانشغالُ الوجوديُّ العميقُ بسؤالِ الإنسانِ الأوَّل المتمثّل في: ما الذي يبقى منَّا عندما يتسرَّبُ الزَّمنُ من بينِ أصابعِنا؟ وما الذي ينجو من العابرِ فينا؟ أهي الذِّكرياتُ؟ أم الكلماتُ؟ أم تلك الندوبُ الخفيَّةُ التي تتركُها الحياةُ في أرواحِنا ثم تمضي؟

ومن هنا تبدأُ رحلتُنا مع هذا الكتاب بصفحاته التي تبدو مرآةً قديمةً ننظرُ فيها إلى وجوهِنا، ونكتشفُ أنَّ ما كنَّا نبحثُ عنه بين السطورِ لم يكن سوى أنفسِنا.

فهلمُّوا معي إلى هذا النَّصِّ الذي يروي الحكاية ويجعلُنا جزءًا منها، وإلى هذا الكتابِ الذي يُذكِّرُنا بأنفسِنا كما كنَّا، وكما صرنا، وكما نأملُ أنْ نكون.

كان محمود درويش يبحثُ عن الوطنِ في اللغة، فيرمِّمُ بالكلماتِ ما هدمته المنافي، ويمنحُ الأرضَ عمرًا إضافيًّا كلَّما ضاقت بها الجغرافيا.

وكان غسَّان كنفاني يبحثُ عن الوطنِ في الحكاية، في وجوه اللاجئين، وفي تفاصيل الرحيل التي تتحوَّل على يديه إلى شهادةٍ على الوجود والحقِّ والذاكرة.

أمَّا عبد السلام العطَّاري، فيبدو أنَّه يمضي في دربٍ أكثر خفاءً وأشدِّ مراوغة؛ إنَّه يبحث عن الوطن والإنسان معًا في الشيء.

ومن هنا ندخلُ إلى العتبة الأولى لهذا الكتاب اللافت: "شيءٌ يذكِّرني بي".

وما إنْ تقع العين على العنوان حتَّى يتسلَّل سؤالٌ خفيٌّ إلى الذهن: فما هذا الشيء؟ ولماذا يحتاج الإنسان إلى شيءٍ يذكِّره بنفسه؟ أليست الذاتُ أقربَ الأشياء إليه؟

غير أنَّ العنوان في جوهره، لا يقدِّم إجابةً بقدر ما يفتح أبوابًا واسعةً من الأسئلة، فهو عنوانٌ يراوغ قارئه منذ اللحظة الأولى، إذْ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنَّه يخبِّئ في طبقاته العميقة شبكةً من التأويلات النفسية والفلسفية والوجودية.

فالكاتب لا يقول: شيءٌ يذكِّرني بأمِّي، ولا بقريتي، ولا بطفولتي، ولا بأصدقائي الذين عبروا حياتي وتركوا فيها ظلالهم.

إنَّه يتجاوز كلَّ ذلك إلى مركز الدائرة، إلى النقطة التي تتفرَّع منها جميع الطرق وتعود إليها جميع الحكايات ليقول: "بي"، وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى.

ويكأنَّ العطَّاري يهمس من وراء العنوان: لقد توزَّعتُ على الأمكنة حتى صرتُ جزءًا منها، وتبعثرتُ في الوجوه حتى حمل كلُّ وجهٍ شيئًا من ملامحي، وتسرَّبتُ إلى الأزمنة حتى غدوتُ ذكرى في ذاكرة أيامي، ولأنَّ الإنسان لا يخرج من هذه الرحلة كما دخلها، فقد صرتُ أحتاج إلى علامةٍ صغيرة، إلى أثرٍ عابر، إلى شيءٍ ما يعيدني إليَّ، ويقودني إلى النسخة الأولى من نفسي التي أضاعتها الحياة بين محطَّاتها الكثيرة.

والشيء هنا هو مفهومٌ مفتوحٌ على اتساع التجربة الإنسانية كلِّها، إنَّه كلمةٌ تتسع لكلِّ ما لا تستطيع اللغة أن تحيط به دفعةً واحدة.

قد يكون رمَّانةً تتدلَّى من غصنٍ بعيد فتفتح بوابةً كاملةً من الطفولة، وقد يكون حاكورةً قديمةً ما زالت تحتفظ بخطوات الأب وهو يعبرها عند الفجر، وقد يكون صوتَ أمٍّ ينادي من آخر العمر فيوقظ في القلب سنواتٍ ظننَّاها غابت إلى الأبد، وقد يكون حجرًا في حارةٍ عتيقة، أو خرُّوبةً عجوزًا شهدت مواسم الفرح والحزن، أو بائعًا متجوِّلًا مرَّ ذات صيفٍ ثم اختفى وبقي صوته معلَّقًا في الذاكرة أكثر مما بقيت صورته.

إنَّه ذلك التفصيل الصغير الذي لا يلتفت إليه أحد، لكنَّه يمتلك قدرةً عجيبةً على استدعاء عوالم كاملة من الأعماق.

فما إنْ نلامسه حتى تنهض الذاكرة من سباتها، وتبدأ الأبواب المغلقة بالانفتاح واحدًا تلو الآخر.

ومن هنا تتشكَّل البنية العميقة للكتاب كلِّه؛ فهي علاقةٌ ثلاثية الأطراف، متشابكة الخيوط، دقيقة البناء، فالشيء يستدعي الذاكرة، والذاكرة تستدعي الذات، والذات تعيد تشكيل العالم بالكلمات.

وهكذا لا يعود الشيء شيئًا إنما يتحوَّل إلى وعاءٍ للمعنى، ومستودعٍ للزمن، وخزَّانٍ للهويَّة ليغدو قطعةً صغيرةً من العالم تحمل في داخلها عمرًا كاملًا من التجارب والانفعالات والحنين.

وعندما نقتحم نصوص العطَّاري من هذا الباب نكتشف أنَّنا أمام كاتبٍ لا يصف الأشياء بقدر ما ينصت إليها، فهو يمنح الجمادات لسانًا، ويوقظ في التفاصيل روحًا خفيَّة، ويجعل من أبسط الموجودات مفاتيحَ لفهم الإنسان نفسه.

فالرمان هو ذاكرةُ ميلادٍ ونضجٍ وانتظار، والأم أصلُ الحكاية كلِّها، والحارة أرشيفٌ حيٌّ للعلاقات الإنسانية التي صنعت ملامح الروح، والبيادر طفولةٌ ما تزال تمشي حافيةً في القلب، وتلوِّح من بعيد كلَّما ظننَّا أنَّ العمر قد أخذنا بعيدًا عنها.

ولذلك فإنَّ قارئ "شيءٌ يذكِّرني بي" يقرأ كتابًا عن الإنسان وهو يفتِّش عن نفسه بين الأشياء، وكلَّما تقدَّم في الصفحات اكتشف أنَّ الكاتب لا يدلُّه على العالم الخارجي بقدر ما يقوده إلى أعماقه هو، وإلى تلك المناطق المنسيَّة من الروح التي تختبئ فيها النسخ القديمة منَّا منتظرةً شيئًا واحدًا فقط... شيئًا يذكِّرها بها.

لهذا كلِّهِ فإنَّ عبدَ السَّلامِ العطَّاريَّ يكتبُ سيرةَ الأشياءِ التي صنعتِ الذَّاتَ بعيدًا عن المعنى التَّقليديِّ، فيُعيدُ الاعتبارَ لكلِّ ما ظننَّاه عابرًا: للرَّوائحِ، وللأسماءِ، وللوجوهِ المنسيَّةِ، وللطُّرقاتِ الضيِّقةِ، وللأمَّهاتِ اللَّواتي غادرنَ وبقي دفؤُهُنَّ يسكنُ اللُّغةَ.

وفي تقديري، فإنَّ "شيئًا يُذكِّرني بي" ينفتح على سؤال الهويَّة من أكثر أبوابها إنسانيَّةً ووجعًا: فمَن أكون بعدما غاب الذين كانوا يعرفونني؟

ذلك أنَّ الإنسان لا يعيش في ذاته وحدها، وإنَّما يتوزَّع على قلوب الآخرين وذاكراتهم. فثمَّة نسخةٌ منَّا تسكن في عين الأمِّ، وأخرى في صوت الأب، وثالثة في صداقات العمر، ورابعة في الأمكنة التي شهدت خطواتنا الأولى.

وفي الوقت الذي يأخذ فيه الغياب هؤلاء جميعًا معه، يترك وراءه فراغًا في العالم، وفي تعريفنا لأنفسنا أيضًا.

من هذه المنطقة الشفيفة بين الذَّاكرة والفقد تتدفَّق نصوص العطَّاري، حاملةً قلق الإنسان وهو يتلمَّس آثاره القديمة خشية أنْ تضيع ملامحه في زحام السنين.

فكلُّ نصٍّ يبدو كأنَّه محاولةٌ لالتقاط صورةٍ آخذةٍ في الابتعاد، أو نداءٌ موجَّهٌ إلى الذات من مسافةٍ بعيدة، أو مصباحٌ صغيرٌ يُضاء في عتمة النسيان.

ولذلك لا تبدو الأشياء التي يعبرها الكاتب تفاصيلَ عابرةً في المشهد، فهي علاماتُ طريقٍ تقوده إلى نفسه.

فما الرمانةُ إلا بابًا إلى زمنٍ كامل، وما الحاكورةُ إلا جغرافيا للروح، وما صوتُ الأمِّ إلا مفتاحٌ لخزائن العمر الأولى.

ومن خلال هذه التفاصيل يستعيد الإنسان خرائطه الداخليَّة، ويعيد رسم ملامحه التي كادت الأيام تمحو أطرافها.

هكذا يتحوَّل الكتاب إلى رحلةٍ في طبقات الذات أكثر ممَّا هو رحلةٌ في طبقات الذكرى، رحلةٍ يحاول فيها الكاتب أنْ يجيب عن السؤال الذي يرافق الإنسان كلَّما تقدَّم به العمر، فإذا كانت الأمكنة تتغيَّر، والوجوه ترحل، والأصوات تخفت، فما الذي يبقى منَّا في نهاية المطاف؟

وربَّما لهذا السبب يلامس هذا الكتاب قارئه بهذه الحميميَّة النادرة؛ لأنَّ سؤال العطَّاري ليس سؤاله وحده، وإنَّما سؤال كلِّ إنسانٍ استدار يومًا نحو ماضيه باحثًا عن أثرٍ صغيرٍ يؤكِّد له أنَّ ذلك الطفل الذي كانه ما يزال يقيم في مكانٍ ما من روحه، ينتظر شيئًا واحدًا فقط... شيئًا يذكِّره بنفسه.

وهنا يلتقي العطَّاريُّ مع درويشٍ وكنفاني؛ يلتقي مع درويشٍ في استعادةِ الذَّاتِ عبرَ اللُّغةِ، ويلتقي مع كنفاني في مقاومةِ الفقدِ عبرَ الذَّاكِرَةِ، لكنَّه يذهبُ إلى مسارِهِ الخاصِّ، إذْ تُصبحُ الأشياءُ الصَّغيرةُ بطلةَ الحكايةِ الكبرى، أمّا أنا فأنشدتُ على بحر الرّمَل فقلت:

فِي فَضَاءِ الشَّيءِ تَسْتَجْلِي دَمِي

كُلَّمَا غَابَتْ مَرَايَا الِانْكِسَارْ

فَإِذَا بِي بَيْنَ ذِكْرَى وَانْطِوَاءٍ

أَتَصَلَّى نُورَ نَفْسِي في الحِوَارْ

اعذروني أيُّها الأصدقاءُ إنْ بدا حديثي اليوم أقلَّ من حجمِ هذا الأثرِ الأدبيِّ، فواللهِ إنَّني أجدُ صعوبةً في الإيفاءِ بقراءةِ نصٍّ واحدٍ من نصوصِ العرَّابِ عبدِ السَّلامِ العطَّاريِّ في قراءة واحدةٍ، فكيفَ بكتابٍ يمتدُّ على مئةٍ وأربعٍ وخمسينَ صفحةً، ويضمُّ بين دفَّتَيْهِ أربعًا وعشرينَ محطَّةً وعنوانًا، يحملُ كلُّ عنوانٍ منها عالمًا كاملًا من الحكاياتِ والذِّكرياتِ والدَّلالاتِ؟

إنَّنا أيُّها الرَّائعونَ أمامَ نسيجٍ واحدٍ مُحكَمٍ، تتعانقُ فيه الذَّاكِرَةُ بالمكانِ، والإنسانُ بالزَّمنِ، والطُّفولةُ بالحَنينِ، في سردٍ عملاقٍ مُشوِّقٍ يمتلكُ القُدرةَ على اصطحابِ قارئِهِ من الصَّفحةِ الأُولى إلى الأخيرةِ دونَ أن يفقدَ دهشتَهُ أو شغفَهُ.

وكلَّما ظننتُ أنّني فرغتُ من نصٍّ، اكتشفتُ أنّهُ يفتحُ بابًا إلى نصٍّ آخرَ، وأنَّ كلَّ حكايةٍ تقودُ إلى حكايةٍ، وكلَّ صورةٍ تستدعي صورةً، حتّى يغدوَ الكتابُ بأكملِهِ نهرًا من الذَّاكِرَةِ المتدفِّقةِ، لا يمكنُ القبضُ على مائِهِ كلِّهِ في غرفةٍ واحدةٍ، ولا في أُمسيةٍ واحدةٍ، ولا حتّى في قراءةٍ واحدةٍ.

لذلكَ فإنَّ ما أُقدِّمُهُ لقرائي هو محاولةُ محبَّةٍ للاقترابِ من عالمِهِ، والإنصاتِ إلى نبضِهِ، والوقوفِ عندَ بعضِ إشراقاتِهِ، أمَّا الكتابُ فما يزالُ أوسعَ من القراءةِ، وأرحبَ من الإحاطةِ، وأغنى من أن تختزلَهُ جلسةٌ واحدةٌ أو ورقةٌ نقديَّةٌ عابرةٌ.

القارىء الرَّائعُ، إذا كانَ العنوانُ "شيءٌ يُذكِّرُني بي" هو المفتاحُ التَّأويليُّ للكتابِ كلِّهِ، فإنَّ نصوصَ "فراشة" و"حبيبةٌ لي" و"صورة" في الصَّفحاتِ مئةٍ وستٍّ وثلاثينَ، ومئةٍ وسبعٍ وثلاثينَ، ومئةٍ وثمانٍ وثلاثينَ، تُمثِّلُ التجلِّيَ الأكثرَ صفاءً لهذا المفتاحِ، لأنَّها تكشفُ كيفَ تتحوَّلُ الأشياءُ الصَّغيرةُ والعابرةُ إلى خزائنَ للذَّاكِرَةِ، وكيفَ تُصبحُ الذَّاتُ موزَّعةً في الموجوداتِ من حولِها، فلا تعودُ قادرةً على التعرُّفِ إلى نفسِها إلَّا عبرَها.

أبدأُ بنصِّ "فراشة"، إذْ يقولُ العرَّابُ:

"عنِ الفراشاتِ، كأنَّهُنَّ سربُ فرحٍ، حينَ عبرنَ الصَّباحَ، ولاحَ الوردُ بيدِ الفتى، والرَّصيفُ شهوةُ الانتظارِ الطَّويلِ، فابتسمتِ الَّتي طارتْ، والرَّحيقُ شهدُ الشَّقائقِ كان.

حينَ عبرنَ زقاقَ العمرِ، كانَ العمرُ يمضي كفراشةٍ إلى وردِ الحقولِ، وكانت حدائقُ المقابرِ بالشَّقائقِ مُزنَّرةً؛ فلا صوتَ هناكَ غيرُ أسماءَ على الشَّواهدِ، والحزنُ صار

ضَحِكَةَ المكلومِ، حينَ مَرَّقَ من بينِ عينِهِ ابتسامتُها، وصوتُ السَّمنِ شهقةُ نايٍ، والقَطا يُوقِظُ سُباتَ الميِّتينَ العميقَ".

منذُ الجملةِ الأولى يُقدِّمُ العطَّاريُّ الفراشةَ على أنَّها حالةٌ شعوريَّةٌ: "كأنَّهُنَّ سربُ فرحٍ".

فالفراشةُ هنا صورةٌ للفرحِ الخاطفِ، وللجمالِ الذي يمرُّ سريعًا ولا يُمسَكُ.

لكنَّ العرَّابَ لا يُبقيها في فضاءِ الطَّبيعةِ، إنَّما يدفعُها إلى فضاءِ الزَّمنِ: "كانَ العمرُ يمضي كفراشةٍ إلى وردِ الحقولِ".

وهنا تتحوَّلُ الفراشةُ إلى استعارةٍ كبرى للعمرِ الإنسانيِّ، فالفراشةُ قصيرةُ العمرِ، والإنسانُ كذلكَ، والفراشةُ تطيرُ نحوَ الوردِ، والإنسانُ يمضي نحوَ أحلامِهِ وذكرياتِهِ.

لكنَّ الإدهاشَ الحقيقيَّ في النَّصِّ يكمنُ في الجمعِ بينَ الفراشةِ، والحقولِ، والمقابرِ في مشهدٍ واحدٍ.

فالمقابرُ حديقةٌ مُزيَّنةٌ بالشَّقائقِ، وكلُّ ما يُريدُهُ العطَّاريُّ هو أن يقولَ إنَّ الجمالَ يستمرُّ حتَّى في مواجهةِ الفناءِ.

فأينَ الشَّيءُ الذي يُذكِّرُني بي؟

الشَّيءُ هنا هو الفراشةُ؛ لكنَّها ليست فراشةً حقيقيَّةً، إنَّها طفولةٌ عابرةٌ، وعمرٌ مضى، وفرحٌ خاطفٌ، وذِكرى لا تزالُ تُرفرفُ في القلبِ، فعندما يرى الشَّاعرُ الفراشةَ يتذكَّرُ نفسَهُ، ويتذكَّرُ العمرَ الذي عبرَ كما عبرتْ هي؛ لذلكَ تُصبحُ الفراشةُ أحدَ أهمِّ تجلِّيَاتِ "الشَّيءِ" في الكتابِ.

وعن نصِّ "حبيبةٌ لي" يقولُ العرَّابُ:

"لي حبيبةٌ تَجيءُ مع الغيمِ، تُمطِرُ كلَّما تَشَقَّقَ القلبُ وطَفَحَ صدري بالظَّمأِ، فتُزهِرُ أوردتي حدائقَ للعشَّاقِ والسَّابلةِ، وتصيرُ الوردةُ زهرةَ الميلادِ، وتصيرُ النَّجمةُ ضوءَ المكانِ، والسَّماءُ تُعبِّئُ أنفاسَها بالشُّروقِ، والضُّحى ضحكتُها.

لي حبيبةٌ تَجيءُ كلَّ مساءٍ، فيصيرُ الليلُ وشاحًا للأيكةِ، ويصيرُ حُلْمُ العصافيرِ اسمَها، وتصيرُ الفراشاتُ نشيدَ الحقولِ، وتصيرُ الأغاني رصيفَ الفقراءِ كلَّ صباحٍ، وبائعُ الصُّحفِ يرمي "أخبارًا بايتةً"، ويعودُ الموجزُ اسمَها كلَّ نهارٍ".

يقومُ النَّصُّ كلُّه على تكرارِ جملةِ: "لي حبيبةٌ"، وهذا التَّكرارُ هو إعلانٌ عن وجودِ معنى، فالحبيبةُ قوَّةٌ تمنحُ العالمَ حيويَّتَهُ.

فبمجيئِها يزهرُ الدَّمُ، وتُشرِقُ السَّماءُ، وتتفتَّحُ الوردةُ، ويغدو الليلُ وشاحًا.

إنَّها أشبهُ بما يُسمِّيه المتصوِّفةُ "سرَّ الحياةِ"، ولهذا لا يصفُ الشَّاعرُ ملامحَها أبدًا، لا لونَ عينيها، ولا وجهَها، ولا اسمَها، لأنَّ المقصودَ أثرُها لا جسدُها.

فأينَ الشَّيءُ الذي يُذكِّرُني بي؟

الشَّيءُ هنا هو الحبيبةُ المتمثّلةُ في الحبِّ، والأملِ، والمعنى، والقدرةِ على الاستمرارِ.

إنَّها -لا أذهبَ اللهُ السَّعادةَ من قلوبِكم- المرآةُ التي يرى الشَّاعرُ فيها نفسَهُ الأجملَ، ولهذا فعندما يحضرُ اسمُها يحضرُ هو أيضًا، وعندما تغيبُ يتَّسعُ الفراغُ.

أمَّا نصُّ "صورةٍ" فيقولُ فيه:

"تلكَ الصُّورةُ بسوادِها، لا تعني لبياضِ عمرِنا غيرَ غيابِ اللَّونِ الذي كان. لا شيء من بياضِ القلبِ سوى الشَّيبِ الذي صار. هو العمرُ في أزقَّتِهِ المعتمةِ، نتحسَّسُ خشونةَ مشوارِنا عليه، وعقاربُ الوقتِ مُسرعةٌ، نلمسُ قرارةَ الذَّاكرةِ في صدفةِ الليلِ كلَّما انتصفت

دقَّاتُها، والنَّهارُ اتِّساعُ خُطوةِ مِنسأةٍ نتوكَّأُ عليها، نمشي ونمشي وما زِلْنا من جُدرانِ الزُّقاقِ نتنشَّقُ الفرحَ الذي كان".

أيُّها الأصدقاءُ، إنَّ هذا النَّصَّ من أكثرِ نصوصِ الكتابِ كثافةً وتأمُّلًا.

فالصُّورةُ هي الزَّمنُ الذي تجمَّدَ، ولهذا يبدأُ النَّصُّ بمفارقةٍ رائعةٍ: "تلكَ الصُّورةُ بسوادِها، لا تعني بياضَ عمرِنا"، فالصُّورةُ القديمةُ بالأبيضِ والأسودِ تستدعي العمرَ كلَّهُ.

ثمَّ يتحوَّلُ النَّصُّ إلى رحلةٍ داخلَ الزَّمنِ من الأزقَّةِ إلى الجدرانِ، فالمشوارِ، فالشَّيبِ، وصولًا إلى عقاربِ الوقتِ، وكلُّها عناصرُ تؤكِّدُ أنَّ الصُّورةَ شيئًا نسكنُهُ.

فأينَ الشَّيءُ الذي يُذكِّرُني بي؟ إذا كانتِ الفراشةُ رمزًا للعمرِ، والحبيبةُ رمزًا للمعنى،

فإنَّ الصُّورةَ هي الخزَّانُ الأكبرُ للذَّاكِرةِ، إنَّها الشَّيءُ الذي يُعيدُ للشَّاعرِ ملامحَهُ الأولى، وأزقَّتَهُ الأولى، وفرحَهُ الأوَّلَ.

فالصُّورةُ تُذكِّرُهُ بنفسِهِ التي كانت هناك.

في هذه النُّصوصِ الثَّلاثةِ تتجسَّدُ فلسفةُ الكتابِ كلُّها، فالفراشةُ شيءٌ يُذكِّرُني بعمري، والحبيبةُ شيءٌ يُذكِّرُني بقلبي، والصُّورةُ شيءٌ يُذكِّرُني بذاكرتي.

وبعدَ هذه الرِّحلةِ بينَ الفراشةِ والحبيبةِ والصُّورةِ، أجدُني أعودُ إلى السُّؤالِ الأوَّلِ الذي وضعَهُ عبدُ السَّلامِ العطَّاريُّ على عتبةِ كتابِهِ: "شيءٌ يُذكِّرُني بي".

لقد بحثتُ عن هذا الشَّيءِ في الفراشةِ فوجدتُهُ عمرًا يُرفرفُ بينَ الحقولِ، وبحثتُ عنهُ في الحبيبةِ فوجدتُهُ قلبًا ما زالَ يؤمنُ بالضَّوءِ، وبحثتُ عنهُ في الصُّورةِ فوجدتُهُ زمنًا يحتمي من النِّسيانِ.

لكنْ كلَّما توغَّلنا في النُّصوصِ اكتشفنا أنَّ الأشياءَ ليست سوى دوائرَ صغيرةٍ تدورُ حولَ دائرةٍ أكبرَ، وأنَّ الذِّكرياتِ ليست إلَّا خيوطًا تقودُ إلى ذاكرةٍ واحدةٍ، أمَّا الذَّاتُ التي يبحثُ عنها الكاتبُ فهي ذاتٌ مُشتبكةٌ بمكانِها وتاريخِها وحكايتِها الأولى.

وفي الوقتِ الذي نُغلِقُ فيه الصَّفحةَ الأخيرةَ من هذا الكتابِ، نُدركُ أنَّ الشَّيءَ الذي كان يُذكِّرُ عبدَ السَّلامِ العطَّاريَّ بنفسِهِ لم يكن فراشةً، ولا حبيبةً، ولا صورةً ، إنَّما كان فلسطينَ.

فلسطينُ التي تظهرُ أحيانًا باسمِ الأمِّ، وأحيانًا باسمِ القريةِ، وأحيانًا في زُقاقٍ قديمٍ، أو شجرةِ رُمَّانٍ، أو حقلِ شقائقَ، أو ضحكةِ طفلٍ، أو ظلِّ شهيدٍ.

فلسطينُ التي تحضرُ في هذا الكتابِ نبضًا يسري في أوصالِهِ كلِّها.

لذلكَ يبقى السُّؤالُ مُعلَّقًا بعدَ انتهاءِ القراءةِ إلى كلِّ واحدٍ منَّا: ما الشَّيءُ الذي ما زال يُذكِّرُنا بنا، وما الشَّيءُ الذي ما زالت فلسطينُ تُذكِّرُنا به كلَّما ابتعدنا عنها واقتربنا منها في آنٍ؟

وقبلَ أنْ أضعَ آخرَ كلمةٍ في هذه القراءةِ، لا يسعُني إلَّا أنْ أتوجَّهَ إليكم جميعًا يا قرائي الأعزاء بخالصِ الشُّكرِ والامتنانِ لأرواحِكم التي شاركتِ النَّصَّ نبضَهُ، وشاركتِ الذَّاكرةَ سفرَها الطَّويلَ بينَ الحقولِ والأزقَّةِ والصُّورِ والفراشاتِ.

والشُّكرُ موصولٌ للعرَّابِ، ابنِ عَرَّابَةَ الجميلةِ، الأديبِ عبدِ السَّلامِ العطَّاريِّ، الذي كتبَ مرايا نتأمَّلُ فيها وجوهَنا وأعمارَنا وأمكنتَنا الأولى، فتحسَّسَ مواطنَ ذواتِنا الخفيَّةِ، ودفاترَ عمرِنا، ومنحَنا فرصةً نادرةً لأنْ نُصغيَ إلى أصواتِنا القديمةِ، وأنْ نعودَ، ولو لبرهةٍ قصيرةٍ، إلى أنفسِنا التي ظلَّت تنتظرُنا بينَ سطورِ الذَّاكرةِ لتهمسَ لكلِّ واحدٍ منَّا: هذا أنتَ، فسلامي والوردُ لكم يا مَن تمرّون على قراءاتي فتنفثون سحر أرواحكم.

***

غدير حميدان الزبون

 

إن الفن السابع يُعبِّرُ عن الماضي والمُستقبل، ويكشف النقاب عن آلام الماضي وأفراحه، ويُميط اللثام عنه بحلوه ومره وخيره وشره؛ فقد غدا لسان حال العديد من الأمم والشعوب والمُجتمعات، ولذلك يراهُ البعض مرآة لما يُعاش من تجارب، ويُنبه البعض لما قد يشوبه من تزييف وتحريف، وقد انطلق الحديث منذ عدة سنوات عن سينما نوعية لا تقتصر على الحكي التاريخي، وتصوير الحياة الواقعية، أو السعي إلى خلق الخيال الغرائبي في سينما المُستقبل؛ فإذا بنا نُشاهد لدى العديد من الأمم والمُجتمعات سينما تبحث في دواخل المرء، وتُضيء على أبعاد شخصيته، وهواجسه وأفكاره، ومشاعره في مجتمعات همين عليها الجانب المادي، وخفت الجانب الروحي.

وكل من يقرأ كتاب: «السينما الجزائرية: ميلاد ومسار» للباحث والأديب أحمد حمدي فإن ذاكرته ستنتعش؛ فالذاكرة تُوصف بأنها كنز إنساني دفين، كونها تحتفظ بالتجارب السابقة، وتُخزنها ثم تستدعيها مرة أخرى، حيث تتحفّز أطرافها الأخطبوطيّة العائمة دائماً باتجاهين يتسمان بالتناقض؛ فالاتجاه الأوّل هو الغياب في حضرة النسيان، الذي يوصف بأنه غياب المعلومات التي كانت مخزنة سابقاً في الذاكرة؛ سواء كانت طويلة المدى أو قصيرة الأمد، والاتجاه الثاني هو الحضور الحميميّ في قلب اللحظة المُناسبة عن طريق آلة الاسترجاع المشحوذة دائماً بقوّة تتسم بالغموض. (ينظر: محمد صابر عبيد: أسنان الذاكرة البيضاء، منشورات دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، 2017م، ص:7).

فكتاب الأستاذ والباحث الأكاديمي الدكتور أحمد حمدي يُميط اللثام عن مُحاولات الخروج من عباءات ضيّقة إلى فضاءات رحبة ومساحات واسعة، ومن يُطالع كتابه يستحضر ذكريات رافقنا فيها الأمل والحلم، والزمن الجميل الذي يعرضه في كتابه القيم يؤلم ويُعلّم وينسج الأمنيات؛ ويُضيء مساحات معتمة من خلالها نفهم عوالم ميلاد ومسارات السينما الجزائرية.

في تصديره للكتاب يذكر الأستاذ أحمد حمدي أن هذا الكتاب كان عبارة عن ملف يتصل بواقع السينما الجزائرية، وتاريخها الحافل بالأمجاد، والأعمال الخالدة؛ ونظراً لأهمية المعلومات التي يحتويها، والطابع التوثيقي الذي يرصد راهن النشاط الثقافي الجزائري في السبعينيات من القرن المنصرم، وحاجة المكتبة الجزائرية إلى هذا النوع من الأبحاث والأعمال؛ فقد ارتأى إعادة نشره ككتاب بعد مراجعته وإثرائه وتنقيحه، وإضافة بعض المقالات عن السينما الجزائرية، وما يتعلق بصناعتها وتوزيعها وانتشارها، وقد نبّه المؤلف إلى أن مضامينه بنيت في جانب منها على التدوين والسرد التاريخي، وبعض الجوانب من محتوياته جاءت لعرض وتقديم بعض الأفلام التي تعد نماذج تطبيقية؛ لما تمّ سرده في كتابه في الجانب النظري.

في مقدمة الكتاب يذكر الباحث الأكاديمي أحمد حمدي أن السينما أصبحت رغم عمرها القصير من أهم وسائل الاتصال؛ في القرن العشرين، وتنبع أهميتها من كونها تُخاطب قطاعاً عريضاً من مختلف الفئات الاجتماعية، وقد وجدت السينما طريقها إلى الجمهور الجزائري المُتعطش للعلم والمعرفة، ولكن السلطات الاستعمارية الغاشمة سرعان ما أدركت خطورة السينما عليها، ومن ثمة راحت تُحاول بكل جهدها تزييف مهام ودور السينما؛ وهكذا برزت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبالذات بعد مجازر 8ماي1945م خطة لتزييف دور ومهام السينما؛ فأنشأت سطات الاحتلال الفرنسي مصلحة للفوتوغرافية عام: 1946م لتُلحقها بالسينما عام: 1947م، بيد أن انفجار ثورة نوفمبر الخالدة عام: 1954م، وانتقال المجتمع الجزائري من حالة الكمون إلى حالة التوثب، ومن حالة الدفاع السلبي إلى حالة الهجوم الكاسح ضد قوى الاستعمار؛ أوجد ظروفاً جديدة ستترك تأثيرها على الأجهزة الثقافية، ويذهب المؤلف إلى أن السينما الجزائرية ليس لها إلا أن تكون ضمن النوع الثوري من السينما المناضلة، وذلك لعدة أسباب وظروف؛ منها الاستعمار الفرنسي لمدة132 سنة، والتي اتسمت بالقمع والإرهاب، ومحاولة محو الشخصية الوطنية، وتزييف الثقافة الوطنية؛ بينما تميّز الجانب الجزائري بالمقاومة والثورات الدائمة والمستمرة، والتي لم تتوقف، ولم تكل، وقد أشار الباحث أحمد حمدي إلى أن السينما في الجزائر المستعمرة، كانت موجودة من خلال تصوير المناظر والمناطق الجزائرية المتنوعة؛ كمشاهد خلفية لعدد من الأفلام الشهيرة، وسبب ذلك الانتقاء من قبل عدد من المخرجين هو الطابع السحري، والحالة الذي تتميّز به الطبيعة الجزائرية، وقد كانت نشوة الاحتفال بمرور مائة سنة على احتلال الجزائر فرصة لعدد من المُخرجين لتقديم أطباق فاخرة لمشاهديهم دون مقابل، وكان هدفهم تعريفهم على شمس الجزائر الدافئة ورمالها الذهبية وصحاريها الممتدة الأطراف، وجبالها الشامخة، وأنا سها الذين كانوا يعيشون حياة البدو في الأكواخ، وفي كهوف الجبال، والخيام المهددة بالرياح العاتية، وهكذا شاهدت الجزائر أفلام (البلاد) لجان رينوار، و(صليب الجنوب) لأندريه هيغون، و(طريق الشمس) لموريس كلينر؛ وهي أفلام تتغنى ببطولة وعظمة جيش الاحتلال الفرنسي؛ الذي تمكن من احتلال البلاد وقهر المتمردين والمتوحشين الأهالي، ويحتل البلاد عبر عدد كبير من المجازر المتلاحقة، وقد كان لسحر الشرق وقعه المفضل وجاذبيته عند عدد كبير من المخرجين الإيطاليين والأمريكيين؛ بحيث تدفقت على الجزائر كاميرات السينما الأمريكية، ومن خلفها المخرجون والممثلون؛ بل وحتى الخيول، والديكورات القادمة من أميركا لتصوير بعض أفلام رعاة البقر الأمريكية الشهيرة، بعدما لفتت الطبيعة الجزائرية نظر المُخرجين الأمريكيين.

وقد تطرق المؤلف إلى موضوع تطور السينما وإنتاجها في الجزائر؛ ومن بين ما ذكره في القسم الخاص بالتطور أن المركز الوطني للسينما قد باشر عمله منذ إنشائه عام 1964 وذلك من خلال فيلم (السلم الوليد) لجاك شاربي الذي أحرز على الجائزة الاولى للسينما الفتية في مهرجان موسكو عام: 1965م، ويليه فيلم (فجر المعذبين) لأحمد راشدي الذي يتحدث عن تحرير إفريقيا من الاستعمار الذي هيمن لمدة طويلة على بلدان العالم الثالث، وقد أحرز هذا الفيلم أيضا على جائزة المؤتمر الدولي للسلم في مهرجان لايبزيغ الدولي عام 1965.

ثم يلي ذلك مجموعة من الافلام الجزائرية الناجحة، والتي نالت تقدير ورضا النقاد ورجالات السينما الدوليين مثل فيلم (معركة الجزائر) من اخراج جيلو بونتكورفو الذي نال جائزة فينيسيا و(الليل يخاف من الشمس) لمصطفى بديع ثم (ريح الأوراس) من انتاج ديوان الاحداث الجزائرية من اخراج محمد الاخضر حامينا الذي أحرز على جوائز: أول عمل سينمائي بمهرجان كان 1966 وجائزة أحسن سيناريو بمهرجان موسكو 1967، وفيلم (الطريق) من انتاج الديوان الوطني للتجارة والصناعة السينمائية، واخراج محمد سليم رياض (جائزة السينما الفتية في مهرجان طشقند الدولي 1968) و(حسان الطيرو) للاخضر حامينا و(الجحيم في سن العاشرة "خمسة أفلام :

- البحر للغوثي بن ددوش

- اللقاء لسيد علي مازيف

- السمان لبوقرموح

- شهود الأمس لعمار العسكري

- عندما كانت جانيت ليوسف حكيكة

و(الخارجون على القانون) لتوفيق فارس، و(قصص من ثورة التحرير) و(الأفيون والعصا) لأحمد راشدي، و(تحيا يا ديدو) لمحمد زينات، و(لكي تحيا الجزائر) لمحمد عزيزي، و(اللي فات مات) لمصطفى كاتب، و(الفحام) لمحمد بوعماري الذي نال اعجاب كثير من المهتمين بالفن السينمائي الجزائري، واعتبر اعلانا عن ميلاد اتجاه جديد صار يعرف بــ "سينما جديد" وقد أحرز هذا الفيلم على التانيت الفضي لمهرجان قرطاج 1972، و(ولأسر الطيبة) لجعفر دامرجي و(عرق أسود) لسيد علي مازيف و(دورية نيو الشرق) لعمار لعسكري، و(منطقة محرمة) لأحمد لاعلام و(عطلة المفتش الطاهر) لموسى حداد، و(الارث) وهو ثاني أعمال محمد بوعماري الطويلة (هروب حسان الطيرو) لمصطفى بديع و(وقائع سنين الجمر) للأخضر حامينا، وهو أضخم إنتاج سينمائي جزائري بحيث تجاوزت تكاليف إنجازه المليار دينار ونصف، بيد أن حصول الفيلم على جائزة سعفة مهرجان "كان" الدولي أهلته لأن يعيد تكاليفه تلك، وهناك أفلام مرزاق علواش الناجحة، مثل (عمر قاتلاتو) الذي نال جائزة مهرجان قرطاج، و(مغامرات بطل) و(حواجز) لأحمد لاعلام، و(نوة) لعبد العزيز طلبي، و(المصب) لمحمد شويخ و(الغاصبون) للأمين مرباح، و(الطرفة) للهاشمي الشريف، و(يوميات عامل شاب) لمحمد افتيسان، و(سنعود) لمحمد سليم رياض .. وهناك عدد من الأفلام القصيرة والمتوسطة والطويلة لم نأت على ذكرها، ولن ما يهمنا أن نلاحظه هو ميلاد الاتجاهات الجديدة في السينما الجزائرية، ابتداء من سنة: 1972.

في قسم مُستقل من الكتاب تحدث الباحث أحمد حمدي عن الاتجاهات الجديدة في السينما الجزائرية، لقد انكبت السينما الجزائرية-كما عرفنا-على دراسة الثورة، وقدمت أفلاما تسجيلية؛ نذكر من ضمنها:

* فجر المعذبين

* الجحيم في سن العاشرة

* معركة الجزائر

كما قدمت أفلاما ذات أبعاد ملحمية؛ مثل:

* ريح الأوراس

* الطريق

* الخارجون على القانون

غير أن التطلع نحو الماضي وحده أصبح مثار نقد؛ كما عرفنا، ومن ثمة برزت الاتجاهات الجديدة في السينما الجزائرية؛ مع العلم أن هذه الأخيرة لا يمكن حصرها حاليا لحداثة عهدها.

إلا أن ملامح السينما الجديدة ظهرت مع التغيرات الاجتماعية من منظور تقدمي واضح .

يقول المخرج محمد بوعماري:

(لا نستطيع أن نرسم واقع الشعب كما نراه بل يجب أن يكون عملنا أكثر عمقا، وأبعد أثرا، يجب على السينما الجزائرية أن تكون مدرسة سياسية واجتماعية وملتزمة بالأساس مع عدم اغفال العنصر الفني).

إن هذا التحديد يعني أن السينما الجزائرية تتميز بالتالي:

- عنصر الالتزام؛ الذي يضفي على المضمون الأبعاد الثورية.

- عنصر الأسلوب؛ وخاصة منه ما يتعلق بالشكل الفني حيث تبرز بساطة الاخراج، ومرونة الحركة أي (الابتعاد عن التعقيد والمبالغة، والنزوع نحو التقاط الصور من الواقع بعيدا عن الإستيديوهات، وشعبية الممثلين).

وقد حصر المؤلف الاتجاه الأول في سينما الثورة، حيث جعل فليم معركة الجزائر أنموذجاً، وذهب إلى أن التأثيرات الاجتماعية للفيلم تتمثل؛ فيما يلي:

1-  تركيز الانتباه على أهمية ما قامت به القوات الفرنسية من إنجازات عدوانية على السكان.

2-  شحذ الهمم، والمشاعر؛ لإثارة الاعجاب بقوات الاستعمار الفرنسي.

3-  العمل على التقليل من كراهية الجزائريين للاستعمار.

ومن هنا كان لبعض نقاد الفيلم؛ وجهة نظر مختلفة، ومهاجمة شديدة، وكي نرى بوضوح ؛ كيف يمكن تقدير التأثيرات الناجمة عن الفيلم تقديرا علميا صحيحا؛ علينا أن نتبع الخطوات التالية:

1-  فهم عملية التنميط؛ أي كيف يترجم الفيلم حقائق الموقف الاجتماعي الى صور في نسق معين .

2-  أن نبين موضوعيا كيف تعمل المضامين الاجتماعية للفيلم على تشويه الحقائق؛ والمقصود، بالمضامين الاجتماعية هي تلك المصور في الفيلم، وليست تلك المضامين التي يمكن أن نستخرجها منه؛ أو الموجودة أصلا في ذهن المتفرج.

أما الاتجاه الثاني فقد حصره في سينما الواقع، واتخذ فيلم الفحام نموذجا، ومن بين الاتجاهات الأخرى التي سلط عليها المؤلف الضوء السينما المناضلة، حيث تحدث عن فيلم : فرقة خاصة، وأشار لدى حديثه عن هذا الفيلم أن "غوستا غافراس" يعد من أكثر المخرجين العالميين شهرة بفضل أفلامه السياسية الهادفة؛ التي جعلت من الكاميرا معادلا موضوعيا للبندقية، كما جعلت منها منشورا سياسيا ضد الفاشية، وكل أعمال القمع والإرهاب. وغوستا غافراس يوناني الأصل أخرج عددا من الأفلام السياسية الناجحة؛ لقيت اهتماما متزايدا من كبار النقاد العالميين، ونال عنها عدة جوائز عالمية آخرها فيلم (فرقة خاصة) الذي نال في مهرجان "كان" في (22/10/1972) بالمناصفة مع المخرج الكندي "ميشال برولت" عن فيلمه (الأوامر) جائزة أحسن إخراج.

ولا ريب في أن هذا الكتاب يُمثل إضافة مهمة للدراسات السينمائية؛ التي أضحت تخصصاً أكاديمياً ينهض بمُعالجة شتى المناهج النظرية والتاريخية والنقدية للأفلام، وهو عمل توثيقي رصين بذل فيه المؤلف جهوداً كبيرة خدمة للسينما الجزائرية، وللمهتمين بعوالمها، ولعامة المثقفين والمتخصصين في الدراسات السينمائية.

***

الدكتور محمد سيف الإسلام بوفـلاقــــة

كلية الآداب واللغات، جامعة عنابة، الجزائر

وعطش الكينونة عند تولستوي وهِرمان هِسّه وساراماغو

ابتداء اسمح لنفسي بصياغة مكثفة لمفهوم الظمأ الانطولوجي عند المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي ويمكنني القول: إن الظمأ الأنطولوجي هو شعور الإنسان الدائم بالنقص الوجودي الذي يدفعه إلى البحث عن المعنى والحقيقة والسكينة الروحية، بوصفه حاجةً أصيلةً في الكينونة الإنسانية لا تقل أهمية عن حاجاته البيولوجية. يرى الرفاعي أن الدين في جوهره التاريخي والروحي نشأ، استجابةً لهذا الظمأ، أي بوصفه محاولةً لإرواء عطش الإنسان إلى المعنى، لا مجرد منظومة من الأحكام والطقوس.

 وانطلاقًا مما تقدم، وولوجًا إلى مقاربة رباعية يحضر فيها ليو تولستوي وجوزيه ساراماغو وهرمان هِسّه، فضلًا عن الرفاعي، يمكن أن ننتهي إلى تعريف مكثف "للظمأ الأنطولوجي" بأنه "صرخة الروح للاستيقاظ"، أو أنه "عطش الروح إلى المطلق، ذلك العطش الذي لا ترويه مباهج الدنيا، وإنما يرويه المعنى حين يستقر في أعماق الكينونة". فليس الجوع إلى الخبز وحده ما يحرك الإنسان، ولا العطش إلى الماء وحده ما يدفعه إلى البحث، ففي أعماق الكائن البشري عطش آخر أشد خفاءً وأكثر إلحاحًا، عطش لا ترويه الثروة ولا السلطة ولا الألقاب الزائفة ولا أوهام العظمة والشهرة، ولا لذة التعرف إلى تضاريس الحياة وتجاربها المتنوعة. إنه ما يسميه الرفاعي "الظمأ الأنطولوجي"، هو ذلك الشوق العميق إلى المعنى، والشعور بالحاجة إلى ما يمنح الوجود قيمة تتجاوز حدود اليومي والعابر. يرى الرفاعي أن الإنسان، فضلًا عن كونه كائنًا بيولوجيًا واجتماعيًا، هو أيضًا كائن معنوي وروحي يعيش قلقًا وجوديًا دائمًا، يمكن وصفه بالقلق النبيل، لأن في داخله فراغًا لا تستطيع المادة وما يترشح عنها أن تملأه. الظمأ الأنطولوجي عنده هو الحاجة الأصيلة إلى المعنى الخلاق، وإلى اكتشاف أسرار ما وراء الحياة والموت والألم والحب والمصير. إنه سؤال البدايات، والغوص بحثًا عن الجذور.

 وعندما ننتقل إلى الروسي ليو تولستوي، الكاتب والمفكر والروائي المتوفى سنة 1910، نجد أنفسنا أمام تجربة مشابهة، وإن اختلفت اللغة والمصطلحات. فقد بلغ تولستوي قمة المجد الأدبي والاجتماعي، ثم وجد نفسه فجأة أمام سؤال مرعب: لماذا أعيش؟ وما جدوى هذا النجاح كله إذا كان الموت ينتظر الجميع؟ في كتابه "اعتراف" يصف تلك الأزمة الوجودية التي كادت تدفعه إلى الانتحار. لم يكن ينقصه شيء من متاع الدنيا، غير أن روحه كانت تصرخ طلبًا للمعنى. هنا يتجلى الظمأ الأنطولوجي في صورته الحادة؛ المشكلة ليست في فقدان الأشياء، وإنما في فقدان دلالتها.

 أما هرمان هِسّه، الروائي الألماني السويسري وأحد أبرز كتّاب القرن العشرين، فقد عبّر عن هذا الظمأ بلغة أكثر شاعرية وروحانية، ففي "سدهارتا" و"دميان" و"ذئب البراري" تتكرر صورة الإنسان الذي يشعر بالغربة عن ذاته والعالم، فينطلق في رحلة داخلية بحثًا عن الحقيقة. والأزمة الوجودية عند هِسّه ليست لعنة، وإنما بداية تحول روحي؛ الروح لا تستيقظ إلا عندما تشعر بعدم كفاية الأجوبة الجاهزة، وتدرك أن الامتلاء الحقيقي لا يأتي من الخارج، وإنما من رحلة اكتشاف الذات.

أما جوزيه ساراماغو، الروائي والكاتب والصحفي البرتغالي المتوفى سنة 2010، والحائز جائزة نوبل للآداب سنة 1998، فيقارب المسألة من زاوية مختلفة. ففي أعماله الروائية تتجلى هشاشة المعنى عندما تفقد المؤسسات قدرتها على إقناع الإنسان، ويجد الفرد نفسه وحيدًا أمام أسئلة المصير والحرية والمسؤولية. تبدو شخصياته وكأنها تعيش في عالم فقد يقينياته الكبرى، لكنها لا تتوقف عن البحث. إن الظمأ عند ساراماغو ليس بحثًا عن أجوبة نهائية، بقدر ما هو مقاومة للفراغ وإصرار على أن الإنسان لا يكتمل إلا بالسؤال، فهو كائن خُلق ليسأل.

وعلى الرغم من اختلاف الخلفيات الفكرية لهؤلاء الأربعة، فإن ثمة خيطًا عميقًا يجمع بينهم. الظمأ الأنطولوجي عند الرفاعي، وأزمة المعنى عند تولستوي، والرحلة الروحية عند هِسّه، والبحث القلق عند ساراماغو، كلها تعبر عن حقيقة واحدة مفادها أن الإنسان أكبر من حاجاته المادية، ففي داخله توق دائم إلى ما يتجاوز الواقع المباشر، وإلى ما يمنحه إحساسًا بأن حياته ليست حادثة عابرة في كون صامت.

 غير أن الاختلاف يتجلى في مآلات هذا الظمأ؛ فتولستوي انتهى إلى الإيمان بوصفه جوابًا عن سؤال المعنى، ورأى هِسّه أن الطريق يمر عبر التجربة الروحية الفردية واكتشاف الذات، أما ساراماغو فظل أقرب إلى أفق السؤال المفتوح، حيث لا توجد إجابات نهائية بقدر ما توجد مسؤولية إنسانية مستمرة في مواجهة العبث. في حين يحاول الرفاعي أن يؤسس لرؤية ترى في الدين مجالًا لإرواء العطش الوجودي، كما يعرفه بوصفه: "حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية"، شريطة أن يتحرر من الجمود والتوظيف الأيديولوجي، وأن يستعيد بعده الروحي والأخلاقي والإنساني.

***

د. ناجي الفتلاوي – كاتب عراقي

صدر في الشهر الماضي كتاب مقالات في الاقتصاد (1) احتوى على 38 مقالا اقتصاديا تتركز حول مختلف جوانب الاقتصاد. هذه المقالات، سبق وان نُشرت في السنوات السابقة الى جانب عدد كبير من المقالات الاخرى في مواقع وصحف ورقية والكترونية من بينها صحيفة المثقف الغراء، وقد اختيرت لغرض اطلاع القارئ الكريم على جوانب مختلفة في حقل الاقتصاد بحيث تعطي للقارئ صورة مكتملة بدلا من التركيز على جانب واحد للموضوع.

هل الاقتصاد علم؟

 اعتُبر الاقتصاد كعلم اجتماعي يركز على العلاقة بين الفرد والمجتمع. لكن بعض النقاد يجادلون ان الاقتصاد لا يرقى الى تعريف العلم وذلك لعدة أسباب من بينها عدم وجود فرضيات قابلة للإختبار، وعدم توفر إجماع بين الاقتصاديين. الاقتصاديون لا يستطيعون القيام بتجارب يمكن التحكم بها بالمختبر كما في الكيمياء مثلا.

 العلاقة بين الاقتصاد والسياسة

 اذا كان علم الاقتصاد يهتم بدراسة الاقتصاد ومحاولة التأثير فيه، فان السياسة تسعى نظريا وعمليا للتأثير على الناس عبر ممارسة السلطة من خلال الحكومة والانتخابات او الأحزاب السياسية. نظريا، يُعتبر الاقتصاد غير سياسي، الاقتصادي المثالي يجب ان يرفض أي انحياز سياسي او محاباة لكي يعطي معلومات محايدة وتوصيات غير منحازة حول كيفية تحسين الأداء الاقتصادي للبلد. السياسيون المنتخبون يقومون لاحقا بتقييم هذه المعلومات الاقتصادية واتخاذ القرارات على ضوئها. اما في مجال التطبيق فهناك علاقة قوية بين الاقتصاد والسياسة لأن الأداء الاقتصادي هو الميدان الرئيسي للمعركة السياسية. العديد من القضايا الاقتصادية هي بطبيعتها سياسية لأنها ذاتها تتأطر بمختلف الآراء السياسية.

ان العديد من القضايا الاقتصادية يُنظر اليها من زاوية المعتقدات السياسية، فمثلا، بعض الناس يميلون للشك بتدخلات الحكومة . لذلك هم يفضلون السياسات الاقتصادية التي تسعى للتخفيف من تدخلات الحكومة في مجال الاقتصاد مثل اللامركزية والخصخصة وخفض الضرائب. ومن جهة أخرى قد يفضل الاقتصاديون تعزيز اكبر قدر ممكن من المساواة في المجتمع ولديهم رغبة اكبر في تشجيع التدخل الحكومي لتحقيق هذا الهدف. سنعثر دائما على دليل يدعم فوائد خفض الضرائب. وكذلك نجد دليلا يدعم فوائد الضرائب العالية، بينما نجد بعض الاقتصاديين محايدين وليس لديهم ميول سياسية.

 أوجه التداخل بين الفلسفة والاقتصاد

في ص 146 يشير المقال الى التداخل بين التفكير الاقتصادي والإعتبارات الفلسفية. المفكرون الاقتصاديون الأوائل منذ ارسطو وحتى آدم سمث وجون ستيوارت مل كانوا أيضا من أبرز الفلاسفة. ورغم ظهور الاقتصاد الكلاسيكي الجديد في نهاية القرن التاسع عشر وسعيه في بناء الاقتصاد كعلم منفصل بعيد عن التفاعل مع الفلسفة، لكن العديد من اقتصاديي القرن العشرين الكبار كان لهم أيضا اهتمام بالمسائل الفلسفية. الاقتصاديون كنز وهايك وسين هم أمثلة لإقتصاديين متميزين لهم مساهمات في مختلف مجالات الفلسفة ويتم إبلاغ أعمالهم الاقتصادية برؤى فلسفية.

هناك العديد من المساهمات التي تمزج بين التحليلات الاقتصادية والتفكير الفلسفي في القضايا السوسيواقتصادية الحالية مثل الاحتباس الحراري واللامساواة الاقتصادية والفقر والشيخوخة وقضايا الصحة. العديد من المجلات البحثية العالمية تتخصص حاليا في نشر أعمال تقع في نقاط الالتقاء بين الاقتصاد والفلسفة.

 الرؤية الثورية للاقتصاد الكنزي

 اكتسب الاقتصاد الكنزي اسمه من الاقتصادي البريطاني جون مايرند كنز(1883-1946) الذي اعتُبر مؤسس الاقتصاد الكلي. يرى كنز ان عدم كفاية الطلب الكلي يقود الى فترات طويلة من البطالة العالية. مخرجات الاقتصاد من السلع والخدمات هي عبارة عن مجموع أربعة عناصر: الاستهلاك والاستثمار ومشتريات الحكومة وصافي الصادرات. أي زيادة في الطلب يجب ان تأتي من أحد هذه العناصر الأربعة. لكن أثناء الركود تبرز قوى كبيرة تضغط على الطلب فيهبط نتيجة لهبوط الانفاق. فمثلا اثناء الانحدار الاقتصادي تؤدي حالة عدم التأكد الى تآكل ثقة المستهلك، حيث تدفع المستهلكين الى تقليل انفاقهم خاصة على السلع المعمرة مثل البيوت والسيارات. هذا الانخفاض في الإنفاق يؤدي الى القليل من الانفاق الاستثماري من جانب الشركات التي بدورها تقلل الانفاق بسبب قلة الطلب على منتجاتها. هذا سيضع مهمة زيادة المخرجات بالدرجة الأولى على أكتاف الحكومة. تدخّل الدولة ضروري لتخفيف التقلبات الاقتصادية والتي تُعرف بالدورة الاقتصادية.

المعارضون لتدخّل الدولة

اما المعارضون لتدخل الدولة في الاقتصاد والمؤمنون بحرية السوق Laissez faire فهم يعتقدون أساسا ان ترك الأسواق الحرة للعرض والطلب الطبيعيين هي الطريقة الأكثر فاعلية في خلق الثروة والازدهار. وهذا يعود للاسباب التالية:

1- فاعلية السوق وآلية الأسعار : الاقتصاديان فردريك هايك وملتن فريدمن يجادلان ان الأسعار تنقل إشارات ومعلومات حيوية عن العرض والطلب والندرة. تدخّل الحكومة مثل (وضع سقف سعري او حد ادنى للأسعار) يشوّه هذه الإشارات واحيانا يخلق نقصا او فائضا اصطناعيين.

2- نقص الحوافز: في القطاع العام، يؤدي نقص حافز الربح الى اللافاعلية وزيادة الموظفين وهدر بيروقراطي. المشاريع المملوكة للدولة تفتقر الى الانضباط التنافسي الضروري لخفض التكاليف وللابتكار مقارنة بالقطاع الخاص.

3- المأزق الأخلاقي والإعانات: مدفوعات الحكومة والإعانات ستحمي الشركات الفاشلة وغير الكفوءة. هذا يخلق مأزقا أخلاقيا حيث تتبنّى الشركات والمؤسسات مخاطر كبيرة ومفرطة لأنها تتوقع حماية الدولة لها من الإفلاس.

أوهام التوازن الاقتصادي

الاقتصادي ايرفينغ فيتشر الذي اخترع نظرية التوازن Equilibrium theory خلق اطارا حديثا في الاقتصاد، ففي عام 1907 نشر فيتشر اقتصاد التوازن، وهو الفكرة بان الأسواق بطبيعتها تتحرك نحو توازن مستقر. في 15 أكتوبر عام 1929 صرح فيتشر ان الأسهم تبقى دائما ذات قيمة عالية. نظريته أخبرته ان السوق عقلاني. وبعد أيام من ذلك التصريح حدثت كارثة الثلاثاء الأسود في أسواق الأسهم الامريكية فخسر كل شيء. ذلك الدمار أجبره على مواجهة الخطأ، في عام 1933 نشر نظرية جديدة ترفض التوازن كليا. كتب فيتشر: "من السخف افتراض التوازن الاقتصادي كما هو الحال في افتراض ان المحيط الأطلسي يخلو من الأمواج". لكن الاقتصاديين الكلاسيك الجدد استمروا في عام 2025 يدرّسون نظرية فيتشر المهملة. هم أخطأوا فهم الكساد الكبير ثم اعادوا بناء نفس الاطار واخطأوا فهم أزمة عام 2008، وحتى الان لازالوا ينصحون الطلاب بتجاهل الانتقادات ضد التوازن.

ما المقصود بفكرة التوازن؟

يصف الاقتصاديون حالة التوازن بالموقف الذي يتساوى فيه الطلب مع العرض. الطلب بشكل عام يتناقص عندما ترتفع الأسعار، بينما يميل المزيد من المجهزين للدخول الى السوق عندما يرتفع السعر. التوازن السعري يُفترض ان يكون عند السعر الذي يتطابق فيه العرض تماما مع الطلب. الناس يستعملون أفكار التوازن لإشتقاق معادلات تسعى لوصف الكيفية التي يعمل بها الاقتصاد. ان المشكلة هي ان فكرة التوازن ليست اكثر من تجريد نظري خالص ولن يحدث ابدا في الاقتصادات الواقعية. الاقتصاد الواقعي يتميز بالحركة. لا وجود لأي نقطة عندها يتساوى الطلب مع العرض. الطلب يتغير من لحظة الى أخرى وكذلك العرض. هناك أعداد لا متناهية من الأفعال الاقتصادية تحدث في كل لحظة لأن المستهلكين يغيرون مواقفهم حول سلعة معينة في السوق، والمنتجون أيضا يقررون ان رغبوا بطرح المزيد من السلع في السوق. لا توجد أية نقطة يتوقف عندها الاقتصاد ويسمح لإختبار نفسه. دراسة الاقتصاد في لحظة ساكنة  تشبه محاولة دراسة جسم الانسان بلا حركة. الجسم يتحرك باستمرار، يأخذ الهواء ويدفعه نحو الخارج. الدم يتدفق في الاوردة والشرايين ويغذي الخلايا العصبية. دراسة الجسم وهو ساكن تسيء فهم جوهر الموضوع وهي حركته. عندما يكون الجسم مستقرا هو لايزال يمارس الحركة لأن المعلومات تنتقل بين خلايا الدماغ. الاقتصاد يتصف بتغير مستمر لأنه يستجيب لمدخلات من عدد لا يحصى من الافراد. الناس لا يستجيبون لتوازن اقتصادي مجرد، هم يستجيبون للتغيرات التي تحدث فعلا أمامهم  في الاقتصاد الواقعي، وان سلوكهم لا يمكن تجريده ودراسته كما لو كان استجابة لظروف ثابتة.

حقيقة اليد "اللامنظورة" لآدم سمث

من الأسرار التي جرى التكتم عليها في الاقتصاد هي ان لا وجود لليد اللامنظورة. بعد اكثر من قرن في محاولة اثبات العكس، حقق المنظرون الاقتصاديون في المسألة واستنتجوا في السبعينات من القرن الماضي ان لا سبب للاعتقاد بان الأسواق تقودها يد لا مرئية الى حالة مثلى من التوازن او أي توازن كان. بالطبع، التاريخ المضطرب والديناميكي للرأسمالية يكذّب وجود أي يد لامرئية. الازمة المالية لعام 2008 وأزمة الديون اللتان هددتا اوربا هما فقط دليل آخر على ذلك.

آدم سمث اقترح فكرة اليد اللامرئية في كتابه (تحقيق في طبيعة وأسباب ثروة الأمم،1776). هو ذكر ذلك فقط مرة واحدة في الكتاب، بينما هو لاحظ مرارا مواقف لا تعمل فيها "الحرية الطبيعية". في نقده لفكرة اليد اللامرئية يذكر جوزيف ستجلز الحائز على جائزة نوبل "ان اليد اللامنظورة لا منظورة لأنها غير موجودة" ويضيف ان ادم سمث اعتبر الشركات في سعيها للربح كأنها تُقاد بيد لا مرئية لتحقيق الأفضل للعالم. ولكن سمث كان مدركا لعوائق ونواقص الأسواق الحرة، حيث ان البحوث اثبتت ان الأسواق الحرة لا تقود الى الأفضل. يقول ستجلز ان لا وجود هناك لليد اللامرئية. متى ما حصلت هناك مؤثرات خارجية (حين لا يتحمل صاحب الشركة جميع تكاليف الإنتاج كما في حالة التلوث التي يتركها صاحب المصنع خلفه) فان الأسواق لن تعمل بنجاح وهنا تكون الحكومة مسؤولة عن تمويل البحوث العلمية الهامة وتلعب دورا في إنجاح عمل المصارف وإجراءات السلامة، فلابد من فرض العقود وحقوق الملكية لكي تعمل الأسواق بفاعلية.

ختاما: لابد من الإشارة الى انه لا يمكن في مقال صغير الإحاطة بجميع محتويات الكتاب، فلاتزال هناك مقالات تتعلق بالمنافسة وتأثيرها على الاخلاق، ولماذا يحتاج الاقتصاديون لدراسة التاريخ الاقتصادي، وكيف يقود الاقتصاد الإعلام الواسع، الفرق بين النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، والتبريرات الماركسية لإعتبار العمل مصدر القيمة، والمنطلقات الماركسية في نقد الاقتصاد السياسي، والاتجاه الديالكتيكي في المدرسة الاقتصادية النمساوية، وكذلك عن فشل سياسات البنك الدولي وموضوعات أخرى.

***

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) كتاب مقالات في الاقتصاد للكاتب حاتم حميد محسن صدر عام 2026 في مدينة السماوة/العراق عن دار أديان للطباعة والنشر والتوزيع في 254 صفحة. في السابق صدرت للكاتب تأليفا وترجمة ستة كتب أخرى في دمشق بين عامي 2008 و2010 في قضايا الاقتصاد، والاقتصاد والتنمية، وتناقضات العولمة، وأصل الأزمات المالية وكتب أخرى. سنعرض لاحقا قراءة لكتابنا الجديد (مقالات في الفلسفة) الذي صدر عن نفس الدار أعلاه.

يتناول كتاب «فاشية التخلف» الفاشية بوصفها أثراً من آثار القرن العشرين، ولا يعاملها كظاهرة أوروبية أُغلقت ملفاتها مع نهاية الحرب العالمية الثانية، بل يعيد وضعها في سياقها الأوسع: بوصفها حالة كامنة في المجتمعات التي أخفقت في بناء الدولة الحديثة، وتعطّل فيها العقل السياسي، واختُزلت السياسة إلى سلطة تعارض الحريات السياسية والنقابية والفردية. يذهب حسين الهنداوي في كتابه الجديد «فاشية التخلف.. البعث العربي نموذجاً» الصادر عن دار المدى عام 2026، إلى ما هو أبعد من الإدانة الأخلاقية، أو السرد الوصفي، ليقدم قراءة تحليلية للجذور الفكرية والسياسية، التي جعلت من البعث في العراق وسوريا نموذجاً مكتمل الأركان للفاشية في العالم الثالث. إذ تتجاور الأيديولوجيا مع الخوف، وتتماهى السلطة مع العنف، ويُعاد تعريف الوطن بوصفه ساحة إعدام لا مجالًا للاختلاف. من هنا تأتي أهمية الكتاب، لا من حيث جرأته الموضوعية فحسب، بل من إصراره على قراءة الفاشية خارج حدودها التعريفية الجاهزة. ينطلق المؤلف من فرضية أساسية مفادها أن الفاشية ليست نظام حكم فحسب، بل نمط تفكير، ومنظومة قيم، وسلوك اجتماعي يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية.2874 hendawi

هي لحظة قصوى من لحظات التهميش، حين تفشل الدولة في إنتاج الشرعية، فيجري تعويض القانون بالقوة، والمؤسسة بالفرد الديكتاتور، والمواطنة بالطاعة. بهذا المعنى، لا تعود الفاشية استثناءً تاريخياً، بل بنية ذهنية، ونتيجة منطقية لمسار طويل من الإقصاء، وتراكم الخوف، وانسداد الأفق السياسي. إنها تظهر حين يُجرَّد المجتمع من أدوات النقد، ويُختزل العقل في شعارات، تتقدم فيها العقيدة ـ أكانت قومية أم دينية ـ بوصفها حقيقة نهائية لا تقبل المساءلة. في واحدة من أهم مقولات الكتاب، يُعاد تعريف التخلف، لا بوصفه تأخراً اقتصادياً، أو ضعفاً في التنمية، بل بوصفه حالة ذهنية وسياسية، تقوم على رفض الحداثة السياسية، والخشية من التعدد، والنفور من فكرة التعاقد الاجتماعي. في مثل هذه البيئات، تصبح الفاشية ممكنة، بل ومغرية، لأنها تقدّم إجابات بسيطة عن أسئلة معقدة، وتمنح الخوف لغة، والعنف شرعية، والزعيم هالة خلاص. هنا لا تُفرض الفاشية بالقوة وحدها، بل يتقبلها البعض أحياناً بوصفها حلاً، أو قدراً، أو حتى ضرورة تاريخية. يتوقف الكتاب طويلا عند انتقال الفاشية من سياقها الأوروبي إلى فضاءات أخرى، ولاسيما في العالم العربي. غير أن هذا الانتقال لم يكن محاكاة دقيقة، بل استنساخا مشوها: جرى فيه اقتباس أدوات القمع، وتقديس القائد، وتوحيد الخطاب، من دون أن تُنقل ـ أو تُفهم ـ السياقات التي أفرزت الفاشية في أوروبا منذ العقد الثاني من القرن العشرين بنزعة قومية عنصرية تمجّد الدولة إلى حد التقديس، وترفض نموذج الدولة القائم على الليبرالية التقليدية، والديمقراطية البرلمانية التعددية التي سادت أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر.

والنتيجة كانت أنظمة أكثر دموية، وأشد التصاقاً بالعنف، لأنها لم تواجه مجتمعات مدنية فاعلة، ولا تقاليد سياسية راسخة، بل وجدت في الهشاشة الاجتماعية أرضاً خصبة للتمدد.

إن خطورة الفاشية تكمن في قدرتها على (التفريخ)، إذ شهدت أوروبا ظهور (فاشيات) أخرى في إسبانيا، واليونان بين عامي 1963ـ 1941، وكذلك في البرتغال في عهد سالازار، وفي البلدان العربية (سوريا والعراق). تتحد جميع هذه النماذج في طابعها العنصري، الاستبدادي الرافض للديمقراطية والتعددية. يقدّم الكتاب قراءة معمّقة لتجربة البعث، حين تنقلب الفكرة على ذاتها لا بوصفها تجربة سياسية فحسب، بل كنموذج لتحوّل الفكرة إلى نقيضها. فمن خطاب وحدوي مشبع بالأحلام، انتقلت التجربة إلى نظام شمولي يحتكر الحقيقة، ويصادر السياسة، ويعيد إنتاج الدولة بوصفها جهازاً أمنياً قمعياً. في هذه التجربة، تتجلى الفاشية لا في الشعارات وحدها، بل في تحويل الحزب إلى دولة، والدولة إلى أداة قمع، والمجتمع إلى موضوع مراقبة، هنا لا يعود العنف وسيلة طارئة، بل منهج حكم، تُدار به السياسة، ويُعاد عبره تشكيل الوعي. تجدر الإشارة هنا إلى العديد من مذكرات قادة البعث، والبحوث والدراسات الكثيرة في تاريخ الحزب، كشفت لنا الكثير من الحقائق الخفية، في أسلوب الحكم، والصراعات الدموية على السلطة.

أشير هنا إلى كتاب حسن العلوي «العراق دولة المنظمة السرية»، ومذكرات قياديي حزب البعث محسن الشيخ راضي، هاني الفكيكي، خالد علي الصالح، نزار حمدون، ياسين الحافظ، صلاح عمر العلي، جواد هاشم، فخري قدوري، عبد الستار الدوري. تكاد تجمع هذه المذكرات على مسؤولية البعث عن الأحداث المأساوية التي وقعت في سوريا والعراق، واعترافات القادة بالأخطاء الفادحة التي ارتكبها البعث منذ عام 63 في تكريس سلطة القمع والديكتاتورية، ومصادرة الحريات بأبشع الأساليب وبنهج فاشي عنيف. ولعل مذكرات الشيخ راضي هي الأكثر جرأة وشجاعة وصراحة مطلقة في الكشف عن الجرائم البشعة التي ارتكبها البعث في حقبتين من تاريخ العراق المعاصر، وفي سوريا لغاية عام 2024.

يلفت الهنداوي الانتباه إلى مفارقة لافتة تتعلق بالحداثة بوصفها قناعاً عند الكثير من الأنظمة الفاشية في العالم الثالث التي رفعت شعارات التحديث والتنمية، لكنها في العمق أنتجت حداثة شكلية، لا تمسّ جوهر السلطة. فالدولة قد تبني الطرق والسدود، لكنها في الوقت ذاته تهدم الإنسان، وتجرّده من حقه في الحرية وطرح الأسئلة، أو المشاركة في الأفكار. بهذا المعنى، تصبح الحداثة أداة تزيين، لا مشروع تحوّل، وتتحول التنمية إلى خطاب يُستخدم لتبرير القمع، لا لتفكيكه. لا يكتفي الكتاب بتشخيص الفاشية كنظام سياسي، بل تتحول إلى ثقافة يومية، يتعقّب حضورها في: المدرسة، الإعلام، الخطاب الديني، وفي العلاقات الاجتماعية. حين يُدجّن الفرد على الطاعة، ويشعر بخطورة الاختلاف، يصبح مهيأً لتقبّل الفاشية، بل والدفاع عنها. هنا تكمن أخطر وجوه الظاهرة: إذ لا تعود مفروضة من الأعلى فقط، بل مستبطنة في الوعي الجمعي، ومحمية بالخوف، ومبرَّرة بالخطاب الأخلاقي. يجمع الهنداوي بين التحليل والتوثيق، وهو ما يمنحه سعة معرفية واضحة، وكثافة الأمثلة التاريخية، لصالح تعميق الإطار النظري. بناءً على ذلك، لا يصنف «فاشية التخلف» ضمن كتب التاريخ السياسي، بقدر ما هو كتاب تحذير. تحذير من أن الاستبداد لا يولد فجأة، بل يتشكّل ببطء، ينمو على الخوف، ويترسّخ حين يُصادر العقل النقدي. تكمن أهمية الكتاب أنه يذكّرنا بأن الفاشية لا تموت، بل تغيّر أقنعتها، وأن أخطر أشكالها هي تلك التي تتخفّى خلف شعارات الخلاص، فيما تمارس أقصى درجات الإقصاء والتدمير.

***

د. جمال العتابي

تبرز في واقعنا الثقافي الراهن ظاهرة تلفت النظر وتستحق الوقوف عندها، ألا وهي ندرة النصوص النقدية التي تجرؤ على طرح أسئلة منهجية موضوعية طازجة، مقابل استسلام الغالبية الساحقة من الخطاب الثقافي السائد لسلطة الإجابات الجاهزة والمسبوكة سلفاً. إن المرء ليعجب، وهو يتأمل هذا المشهد، كيف أننا أصبحنا نمتلك إجابات عن كل شيء، بينما فقدنا تدريجياً القدرة على صياغة السؤال الصحيح، السؤال الذي يفتح أبواب المعرفة بدل أن يغلقها.

في هذا السياق تحديداً، يأتي كتاب الدكتور محمد بدوي "مملكة الله"، الصادر عن دار العين، ليس بوصفه كتاباً آخر يضاف إلى رفوف المكتبة العربية فحسب، لكن باعتباره حدثاً ثقافياً يستحق منا وقفة تحليلية هادئة، بعيداً عن لغة التبجيل التي لا تفيد، أو لغة الهجوم غير المبرر التي لا تسمن ولا تغني من جوع. سأحاول، في هذه المقالة، ممارسة ما يمكن تسميته "نقد النقد"، أي أن أنقل السؤال من مضمون الكتاب ذاته إلى طبيعة الممارسة النقدية التي يمثلها، وإلى المشكلات المنهجية التي تثيرها الندوة التي ناقشته. وسأفعل ذلك انطلاقاً من قناعة أساسية مؤداها أن النقد، لكي يكون فاعلاً ومؤثراً، لا بد أن يكون واعياً بذاته، أي أن يكون تفكيراً في الفكر، وممارسة تتأمل شروط إمكانها، وليس مجرد إصدار للأحكام.

أول ما يسترعي الانتباه في مشروع الدكتور محمد بدوي هو دعوته الصريحة إلى ما يسميه القراءة الأولى. وهذا المفهوم، في ظاهر الأمر، يبدو بسيطاً وربما بديهياً، لكنه في جوهره يخفي إشكالية منهجية بالغة التعقيد، إشكالية تتصل بطبيعة الفعل القرائي نفسه وبالعلاقة الجدلية بين النص وقارئه. ذلك أن الدعوة إلى نسيان القراءات السابقة للنص ليست مجرد دعوة سيكولوجية إلى صفاء الذهن، إنها موقف معرفي له ما يبرره وله ما يعترض عليه، وهو موقف يستدعي منا أن نضعه تحت مجهر التحليل.

من جهة، يبدو هذا الموقف مشروعاً تماماً إذا فهمناه بوصفه رد فعل ضرورياً على ظاهرة التراكم الكمي للشروح والتفسيرات التي تحجب النص الأصلي عن القارئ. لقد أصبحت رواية "أولاد حارتنا" للكاتب العالمي نجيب محفوظ، بفعل هذا التراكم، أقرب إلى أسطورة منها إلى نص أدبي. وصارت القراءات محملة بأحكام مسبقة، بعضها أيديولوجي وبعضها سياسي وبعضها ديني، إلى درجة أن القارئ الجديد يكاد لا يجد متنفساً للقاء النص وجهاً لوجه، لقاء مباشراً لا تحجبه غيوم التفسيرات الجاهزة. من هذه الزاوية، فإن دعوة الدكتور محمد بدوي إلى تنقية أفق التوقع، كما يعبر عن ذلك نقاد مدرسة جماليات التلقي، هي محاولة مشروعة لتحرير النص من سجن التفسيرات الجاهزة وإعادة اكتشاف إمكاناته الدلالية المفتوحة، تلك الإمكانات التي حجبتها طبقات التأويل المتراكمة.

لكن، من جهة أخرى، ينبغي ألا نغفل عن أن النسيان المنهجي الكامل ليس ممكناً إلا بوصفه فكرة تنظيمية، أي بوصفه مثلاً أعلى نسعى إليه دون أن نبلغه أبداً. ذلك أن القارئ لا يمكنه أن ينفصل انفصالاً تاماً عن سياقه الثقافي والتاريخي، ولا عن المعرفة التي تراكمت لديه عبر قراءاته السابقة، ولا عن الأطر الإيديولوجية التي تشكل وعيه وطريقة رؤيته للعالم. فالوعي الإنساني ليس صفحة بيضاء يمكن محوها متى شئنا، إنما هو حصيلة تفاعلات معقدة بين الذات والموضوع، بين الفرد والتاريخ. ولذلك، فإني أفضل الحديث عن ( قراءة نقدية واعية) بدلاً من [قراءة أولى]، أي قراءة تعي سياقها النقدي الثقافي، وتتعامل معه بحذر جدلي، وتسعى إلى اختباره وتفكيكه، لا أن تتجاهله وكأنه غير موجود.

وهذا، في رأيي، هو ما يمارسه محمد بدوي فعلاً في كتابه، فهو لا ينسى ما قيل عن نجيب محفوظ، غير أنه بحذق أكاديمي يعيد النظر فيه، ويناقشه، ويتجاوزه، في حركة جدلية لا تلغي السابق بقدر ما تستوعبه وتتجاوزه في آن.

أما الندوة ذاتها، فقد قدمت نموذجاً يستحق التحليل على مستويين: مستوى المضمون ومستوى الشكل. على مستوى المضمون، كان واضحاً أن كلاً من الدكتور طارق النعمان والناقد إيهاب الملاح قد مارسا ما يمكن تسميته بـ"القراءة المنتجة"، أي أنهما لم يكتفيا باستقبال مادة الكتاب استقبالاً سلبياً، فقد أعادا إنتاجها في سياق جديد، وطرحا عليها أسئلة جديدة. وهذا هو الجوهر المفيد للنقد أن يكون حواراً بين أفق النص وأفق القارئ، ينتج عنه معنى جديد لم يكن موجوداً من قبل، معنى يتجاوز قصد المؤلف وقصد النص في آن.

ولعل أبرز ما ميز مداخلاتهما هو السؤال الذي طرحه الدكتور طارق النعمان حول طبيعة "المملكة" التي يتحدث عنها الكتاب هل هي فضاء إيماني أم فضاء جمالي؟ إن صياغة السؤال بهذه الطريقة تنم عن وعي عميق بإشكالية الحدود الفاصلة بين أنواع الخطاب، وبالعلاقة الملتبسة بين الإيديولوجي والجمالي في النص الأدبي. فالكتاب، كما بدا من النقاش، لا ينتمي إلى حقل النقد الأدبي المحض، ولا إلى حقل الدراسات الدينية المحضة، بل هو، في تقديري، يحاول إقامة جسر بين الحقلين، جسر يعبر فوق الهوة التي خلقتها التقسيمات الأكاديمية الصارمة. وهذه المحاولة، في حد ذاتها، جديرة بالاهتمام، لأنها تعكس حاجة موضوعية إلى تجاوز التقسيمات الأكاديمية التي كثيراً ما تعيق الفهم بدلاً من أن تسهله، تلك التقسيمات التي تفصل بين ما هو متصل في الواقع الحي.

لكن، على مستوى الشكل، تبرز إشكالية لا يمكن تجاهلها، وهي إشكالية النخبوية التي تتسم بها مثل هذه الندوات. وأنا أستخدم كلمة "نخبوية" هنا لا بمعناها الاتهامي المباشر، لكن بوصفها وصفاً موضوعياً لظاهرة تستحق التقصي والتحليل. فالمصطلحات المستخدمة في النقاش - مثل "السردية القرآنية" و"التفكيك الرمزي" و"البنية السردية العميقة" – تفترض وجود جمهور متخصص يشارك النقاد أدواتهم المنهجية ومرجعياتهم النظرية. وهذا الافتراض، في ذاته، ليس خطأ، فالتخصص ضرورة من ضرورات التقدم العلمي في أي مجال.

ولكن الخطر يكمن في أن يتحول التخصص تدريجياً إلى عزلة، وأن يصبح الخطاب النقدي محصوراً في دائرة ضيقة من المثقفين الذين يخاطب بعضهم بعضاً، فيما يظل الجمهور الأوسع خارج هذه الدائرة تماماً، وكأن الثقافة قد انقسمت إلى عالمين لا يلتقيان: عالم النخبة المغلقة وعالم الجمهور المهمش ثقافياً. إن السؤال الذي ينبغي أن نوجهه لأنفسنا، كمهتمين بالشأن الثقافي، هو كيف ننقل هذه الأفكار العميقة إلى قطاع أوسع من القراء، دون أن نفرط في الدقة المنهجية، أو أن ننزلق إلى التبسيط المخل؟ هذا، في تقديري، هو أحد أكبر التحديات التي تواجه المثقف العربي في المرحلة الراهنة، وهو تحد يتطلب حلاً جدلياً لا يضحي بالعمق من أجل الانتشار ولا بالانتشار من أجل العمق.

أما التفسير الاجتماعي للظاهرة الثقافية، فينبغي لنا، ونحن نحلل ظاهرة مثل كتاب "مملكة الله"، ألا ننظر إليها بمعزل عن سياقها الاجتماعي الأكبر، سياق مجتمع يعيش تحولات عميقة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. ذلك أن ظهور كتاب جاد في زمن تسود فيه ثقافة الاستهلاك السريع، ونشرته دار تحرص على النوعية لا على الكم، ونوقش في فضاء ثقافي يحاول أن يستعيد للتعبير الرمزي مكانته – كل هذه المؤشرات تستدعي تفسيراً يتجاوز المستوى الفردي إلى المستوى البنيوي، تفسيراً يرى في الظاهرة الثقافية تعبيراً عن تناقضات المجتمع وقواه الفاعلة.

يمكننا، من منظور سوسيولوجيا الثقافة، أن ننظر إلى هذا الكتاب وإلى الندوة التي ناقشته بوصفهما فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية. لا أعني بالمقاومة هنا موقفاً سياسياً مباشراً، إنما أعني بها ذلك الإصرار – الذي قد يبدو للبعض رومانسياً – على إنتاج خطاب يتجاوز السطح، ويتعمق في الأسئلة الكبرى، ويرفض منطق السوق القائم على العرض والطلب السريعين. إن وجود مثل هذه الممارسات في حقلنا الثقافي هو مؤشر على أن ثمة حاجة إنسانية اجتماعية، لدى قطاع من المثقفين والقراء على حد سواء، إلى تجاوز ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة التأمل، حاجة تعبر عن تطلع إلى ما هو أبعد من اليومي والمباشر.

غير أن الفعل الثقافي، مهما كان عميقاً وجاداً، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الفعل الاجتماعي المباشر، ولا ينبغي أن يتحول إلى هروب من مواجهة الواقع. وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري يطرح نفسه بإلحاح ما هي العلاقة الحقيقية بين ما يحدث في قاعات الندوات وما يحدث في الشارع؟ بين عالم الرمز وعالم الواقع الملموس؟ صحيح أنه لا ينبغي أن نحمل الناقد أو الأديب مسئولية حل المشكلات الاجتماعية، فهذه ليست وظيفته المباشرة. ولكن من حقنا، بل من واجبنا، أن نتساءل عن حدود تأثير الخطاب النقدي، وعن السبل التي يمكن بها أن يتحول الفهم العميق للنصوص إلى وعي يسهم في فهم أعمق للحياة نفسها، فهم يتجاوز النص إلى الواقع ثم يعود إلى النص في حركة جدلية لا تتوقف.

ما الذي نستخلصه من كل ما تقدم؟ أعتقد أن أهم ما تثيره تجربة مثل "مملكة الله" والندوة التي ناقشته هو ضرورة إعادة النظر في مفهوم الممارسة النقدية ذاته، وفي وظيفة النقد في مجتمعنا. النقد، كما أفهمه، ليس غاية في ذاته، إنما هو وسيلة لتطوير الوعي وعي القارئ بالنص، ووعي الناقد بأدواته، ووعي المجتمع بأسئلته الكبرى.

ولهذا، فإنني أدعو إلى ثلاثة أمور أساسية:

الأول: ضرورة الموازنة بين الدقة المنهجية والوضوح اللغوي. إن لغة الناقد ينبغي أن تكون أداة للتواصل، لا حاجزاً بينه وبين القارئ. وهذا لا يعني التخلي عن المصطلحات، بل يعني شرحها، وتوظيفها في سياق يجعل معناها متاحاً، وأن تكون اللغة جسراً للعبور إلى الأفكار لا سداً يحجبها عن الجمهور.

والأمر الثاني تجاوز ثنائية "المثقف النخبوي" و"الجمهور العام". نحن بحاجة إلى مستويات متعددة من الخطاب: خطاب متخصص يخاطب المتخصصين، وخطاب وسيط يخاطب المثقف العام، وخطاب تبسيطي يخاطب القارئ المبتدئ. والمشكلة ليست في وجود الخطاب المتخصص، بل في غياب المستويين الآخرين، مما يخلق قطيعة بين النخبة والجمهور تضعف الثقافة الوطنية في مجملها.

أما الأمر الثالث فهو الربط بين النقد والحياة. النقد الأدبي لا يمكن أن يكون هدفه النهائي هو "فهم النص" فحسب، بل لا بد أن يمتد إلى فهم الإنسان وفهم المجتمع، وإلى الكشف عن القوى الاجتماعية والتناقضات التي تشكل النصوص والتي تكشف عنها النصوص. وهذا ما يجعل النقد فعلاً ثقافياً متصلاً بنسيج الحياة، لا مجرد تمرين أكاديمي معزول في برجه العاجي.

في النهاية، يمكن القول إن كتاب "مملكة الله"، بكل ما أثاره من نقاشات وأسئلة، يمثل إضافة حقيقية إلى حقلنا الثقافي، ليس فقط بما يقدمه من تحليل لرواية "أولاد حارتنا"، وهذا هو الأهم، لكن بما يثيره من أسئلة حول طبيعة الممارسة النقدية ذاتها، وحول علاقتها بالمجتمع، وحول شروط إمكان وجود خطاب ثقافي جاد في زمن يبدو فيه كل شيء متآمراً ضد الجدية.

***

د. عبد السلام فاروق

الأنثروبولوجيا العربية في منظور المعزوز

كتاب "الأنثروبولوجيا العربية" للباحث المغربي الدكتور محمد المعزوز يُعد محاولة جادة لتأصيل هذا الحقل المعرفي داخل السياق العربي، بعيدًا عن هيمنة النموذج الغربي. ينطلق المؤلف من خلفية أكاديمية غنية في الدراسات الأدبية والمسرحية، ليؤسس لرؤية أنثروبولوجية سياسية وثقافية تستند إلى خصوصية التجربة العربية. يتناول الكتاب مسألة توطين الأنثروبولوجيا، أي جعلها أداة لفهم المجتمعات العربية من الداخل، عبر أدوات ومفاهيم تستجيب لرهانات الهوية والسلطة والدين. يحلل المعزوز أعمال رواد بارزين مثل عبد الوهاب بوحديبة، السيد عويس، وعبد الله حمودي، باعتبارها محاولات تأسيسية لأنثروبولوجيا عربية ذات جذور محلية. ويطرح سؤالًا محوريًا: هل هذه المؤلفات مجرد انعكاس للمد القومي والجوانية العربية، أم أنها مشروع علمي متكامل بأدوات منهجية رصينة؟ الكتاب يبرز التوتر بين الأنثروبولوجيا الكونية كعلم عالمي، وبين الحاجة إلى أنثروبولوجيا عربية تعكس خصوصيات المجتمعات المحلية. في النهاية، يقدم العزوزي رؤية نقدية تؤكد أن التوطين ليس انغلاقًا، بل هو مساهمة في إثراء الحقل العالمي عبر منظور عربي أصيل.

الدكتور محمد المعزوز باحث وأكاديمي مغربي، جمع بين تكوين أدبي راسخ وتجربة أكاديمية في المسرح والدراسات الثقافية، قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية. حصل على شهادات عليا في الأدب والمسرح، وشارك في مؤتمرات علمية دولية حول الثقافة والهوية. خبرته في المسرح منحته قدرة على قراءة المجتمع من خلال الأداء والتمثيل الرمزي، وهو ما انعكس لاحقًا في مقارباته الأنثروبولوجية. في مساره الأكاديمي، نشر المعزوز مقالات ودراسات في مجلات علمية محكمة، تناولت قضايا الهوية، الدين، والسلطة في المجتمعات العربية. كما ساهم في مشاريع بحثية جماعية حول الثقافة الشعبية والأنثروبولوجيا المقارنة.

كتابه الأخير "الأنثروبولوجيا العربية" يمثل خلاصة سنوات من البحث، حيث يسعى إلى تأصيل هذا الحقل في السياق العربي، مع إبراز دور رواد الفكر العربي في تأسيسه. يتميز أسلوبه بالجمع بين الدقة الأكاديمية والقدرة على طرح أسئلة نقدية عميقة، ما يجعله أحد الأصوات البارزة في النقاش حول مستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي. اليوم يُعتبر المعزوز من الباحثين الذين يسعون إلى بناء جسر بين الأدب والأنثروبولوجيا، وبين المحلي والكوني، في محاولة لإعادة تعريف موقع المعرفة العربية داخل الحقول العلمية العالمية.

يأتي كتاب "الأنثروبولوجيا العربية" للباحث المغربي محمد المعزوز في لحظة فكرية فارقة، حيث تتزايد الحاجة إلى إعادة قراءة المجتمع العربي بأدوات علمية تستجيب لرهانات الهوية والسلطة والدين. المعزوز، الذي راكم تجربة أدبية ومسرحية قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية، يطرح في مؤلفه الجديد مشروعًا طموحًا لتوطين هذا الحقل المعرفي داخل السياق العربي، بعيدًا عن هيمنة النموذج الغربي. الكتاب لا يكتفي بالعرض النظري، بل ينخرط في حوار نقدي مع أعمال رواد بارزين مثل عبد الوهاب بوحديبة، السيد عويس، وعبد الله حمودي، ليكشف عن ملامح أنثروبولوجيا عربية تسعى إلى الجمع بين الخصوصية والانفتاح على الكوني. ومن هنا، يصبح الحوار مع المعزوز ضرورة لفهم خلفيات هذا المشروع وأسئلته الكبرى، خاصة في ظل النقاشات الراهنة حول مستقبل العلوم الإنسانية في العالم العربي.  ولأن الكتاب يثير أسئلة عميقة حول التأصيل، التوطين، والرهانات المعرفية، كان من الضروري أن نفتح معه حوارًا مباشرًا يسلط الضوء على خلفيات اختياراته، ويكشف عن رؤيته لمستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي. في السطور التالية، نفتح معه نقاشًا حول أبرز القضايا التي أثارها كتابه الأخير.

لماذا تخصصت في الأنثروبولوجيا السياسية بعد أن راكمت تجربة تعيلمية وأكاديمية في الدراسات الأدبية؟

- تخصصت في الأنثروبولوجيا السياسية من مدخل الفلسفة بعد حصولي على الإجازة موازاة مع حصولي على الإجازة في النقد الأدبي. ولمّا كان شغفي بالفلسفة يطغى على اهتماماتي بالنقد الأدبي وهذا ما انكشف في أطروحتي الأولى لنيل شهادة دكتوراه الدّولة في موضوع " علم الجمال في الفكر العربي القديم"، قرّرت الاشتغال في الفلسفة المعاصرة، فتدرّجت مجدّدا في إعادة الدّراسة في سلك التّعليم العالي بالسوربون بباريس.  بعد حصولي على ديبلوم الدراسات المعمّقة ودكتوراه السلك الثالث حول موضوع " القلق والاغتراب في الفلسفة المعاصرة"، انجذبت إلى الأنثروبولوجيا فسجلت مع "جورج بلانديي" دكتوراه الدّولة الثّانيّة في الأنثروبولوجيا السياسية حول موضوع "المضمرات السياسية في المغرب"، وكان يشترط أن يكون الطالب الذي يرغب في التسجيل معه، آنذاك، أن يكون حاصلا على ديبلوم الدّراسات العليا في الفلسفة.

ما الدواعي التي حفزتك- في كتابك الأخير- على البحث في أصول الأنثروبولوجيا العربية؟

- أمّا عن الحوافز التّي حملتني على الاشتغال في الأنثروبولوجيا العربيّة فهي متداخلة، ويمكن أن أجملها في ثلاثة عناصر. أوّلها اعتبرت ما فكّر فيه عبد الله حمودي وهو يدعو إلى أنثروبولوجيا عربيّة في كتابه " المسافة والتّحليل" بخاصة، غير مكتمل. وأن هذه الدعوى تحتاج إلى تطوير من الدّاخل بالرّجوع، قبل كلّ شيء، إلى المصدر المؤسس للأنثروبولوجيا نفسها ممثّلا في الفلسفة. فلا يمكن أن نبلور أنثروبولوجيا عربية بدون الاستناد إلى أصولها، باعتبار مرتكزات الفلسفة القائمة على السؤال والتجريد والحجاج شروطا أصليّة في منح الأنثروبولوجيا قوة الملاحظة ونجاعة التّأويل.

ثانيها، أن مفهوم المسافة يحتاج إلى تطوير مشروط بالمثاقفة. فليس مفهوم المسافة هنا يعني الحذر والحيطة من السقوط في دوائر الأسئلة والنّظريات الغربيّة فقط، وإنّما يعني بالأساس الاستثمار في الأدوات التي تجعل من الوعي بضرورة الاستقالة من هيمنة النّظريات الاجتماعية الغربيّة خلفيّة للمثاقفة وبناء حوار عادل بين المنتوج الأنثروبولوجي العربي وبين ما هو مكرّس في النّظريات الغربية.

ثالثها، أن التطوّرات العميقة التّي تشهدها المجتمعات العربيّة، في سياق الثورات التّكنولوجية والرقميّة ووسائل التواصل، تقتضي فهما مختلفا يتجاوز التصور التقليدي لمعاني الرموز والطقوس التّي ينتجها الإنسان العربيّ. لأن من طبيعة المعاني التحوّل بالرغم من أن أسسها الثقافية العميقة أو الصلبة تظلّ ثابتة في الذّاكرة ولو بتفاوت أو بشكل نسبي. لكن فهم المعاني التي ينتجها الإنسان العربيّ اليوم وكيفية بنائه للرموز إما مطورة من سابقتها أو مبتكرة، يظل ضرورة من أجل الفهم الأشمل للاتّجاه الذي تسير فيه المجتمعات العربيّة وفحص سؤال تغير الهوية أو بقائها على صورتها التقليديّة.

هذه الأسئلة الكبرى مجتمعة، تدعو إلى استنفار تخصّصات العلوم الاجتماعية، ومنها الأنثروبولوجيا. غير أنّه ينبغي أن يكون استنفارا مقيّدا بشرط تأصيل هذه العلوم، أي توطينها سعيا إلى ملاءمة نتائجها مع حقائق المجتمعات العربيّة وطبيعة ما يفكّر فيه الفرد العربي وما ينتجه من رموز ومعان

ما العوائق التي تعترض مسيرة الأنثروبولوجيا العربية؟

- أظنّ أنّه يصعب في الدراسات العربيّة الخاصة بالعلوم الاجتماعية الحديث عن وعي عملي بالفروقات التّي تحمله المكوّنات أو التخصّصات الدّقيقة التّي تحملها هذه العلوم. فهناك داخل الدّرس الأكاديميّ والبحثيّ العربي خلط بين موضوع الأنثروبولوجيا وموضوع علم الاجتماع. بل من داخل الموضوع الأنثروبولوجي هناك خلط بين الأثنوجرافيا والإثنولوجيا. ومن ثمّ، ساد التّذبذب والغموض في الدراسات المنتسبة للعلوم الاجتماعية بعامة وللأنثروبولوجيا بخاصة. أمّا عن التّمايزات أو الفروقات بين الأنثروبولوجيا الثقافيّة والأنثروبولوجيا الاجتماعية، فهي متحقّقة من جهة المنهج والهدف من الدّراسة. ولكنّهما متداخلان من حيث التخصّص والمنظور المعرفي. فإذا كان موضوع الأنثروبولوجيا الثقافية مرتبطا بالإستشكال الثقافي الذّي يحكم الاجتماع البشري عبر الرموز والطّقوس والتمثلات في علاقتها بمعنى الحياة، فإن موضوع الأنثروبولوجيا السياسيّة هو السّلطة في مختلف أبعادها وتجلياتها في الدّولة، والمجتمع، والجماعات المصغّرة والأفراد. غير أن السّلطة بكلّ أشكالها تظل في نهاية التحليل مضبوطة بمنظومات ثقافيّة تمتاح منها شرعيتها وتتقوّى بها في تثبيت سيرورتها وفرض هيمنتها. لذلك، تعتبر الأنثروبولوجيا السياسية في أدبيات العلوم الاجتماعية وليدة الأنثروبولوجيا الثقافية، ومنها استرفدت مفاهيمها في تحليل السلطة السياسيّة. وعليه تعتبر العلاقة بينهما جدليّة تفاعليّة، فكلاهما يتبادلان التأثّر والتّأثير من خلال الرّموز والمعاني التّي تتقوّم بها الحياة الاجتماعية.

كيف يمكن للأنثروبولوجيا العربية أن تسهم في إعادة تعريف الهوية العربية بعيدا عن ثانئية " الذات/ الآخر" التي طبعت الدراسات الكولونيالية؟

- يعتبر سؤال الهويّة من الإشكاليات التّي لم يُحسم أمرها في الدّرس الأنثروبولوجي العربي. لأنّه ظل رهين النظرة الكولونيالية المستعليّة التّي نمذجت المجتمعات العربيّة في قوالب دونيّة أرادت لها أن تكون حقائق مطلقة. والأصل في هذه النّظرة صناعة هيمنة كولونيالية مستمدّة من تصوير مصطنع لتكريس الطّاعة والتّبعيّة وفق منطق تحكمه ثنائيّة "الدّونيّ- العربيّ والمستعليّ- الغرب". وهذا ما تطرّق إليه إدوارد سعيد في نقده للاستشراق باعتباره أطروحة فكرية غربيّة مناورة اتّخذت من المعرفة غطاء لتحقيق طموحاتها في الهيمنة وتثبيتها.

هنا يأتي دور الأنثروبولوجيا العربيّة " المُوَطَّنة" في إعادة صياغة مفهوم مختلف للهويّة العربية يقوم على نقد مزدوج لهذه الثنائية. أولا، تفكيك السّرديّة المتحيّزة إلى الهويّة الجوهرانيّة وهو تحيّز متحجّر، وثانيا تفكيك المركزية الغربية باعتبارها منظومة معرفيّة استعلائية طامسة للحقيقة. وعليه، فالذّي يظلّ منوطا بالأنثروبولوجيا العربيّة نجاحها في التّنظير إلى الهويّة كنسق اجتماعي وثقافي قابل للتحوّل ويتأسّس على التفاعل والتناوب بحسب اختلاف السياقات وضوابطها. من خلال هذا النّقد المزدوج يصبح السّؤال الأصح من داخل الأنثربولوجيا العربيّة المُوَطّنة مصاغا على النحو التّالي: كيف يُعاد بناء معنى العروبة وصوغ مسلكيات معرفية وسلوكية من داخل المعيش الاجتماعي؟ هذا السّؤال المركزيّ يحيل مباشرة إلى تحدّي الاعتراف بالتنوّع الثقافي واللغوي الذّي تزخر به المجتمعات العربيّة، عوض طغيان السرديّة التقليدية التي تعتبر الهوية العربيّة مجسّدة في الوحدة الثقافية واللغوية ضاربة بعرض الحائط معطى ثراء التعدّد الذي تزخر به المجتمعات العربيّة. بهذا النّقد إذن، تصبح ثنائية الذّات والآخر شبكة من العلاقات المتقاطعة لا يستطيع أحد طرفيها أن يكون مستعليا أو منقطعا عن الآخر، وهذا بضغط من ثورة تكنولوجيا الاتصال والذّكاء الاصطناعي التّي ألغت الحدود والفواصل وصعوبة الحصول على المعلومة.

هل ترى أن تأصيل الأنثروبولوجيا العربية هي استجابة لهيمنة النموذج الغربي؟ أيمكن اعتبار الأولى امتداد للثانية أم قطيعة معرفية معها؟

- يعتبر هاجس تأصيل الأنثروبولوجيا العربيّة مركزيا في أفق ترسيخيّ لمعرفة أنثربولوجية قادرة على محاورة الأنثروبولوجيا الغربيّة.  لكنّ الملاحظ أن هذا الوعي ضحل لأسباب كثيرة. إذ لا نجد كتابات نظرية وافرة تخصّ توطين الأنثروبولوجيا العربيّة. بل يظلّ هذا البعض القليل محسوبا على رؤوس الأصابع. وأبرزه ما صاغه عبد الله حمودي في " المسافة والتّحليل" وهو يدعو بصريح العبارة إلى فعل التّوطين استشعارا منه بضرورة فهم المجتمع العربي وفقا لرؤية داخلية مستقلة عن سلطة المؤسسة الأكاديميّة، دون نفيها أو التنكّر لقيمتها الأكاديميّة. لقد سبقته في هذا المسعى محاولات لم يكتب لها التحقق بسبب انقطاع التراكم والخلط بين موضوع السوسيولوجيا وموضوع الأنثروبولوجيا. وهنا نقف عند البدايات المؤسسة التّي لم تُفهم ابعادها العلميّة ولم يُكتب لها التطوير والمواكبة حتّى تستقيم في تصوّر توطيني شامل. ومنها محاولة السيّد عويس وهو يدرس الرّسائل التّي كان يوجّهها عامة النّاس إلى قبر الإمام الشّافعي، وكتابات عبد الوهاب بوحذيبة في دراسته للجسد في علاقته بالدّين، وتنظيرات طلال أسد وغيرهم. ظلت هذه المجهودات محدودة أمام تحدّي التّوطين والاستقلال عن التبعيّة النّظريّة للغرب.

ومادام التّوطين يظلّ حاجة معرفيّة عربيّةّ، فهو يتوخّى علميا أخذ كلّ الحذر أمام التقليعات والفذلكات التّي تدعو إمّا إلى مقاطعة الإرث النظري الأنثروبولوجي الغربي، وإمّا بالعودة الجوهرانيّة إلى التراث، والتمسّك بالأسماء البارزة فيه كابن خلدون وعدد من الرحّالة الذين درج كثير من الدّارسين متونهم في خانة السير الذاتية بالمعنى الأنثروبولوجي. هذا ما حاول عبد الله حمودي التّنبيه إليه في كتابه " المسافة والتحليل" الإجابة عنه، وهو الدّور الذي قمت به في كتابي " الأنثروبولوجيا العربيّة- سؤال التّوطين".

إن الوعي بتوطين الأنثروبولوجيا العربيّة، أو بتأصيلها، نابع من الحاجة إلى الانتقال من تفسير المجتمعات العربيّة بعُدَدٍ نظرية ومفهومية مضبوطة بسياق غربي ومشروطة بثقافته، إلى تفسيرها بأدوات داخلية بلوغا لفهم أصوب للبنيات العميقة التّي تتحكّم فيه. ص غير أن هذا لا يعني الوقوع في جوهرانيّة عربيّة تنتصر إلى " العربي" باعتباره تاريخا وهويّة، وإنّما استنصارا إلى العلميّة التي تقوم على الانفتاح والتثاقف والاعتراف بالآخر مع وجود مسافة نظرية ومفهوميّة مستقاة من الواقع العربي نفسه.

ما طرحته في كتابي " الأنثروبولوجيا العربيّة- سؤال التّوطين" وقوفا عند بعض الدّراسات السّابقة، لا يعني اكتمالا لفكرة التّوطين أو الملاءمة نفسها. وإنّما محاولة اجتهاد في وضع الأسس التّي يقوم عليها التّوطين. لأن التوطين يستدعي تراكما في البحث الميداني المقرون باستنباط النظرية والمفاهيم النابعين من الميدان العربي ذاته تجنبا لأي اجترار أو إسقاط لنظريات ومفاهيم مستخلصة من واقع مجتمعات مغايرة. هذا ما ركّزت عليه في سياق حديثي عن معنى " المحلّيّة" العربية ودلالاتها وأبعادها الاثنوجرافية في ارتباطها بالمفهوم الذي حاولت بلوته والذي وسمته بـ" التفصيل الفلسفي". وبالرغم من ذلك، ومما سبق من دراسات، يظلّ رهان التّوطين متعثّرا لأنّه يقتضي كثيرا من الاجتهاد في النّظر وفي إقامة منهج أكثر تطوراً، لأنّ زمن المجتمعات العربيّة اليوم يختلف عن سابقه بتأثير من سرعة الثورات التكنولوجية والرقمية والتواصلية. وهذا يستدعي جهدا مضافا لا يكتفي بالمثاقفة والوعي بالمسافة، وإنّما بالبحث عن إمكانات فكرية ومفهوميّة خلاقة تفاعلا مع هذه الثورات التكنولوجيا المزلزلة.

ما الفرق بين " توطين الأنتربولوجيا" بصفته مسعى معرفيا وبين "الانتربولوجيا الكونية" باعتبارها علما له أدوات ومناهج موحدة؟ هل يمكن الجمع بينهما دون الوقوع في فخ الخصوصية المفرطة أو التبعية المطلقة؟

- لا بدّ من التأكيد على أنّ هناك تفاوتا بين مطلب التّوطين والكونيّة. ولا يعبّر هذا التفاوت عن تباين في المنهج والمنظور، وإنّما له صلة باستشكال ملتبس يخصّ أصل المعرفة نفسها وشرعية التحليل ونفاذية المفاهيم في سياقات ثقافيّة متحوّلة. فإذا كان هدف التّوطين إعادة بناء المفاهيم وأدوات البحث انطلاقا من أسئلة المجتمع نفسه وحاجاته، فإنّ الكونيّة تفترض دراسة القضايا والظواهر رغم تباينها وتناقضها بأدوات ومناهج متقاطعة ومشتركة تمكّن من فضيلة المقارنة واقتناص المشتركات الإنسانيّة.

لا بدّ من التّأكيد على أنّ التقنيات والمناهج التّي تعتمدها الأنثروبولوجيا تظل مشتركة في التفسير العلمي لدى الدّارسين في العالم. فالاشتغال الميداني والملاحظة بالمشاركة والمعايشة والمقابلة وتحليل الرموز والطّقوس، كلّها تقنيات لم تعد حكرا على ثقافة ومعرفة مخصوصتين، بل هي جميعها آليات معرفية ومنهجيّة تحظى بشرعية الإشتغال بها في مختلف المجتمعات.

أظن أن كتابي " الأنثروبولوجيا العربيّة – سؤال التّوطين" يسعى إلى التلاؤم مع التحدّيات الجديدة التّي تحملها تغيرات المجتمعات العربيّة. وذلك انطلاقا من واقع تغير الرموز وتجديد المعاني وتحوّلات الأفراد في علاقاتهم بذواتهم وبالآخر. وهذا أمر ينسحب على كافة مجتمعات العالم، إذ لم تعد المجتمعات الإنسانيّة كما كانت في الماضي القريب. لقد جرفتها سرعة الثورات الرّقميّة وتصاعد إيقاعاتها، مما جعل مفاهيم العلوم الاجتماعية، اليوم، ومنها الأنثروبولوجيا، قاصرة عن فهم الكيفيات التي تحدث بها تغيرات الإنسان والمجتمع. بمعنى أن هذه العلوم تشهد اليوم أزمة عميقة، نظريا ومنهجيا، وينتظر منها أن تتجدّد حتّى تكون مواكبة للعصر وناجعة في تحقيق الأهداف. وتلك فرصة فريدة بالنسبة للأنثروبولوجيا العربية كلّما وعت هذه الأزمة واعتمدت على إمكاناتها في تحقيق التفرّد وبناء أصالتها الخاصة. في هذا الاتّجاه، اقترحت في مسألة التّوطين انطلاقا من مبدإ " المحلّيّة العربيّة" مقتربا ثلاثيّا يقوم على ثلاث قواعد، وهي: التّحليل الفلسفي والتّحليل التّاريخي والتحليل النّفسي. ونظرا لاشتمال هذه القواعد الثلاث على كل الأبعاد التّي تحدّد الفهم والتمثّل والسلوك والإنتاج لدى الأفراد، اعتبرتها في كتابي "الأنثروبولوجيا العربيّة – سؤال التّوطين" مبادئ مؤسسة للتّوطين، وكلّ إخلال بواحد من هذه القواعد يبطل جزءا من الإنسان- الفرد، سواء أ كان عربيا أم غير عربيّ، لأنّها مبادئ دالة على الاشتراك والشّمولية.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

 

ما إن وطئت أقدام الاحتلال الفرنسي أرض فاس، حتى سارعت أسرة عبد الله كنوّن إلى توديعها، فرارا بدينهم، وتعبيرا عن رفضهم الانصياع للإدارة الفرنسية. كانت الوجهة أرض الشام، غير أن المشيئة الإلهية ألقت برحالهم على أرض طنجة. وهناك سيكون نشاط عبد الله كنوّن العلمي والفكري نواة للتوعية بخطر السيطرة الأجنبية، والإسهام بإعداد الشعب المغربي ليتحرر من رواسب الأمية الفكرية، والبدع والضلالات التي تحجب عنه مكامن قوته وحيويته وانتمائه.

تكشف مؤلفات العلّامة المغربي التي ناهزت المئة، عن فكر واع بالستار الكثيف الذي يسعى النفوذ الأجنبي لإرخائه بين المشرق والمغرب، وتكسير عوامل الوحدة والهوية والانتماء الأصيل للأمة الإسلامية. لذا كان قلمه السيال يمزج بين العلم والسياسة، ويؤسس مشروعا فكريا قائما على ربط المغرب بالمشرق عبر ثلاثة مداخل:

- التمكين للغة العربية وآدابها.

- الإسهام في إحياء التراث وكشف ذخائره.

- التعريف برموز العطاء الفكري والأدبي بالمغرب.

ويمكن اعتبار كتابه (إسلام رائد) بمثابة دليل للحائرين أمام هذه الهجمة الشرسة على الإسلام، في الوقت الذي تُفصح فيه شعوب العالم عن عمق شعورها الديني، عبر كم هائل من التظاهرات والندوات، والإنتاجات الثقافية والفنية بشتى أنواعها.

شهدت الفترة الاستعمارية رواج مذاهب وإيديولوجيات جرى تقديمها كبديل للسياسة الإسلامية. وتضافرت عوامل عدة لإرخاء ستار من الجهل بحقيقة الإسلام كنظام ومنهاج كامل للحياة. وبينما كانت قوى التحرر تسطر ملاحم المقاومة ضد المحتل الأجنبي، وإجلائه من أراضيها، حرصت ترسانته الثقافية على غرس بذور سامة، تشكك في الدين، وتُواصل حربا لا هوادة فيها على قيمه ومبادئه وتشريعاته؛ رغم أن التحولات التي حدثت لاحقا عززت من مقامه في النفوس. وهنا يستوقفنا المؤلف أمام حقيقة أن المعركة ليست ضد الدين:

"إنما هي معركة طائفة من الناس استولوا على مقدرات بلادهم، وأخذوا زمام السلطة فيها إما باستعمال القوة والعنف، أو بطريق المكر والخداع، فاستطاعوا أن ينفذوا مخططاتهم في السياسة والاقتصاد، وأن ينشروا أفكارهم التي تهدم دعائم المجتمع المتدين، لأنه لا يتلاقى ومخططاتهم المبنية على فلسفة مادية إلحادية."

يُفنّد المؤلف دعوى هامشية الدين في الحياة المعاصرة، وتراجعه كعامل سياسي في بناء القوميات والشعوب. وهي الدعوى التي يُكذّبها تفجر الصراع في عدد من مناطق العالم الإسلامي، كفلسطين وجنوب السودان والصومال وقبرص، حيث يكشف العدوان عن تعصب واضح ضد الإسلام تحديدا، قبل أن يكون حرمانا للشعوب من تقرير مصيرها.

في المقابل ترتفع أصوات غربية نزيهة وشجاعة، لتُعرّف بالإسلام كدين يكفل التعايش السلمي، وكتشريع ينتفي فيه النزاع الطبقي والتمييز العنصري. تشهد بذلك حضارته التي احتضنت الأبيض والأسود، وكفلت للجميع حريات عامة، حتى صار بعض كبار موظفي الدولة من غير المسلمين.

دعوى أخرى يرّدها المؤلف وهي المتعلقة بموقف الإسلام من القوميات، حيث يؤكد أن غايته هي بناء المجتمع البشري على أساس من العدالة والحق، دون مساس بالشخصية المميزة للشعوب وكيانها المستقل. وإذا كان الوعي القومي قد تغلغل في نفوس الأفراد والجماعات منذ القرن الثامن عشر، رغم ما تسبب فيه لاحقا من مآس وحروب، إلا أنه لا يتعارض مع المقاصد النبيلة للإسلام التي لخصها القرآن الكريم في كلمة واحدة توزن بالذهب، وهي قوله تعالى في سورة الحجرات: {لتعارفوا} – آية13. وأما مبدأ التفاضل الذي أقرّه فهو التقوى، أي تلك القيمة الخلقية التي لا شأن لها بجنس أو لون.

لم تحقق المذاهب المستوردة ما كانت تطمح إليه الشعوب الإسلامية من ازدهار وتقدم، لأنها لم تمتزج بطبيعتها ولم تندمج مع شعورها الديني. فالديموقراطية على سبيل المثال ابتدأ تطبيقها في دولة الخلافة العثمانية منذ 1908، لكنها لم تمنع الدولة من التفكك، إذ تتابعت الثورات على الخليفة عبد الحميد الثاني، وتحول نظام الحكم إلى ديكتاتورية عسكرية على يد أتاتورك.

إن الديموقراطية خدعة سياسية، يقول المؤلف، والسبب في ذلك يرجع إلى الضعف الذي تنطوي عليه مقولاتها. فاعتبار الشعب مصدرا للسلطات بجميع أنواعها، يتعارض مع ما يقرره الشرع الإسلامي بأن الحكم لله، وأنه المشرّع في جميع الأحوال.

وأما الادعاء بأن الحكم للشعب فهو لا يعني الإجماع الشعبي، وإنما يُقصد به حكم الأغلبية؛ وهي بالمناسبة أغلبية نسبية يحددها التنافس بين التنظيمات الحزبية. بينما يرجح الإسلام خيار الأكثرية النوعية، كما في الإجماع الذي يتحقق باتفاق علماء الأمة ومجتهدي العصر. وشتان بين اتفاق العلماء واتفاق الجهلاء، لاسيما في أمور الحكم والسياسة!

أدى فشل التجربة الديموقراطية إلى تبني خيار الاشتراكية، تحت ضغط الأنظمة الديكتاتورية؛ خاصة بعد الدعاية الواسعة لمظاهر التقدم العلمي الذي أحرزه الاتحاد السوفياتي. إلا أن الواقع كشف عن رغبة عارمة في السيطرة على الشعوب، وتوجيهها نحو الخط الذي رسمه قادتها دون استشارتها، فكان من البديهي أن يحدث تراجع على كل الأصعدة، ورفض حاولت القيادات الالتفاف عليه بالبحث عن جذور الاشتراكية في تعاليم الإسلام ومبادئه.

وأما الرأسمالية التي خاطبت أحلام الشعوب الإسلامية وآمالها بالازدهار، فإن مقولاتها عن الحرية والملكية الفردية لم تكن سوى تهيئة للدفع بالشعوب لقبول نظام اقتصادي يقوم على معاملات مخالفة للشريعة، منها الاحتكار والتعامل بالربا، واستغلال جهود البسطاء من خلال تدويرهم في ماكينة إنتاج، تسهم في تكديس الثورات في يد فئة قليلة، وبالتالي تعميق الفوارق الاجتماعية. بينما يحرص الإسلام على التدخل بصفة قانونية ومنتظمة لصالح الفقراء.

لم تسلم الأمة من تسلل مذاهب فلسفية تهز قناعات الشباب المسلم وتهدد انتماءه. وأخطرها برأي المؤلف هي الوجودية، خاصة التيار الذي يتزعمه جان بول سارتر من حيث مزجه للوجودية بالإلحاد، ونشره للتشاؤم والنزعة العدمية، وتمزيق الكيان الإنساني من الداخل.

إن رفض الإسلام لهذه المذاهب لا يعني أنه دين منغلق على نفسه، وإنما هو دين ومنهج حياة منفتح على الآخر، شريطة عدم المساس بمقوماته الذاتية، وبعقيدته وشريعته التي ارتضاها الله تعالى للعالمين. إن قوته نابعة من أصالته التي أقرّ بها أهل الكتاب السابقون، وهي الأصالة التي استهدفت تصحيح الوضع الديني السائد قبله، وتخليص الناس من تبعات التحريف والكذب والبهتان الذي قيّد حرياتهم وآمالهم.

إلى جانب التسلط على مقدرات الأمة ونهب خيراتها وسلب كرامتها، سعى المحتل الأجنبي لفرض عالم أفكاره ومذاهبه العقلية، والترويج لها بهدف سلخ الأمة عن دينها وهويتها وانتمائها الذي لا تحده الجغرافيا. وقد عاين المفكر المغربي عبد الله كنون شراسة هذا المخطط، وتعرّض في سبيل التحذير منه للأذى والمضايقات، فكان إلى جانب ثلة من علماء الأمة ومثقفيها آنذاك، يستشعر مسؤوليته تجاه أي ثغرة يمكن للمحتل أن ينفذ منها ليهز ثوابت الأمة، فيبادر إلى ردمها. ساعده على ذلك شخصيته الفريدة التي جمعت بين الانتماء لسلفية متصلة باليقظة الإسلامية في أواخر القرن التاسع عشر، وبين الانفتاح على الفكر الحديث ومذاهبه التي لا تتعارض مع جوهر الدين وسماحته، فكان رحمه الله أنموذجا للاعتزاز بقيم الإسلام والعروبة مع التمسك بالانفتاح الرشيد على آفاق المعرفة الإنسانية.

ما يحز في نفس المؤلف هو أن الإسلام بحاجة إلى تأكيد ريادته مجددا في بلاد المسلمين، والتصدي للعوامل الذاتية التي تجعل من انتشار هذه المذاهب نتيجة لا سببا. يقول في مقدمة كتابه، مُبديا أسفه على وضع لا زلنا نتقلب فيه حتى اليوم:

" نلقي بأبنائنا بين أيدي معلمين جهلة بأبسط أحكام الدين، أو من غير ملتنا، أو ملاحدة متمردين على خالقهم ورازقهم، ونشتكي من سوء تربيتهم وضعف إيمانهم.

ونترك جماهيرنا عرضة للأهواء وفريسة للأدعياء، ونتعجب من انحرافهم وغلبة الشر عليهم.

ونولّي أمورنا أناسا تشبعوا بثقافة الغرب وملأ الإعجاب بحضارته المادية نفوسهم وقلوبهم، ونتساءل من أين أتانا الفساد، وغمرت مجتمعاتنا عوامل الانحلال والإلحاد.."

***

حميد بن خيبش

 

ليس من اليسير الحديث عن الدكتور نوري جعفر بوصفه شخصية أكاديمية عابرة في تاريخ الفكر العراقي الحديث، فالرجل تجاوز حدود التخصص الضيقة ليغدو مشروعاً معرفياً متكاملاً جمع بين الفلسفة والتربية وعلم النفس وعلوم الدماغ، وربط بينها جميعاً بخيط إنساني عميق يتمثل بإيمانه الراسخ بقدرة الإنسان على صناعة النهضة وتغيير الواقع. ومن هنا تنبع أهمية كتاب الأستاذ ياسر جاسم قاسم الموسوم (نوري جعفر: رجل النهضة والإصلاح)، الصادر عن دار رند للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق سنة 2010، والذي يُعد من أبرز الدراسات التي تناولت حياة هذا المفكر العراقي الكبير ومنجزه العلمي والفكري.

يقع الكتاب في نحو (390) صفحة من القطع المتوسط، ويتوزع على عشرة فصول، تسبقها صفحات إهداء ذات بعد إنساني مؤثر، فضلاً عن تقديم للدكتور عبد الكريم راضي جعفر، وكلمة للسيدة نجود نوري جعفر تناولت فيها جوانب من سيرة والدها العلمية والإنسانية. وقد حرص المؤلف على أن يجعل من كتابه أكثر من مجرد عرض لسيرة شخصية أو قراءة في مؤلفات عالم بارز؛ إذ سعى إلى رسم صورة متكاملة للإنسان والعالم والمصلح الذي ظل حاضراً في الذاكرة الثقافية العراقية والعربية رغم مرور عقود على رحيله.

منذ الصفحات الأولى يلمس القارئ مقدار المحبة والتقدير اللذين يكنهما المؤلف لشخصية نوري جعفر. فالإهداء لا يقتصر على استذكار عالم رحل عن الدنيا، بل يتجه إلى إنسانيته الرفيعة وأخلاقه العالية وروحه المتواضعة التي بقيت ملازمة له رغم ما حققه من إنجازات علمية وفكرية كبيرة. لقد كان نوري جعفر من أولئك العلماء الذين يزدادون تواضعاً كلما اتسعت معارفهم، حتى إنه كان يرفض وصفه بـ(العالم) ويصر على أنه ما يزال طالب علم يتعلم ويبحث ويكتشف. وهذه السُمة ليست تفصيلاً عابراً في شخصيته، بل مفتاحاً أساسياً لفهم منهجه الفكري ورؤيته للمعرفة بوصفها رحلة لا تنتهي.

ويأخذنا الكتاب إلى بدايات حياة نوري جعفر الذي ولد في قضاء القرنة بمحافظة البصرة عام 1914، ونشأ في بيئة عراقية بسيطة، قبل أن يشق طريقه في ميدان التربية والتعليم حتى أصبح واحداً من أبرز الأسماء العراقية والعربية في مجالات علم النفس التربوي وفلسفة التربية. وقد حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الفلسفة من جامعة ولاية أوهايو الأميركية في أواخر أربعينيات القرن الماضي، وعاد إلى العراق محملاً برؤية علمية حديثة وطموح كبير للمساهمة في بناء الإنسان العراقي والعربي على أسس معرفية رصينة.

غير أن مسيرة نوري جعفر لم تكن مفروشة بالورود، فقد واجه خلال حياته محطات من الإقصاء والتهميش والفصل الوظيفي بسبب مواقفه الفكرية والسياسية المستقلة. إلا أن هذه الظروف لم تدفعه إلى التراجع أو الانكفاء، بل زادته إصراراً على التمسك بمبادئه والدفاع عن قناعاته. ويبرز المؤلف هذا الجانب من شخصيته بوصفه دليلاً على شجاعة مدنية نادرة، إذ لم يكن يرى في المثقف مجرد منتج للأفكار، بل شاهداً على عصره ومسؤولاً أخلاقياً تجاه قضايا مجتمعه.

لقد آمن نوري جعفر بأن المعرفة لا تنفصل عن الموقف، وأن العالم الحقيقي لا يكتفي بالبحث داخل المختبر أو قاعة الدرس، بل يشارك في مواجهة التحديات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تعترض طريق مجتمعه. ولهذا لم يتردد في التعبير عن آرائه عبر المقالات والكتابات الصحفية، حتى عندما كان ذلك يكلّفه الكثير من المتاعب والمضايقات.

ومن أبرز الجوانب التي يسلط عليها الكتاب الضوء مشروع نوري جعفر العلمي الذي تميز بطابعه الموسوعي. فهو لم يكن باحثاً تقليدياً في علم النفس أو التربية فحسب، بل كان من أوائل المفكرين العرب الذين سعوا إلى بناء جسور معرفية بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. فقد انشغل بدراسة العلاقة بين النشاط العقلي والوظائف العصبية للدماغ، واهتم بفهم آليات الإبداع والتفكير والذكاء، محاولاً تقديم تفسير علمي متكامل للقدرات الإنسانية.

وكان يرى أن الدماغ يمثل مركز التقاء العلوم المختلفة، وأن فهم الإنسان لا يتحقق من خلال علم واحد، بل عبر تضافر علوم النفس والفسيولوجيا والتربية والاجتماع والفلسفة. ومن هنا جاءت دعوته إلى تجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات، وإقامة حوار معرفي مستمر بينها. وهي رؤية تبدو اليوم أكثر راهنية في ظل الاتجاهات العلمية الحديثة التي تؤكد أهمية الدراسات البينية والتكامل المعرفي.

ومن الأفكار الجوهرية التي توقف عندها المؤلف إيمان نوري جعفر العميق بوحدة المعرفة الإنسانية. فالرجل لم يحصر اهتماماته في الحقول الأكاديمية التي تخصص فيها، بل انفتح على الأدب والشعر والفن والتاريخ والفلسفة. وكان يعتقد أن الإبداع الإنساني وحدة متكاملة لا يمكن تجزئتها إلى جزر منفصلة. ولهذا نجده يدرس شخصيات أدبية وفكرية كبرى مثل أبي الطيب المتنبي والجاحظ والحريري ومكسيم غوركي وغيرهم، محاولاً استكشاف البعد النفسي الكامن وراء إبداعهم.

وقد منح هذا التوجه قراءاته الأدبية خصوصية واضحة، إذ لم يكن يكتفي بتحليل النصوص من الناحية البلاغية أو الجمالية، بل كان يبحث فيها عن الإنسان وتجربته النفسية والوجودية. وكان يرى أن الأدب مرآة للنفس البشرية، وأن الشاعر أو الأديب يمتلك قدرة استثنائية على الكشف عن أعماق الإنسان ربما لا تقل أهمية عن قدرة عالم النفس نفسه.

ولعل المتنبي كان الشخصية الأدبية الأقرب إلى اهتماماته الفكرية، فقد وجد فيه نموذجاً فريداً للعبقرية الإنسانية والطاقة الخلاقة للعقل. ولذلك ظل شعر المتنبي حاضراً في مؤلفاته ومحاضراته واستشهاداته الفكرية، بوصفه تعبيراً عن الإرادة الإنسانية وقدرتها على تجاوز حدود الواقع وصناعة الممكن.

ويتناول الكتاب كذلك رؤية نوري جعفر للتنمية والإصلاح الاجتماعي، وهي رؤية تنطلق من إيمانه بأن النهضة تبدأ من الإنسان قبل أي شيء آخر. فقد كان يؤكد أن بناء المدارس والطرق والمصانع لا يكفي لتحقيق التقدم إذا لم يترافق مع بناء العقل القادر على التفكير النقدي والإبداع. وكان يرى أن التربية هي الثروة الحقيقية للأمم، وأن الاستثمار في الإنسان يسبق الاستثمار في الموارد المادية.

ومن هذا المنطلق أولى أهمية كبيرة لدور الأسرة والمدرسة والجامعة في تشكيل الشخصية الإنسانية. وكان يعتقد أن أي مشروع تنموي يغفل البعد التربوي سيبقى مشروعاً ناقصاً مهما توفرت له الإمكانات الاقتصادية. فالإنسان الواعي والمبدع هو أساس كل نهضة حضارية، وهو القادر على تحويل الموارد إلى منجزات حقيقية.

كما يكشف الكتاب عن جانب مهم من شخصية نوري جعفر يتمثل في نزعته الإصلاحية العملية. فهو لم يكن مفكراً تنظيرياً يعيش في عالم الأفكار المجردة، بل كان يسعى دائماً إلى تحويل المعرفة إلى قوة فاعلة في الواقع. ولهذا جاءت مؤلفاته وأبحاثه محملة بالمقترحات والرؤى التطبيقية التي تستهدف تطوير التعليم والارتقاء بالبحث العلمي وتنمية القدرات العقلية لدى الأفراد.

ومن السمات اللافتة في منهجه العلمي استعداده الدائم لمراجعة أفكاره ونقدها. فقد كان يؤمن بأن المعرفة الحقيقية لا تعرف الجمود، وأن العالم الذي يتوقف عن مراجعة أفكاره يفقد قدرته على التطور. لذلك ظل منفتحاً على المستجدات العلمية، حريصاً على تطوير رؤاه بما ينسجم مع ما يستجد من اكتشافات ومعارف.

ويُحسب للأستاذ ياسر جاسم قاسم أنه لم يقع في فخ التمجيد المطلق لشخصية نوري جعفر، بل سعى إلى تقديم قراءة نقدية متوازنة تجمع بين التقدير العلمي والتحليل الموضوعي. فقد ناقش أفكاره ومشاريعه الفكرية، ووقف عند جوانب القوة فيها، كما أشار إلى بعض المسائل التي يمكن أن تكون موضع نقاش أو مراجعة. وهذه المقاربة منحت الكتاب قيمة علمية إضافية، لأنه تجاوز حدود السيرة التقليدية إلى فضاء الدراسة النقدية الرصينة.

كما تزداد أهمية الكتاب من خلال ما تضمنه من وثائق وصور وشهادات ومعلومات نُشر بعضها للمرة الأولى، الأمر الذي جعله مصدراً توثيقياً مهماً للباحثين والمهتمين بتاريخ الفكر التربوي والنفسي والفلسفي في العراق.

إن كتاب (نوري جعفر: رجل النهضة والإصلاح) لا يقدم لنا سيرة عالم عراقي بارز فحسب، بل يعيد إحياء تجربة فكرية وإنسانية ما زالت تمتلك القدرة على إلهام الأجيال الجديدة. فهو يذكرنا بأن النهضة ليست شعاراً سياسياً أو مشروعاً اقتصادياً فقط، بل هي قبل كل شيء مشروع لبناء الإنسان وتنمية العقل وترسيخ قيم المعرفة والأخلاق.

لقد رحل الدكتور نوري جعفر في ليبيا نهاية عام 1991 بسبب مرض الانفلونزا الحاد، لكن الأفكار الكبرى لا ترحل برحيل أصحابها. فما زالت كتبه حاضرة، وما زالت رؤاه التربوية والفلسفية موضع اهتمام الباحثين والدارسين، وما زال اسمه يمثل أحد أبرز رموز التنوير العراقي الحديث. ولعل القيمة الحقيقية لهذا المفكر تكمن في أنه لم ينظر إلى المعرفة بوصفها وسيلة للوجاهة أو الشهرة، بل بوصفها رسالة إنسانية سامية تهدف إلى تحرير العقل وإصلاح المجتمع وبناء مستقبل أكثر إشراقاً للإنسان.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي أنجزه الأستاذ ياسر جاسم قاسم؛ إذ لا يكتفي بتوثيق سيرة نوري جعفر، بل يدعو القارئ إلى إعادة اكتشاف مشروعه النهضوي والإصلاحي، واستحضار الدروس التي ما زالت صالحة لعصرنا الراهن، في زمن تشتد فيه الحاجة إلى العقل النقدي، والتربية الواعية، والإيمان بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للأمم وأساس كل مشروع حضاري.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي – العراق / حلة

 يوم الأثنين 1 حزيران 2026

حين نتأمل الكتاب الجديد للدكتور محمد الداهي الموسوم بـ "جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة" (المركز الثقافي للكتاب، 2026)، ندرك منذ الصفحات الأولى أننا أمام حلقة جديدة في مشروع نقدي طويل النفس، انخرط فيه المؤلف منذ عقود، وواصل تعميقه وتوسيعه في السنوات الأخيرة. هذا المشروع لا يُقرأ بمعزل عن مؤلفه السابق "السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع" الذي حاز جائزة الشيخ زايد العالمية في صنف "الفنون والدراسات النقدية" سنة 2021، بل يُعتبر امتدادًا له وتطويرًا لأفقه النظري والتطبيقي.

يُظهر هذا المسار أن محمد الداهي لا يكتفي بالاشتغال على النصوص الأدبية في حدودها الجمالية، بل يسعى إلى إعادة صياغة مفهوم النقد ذاته، عبر استلهام الأدوات والمفاهيم الحديثة في النقد الغربي، ثم إعادة توطينها في السياق العربي، ليبرهن أن العرب – شأنهم شأن غيرهم من الأمم – قادرون على الإسهام في المسار الكوني للمعرفة الأدبية والفنية. إنّ هذا الانخراط يضعه في مصاف النقاد العرب والمغاربة الذين يطمحون إلى تأسيس نقد جديد، يتجاوز التكرار ويواكب التحولات المعرفية الكبرى.

ويبدو واضحًا أن الداهي في مؤلفاته الأخيرة يواكب التحول من إبدال "الأدبية" الذي ميّز المرحلة البنيوية، حيث كان التركيز منصبًا على طبيعة النص الأدبي وسماته الفنية، إلى إبدال "كتابات التدخل" التي أعادت الاعتبار إلى جدوى الأدب في الحياة اليومية. هذا التحول يفتح النصوص على الذاكرة الجماعية، ويستدعي المحكيات الصغرى، ويعيد كتابة التاريخ من الأسفل، أي من زاوية المهمّشين والضحايا والتابعين الذين طالما ظلّت أصواتهم خارج السرد الرسمي.

إنّ كتاب "جراح السرد" يندرج في هذا الأفق، حيث يُحفّز الضحايا على المكاشفة بسرد محكياتهم الموازية، ويمنحهم إمكانية تضميد جراحهم الرمزية عبر الكتابة. بهذا المعنى، يصبح الأدب أداة علاجية، ووسيلة لإعادة بناء الذات والجماعة، ومجالًا لإعادة التفكير في علاقة الفرد بالآخر، وفي صدمة الغيرية التي تُعيد تشكيل الهوية وتفتحها على أفق إنساني أوسع.

المحتويات العامة

يأتي كتاب "جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة" للدكتور محمد الداهي امتدادًا طبيعيًا لمسار نقدي طويل، سبق أن دشّنه بعمله "صورة الأنا والآخر في السرد" (2013)، وهو الكتاب الذي نفد سريعًا بعد صدوره وترك أثرًا بالغًا في الذاكرة النقدية العربية، لما حمله من جرأة في مساءلة علاقة الذات بالآخر وتمثيلها سرديًا. غير أن السنوات التي تلت صدور ذلك العمل لم تكن عادية؛ فقد شهد العالم العربي تحولات جيوسياسية عاصفة، واستقواءً متزايدًا للغرب، وتفككًا داخليًا للأمة العربية، فضلًا عن الممارسات الوحشية التي ارتكبتها إسرائيل وحلفاؤها بحق الشعب الفلسطيني، والتي شكّلت صدمة جماعية وإنسانية عميقة. هذه السياقات التاريخية والسياسية لم تكن مجرد خلفية، بل كانت دافعًا مباشرًا للكاتب كي يعيد النظر في موضوعه، ويوسّع أدواته ومصادره، ويستعين بمقاربات جديدة مثل السيميائيات ودراسات الصدمة (Trauma Studies)، ليمنح مشروعه النقدي أفقًا أكثر تركيبًا وشمولًا.

لقد وسّع الداهي المتن المدروس ليشمل أربع عشرة رواية وتسع عشرة سيرة ذاتية، موزعة بين خمسة عشر عملًا عربيًا وثمانية عشر عملًا غربيًا، مما يعكس حرصه على المقارنة بين التجارب السردية في المركز والمحيط، وعلى إبراز كيفية تفاعل الأدب مع الصدمات التاريخية والوجودية عبر ثقافات متعددة. هذا التوسيع لا يقتصر على الكم، بل يفتح المجال أمام مساءلة عميقة للكيفية التي يُعاد بها بناء الهوية عبر السرد، وكيف يُستخدم الأدب كأداة مقاومة أو تضميد لجراح الذاكرة.

قسّم المؤلف كتابه إلى بابين رئيسيين:

في القسم الأول، تناول كيفية تلقي الإنسان العربي "صدمة الإمبراطورية" وتمثّلها فنيًا وأدبيًا، باعتبارها تجربة وجودية تسعى إلى مقاومة القوى التي تدير وتدبّر آليات التحقير والطمس، وتكريس الدونية والاغتراب الثقافي. هنا درس روايات سهيل إدريس، محمد المعزوز، جاسم الرصيف، إلى جانب السير الذاتية لـ فدوى طوقان، عبد الهادي الشرايبي، عبد الله العروي، عبد الغني أبو العزم، ليكشف كيف تحوّل السرد إلى مساحة مواجهة مع الآخر المستعمِر، وإلى وسيلة لإعادة بناء الذات في مواجهة التبعية.

أما القسم الثاني، فقد خصّصه لأعمال أدبية يستخدم أصحابها – سواء من المركز أو من المحيط – لغة الإمبراطورية نفسها، لكن ليس بوصفها أداة هيمنة، بل كوسيلة لإعادة التملك وتوظيفها في خدمة مقاصد الشعوب المستعمَرة سابقًا وتطلعاتها التحررية. بهذا المعنى، يصبح السرد ردًا مضادًا على المزاعم الكولونيالية التي تتجدد بأشكال مختلفة لتكريس العقود المفروضة على التابعين (العقد السردي، العقد الاجتماعي، العقد العرقي). وقد اعتمد الداهي هنا على متون روائية لـ جان-ماري لوكليزيو، موريس لوغلاي، عبد الرزاق قرنح، وعلى متون سير ذاتية لـ إدوارد سعيد وآني إرنو، ليبرهن أن الأدب قادر على قلب المعادلة، وتحويل لغة السلطة إلى لغة مقاومة.

المرجعية المعرفية والنقدية

يستند الدكتور محمد الداهي في كتابه "جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة" إلى شبكة واسعة من المرجعيات النظرية والمعرفية التي تتقاطع عند سؤال الجراح والصدمة، سواء من خلال الفعل التكلُّمي (Illocutoire) الذي يتيح للذات التعبير عن معاناتها عبر السرد، أو عبر الفعل التَّكْليمي (Perlocutoire) الذي يبرز أثر الكلمات في جرح الآخر وإحداث صدمة في وعيه. غير أن الداهي يراهن بالأساس على الطرح الثاني، أي على قدرة السرد في أن يكون أداةً للكشف والمكاشفة، وأن يتحول إلى فضاء يتيح للضحايا والمهمّشين التعبير عن جراحهم الرمزية ومواجهة آثارها النفسية والاجتماعية.

في هذا السياق، يوظف المؤلف أطاريح عدد من المفكرين والباحثين البارزين مثل تزفيتان تودوروف، بول ريكور، باسكال أوري، ألكسندر جيفن، برونو بتلهايم، وجوديت باتلر وغيرهم، ليستفيد من مقارباتهم في تحليل الجراح من زوايا متعددة: فلسفية، سيميائية، أنثروبولوجية، ونفسية. هذا التعدد المرجعي لا يهدف فقط إلى إثراء الإطار النظري، بل أيضًا إلى إضاءة كيفية تجلي الجراح في المتنين العربي والغربي؛ ففي المتن العربي يبرز كيف تألم العرب من جراح الهيمنة الغربية، بينما في المتن الغربي يتضح كيف تجرأ كتّاب على الرد بالكتابة على ما تُحدثه لغة الغرب من جراح في نفوس المهاجرين أو المواطنين الذين يعانون من الهجنة الهوياتية.

إلى جانب ذلك، يواصل الداهي – على غرار مؤلفاته السابقة – الانفتاح على مرجعيات نقدية حديثة صدرت منذ مطلع الألفية الجديدة، باللغات الأصلية وفي مظانها الغربية، دون أن يغفل المصادر الكلاسيكية التي تساعد على تحديد طبيعة النص الأدبي وأدبيته وفنيته. كما يوازن بين هذه المرجعيات الغربية وبين مصادر عربية أصيلة مثل أعمال عبد الله العروي، عبد الكريم الخطيبي، جورج طرابيشي، إضافة إلى ترجمات عربية لأعمال مفكرين عالميين مثل إدوارد سعيد، بيل أشكروفت، غاريت غريفيث، هيلين تيفن وغيرهم. هذا المزج بين المرجعيات المحلية والعالمية يعكس حرصه على بناء خطاب نقدي مركّب، قادر على استيعاب التحولات المعرفية الكبرى، وفي الوقت نفسه متجذر في السياق الثقافي العربي.

المقاربة الممتدة أفقياً وعمودياً

يُظهر مشروع الدكتور محمد الداهي النقدي حرصًا منهجيًا على المزاوجة بين البعدين الأفقي والعمودي في مقاربته للسرديات، بما يمنح المعرفة النقدية حلة متسقة ومنسجمة، ويجعلها قادرة على استيعاب تعقيدات النصوص والظواهر الثقافية في آن واحد. فهو يتبنى ما يسميه بـ المقاربة العرضانية الممتدة (Transversal approach)، التي تستلهم أدواتها من حقول معرفية متعددة مثل الأدب وعلم الاجتماع وعلم النفس، وتستند إلى مناهج متشابكة كالسيميائيات، ودراسات الصدمة، والدراسات الثقافية، والسرديات الذاتية. هذه المقاربة لا تكتفي بالتحليل النصي، بل تنفتح على البنى الاجتماعية والسياسية والأنثروبولوجية التي تُنتج النصوص وتؤطرها.

أفقياً، يوسع الداهي مجال النظر ليشمل الجراح التي تعاني منها السرديات العربية نتيجة التركة الاستعمارية، حيث درس نماذج من الروايات والسير الذاتية العربية التي تكشف عن أثر الاستعمار في تكريس التبعية والهيمنة، كما في روايات موريس لوغلاي التي تعيد إنتاج خطاب التفريق بين المغاربة وتثبيت دونيتهم. في المقابل، يتوقف عند تجارب كتاب غربيين مثل آني إرنو وجان-ماري لوكليزيو، أو كتاب منفيين مثل إدوارد سعيد وعبد الرزاق قرنح، الذين واجهوا بدورهم جراح الاستعمار والاغتراب، فاختاروا تملك لغة الإمبراطورية نفسها – لغة الخصم والحكم – والرد بها على مزاعم الاستعمار الجديد ومعايير المؤسسة الأدبية المهيمنة. بهذا المعنى، يصبح السرد فضاءً للتفاوض مع السلطة، وأداةً لإعادة تعريف الذات في مواجهة الآخر.

عمودياً، يعتمد الداهي على تفكيك ثلاثة عقود مركزية فرضها الاستعمار على الشعوب المستعمَرة: العقد السردي، العقد الاجتماعي، العقد العرقي. هذه العقود لم تكن مجرد اتفاقيات سياسية أو اقتصادية، بل آليات لإدامة الهيمنة عبر القوة والرصاص أولًا، ثم عبر الطباشير والسبورة لاحقًا، أي عبر التعليم واللغة والمؤسسات الثقافية. فقد راهنت القوى الاستعمارية – منذ مؤتمر برلين عام 1885 – على وضع مبادئ عامة لتوزيع المستعمرات وتبادل المصالح، لكنها في العمق كانت تؤسس لـ "العقد الاستعماري" الذي يشرعن الاستحواذ على الثروات واستعباد السكان تحت ذريعة التمدين والتحديث.

يقترن هذا العقد الاستعماري بـ العقد الاجتماعي الذي صُوِّر وكأنه يعكس الذهنية الغربية وحدها، بينما تُركت الشعوب المستعمَرة في "الحالة الطبيعية"، وكأنها خارج التاريخ. هذا التصور رسّخ في المخيال الغربي أن الديمقراطية والتمدن حكران على الغرب، بينما تُعتبر في المجتمعات الأخرى مجرد ألفاظ طائشة تحتاج إلى قرون لتترسخ. وهنا يبرز ما يسميه الداهي بـ المفارقة الزمنية (Anachronism)، أي وضع المجتمعات المستعمَرة في موقع متأخر زمنيًا، وكأنها تسير دومًا خلف الغرب. هذه المفارقة تستدعي اليوم زحزحة المركزية الغربية، وتبني نماذج بديلة للتنمية والنهضة، والإيمان بدور المثقف التنويري في تسريع الزمن التاريخي وتحقيق الطفرات، كما أشار عبد الله العروي في كتابه "العرب والفكر التاريخي".

أما العقد العرقي، فقد كرس دوام الهيمنة البيضاء والتفوق الأوروبي على أساس العرق والبشرة، بينما عمل العقد السردي على تثبيت سرديات الإمبراطورية وصناعة الشرق وأسطرته، بما يجعل الأدب نفسه أداة لإعادة إنتاج الهيمنة. هذه العقود الثلاثة تتداخل لتشكل شبكة معقدة من السيطرة، وهو ما يسعى الداهي إلى تفكيكه عبر قراءة معمقة للنصوص التي واجهت هذه العقود أو أعادت إنتاجها، ليكشف كيف يمكن للسرد أن يكون في الوقت نفسه أداة للهيمنة وأداة للمقاومة.

تضميد الجراح الرمزية

إنّ الحديث عن تضميد الجراح الرمزية لا يقتصر على معالجة آثار الماضي، بل يتطلب إعادة النظر في بنية النظام العالمي الجديد برمّته، بما يضمن إقامة ما يمكن تسميته بـ "النسيان المؤسسي" و"السلم المستدام". فالمصالحة الحقيقية لا تتحقق إلا بإنصاف الشعوب التي عانت من الاستعمار أو ما تزال ترزح تحت أشكاله الجديدة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني الذي يتعرض يوميًا لأبشع صور الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. إنّ تضميد الجراح هنا يعني إعادة الاعتبار للضحايا، وتفكيك آليات العنف الرمزي والمادي التي كرّست التبعية والهيمنة.

يتطلب هذا المسار أيضًا تنقية اللغة من الألفاظ الجارحة التي تعيد إنتاج صور التحقير، والحد من توظيف الذاكرة بشكل أيديولوجي انتقائي يركّز على أحداث بعينها ويطمس أخرى، بما يحوّلها إلى أداة للهيمنة بدل أن تكون وسيلة للتعلم والعبرة. فالتضميد لا يتحقق إلا عبر إصدار العفو عن معتقلي الرأي، وإنصاف المظلومين الذين زُجّ بهم في السجون دون محاكمة عادلة، ومنحهم الحق في الدفاع عن أنفسهم. كما يقتضي تجاوز كل ما يعيد إحياء المآسي ويثير الخصومات بين البشر، لصالح بناء ذاكرة مشتركة تقوم على الاعتراف المتبادل لا على التناحر.

ليست الغاية من استحضار الجراح إذن مجرد إطراء الذات أو تقريع الآخر، بل استلهام الدروس التي تساعد على إدامة السلم والمحبة والتفاهم بين الناس، وتحفيزهم على نبذ العنف والكراهية. فالأدب والنقد، في هذا السياق، يتحولان إلى أدوات تربوية وإنسانية، تسعى إلى إعادة بناء العلاقات بين الأفراد والجماعات على أسس جديدة من الاحترام والاعتراف.

وفي السياق نفسه، يصبح من الضروري ترسيخ المصالحة التاريخية بين مختلف الأجناس والثقافات، بما يعزز القيم النبيلة التي تؤسس للوئام الإنساني. هذه المصالحة لا تقوم على الانتماءات العرقية أو الدينية أو الجغرافية، بل على مردود المواطن وفاعليته في مجتمعه، وعلى مؤهلاته وقدراته التي ينبغي أن تكون معيارًا وحيدًا للتقدير. بهذا المعنى، يتحول تضميد الجراح الرمزية إلى مشروع حضاري شامل، يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الذات والآخر، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين الماضي والمستقبل، في أفق إنساني يتجاوز الحدود الضيقة نحو بناء عالم أكثر عدلًا وتوازنًا.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

الهوية، الابوية، كتابة الجسد"

إلى روح الصديقة زبيدة الورياغلي.. الكتابة النسوية بوصفها مقاومة للبطرياركية

في زمن تتكاثر فيه الأسئلة المرتبطة بالهوية والحرية وتمثلات السلطة داخل المجتمعات العربية، يبرز كتاب الكاتبة والباحثة المغربية المقيمة في اسكتلندا، فاطمة واياو، باعتباره مشروعاً فكرياً ونقدياً يتجاوز حدود القراءة الأدبية التقليدية نحو مساءلة البنيات الثقافية العميقة التي تؤطر الوعي الجمعي العربي، وفي مقدمتها البنية البطريركية التي ما تزال تتحكم في تمثلات المرأة والجسد والحرية.

لا يقدّم هذا العمل مقاربة عابرة لقضايا المرأة، ولا يكتفي بتوصيف مظاهر الهيمنة الذكورية داخل الخطاب الثقافي العربي، بل ينخرط في تفكيك آليات اشتغال هذا الوعي السلطوي، عبر قراءة دقيقة للخطاب الإبداعي النسائي بوصفه فضاءً للمقاومة الرمزية وإعادة تشكيل الذات. ومن هنا تكمن القيمة المعرفية الأساسية لهذا الكتاب؛ إذ يضع الإبداع النسوي في قلب معركة الوعي، لا باعتباره ممارسة جمالية فقط، وإنما باعتباره فعلاً نقدياً وتحررياً يسعى إلى زحزحة أنظمة الهيمنة وإعادة تعريف موقع المرأة داخل المجتمع والتاريخ واللغة.

تتحرك فاطمة واياو داخل هذا المشروع من موقع الباحثة المنخرطة وجودياً في القضايا التي تدرسها. فهي لا تنظر إلى قضايا المرأة من مسافة نظرية باردة، بل من خلال تجربة فكرية وإنسانية تشكلت عبر سنوات طويلة من الاشتغال الصحافي والمدني والثقافي، ثم تعمقت أكثر مع تجربة الهجرة والإقامة في أوروبا. ولعل هذه التجربة الأخيرة منحت رؤيتها أفقاً مقارناً أكثر اتساعاً، جعلها أكثر حساسية تجاه الفوارق الثقافية وأنماط تمثل الحرية والاختلاف داخل المجتمعات الحديثة.

إن تجربة المنفى، كما يكشف الكتاب، ليست مجرد انتقال جغرافي، بل تحوّل في الوعي ذاته. فمن خلال تماس الذات المهاجرة مع سياقات ثقافية أخرى، تتولد أسئلة جديدة حول الهوية والانتماء والجسد واللغة والحرية. ولهذا تكتسب الكتابة النسوية لدى المرأة العربية المهاجرة بعداً مضاعفاً؛ فهي كتابة تواجه سلطة المجتمع الأصلي من جهة، وتعيش في الآن نفسه قلق الاغتراب والتشظي داخل مجتمع جديد من جهة أخرى. وهنا ينجح الكتاب في إبراز هذا التعقيد الوجودي الذي تعيشه المرأة المهاجرة، باعتبارها ذاتاً معلقة بين ثقافتين، ووعيين، ومنظومتين من القيم والتمثلات.

ومن أبرز ما يميز هذا العمل انفتاحه المنهجي وتحرره من الانغلاق النظري. فالكاتبة لا تجعل نفسها أسيرة مقاربة واحدة، بل تستثمر أدوات متعددة من النقد النسوي والدراسات الثقافية وتحليل الخطاب، في محاولة لتشريح البنية العميقة للعقل البطريركي العربي. وهي بذلك تقدم نموذجاً للبحث النقدي الذي لا يكتفي بتوصيف الظواهر، بل يسعى إلى مساءلة جذورها التاريخية والثقافية والرمزية.

كما يلفت الكتاب الانتباه إلى قضية بالغة الأهمية، تتمثل في العلاقة بين اللغة والسلطة. فاللغة، وفق هذا التصور، ليست أداة محايدة، بل حاملة لآثار الهيمنة الذكورية ومكرسة أحياناً لمنطق الإقصاء والتشييء. لذلك يصبح تحرير اللغة جزءاً من مشروع تحرير الذات النسوية ذاتها. ومن هنا تبرز الكتابة النسوية باعتبارها فعلاً لإعادة امتلاك الصوت والسرد والهوية، ومحاولة لتأسيس أفق جديد للوجود الأنثوي خارج القوالب الجاهزة التي فرضتها الثقافة الأبوية عبر قرون.

إن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في موضوعه، بل أيضاً في توقيته الثقافي والفكري. فالمجتمعات العربية اليوم في حاجة ماسة إلى مثل هذه الأعمال التي تفتح النقاش حول أزمة الوعي البطريركي، وحول ضرورة إعادة التفكير في العلاقة بين الجنسين، وفي موقع المرأة داخل الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي. كما أن هذا العمل يكتسب أهمية خاصة لأنه ينطلق من الإبداع بوصفه مرآة دقيقة لتحولات المجتمع وللتوترات العميقة التي تسكنه.

لقد استطاعت فاطمة واياو أن تقدم، عبر هذا المشروع، قراءة نقدية عميقة للخطاب الإبداعي النسائي، وأن تفتح أفقاً معرفياً رحباً لفهم العلاقة المعقدة بين الإبداع والسلطة والهوية. وهو ما يجعل هذا الكتاب إضافة نوعية إلى حقل النقد الثقافي والدراسات النسوية العربية، ومساهمة جادة في معركة الوعي ضد أشكال التكلس الفكري والهيمنة الرمزية.

إنه كتاب لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يدفع القارئ إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات الثقافية الراسخة، ويؤكد أن الكتابة النسوية ليست هامشاً في الثقافة العربية، بل واحدة من أكثر القوى الفكرية قدرة على خلخلة البنى المغلقة وفتح أفق جديد للحرية والمعنى.

***

بقلم د. خالد سليكي

................

* صدر الكتاب عن منشورات سليكي أخوين بطنجة 2026

ينفتح سؤال الذاكرة على مدى متزايد الاتساع من المفاهيم والآفاق؛ فهو لا يقف عند حدود التذكر بوصفه استعادة للماضي، بل يتشابك مع منظومة كاملة من المفاهيم المؤسسة للوجود الإنساني: الهوية، واللغة، والزمن، والمكان، والتاريخ، والسرد، والخيال، والمعرفة، والنسيان، والحنين، والندم، والحضور والغياب. فالذاكرة ليست مخزناً للأحداث فحسب، بل هي الفضاء الذي تتشكل فيه الذات وتعيد عبره إنتاج علاقتها بالعالم وفي عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، لم تعد الذاكرة مرتبطة بالجسد البشري وحده، بل امتدت إلى الأرشفة الرقمية والبيانات الضخمة وأنظمة الحفظ الذكية. غير أن هذا التحول لا يلغي الوظيفة الوجودية القديمة للذاكرة، بل يعيد طرحها بصورة أكثر تعقيداً. فمنذ أقدم الحضارات سعى الإنسان إلى مقاومة الفناء عبر بناء أشكال مختلفة من الذاكرة. ويمكن النظر إلى تحنيط الجسد في الحضارة المصرية القديمة بوصفه محاولة لإبقاء الذات حاضرة بعد الموت، فالمومياء ليست جسداً ميتاً فحسب، بل مستودعاً للهوية ووعاءً للذاكرة الطقسية والدينية. وكذلك الأهرامات لم تكن مجرد مقابر ملكية، بل تعبيراً مادياً هائلاً عن الرغبة في البقاء الرمزي والانتصار على النسيان.

وعلى الرغم من طابعها الفردي والوجودي إلا إن الذاكرة بوصفها تجربة الذات الفاعلة هي ظاهرة جمعية تخضع لشروط المجتمع والثقافة والسلطة. فلا وجود لذاكرة فردية خالصة؛ إذ يولد الإنسان داخل شبكة من العلاقات واللغات والرموز والتقاليد والسرديات السابقة عليه. نحن لا نأتي إلى العالم فرادى كما تنبت النباتات الشوكية في الصحراء، بل كما تُغرس الشتلات في تربة مهيأة ومعدة سلفاً، تحمل في أعماقها شروط النمو وإمكانات الثمر. ولهذا فإن ما نسميه ذاكرتنا الشخصية ليس سوى طبقة من طبقات أعمق تشكلها ذاكرة العائلة والجماعة والتاريخ.

وبهذا المعنى نفهم ميشيل فوكو حين نظر إلى الذاكرة بوصفها نتاجاً للخطابات والمؤسسات وآليات السلطة التي تقول دون أن تتكلم! . فالسلطة لا تكتفي بإدارة الحاضر، بل تسعى إلى إدارة الماضي أيضاً، فتقرر ما ينبغي تذكره وما ينبغي نسيانه. إنها تصنع أرشيفها الخاص، وتنتج سردياتها الرسمية، وتفرض عبر التعليم والإعلام والمؤسسات أنماطاً معينة من التذكر الجماعي. وهكذا تتحول الذاكرة من مساحة حرة إلى مجال للصراع الرمزي. بل إن الجسد نفسه يصبح، كما يرى فوكو، أرشيفاً للسلطة، تُحفر عليه آثار الانضباط والمراقبة والعقاب، فتغدو الذاكرة جزءاً من آليات الهيمنة وإعادة إنتاج الطاعة.

من الأفق الواسع لفهم الذاكرة يجعلنا نقترب بصورة أعمق من كتاب «زخيخة: الخيال وذاكرة المكان» للدكتور طه جزاع الذي عرفته في جامعة بغداد استاذنا للفلسفة ورئيس قسمها في كلية الآداب بجامعة بغداد، باب المعظم.

ومن محاسن الصدف أن تتاح لي قراءة زخيخة وانا بصدد التحضير لندوة منبر حوار التنوير عن الاستاذ مدني صالح فيلسوف العراق المتميز.

زخيخة ذكرتني بما كنت قد قراته في مقامات مدني صالح عن هيت الفراتية لم تكـن زخيخـة قرية عابرة في سرية الطفولـة، ولا ظاًل خفيفاً من ظالل المراهقـة، ولم تكـن محطة جغرافيـة أقمت فيهـا عاماً دراسـياً ثم غادرتهـا كما تغـادر الأمكنة بال التفات. كانـت، منـذ اللحظـة الأولى، عقـدة زمـن تكاثـف فيهـا العمـر، وموضعـاً اسـتقر في الذاكـرة قبـل أن أعـرف للذاكـرة اسماً ومعنـى. هنـاك، في أعـالي الفرات، وعلى بعد نحو خمسـة وعشريـن كيلومتراً من قضـاء هيـت، باتجـاه ناحية البغـدادي وقضـاء حديثـة، بـدأت أتعلم، مـن دون وعـي صريـح، أن المـكان لا يقـاس بالأميـال، بل بما يزرعه في الداخـل مـن أثـر لا يُمحـى. كانـت الطبيعـة في تلـك القريـة تفتـح في روحـي بابـاً خفيـاً نحـو الجمال، وتوقـظ في نفسي ذلـك الانفعـال العميـق الـذي يهبـط عىل القلـب فجـأة كنعمـة. وكنـت وأنـا في تلك السـن، أتلقـى دهشـتي الأولى من العالم عبر تفاصيل صغرية بدت لي يومهـا كأنهـا سر الوجود كله، صفـاء الماء في السـواقي، صعود النخيل" (ينظر، طه جزاع، زخيخة_الخيال_وذاكرة_المكان، 2026) من هنا يمكن لنا الاطلال على الراحل العظيم الذي حمل مدينته هيت في قلبه وعقله اينما حل وارتحل، رغم أنه ابا أن يلقب بها كما درجت عادات العرب عبر الأزمنة "كان مدني صالح يرفض أن يلقب ب(الهيتي) ويأنف من هذه التسميات والالقاب التي تكرس سياسة التميز وتزيد التفرقة وتثير الضغينة، وفي راي أخر يرى أن رفض الأستاذ مدني صالح للقب الهيتي ليس لأنه يأنف من التسمية والتلقب بمدينته هيت لكنه كان له لقبا عائليا مسجلا في بطاقته الشخصية ودوائر الاحوال المدنية لم يرد أن يلقب به ولم يرد أن يتركه ويلقب بالهيتيلانه لقب عائلته المثبت في السجلات الرسمية، ولقد سئل يوما من أنت؟ فأجاب أني ابن مدينة طلي من قيرها سفينة نوح" (ينظر، ناجح فلاح الهيتي، الفيلسوف مدني صالح ومدينته الفاضلة، موقع إيلاف، 22 يناير2008) عرفت هيت ونواعيها من الأستاذ مدني صالح رغم أنه لم يحدثني كثيرا عنها ولكنني بعد ملازمته والاستماع اليه دفعني الفضول إلى معرفة كل ما يتصل بحياته. في البدء كان الحب وكان الفرات ومن المياه الاولى انبثقت هيت ومن شواطئها السخيةصدرت الموجودات وجرى على أرضها نهر الجنة ومن هيت لا من غيرها حملوا (هٌبل) وسارت به وبالهوى الإبل، ومن هذه المدينة لا غيرها خرج البناة الذين شادوا الاهرامات في مصر والسور العظيم في الصين والبرج البابلي المعلق في العراق وقيل إنها قامت وازدهرت قبل أن يكون أحد من السومريين في الوجود؛ نقلوا منها الطابوق والحجارة والأكار والجص وجذوع النخيل. وأن المعماريين قد سافروا منها الى (اريدو) فتفضلوا على أهلها وعلموهم بناء الزقورات أنها مدينة الحب، لا قاتل ولا مقتول، الا قتيل الهوى في اسفار العشاق الفقراء"( ينظر، هادي نعمان الهيتي، مدني صالح بأقلام مصنفيه، الناقد العراقي، 19/8/2015). وفي ذات السياق يذهبناجح فليح الهيتي إلى أن مدينة هيت هي مدينته الفاضلة التي ذكرها في كثيرمما كتب وأن هيت كانت معه اينما حل واينما رحل وقد كتب مفضلا اياها عن بغداد على لندن وباريس وغيرها من المدن الاخرى، فكتب عن معلميه فيها وسماهم الأعمدة السبعة مع ثامنهم مرشدهم وكتب عن نسائها ورجالها وذكر بساتينها وقراها واستعمل لهجة أهلها والفاظهم في كتاباته حتى في كتبه التي الفها للأطفالوالجدات والحكايات والاساطير.. لقد كانت هيت في قلبه دائما يقضي فيها جميع العطل الدراسية حتى سنة زواجه في 1972 وسفره الى الجزائر منتدبا للتدريس في جامعتها وكان كثير التردد على المدينة بعد رجوعه وقد ابقى السجل المدني له ولعائلته بعد زواجه في هيت ولم ينقله الى بغداد بعد استقراره الدائم فيها، أنها هيت (الرحيق) الذي يغذي قلبه.نفسه،عقله ووجدانه فذاكرته المتقدة دوماً.

وهكذا جاءت زخيخة لتضئ تلك الذكريات وتمنحها تغذية جديدة فالكتاب، وإن بدا للوهلة الأولى سيرة مكانية لقرية صغيرة على ضفاف الفرات، إلا أنه في جوهره تأمل فلسفي وجمالي في معنى الذاكرة ودورها في تشكيل الهوية. إنه لا يكتب قرية بقدر ما يكتب العلاقة المعقدة بين الإنسان ومكانه الأول، بين التجربة الحسية الأولى والصورة التي تظل حية في أعماق الوعي حتى بعد غياب المكان ذاته فزخيخة لا تظهر هنا باعتبارها نقطة جغرافية على الخريطة، بل باعتبارها صورة مكانية مؤسسة للذات. هي المكان الذي سبق اللغة، والذي تشكل فيه الإدراك الأول للعالم، فصار مرجعاً خفياً تقاس عليه الأمكنة اللاحقة جميعها. " الاسـم نفسـه، زخيخـة، ظـل طويلا محتفظـاً بوقعـه الصـوتي قبل معنـاه. ليـس الاسـم هنـا علامـة لغويـة فحسـب، بـل نغمـة. بعـض الأمكنـة تسـكننا بأسمائها قبـل أن نسـكنها بأشـكالها. وحين يسـتعاد الاسـم لاحقـاً، يعود معه الإحسـاس الأول، لا الوصف. كأن الاسـم مفتـاح سري يفتـح بـاب الصـورة دفعـة واحدة"

واذا كان محمود درويش يقول إن الحنين وجع الذاكرة ف الكاتب هنا لا يقع في فخ النوستالجيا الساذجة أو الحنين الرثائي. بل يسعى إلى استعادة الماضي ليعيد فهمه. إنه لا يسعى إلى إعادة بناء القرية كما كانت، وإنما إلى اكتشاف الكيفية التي ظلت بها فاعلة في أعماقه. ولذلك تبدو زخيخة في النص أقل شبهاً بقرية واقعية وأكثر شبهاً ببنية تخييلية تستمر في تشكيل الرؤية إلى العالم " لا أسـتعيد زخيخـة بوصفهـا مكاناً مثاليـاً، ولا أضعهـا في مواجهة

الحـاضر بوصفهـا زمنـاً جمياًل ضائعاً. مـا يعنينـي هو أنها شـكلت، في تلـك السـنة القصرية، بنيـة خياليـة ظلـت تعمـل بصمـت. الصـورة الأولى لا تحتـاج إلى تكـرار كـي تبقى، لأنهـا لا تنتمي إلى الزمـن القابل" ( ينظر ، طه جزاع، زخيخة الخيال وذاكرة المكان ص25)

وتتجلى براعة الكاتب في قدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى صور ذات كثافة شعرية عالية. فالماء، والنخيل، والسواقي، وأسراب الزرازير، والغدير، والمدرسة النظامية، كلها تتحول إلى علامات دالة على تجربة جمالية أولى. إن المكان هنا لا يوصف بوصفه منظراً طبيعياً، بل بوصفه مصدراً للدهشة ومختبراً أولياً للحس الجمالي. ولهذا تكتسب اللغة طابعاً شعرياً واضحاً يجعل النص أقرب إلى التأمل السردي منه إلى الدراسة النقدية أو السيرة التقليدية. في وصفه للمدرسة النظامية التي أسست عام 1944م كتب:

" مـا يميـز المدرسـة عـن البيـت هـو أن البيـت يسـمح لنا أن ننسـى الزمـن، بينما المدرسـة تذكرنـا بـه باسـتمرار. الجـرس، بدايـة الحصة، نهايتهـا، الامتحـان، الانتظـار. الزمـن هنـا ليـس خلفيـة، بـل عنصراً فاعاًل. ومـن هنـا يبـدأ وعـي الطفل بـأن الحيـاة ليسـت مكانـاً فقط، بـل تنظيماً للوقـت داخل المـكان. وحني نغـادر المدرسـة، لا نغادرها حقـاً. تظـل صورتهـا الأولى كامنـة فينـا، وتعـود كلما واجهنـا نظامـاً جديـداً، أو سـلطة جديـدة، أو مكانـاً يطلـب منـا الامتثـال. المدرسـة الأولى تظـل نموذجـاً داخليـاً لكل مدرسـة لاحقة في الحيـاة، الجامعة"

أهمية استدعاء السياق الفلسفي في قراءة «زخيخة» ليس لأن كاتبها فيلسوفا فحسب بل في كونها تبدو تجسيداً حياً لكثير من تلك التصورات النظرية الفلسفية عن المكان والزمان والذاكرة . فالقرية ليست حدثاً في الماضي، بل بنية حية في الحاضر. وهي لا تعود بوصفها وقائع مؤرخة، بل بوصفها صوراً شعورية كثيفة. فالذاكرة هنا ليست أرشيفاً زمنياً، وإنما قوة تخييلية تعيد إنتاج العالم باستمرار. كتب طه جزاع:

" المـكان الأول لا يعلمنـا كيـف نعيـش فيـه فقـط ، بل يعلمنـا كيف ننظـر إلى الأمكنـة الأخـرى لاحقاً. من عـاش مكاناً مفتوحـاً، يصعب عليـه التكيـف مـع الأمكنـة الخانقة. ومـن عرف الأفـق مبكـراً، يبقى حساسـاً تجـاه الجـدران العاليـة. زخيخة، بهـذا المعنى، لم تكـن ذكرى، بـل معيـاراً داخليـاً. كل مـكان عرفتـه بعدهـا كان يُقـاس، مـن دون وعـي، على تلـك الصـورة الأولى.

لا أسـتعيد زخيخـة بوصفهـا مكاناً مثاليـاً، ولا أضعهـا في مواجهة الحـاضر بوصفهـا زمنـاً جميلاً ضائعاً. مـا يعنينـي هو أنها شـكلت، في تلـك السـنة القصرية، بنيـة خياليـة ظلـت تعمـل بصمـت. الصـورة الأولى لا تحتـاج إلى تكـرار كـي تبقى، لأنهـا لا تنتمي إلى الزمـن القابل للتلـف. إنهـا تقيـم في منطقة لا يطالهـا التغيري المباشر.

الطفـل الـذي جـاء إلى زخيخـة لم يكن يعـرف أنه سـيغادرها، ولم يكـن يحتـاج إلى هذا الوعـي. فالمكان، حني يُعاش ببراءة، لا يُشرتط فيـه الـدوام. يكفـي أن يُعـاش بعمـق. بعـض الأمكنـة لا تطلـب منا البقـاء، بـل تطلـب فقـط أن ترتك أثرهـا. وهـذا الأثـر هو مـا يبقى، لا المكان نفسـه"

وكما جعل باشلار من البيت المنزل أو تجارب الكينونة إذ تكمن قوة باشلار في أنه يعيد الاعتبار إلى أشياء ظلت طويلة خارج دائرة التفكير الفلسفي الجاد: البيت، الخزانة، الدرج، الزاوية، العلية، القبو، العش، القوقعة. وهي أشياء قد تبدو هامشية أمام القضايا الكبرى التي شغلت الفلاسفة من قبيل الحقيقة والوجود والمعرفة. غير أن باشلار يقلب هذا الترتيب رأسًا على عقب، ويجعل من هذه التفاصيل الصغيرة مداخل إلى فهم الإنسان نفسه. إنه يذكّرنا بأن الوجود لا يُختبر أولًا في المفاهيم المجردة، بل في تلك الأماكن التي احتضنت طفولتنا وأحلامنا ومخاوفنا الأولى وهكذا وجدنا طه جزاع وهو يبتدي بوصف بيت العائلة "

يقـع البيـت - المضيـف على ضفـة الفـرات، قريبـاً إلى المـاء بالقدر الـذي يسـمح لـه أن يـراه كل يـوم، لا بالقـدر الـذي يغامـر فيـه. هذه المسـافة الدقيقـة بني البيت والنهر ليسـت صدفـة، إنها حكمـة مكانية قديمـة. فالنهـر في الذاكـرة الريفيـة ليـس منظـراً جمالياً فقط، بـل قوة، صديقـاً حني يهـدأ، وعـدواً حني يغضـب. وبيت الجـد، كما يبدو في الصـورة، يعـرف هـذه الحقيقة جيـداً، يقـف قريبـاً من الفـرات، لكن بثبـات مـن لا يثق ثقـة عميـاء بالماء.

الجـدران سـميكة، النوافـذ طويلة، والفتحـات محسـوبة بيتـاً منفتحـاً عىل الخـارج، بل بيـت يحمـي الداخـل. في لغة باشالر، نحـن أمـام بيت يؤكـد وظيفة الحمايـة قبـل أي شيء آخـر. الداخل هنا ليـس مسـاحة هندسـية، بـل مجال أمـان. بيت الجـد لا يسـتقبل الضوء كلـه، ولا يسـمح للريـح أن تعبـث فيـه كما تشـاء. إنـه يختار مـا يدخل إليـه، تمامـاً كما كان الجـد يختار كلماتـه، ومواقفه، ومسـافاته مع الناس" ( ينظر ، طه جزاع، زخيخة الخيال وذاكرة المكان ص29)

وهكذا يتحول البيت من بناء معماري إلى رمز أخلاقي واجتماعي وروحي إذ لا يعود المضيف مكاناً للسكن أو الضيافة فقط، بل يصبح مركزاً للمعنى ومخزناً للقيم ومرآة لشخصية صاحبه. وهنا تتجسد إحدى أهم أفكار باشلار حول البيت بوصفه أول كون يعرفه الإنسان، وأول صورة للطمأنينة والانتماء.

ولا تخفى قدرة الكاتب على الربط بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية من خلال استعادة الوثائق والحكايات الشفوية والأساطير المحلية. فالقرية لا تُبنى بالحجر والطين وحدهما، بل تُبنى أيضاً بالقصص التي يرويها الناس عن أنفسهم. ومن خلال هذه القصص تتشكل هوية المكان وتستمر عبر الأجيال.

وحينما قرأت حادثة الغرق التي كادت تطفئ حياة الطفل طه جزاع في مياه الفرات احسست بالفزع إذ جاء "كنـت بينهم أطفالا لم أتجـاوز العـاشرة. فجأة بـدأت أغرق. كنـت أحاول يائسـاً أن أطلـق صرخـة اسـتغاثة كلما طفا رأسي لحظـة فوق الماء قبـل أن يغطس بينما ظل ثانيـة، كما يفعـل الغريـق عادة، غري أن الميـاه إنغلقـت عليَّ الآخـرون لاهين بضحكهـم وصخبهـم، لا يلتفتـون إلى أن جسـداً صغرياً كان ينسـحب إلى الأعماق بصمـت. لامسـت قـاع النهـر العميـق، حيـث الرمـل والحصى والحجـارة الصغرية، وأحاطنـي ضـوء ضبـابي مـن كل جانـب، كأننـي عدت إلى الرحـم الأول. إلى ذلـك »الداخـل« الـذي تحـدث عنـه باشالر حين يجعـل المـاء ذاكرة ثانيـة، وكوناً سريـاً يحتضننا ثـم يهددنـا في آنٍ واحد.

بـدأت أشـعر بالاختنـاق، واقتربـت مـن لحظـة انطفـاء النفـس، لولا أن يـداً إمتـدت إلّي فجـأة، وانتشـلت جسـدي الصغير بقـوة مـن فـم الغـرق. كانت يد أخي الأوسـط فرحـان . افتقدني، فـراح يضرب الماء بقدميـه يمنـةً ويسرة، حتى تعثـر بجسـدي في عمق النهر، فأمسـك بي ورفعنـي، ثـم ركـض بي إلى الجـرف، يهـزّني بعنف كـي تخـرج المياه من جـوفي، فأعـود شـيئاً فشـيئاً إلى التنفـس والحياة. ومنـذ ذلـك اليـوم لم تعـد الميـاه في مخيلتـي مجـرد مـاء، صـارت ذاكـرة تلاحقنـي، وصـار النهـر يعـود إلّي في جواثيم النوم لسـنوات طويلـة، كأنـه لم يكتـف بمحاولة ابتلاعـي مرة، بـل أراد أن يحتفظ بي في أعماقـه إلى الأبـد"

وربما تكمن القيمة الكبرى للكتاب في أنه يحرر المكان من حدود الجغرافيا ليجعله جزءاً من التكوين الداخلي للإنسان. فزخيخة ليست زخيخة وحدها، بل هي رمز لكل مكان أول يسكننا مهما ابتعدنا عنه. وكل قارئ يستطيع أن يعثر فيها على قريته أو مدينته أو بيته الأول، لأن الكتاب يتجاوز خصوصية التجربة ليصل إلى بعدها الإنساني العام.

في النهاية، يمكن القول إن «زخيخة: الخيال وذاكرة المكان» ليس كتاباً عن قرية عراقية فحسب، بل هو كتاب عن الذاكرة بوصفها مصيراً إنسانياً، وعن المكان بوصفه شكلاً من أشكال الهوية. إنه نص تتجاور فيه الفلسفة مع السرد، والتأمل مع الحكاية، والحنين مع النقد، ليقدم تجربة جمالية ناضجة تؤكد أن الأمكنة لا تغادرنا حين نغادرها، بل تظل تسكننا بصمت، وتواصل تشكيل رؤيتنا إلى العالم حتى آخر العمر.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

كتاب تأسيسي توثيقي

إنه واحد من الكتب التي حظيت بشرف أن تُهدى لي نسخة منها خلال مروري ببغداد خلال الشهر الجاري، ووجدت أن من دواعي الامتنان أن أكتب تعريفاً به. هو كتاب توثيقي بعنوان "شعب الخيام - شهادات من واقع احتجاجات تشرين العراقية"، يحمل اسم الشاب النجفي علي الخطيب كمؤلف أو كمحرر، يعاونه فريق تحرير من ثمانية شبان وشابات مُكلَّف بإجراء التحقيقيات واللقاءات.

تخبرنا فقرة في بداية الكتاب أن هذا الفريق أجرى أكثر من 250 مقابلة مع الضحايا جرحى أو ذويهم أو مع أفراد من عوائل الشهداء. وتمت مقاطعة المعلومات التي جمعت خلال المقابلات بمعلومات مع أشخاص آخرين شاركوا فعليا في الاحتجاجات للتأكد من صحة المعلومات والقصص المُدلى بها. كما تمت مراجعة القصص من قبل خبراء في القانون العراقي.

يكتسب هذا النوع من التأليف التوثيقي أهميته الكبرى والخاصة في ما يتعلق بانتفاضة تشرين 2019 لكون هذه الانتفاضة، وخصوصا في طورها الأول، كانت عفوية تماما وبالتالي استقلالية ووطنية ونقية سياسيا وأمنيا بشهادة حتى أعدائها في الحكم. ومن هؤلاء عادل عبد المهدي الذي تولت حكومته قمع الانتفاضة فقد اعترف بذلك واعتبر القتلى فيها شهداء يجب تمجيدهم وتعويض أسرهم وأن مطالبهم مشروعة ومحقة وواجبة التلبية. وثانيا من كون هذه الانتفاضة بقيت وحيدة معزولة دوليا لا أحد يدافع عنها وخصوصا من دول "النفاق الديموقراطي الغربي" وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي كانت ستقلب الدنيا على رؤوس الحكام الذين قتلوا ونكلوا بالمئات من المتظاهرين السلميين لو أن الأمر حدث في دولة أخرى خارج نطاق هيمنتها وسيطرتها المباشرة. وحتى بعد أن استعمل بعض الساسة المستجدين الانتهازيين الانتفاضة سلما للوصل إلى البرلمان أو دواليب الحكم فتعرضت للتشويه والغدر من قبل عديمي الضمير هؤلاء. وتزداد هذه الأهمية التوثيقية لناحية تمجيد شهداء وضحايا الانتفاضة وتوثيق وتسجيل أسمائهم وأفعالهم البطولية ونقل تفاصيل هذه التضحيات بتوقير يليق بها إلى لأجيال القادمة خصوصا وأن هناك سعياً محموماً من الرجعيين في حكم الفساد والتبعية لإطفاء أي ذكر للانتفاضة ودفن بطولات شبابها وجعلها نسيا منسيا بل وبلغت الخسة ببعض مرتزقة أحزاب ومليشيات الفساد الاعتداء على قبور شهداء الانتفاضة وتدنيسها كما فعلوا مع ضريح الشهيد صفاء السراي أحد رموز الانتفاضة الذي يبدو أنه أقض مضاجعهم حتى وهو ميت في قبره.

نقاط ضعف ونقاط قوة:

إنه كتاب مهم، رغم ما قد يقال عن نقاط ضعفه، وهي عديدة لجدة هذه التجربة التأليفية التي لا سابق لها في العراق. وآمل أن يتم تلافي هذه النقاط في طبعة قادمة واسعة ورسمية ومعترف بها فمن الواضح أن الشباب الذين كانوا وراء إصداء الكتاب اعتمدوا على جهودهم الشخصية في تأليفه وطبعه وترويجه وتوزيعه باليد.

إن تركيز الكتاب على ضحايا ونشاطات الانتفاضة في محافظة النجف مع بعض الإضاءات الشحيحة على ساحات الانتفاضة في المحافظات الأخرى وخصوصا التي كانت لها حصة الأسد في التضحيات كمحافظة ذي قار ومركزها مدينة الناصرية أحصن وآخر قلاع الانتفاضة التشرينية، مردّهُ على الأرجح أن المؤلف وفريقه، كلهم من هذه محافظة "النجف" التي أبدى شبابها بطولات نادرة ومشهودة. وعلى ذلك فلا بأس في أن يقتدي بهم شباب المحافظات الأخرى فيقدموا كتباً توثيقية مماثلة عن الشهداء والجرحى والضحايا في ساحات الانتفاضة في محافظاتهم مع وجوب اعتماد أقصى درجات الحذر في التعاطي مع غالبية منظمات المجتمع المدني وخصوصا تلك التي لا تتصف بالشفافية والعلنية في منطلقاتها وتمويلها أو التي تمولها جهات غربية وأخرى مجهولة صراحة وخصوصا في الإقليم. وحين نقول إنَّ غالبية منظمات المجتمع المدني مشبوهة ومشكوك في أمرها وطنيا واستقلاليا فهذا يعني أن هناك أقلية منها نظيفة وتعتمد التمويل الذاتي الشفاف ويقودها شباب وطنيون استقلاليون لا يساومون على مبادئهم.

يقع الكتاب الذي بين أيدينا في 311 صفحة من القطع المتوسط. ويتوزع بعد مقدمة تعريفية على مئات الشهادات المكتوبة بمشاعر إنسانية جياشة مفعمة بالوعي الوطني الاستقلالي غالبا رغم أن الكتاب لم يتطرق بكثير من الإسهاب لحيثيات ودوافع ومسببات ومآلات الحركة الاحتجاجية الشبابية تشرين 2019. وربما كان من المفيد لو أن الكتاب تطرق وبشكل عام ومبسط وأكثر تفصيلا لهذه الأمور ولم يكتف بالإشارة اللماحة إليها في مقدمة الكتاب، ولكن يبدو أن النية كانت منذ البداية موجهة لجعل الكتاب خاصا بتقديم شهادات الضحايا وذويهم وليس بأي شأن فكري أو سياسي آخر.

ومع كل الحذر التأليفي والحرص على ضمان الدقة في المعلومة يسجل المؤلف وفريقه أن " الروايات - على الرغم من قصارى الجهود لضمان دقة المعلومات- قد تعكس وجهات نظر وتفسيرات شخصية تختلف من شخص إلى آخر/ ص9" ويمكن اعتبار هذه الإضاءات من نقاط قوة الكتاب.

عشية تشرين:

بعد مقدمة الكتاب التي تعرض بابتسار دوافع إصدار هذه الشهادات ومنها تسليط الضوء على موضوع "العدالة الانتقالية في العراق ولاسيما شقها الخاص بتخليد الذكرى وجبر الضرر لضحايا احتجاجات تشرين2019 في العراق وذويهم". وفي المقدمة أيضا يتطرق كاتب المقدمة إلى الواقع الاجتماعي المعيش عشية انتفاضة تشرين فيقول: "كل الظروف المحيطة كانت تزيد من نقمة الناس بالضد من النظام السياسي برمته، فالمحاصصة الطائفية التي أُسس لها في كل تفصيلة صغيرة وكبيرة قد قضت أو قننت كل فرص التغيير في العراق، وانعدام العدالة المجتمعية، وغياب دولة القانون والمؤسسات، وتأسيس وتأصيل للهويات الفرعية الأخرى على حساب الهوية الوطنية الجامعة لكل المكونات العراقية المتنوعة/ ص12". ومعلوم لمن يتابع الشأن العراقي أن هذه اللغة الشجاعة التي تسلط الضوء النقدي على موضوع الهويات الفرعية "الطائفية والقبلية والعرقية" وتدافع عن الهوية الوطنية العراقية شبه مهجورة من قبل القوى والأحزاب الفاسدة والانتهازية الفاشلة في الحكم وفي المعارضة الشكلية على حد سواء، وخصوصا تلك القوى والأحزاب التي ساهمت في تأسيس العملية السياسية الطائفية في العراق بغض النظر عن الرايات الأيديولوجية التي ترفعها زوراً.

لا يمكن نكران أن هناك ظاهرة قمعية مدانة تمثلت في الخطف والاغتيال السياسي وقتل المتظاهرين السلميين واضطهادهم قبل وخلال وبعد انتفاضة تشرين 2019 من قبل مجموعات من المسلحين الملثمين والمليشيات الفاشية الفالتة ذات النفوذ ولكن هناك أيضا القمع الرسمي عبر المؤسسات الأمنية والعسكرية الحكومية التي تمثلها عدة أجهزة أمنية قمعية كقوات مكافحة الشغب، وقوات الرد السريع وجهاز مكافحة الإرهاب والشرطة المحلية والشرطة الاتحادية والشرطة المجتمعية وثلاثة أجهزة مخابرات وأخيرا قوات الحرس الرئاسي التي وجهت لها اتهامات قوية وكثيرة بالمشاركة الأقسى في قتل المتظاهرين اغتيالا ببنادق القنص بعيدة المدى. فهذا القمع الحكومي هو الأكثف والأشهر والأكثر قسوة وينبغي التركيز عليه مع عدم إهمال الأطراف المليشياوية الأخرى ومنح الأولية لوجوب التحقيق المستقل والشفاف في عمليات قتل وقمع المتظاهرين السلميين وترك الكلمة الأخيرة لما ينتهي إليه التحقيق القضائي العادل والمستقل في عهد نظام وطني استقلالي مأمول. وأعتقد أن تناول هذا الحيث بدقة وحرص ضروري جدا لكيلا نقع في حبائل المدافعين عن خيار التبعية لسردية الاحتلال الأميركي وأعوانه المحليين.

إن تحقيق العدالة لضحايا القمع الدموي لشهداء وعموم ضحايا الانتفاضة يبقى أولية الأولويات أمام أي نظام حكم وطني استقلالي يقوم على أنقاض حكم المحاصصة الطائفية والتبعية للولايات المتحدة ولكن ينبغي الحذر في التطرق إليه ومن المفيد فصله تماما عن مطالب أخرى مشبوهة كحصر السلاح بيد الدولة التي أصبحت الأغنية الأكثر رواجا في أيامنا - الدولة الممنوعة أميركيا من أن يكون لها جيش حقيقي أو من أن تتسلح حتى برادارات بدائية لحماية أجوائها والتحكم بسيادتها في سماء بلادها - هدفها جعل العراق مجردا من أي صوت وفعل يناهض الاحتلال الأميركي والتهديد الفعلي الإسرائيلي والذي بلغ درجة إقامة قواعد عسكرية سرية في صحراء النجف!

نماذج من الشهادات:

نبدأ سلسلة الشهادات التي يقدمها الكتاب بشهادة عن شهيد تشرين الشاعر الشاب صفاء السراي (26 عاما - بغداد) ودوره خلال الانتفاضة "كمتظاهر عادي ثم لعب أدوارا كبرى، كمدون وفاعل نقل أخبارها على المستوى المحلي والدولي/ ص 15". ونتابع في هذه الشهادة اللحظات التي استشهد فيها صفاء جراء إصابته بقنبلة غازية أطلقها عليه أحد أفراد القوات الأمنية من مسافة قريبة. ويصف لنا كاتب هذه الشهادة ردود فعل المتظاهرين السلميين القوية والغاضبة على استشهاده.

ننتقل بعدها مباشرة إلى حادثة اغتيال الأستاذة الجامعية الشابة رِهام يعقوب (30 عاما -البصرة) التي اغتيلت يوم 19 آب أغسطس 2020 برصاصات كاتم للصوت. وقد اعتقل الجاني واعترف بجريمته ولكن عائلة الشهيدة - كما يخبرنا كاتب الشهادة- "لم يُقْدِموا على رفع دعوى قضائية بحق الجهة المنفذة بسبب طبيعة الظروف الأمنية واكتفوا بأخذ الفصل العشائري من ذوي المتهم/ ص19".

شهادة أخرى عن الشهيد أمجد الدهامات (53 عاما -محافظة ميسان) وكان الشهيد الدهامات معروفا وقتها وقد كتبت عنه في يوم استشهاده بأنه "من أكثر رموز الانتفاضة اعتدالا ودعوة للسلام والتسامح ونبذ التطرف". ولكن مليشيات وأحزاب الفساد كان تتعقبه وتعتبره أخطر من المتشددين فكافأته على اعتداله بعدة رصاصات غادرة مساء يوم 6 تشرين الثاني 2019.

الشهادات كما آنفنا كثيرة، وتشكل مرآة نقية عاكسة لأجواء الانتفاضة السلمية العراقية ولمعاناة المنتفضين وآيات البطولة التي اجترحها الشهداء والجرحى وتمسكهم بقيم السلمية ونبذ العنف المجاني. ولكني واختصارا للوقت سوف أتوقف عند بعضها في الخلاصات التالية:

قصة الثائرَين العاشقَين سارة وحسين:

من القصص المؤثرة قصة الثنائي سارة (22 عاما –البصرة) وحسين (يقاربها في العمر ومن البصرة أيضا) اللذين تعرفا إلى بعضهما في تظاهرات احتجاجية قبل انتفاضة تشرين وذلك خلال تظاهرات سنة 2018 في البصرة المطالبة بالمياه الصالحة للشرب. وقد أحبا بعضهما وتزوجا ورزقا بطفلة وبسبب التهديدات بالتصفية غدرا الى تركيا مؤقتا وحين انطلقت انتفاضة تشرين عادا للمشاركة فيها بنشاط وكانت سارة حاملا بطفلها الثاني ولكن مجرمين ملثمين اقتحما شقتهما وقتلوا حسين بسبع رصاصات وطاردوا سارة ثم قتلوها بثلاث رصاص. يوم 3 تشرين الأول 2019 ولم يجر السلطات الحكومية أي تحقيق في هذه الجريمة ولم يتم كشف القتلة حتى اليوم وهكذا حصل الشهيدان حسين وسارة وجنينها على قبر لهما بعد أن فشلت الدولة العراقية في أن توفر لهما سكنا يليق بهما في حياتهما.

قتلوا الابن بالرصاص فمات الأب بالسكتة القلبية:

ومن الأسماء والقصص المثيرة قصة الشاب عمر فاضل من قضاء الزبير –البصرة. والشاب النجفي من عائلة كادحة حسين فاضل والذي ساهم في إنقاذ ونقل جرحى تظاهرة النجف الأولى قرب مرقد الحكيم، وقد أصيب بجروح خلالها ولكنه رفض الانسحاب حين شاهد مقتل عدد من زملائه برصاص المسلحين وظل في خيمة الاعتصام حتى اقتحمت مجموعة مسلحة الخيمة التي كان فيها وأطلقوا عليه خمس رصاصات فاستشهد على إثرها. الكارثة الأخرى التي حلت بعائلة الشهيد حسين أن والده حين سمع بخبر استشهاده توفي فورا بالسكتة القلبية وكانت ثالثة الأثافي كما يقال أن والدته أصيبت بمرض السكر المفاجئ والدائم بفعل الصدمة وماتزال تعيش عليلة تتنقل بين قبر ولدها وقبر زوجها وبيتها!

الشيخ الشهيد يعيد الاعتبار للمشيخة

الشيخ الشهيد سلام محمد الشمري (49 عاما – ذي قار) كان الشيخ سلام من الشخصيات البارزة في الحركات الاحتجاجية منذ سنة 2011 وفي انتفاضة تشرين تعاظم دوره ومساهمته معطيا المثال والقدوة للشيخ الأصيل الرافض لبيع ضميره للسلطات كما فعل ويفعل شيوخ عشائر آخرون. وخلال مجزرة جسر الزيتون التي ارتكبتها قوات الرد السريع الحكومية بحق الشبان المتظاهرين كانت مساهمة الشيخ سلام الأكبر في تنظيم عمليات جمع التبرع بالدم لجرحى الانتفاضة. وخلال تصدي الشباب للقوات الحكومية قرب بهو الناصرية كان معهم فأصيب برصاصة قناص حكومي في القلب استشهد على إثرها.

*وهناك أيضا قصة السيدة الشهيدة فائزة عبد الغفور (59 بغداد) التي شاركت في فعاليات الانتفاضة في بغداد كمسعفة للجرحى ولكنها أصيبت في الذكرى الأولى للانتفاضة بقنبلة حارقة فجأة والتهب جسدها ونقلت الى مستشفى الكندي ثم إلى مستشفى الكرامة ولكن حالتها ازدادت سوءا فتوفيت شهيدة مظلومة محترقة بقنبلة حكومية!

المتظاهر الحشدي شهيداً:

ونتوقف بمزيد من الاعتزاز عند قصة الشهيد المقاتل في الحشد الشعبي جاسم حسن الغراوي (24 عاما بغداد) وهذا الشاب من عائلة كادحة وهو نفسه عامل كادح تطوع للقتال في الحشد الشعبي ضد عصابات داعش وحين انطلقت الانتفاضة هرع الى المشاركة فيها وفي صباح يوم 23 تشرين الثاني 2019 ترصده قناص من قوات مكافحة الشغب وأصابه برصاصة قاتلة في رأسه جعلته في حالة موت سريري ليستشهد في اليوم التالي في مستشفى الجملة العصبية ببغداد.

شيعوه في التحرير فعاد إلى الحياة في المشرحة:

وثمة أيضا القصة العجيبة للشاب إبراهيم معاد (18 عاما بغداد) الذي كان قد أصيب في مجزرة جسر السنك ببغداد برصاصة قناص في عينه، ونقل إلى مركز صحي للعلاج فشخص الطبيب حالته كحالة وفاة ونقل جثمانه ملفوفا بالعلم العراقي إلى ساحة التحرير ليتم تشيعه ثم إلى مستشفى مدينة الطب ببغداد لتعرض على طبيب التشريح؛ وهنا حدثت المعجزة حيث عاد إبراهيم الى الحياة وبدأ قبله ينبض من جديد ببطء وضعف فتم أخذ الإجراءات الصحية العاجلة لإنعاش قلبه ودورته الدموية فبدأ العودة الى الحياة ببطء. ونجحت عملية انعاشه وأجريت له 12 عملية جراحية لاحقا لإنقاذه من موت محقق!

*القصص كثيرة وأفضل أن أتوقف عند قصة إبراهيم العراقي هذه والتي إنْ كان لها من دلالة عميقة فهي أن انتفاضة تشرين التي توقفت عمليا مع بدء انتشار جائحة كورونا وتفرق شمل ثوارها، ودخل إلى الميدان بعض السماسرة وشذاذ الآفاق السياسيين ليتاجروا بتضحياتها ورفع قمصان ضحاياها فهي ستبقى حية وستنبعث حية ذات يوم ولكن ليس كما ينبعث طائر الفينيق الأسطوري من الرماد بل كما انبعث جسد إبراهيم معاد العراقي وعاد إلى الحياة من الموت الذي أراده له أعداء العراق في حكم الفساد والهويات الفرعية الطائفية والتبعية.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

ثمّة قطاع واسع في الدراسات الدينيّة، لا يزال التعامل معه في الثقافة العربية ضمن أدوات المفاضَلة، والمناكَفة، والبكائيات، وما شابهها. وهي أدوات مضلِّلة ومشوِّهة لا تمتّ بصلة للدراسات العلمية للأديان. فهي عائدة إلى ضعف التكوين في حقل معرفي يقوم أساسا على فصل ما هو ذاتي عمّا هو موضوعي، وما هو لاهوتي عمّا هو علمي. حتى أنّ كتاباتنا حول اليهودية والمسيحية، على سبيل المثال، لا يُعتدّ بها في المدوَّنة العالمية ولا تلقى حظوة لضعف بنيتها المعرفية وارتباك منهجها. ما يجعلنا في هذه المساحة المتاحة من عرض المؤلفات الغربية نشير إلى الإنجازات المقدَّرة في مجالات الدراسات العلمية للأديان في اللسان الإيطالي. وقد آثرنا في هذه المقالة تناول كتاب على صلة بتاريخ المسيحية الفلسطينية تحديدا.

فبهذه الكلمات تستهلّ الباحثة الإيطالية باولا بيزّو كتابها "الصليب والكوفيّة.. تاريخ المسيحيّين العرب في فلسطين" "يبدو الصليب والكوفية رمزين متنافرين، أو لنقل الواحد على نقيض الآخر، في المخيال الغربي، بينما يفصح التاريخ عن تلاحم وثيق وحيّ، بين أرض فلسطين والإيمان المسيحي". فقد سكن المسيحيون العرب فلسطين ومنطقة الهلال الخصيب، منذ عهود المسيحية الأولى بدون انقطاع وإلى اليوم. في هذا المؤلّف تتتبّع الباحثة باولا بيزّو تاريخ أتباع المسيح (ع) في أرض فلسطين، من البدايات إلى وقائع التاريخ المعاصر، في مسعى لصياغة خلاصة جامعة.

توزّعَ البحث على ستّة محاور أساسية، غطّت مختلف أطوار التاريخ الفلسطيني وجاءت معنونَة على النحو الآتي: "بدايات التاريخ الأولى"، وذلك منذ ظهور المسيح (ع) إلى احتضان الإسلام هذا الدين، وانضمام المسيحيين إلى مكوَّن حضاري جامع؛ "المسيحيون والنهضة العربية"، تناول أبرز إسهامات الكتّاب والمفكرين الفلسطينيين في بلورة مشروع النهضة العربية؛ "الهوية الفلسطينية بين الدين والقومية"، وقد تركّز فيه الحديث على الطابع التعدديّ للهوية الفلسطينية وعلى دور المسيحيين إبان الانتداب البريطاني، فضلا عن مظاهر مقاومة المدّ الصهيوني في صفوف المسيحيين؛ "تأجّج أوضاع فلسطين"، تناول أحداث الثلاثينيات في القرن الماضي التي عصفت بفلسطين، حيث تعرّض للنشاط التبشيري الهائل وللهجمة الصهيونية الغاشمة ولمواقف مسيحيّي فلسطين وتجذّرهم في حركة المقاومة؛ "1948.. المسيحيون والنكبة"، ركّز بالأساس على أوضاع المسيحيين قبل النكبة وأثناءها، وأبرز ما حاق بهم من اجتثاث وما لحق بالمتبقّين منهم من تضييق وتنكيل؛ "تحديات المستقبل"، انشغل هذا المحور بما هزّ أوضاع المسيحيين من تحوّلات في الحقبة الراهنة، فضلا عن تعرّضه للنزيف المسيحي في ظلّ أوضاع الاحتلال، ثم عرّج البحث على علاقة المسيحيين بالكيان الإسرائيلي وبالسلطة الفلسطينية.

نشير إلى أنّ باولا بيزّو مؤلّفة الكتاب، هي مستعرِبة إيطالية ومؤرّخة تدرّس التاريخ المعاصر للبلدان الإسلامية في جامعة كييتي بِسْكارا في إيطاليا. وتدور مجمل أبحاثها حول العلاقات المسيحية الإسلامية في الشرق الأوسط. نذكر من بين أعمالها المنشورة "المسيحيون والمسلمون في مصر إزاء الطروحات القومية: 1882-1936" (2003) و"الإسلام في المتوسط.. اللقاء مع أوروبا وتحديات الحداثة" (2010).

تَركّز الاهتمامُ في المحور الأول على إبراز الترابط الوثيق بين المسيحيّ الفلسطيني وأرضه، حيث حاولت الباحثة بيان عمق الصلة بين المسيحي ومعلّمه. فقد وصفَ المسيحُ (ع) صحبَه الأوائل من سكنة فلسطين وما جاورها، أو لنقل بعبارة جغرافية قديمة من أهالي سوريا الكبرى، بقوله: "أنتم ملح الأرض... ونور العالم" (متّى5: 13-14). فقد خلعَ المسيح على شيعته ذلك الوصف قبل أن تتعبّأ الديانات داخل قوميات، وقبل أن تغدو عناوين جامدة وثابتة لشعوب وأقوام وأجناس وأعراق. ولعلّ ذلك هو المعنى الجوهري لرسالة الدين والتديّن المتخفِّف من تلك الحمولة القومية المفرَطة، والوارد في قوله تعالى: "ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا" (آل عمران، 67). لنتابع مع الباحثة باولا بيزّو رحلة البحث عمّا تبقى من ذلك الملح في كتاب "الصليب والكوفية" برغم سائر المحن التي ألمّت بأتباع الناصريّ. فالكتاب هو من الكتب الجادة والرصينة في دراسة واقع مسيحيّي فلسطين وتاريخ المنطقة، بعيدا عن نبرة التباكي الطاغية على مجمل كتابات العرب المعاصرين، كلّما تطرّقوا إلى موضوع المسيحيين في الراهن. وقد سبق أن حذّرنا من تداعياتها السلبية على فهم واقع المسيحية العربية وتلمّس حلولها في كتابنا "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم" (مجمع الأطرش- تونس، 2022)، لحرصنا على جعل حقل معارف المسيحية العربية مبحثا دراسيا علميا بعيدا عن غثاء القول الذي يحاصر كثيرا من الدراسات.

استطاعت الباحثة الإيطالية أن تقدّم خلاصة موثَّقة رصينة، عن واقع تجمّع ديني بات يتهدّده الذوبان، في ظلّ التحوّلات القاهرة. وترتئي أنّ حشر المسيحية والإسلام ضمن منظور قومي لائكي قد استنفد طاقته، وأنّ البراغماتية تستوجب البحث عن رابطة مواطَنية تقوم على المساواة والكرامة وتستند إلى خطة ديمقراطية للكيانات الهشّة، ودون الوقوع رهن ثنائية الأغلبية والأقلية. إذ أنّ الحديث عن الفلسطينيين المسيحيين بمنطق الأقلية هو أمرٌ غير مقبول وفاقد للصلاحية، من قِبل عموم الفاعلين الفلسطينيين، لِما في ذلك من تهوين وتحقير للدور المسيحيّ. فمنذ فترة العشرينيات من القرن الماضي، حين بدأ العرب يسلكون طريق التحرّر والاستقلال، ظهرت قيادات مسيحية في فلسطين ودول الجوار، تحمّلت الدور التفاوضي والتواصلي مع الغرب.

ومنذ سنوات الانتداب البريطاني الأولى، كانت الحركة الوطنية الفلسطينية منتظمة في جبهة موحَّدة، خلت من الطابع الديني، وذلك ضمن وفاق إسلامي مسيحي نادى بعروبة فلسطين في مواجهة المشروع الصهيوني. بدا ذلك التلاحم جليّا، حتى أنّ عائلة الغوري المقدسية المسيحية، كانت تعقد اجتماعات وجهاء المسيحيين في بيت الأسرة لصياغة النداءات الموجَّهة للمندوب البريطاني التي أعربت له فيها أنّ الجالية المسيحية لا تعترف برجل يتولّى منصب الإفتاء لفلسطين سوى للمرشَّح الحاج أمين الحسيني، وذلك أثناء حملة تنصيبه مفتيا (1921). وتشير الباحثة إلى أنّ عائلة الغوري، قد تَوزّعت نضالاتها الوطنية المبكّرة على عدّة جبهات. فقد وقف إميل الغوري (1907-1984) في وجه عمليات غَرْبنة المسيحية الشرقية من قِبل المبشّرين الأجانب، حتى وإن قَبل الأهالي، على مضض، بالخدمات المتاحة في المجال التعليمي والثقافي والاجتماعي.

وتبرز الباحثة باولا بيزّو أنّ تنبّه الشوام، بمسلميهم ومسيحييهم، إلى حملات التبشير الأولى كان حازما. فخلال العقود الأخيرة من الوجود العثماني في المنطقة الشامية، بات الأهالي يسعون للتعويل على أنفسهم أمام تفاقم الأنشطة التبشيرية. وأُقيمت للغرض جملة من المبادرات في أوساط المسلمين والمسيحيين بقصد صدّ تلك الحملات. ففي بيروت أنشأَ بطرس البستاني "المدرسة الوطنية" (1868)، وبعد عشر سنوات أنشأت "جمعية المقاصد الخيرية" مدارسها. وتمّ في طرابلس فتح "المدرسة الحميدية" (1895)، وفي حيفا أُنشئت "المدرسة الإسلامية" حيث درّس الشهيد عز الدين القسّام، وفي القدس بعثت بطرياركية الإغريق الأرثوذكس المدرسة الثانوية مار متري.

وتبعًا لِما أوردته الباحثة، كانت نظرة المسيحيين أو المسلمين الفلسطينيين لمرامي المبشِّرين الأجانب، في بداية القرن، بمثابة الانتهاك لثقافتهم الوطنية والتهديد لهويتهم الجامعة. وكانت التكتّلات المسيحية في لبنان وفلسطين، وكما هو الحال مع أقباط مصر، تحسّ أنها أقرب إلى شركائها المسلمين في الوطن منه إلى المبشّرين الأجانب الذين يقاسمونهم الإيمان بالمسيح.

لقد مرّ المسيحيون في فلسطين بأطوار ديمغرافية عدّة، تقلّبوا فيها من أوضاع الجماعة الفاعلة إلى أوضاع الأقلية المهجَّرة، لكن ما ميّز الفلسطينيين المسيحيين، منذ مطلع القرن الفائت، أنهم جالية حضرية أَلِفت سكنى المدن، مثل يافا وحيفا والقدس، وشكّلت الغالبية في رام الله وبيت لحم والناصرة. فقد كان 18 بالمئة فقط منهم من المزارعين، وفق إحصاء يعود إلى العام 1931.

وفي محور آخر، تتتبّعُ الباحثة آثار النكبة على المسيحيين الفلسطينيين. وتعود بالمصطلح إلى المؤرِّخ السوري المسيحيّ قسطنطين زريق الذي استخدمه لأوّل مرة، وذلك قبيل أحداث 1948. فعلى إثر حصول تلك الفاجعة وجدَ الفلسطينيون المتبقّون أنفسهم فجأة، بعد عمليات التهجير، بدون نخبة ثقافية، وبدون قيادة سياسية، وبدون وطن. هزّ التهجير الشرائح المدينية الوسطى والميسورة، من المسيحيين والمسلمين، على حدّ سواء. ووفق ما تورد الباحثة ترك فلسطين بين 700.000 و800.000 نفر، ولم يبق في ظلّ السيطرة الإسرائيلية سوى 160.000، مجملهم من الأوساط الريفية والبدو. وبشأن ما حاق بالمسيحيين، تروي الباحثة أنّ بن غوريون اتّخذ قرارات خاصة وحازمة لحماية معالم مدينة الناصرة، خشية ردّة فعل العالم المسيحي، وقال كلمته المحذرة "العالم يراقب أفعالنا!"، في الوقت الذي كان فيه الجيش الإسرائيلي، بقيادة موشي كرميل، يحاصر الناصرة ويتأهّب لاقتحام المدينة وطرد 16.000 ساكن من ضمنهم 10.000 مسيحيّ.

وما إن هدأت عمليات التهجير حتى شهدت الناصرة تضاعف عدد سكانها بشكل متسارع، بين 1948 و 1949، وتحوّلت إلى شبه ملجأ لعرب الداخل. ففي أواخر الانتداب كانت المدينة تَعدّ 18.000 ساكن ومع أول إحصاء إسرائيلي سنة 1949 بلغ العدد 30.000. وتشير بعض الدراسات التي أجريت خلال أواخر القرن الماضي أنّ عدد سكان المدينة ستون ألفًا، 70 بالمئة منهم مسلمون. وتشير الباحثة إلى أنّ عدد المسيحيين، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، قد ناهز 135.000 على عدد جملي 1.750.000 ساكن، ما يساوي 8.8 بالمئة من المجموع العام. كما تشير الباحثة إلى أنّ 7 بالمئة من لاجئيّ 48 كانوا من المسيحيين. وأنّ قرابة 140.000 من المسيحيين، كانوا يقيمون في فلسطين خلال العام 1948، أُجبر 50.000 منهم على الرحيل القسري، ما يعني الثلث تقريبا. وهو ما جعل عدد المسيحيين بعد النكبة يتراجع من 8 بالمئة إلى 2.8 بالمئة.

وتذهب بعض الدراسات التقديرية التي أجريت خلال الفترة الأخيرة، إلى أنّ أعداد المسيحيين كانت مرشّحة أن تبلغ 600.000، في غياب حصول النكبة، في مقابل ما هو موجود في الوقت الحالي 170.000. فهذا العدد يمثّل 28 بالمئة من المجموع العام للمسيحيين، أي من قرابة 600.000 من مسيحيي الشتات الموزَّعّين في شتى أرجاء العالم.

من جانب آخر تشير الإحصائيات الإسرائيلية التي تعود إلى العام 2019 إلى أنّ عدد عرب فلسطين 1.916.000، ويمثّلون 21 بالمئة من المجموع العام. ويبلغ عدد المسيحيين بين هؤلاء 177.000، أي بما يعادل 2 بالمئة من التعداد العام، وبما يساوي 7.2 بالمئة من تلك العربية مع استثناء الأجانب. هذا وقد سجّلت الكتلة المسيحية تزايدًا بـ 1.5 مقارنة بالعربية 1.7 بالمئة واليهودية 2.2 بالمئة. من جانب آخر ووفق الإحصاء الذي أُجري في أراضي السلطة الفلسطينية، خلال العام 2017، بلغ عدد المسيحيين 46.850 أغلبهم من الكاثوليك. ويقيم السواد الأعظم منهم في الضفة الغربية، وتحوز بيت لحم 23.165، ورام الله 10.255، والقدس 8558، وقطاع غزة ما يزيد عن الألف. نشير إلى أنّ 40 بالمئة من المسيحيين المقيمين في القطاع قد غادروا غزة، منذ العام 2008 وإلى غاية العام 2016.

وبشأن أوضاع كنائس الداخل، تورد الباحثة إنّ إسرائيل تعترف لبعض الجماعات المسيحية التي لها وجود يعود إلى الفترة العثمانية ببعض الحقوق، على غرار الأحكام الخاصة المتعلّقة بالأحوال الشخصية في تسوية أمور الزواج والطلاق والميراث. كما تتمتّع الكنيسة الإغريقية الأرثوذكسية، والكنيسة الأرمينية الأرثوذكسية، والكنيسة السريانية الأرثوذكسية، والكنيسة الكاثوليكية الرومانية، والكنيسة المارونية، والكنيسة الإغريقية الكاثوليكية (الملكانية)، والكنيسة السريانية الكاثوليكية، والكنيسة الأرمينية الكاثوليكية، والكنيسة الكلدانية، والكنيسة الأنغليكانية، ببعض الحقوق. وقد حاولت الكنيسة الإغريقية الأرثوذكسية الحفاظ على الوضع القائم، بما يضمن لها أفضلية أمام الكنائس الأخرى. لذلك حرصت على التعاون الجيد مع السلطات الإسرائيلية، وهو ما تواصل إلى أواسط الثمانينيات. وتشير الباحثة إلى إلحاح أتباع هذه الكنيسة، داخل فلسطين والأردن، على مراجعة أوضاع التسيير في هذه الكنيسة على أساس الانتخابات. كما تبقى الكنيسة الأرمينية المالك العقاري الأهمّ في المدينة القديمة.

تبرز الباحثة أنّ تراجع أعداد المسيحيين الفلسطينيين لا يمثّل تحدّيا للدول العربية وحدها، بل لسياسة التعايش الإسرائيلية أيضا. والمشكلة أنّ الجماعات اليهودية المتطرّفة، ليس المسيحيون فحسب من لا يلقون ترحيبا لديهم، بوصفهم "ضالين"، بل حتى المسلمين "الموحِّدين". وكما تُقدِّر الباحثة إن حلّ المسألة لا يقتصر على الاعتراف بحقوق المسيحي العربي، بل في خلق وفاق اجتماعي ثقافي من شأنه أن يغذّي الرغبة الجماعية في العيش معًا.

***

عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما، إيطاليا

.................

* باولا بيزّو، الصليب والكوفيّة.. تاريخ المسيحيّين العرب في فلسطين، منشورات ساليرنو، (روما).

* Paola Pizzo, La croce e la kefiah: Storia degli arabi cristiani in Palestina, Salerno Editrice, Salerno (Italy).

عندما يكتب الممثل المحترف

أهداني صديقي د. سعد عزيز عبد الصاحب كتاب والده الممثل والأديب عزيز عبد الصاحب الموسوم: (لا ترسم عصفورا ناقصا - من يوميات الممثل وعمله في التمارين) وضعت الكتاب ضمن جدول قراءاتي، ولكن سرعان ما اندفعت إلى قراءته بعد تصفحه، لأن المؤلف شغوف في ميدان الدراما، وكتبه من عمق تجربته الطويلة، وثمة مقاربة حيث المبدأ بين هذا الكتاب وبين الكتب التي تتناول نصائح وتوجيهات في إعداد وتدريب الممثل، تشكل دروسا في فن التمثيل التي تصنع وتطور الممثلين، إلى جانب رؤية في تقييم وتوجيه عمل المخرج مع الممثل، فضلا عن ملاحظات في أسلوب تفاعل المخرج مع نص المؤلف.

وقد أشار د. سعد عزيز في المقدمة التي كتبها إلى أن أهمية الكتاب تكمن في السبق الزمني، إذ يرى أن لهذه اليوميات المنشورة الريادة العراقية والعربية من حيث انها رصد دقيق وتحليل عميق لعمل الممثلين في تجارب عدد من أهم المخرجين.

يضم الكتاب ثمان مقالات/ دروس/ يوميات كتبت بين عام ١٩٧٢وعام ٢٠٠٦.  سيتم التركيز في عرض الكتاب على ما جاء فيه عن الممثل والتمثيل التي أميل إلى تسميتها دروسا يستفيد منها الممثل المبتدئ ويرجع إليها الممثل المحترف.

الدرس الاول: يوميات.. أشياء عن تاج الممثل، وملاحظات أخرى:

يمر العمل الفني -وينطبق الحال على- بناء الشخصية بمرحلة التجميع والتنمية وصولا إلى لحظة التقديم للجمهور، وإذا ما أراد الممثل عدم تكرار نفسه بملامحه الخاصة، توجب عليه يبدأ خلقاً جديدًا للشخصية. ويضع قاعدة رئيسية للانطلاق في الخلق هي: التركيز في لعب الشخصية والابتعاد عن كل ما يشتت الذهن. وأن لا يفرط في بالتمارين المسرحية، لان كل تمرين يعني اضافة واكتشاف جديد للممثل، ذلك "ان الابداع هو سلسلة الإضافات المتقدمة التي يحصل عليها الممثل من التمارين"ص١٥. وهذا يتطلب فهم ودراسة النص المسرحي بصورته العامة، مع التركيز على الشخصية المسندة إلى جانب استيعاب رؤية المخرج. وفي حال لم يكتمل نسج تاج الممثل ببلورة الشخصية وبنائها الدرامي، ستكون النتيجة عدم تقبل الجمهور لما تقدمه، وعدم قبول أي عذر للإخفاق "فحين تكون على المسرح تكون أمام المسؤولية.. إن المتفرج لا يفكر بمثل هذه المعاذير فهو يريدك حيويا.. مقنعا.. ساخنا.. ولن يرحمك" ص١٦. ما ورد أعلاه ناتج عن العمل في الميدان، إذ يسرد الكاتب (عزيز عبد الصاحب) شيء من يوميات عرض مسرحية (قرندل) للمؤلف طه سالم، ومسرحية (حفلة سمر من أجل ٥ حزيران) للكاتب (سعدالله ونوس) والمخرج (جاسم العبودي) كأمثلة حية بدءا من تكوين الشخصية وصولا إلى مواجهة الجمهور.

الدرس الثاني: مسرحية I.P.C من وراء الكواليس:

يتابع مؤلف الكتاب ما جاء في الدرس الاول بمزيد من التوسع والإيضاح من خلال عمله ممثلا في مسرحية I.P.C تأليف معاذ يوسف، اخراج سعدون العبيدي، ويرى ان عمل الممثل لا ينفصل عن عمل المخرج والمؤلف، لان احدهم مصدر إلهام للآخر.

المسرحية تحكي قصة النفط في العراق ووجود شركة I.p.C الاستعمارية، تتضمن (٣١) مشهد، وعشرون شخصية، قدمها المخرج بأسلوب المسرح التسجيلي الذي يعتمد الوثائق الصورية والصوتية والأرشيف إلى جانب براعة الممثل في حبك الأحداث، بأسلوب الإخراج المتقشف (المستلزمات الفنية القليلة وذات الكلفة المادية الضئيلة) وبالمقابل يكون هذا المسرح غني بالإمكانات الفنية الأدائية حيث يؤدي كل ممثل عدد من الشخصيات، وهذا يتطلب تدريبا شاقا ومهارات كبيرة، وهذا ما عمل عليه (مؤلّف الكتاب الفنان عزيز عبد الصاحب) عندما اضطلع بأداء (١٣) شخصية منها: رئيس اللجنة العاملة للبترول في فرنسا- لورد إنكليزي- عامل عراقي- فلاح- متسول.. إذ يقول: "في ذلك فرصة جيدة لاختبار الممثل لمواهبه وقدراته الفنية، فهذا التنوع في الشخوص مفيد بل ضروري لإخراج الممثل من قوقعة الرتابة والنمطية التي تورط فيها الكثير من ممثلينا" ص٢٩.

يوجّه المؤلف نصيحة عالية القيمة إلى الممثلين في هذا الدرس: " باشر أيها الممثل فوراً في العطاء.. استحضر مزاجك وهيئ أدواتك وقف ضدّ نفسك في تأجيل الإبداع.. لا تغادر دورك اعده مع نفسك كثيرا.. سيطر على مخارج الحروف ثم قل كلمتك وامض " ص٣٢. تأتي هذه النصيحة بعد أن يعرض تعثر اداء بعض الممثلين يراوحون مكانهم دون تطور، وعمل بعضهم على المبالغة في الأداء الكوميدي غير المتوافق مع مواقف الشخصية وأحداث المسرحية، واتضح ضعف قدرتهم على تقديم الشخصية المسندة إليهم بصورة مقنعة، مما جعل المخرج (سعدون العبيدي) يختزل الحوار ويعمل على إجراء تغييرات بقصد تكييف المشهد ليتناسب مع إمكانات بعض الممثلين. وفي ختام الدرس ينوه إلى ميزة يتفرد بها المسرح عن الفنون الأخرى وهي أنه يقبل إجراء التغييرات والتعديلات بدء من اول يوم تمرين وحتى آخر ليلة عرض.

الدرس الثالث: المسرح الذي أفكر فيه.. المسرح الذي أدعو إليه:

يغطي هذا المقال جزء من سيرة الكاتب عندما كان في محافظة الناصرية والأعمال التي كتبها وأخرجها ومثل فيها، ثم ينتقل إلى انتقاله إلى العاصمة بغداد وانضمامه إلى الفرقة القومية للتمثيل عام ١٩٦٨، بدعوة من الفنان حقي الشبلي.

وكان جل اهتمامه منصبا على التدريبات الاولى للمسرحية بدءا من جلسات الطاولة واحكام التمارين اكثر من اهتمامه بالعرض.

تتلخص فكرة المسرح الذي يدعو إليه (الفنان عزيز عبد الصاحب) بمحورين: الاول: الممثل الذي يعمل على تطوير فنه (الممثل القائد الذي يتمتع بالنقاء والشجاعة والتواضع) والثاني النص الذي يقدم ما يهم الناس يجسد أحلامهم، ويغير واقعهم ويطوره. اما الاخراج فإنه " يبقى قيمة تشكيلية لا تصل إلى قوة النص وتعبير الممثل الفنان.. ان أغلب المخرجين المبدعين هم ممثلون ناجحون تماما"ص٥١. أنه يدعو إلى عروض مسرحية تقدم في الساحات والأسواق وفي قاعات بسيطة التجهيزات لغرض جعل العرض المسرحي ظاهرة فنية يقبل عليها الناس وتصنع جمهورا مستداما.

الدرس الرابع: لا ترسم عصفورا ناقصا:

يعنى الدرس باستمرار تطوير قدرات الممثل من خلال عرض يوميات مسرحية (سر الكنز) اعداد واخراج (قاسم محمد) الذي أسند شخصية (المعلم راقي) للفنان (عزيز عبد الصاحب) بعد سنتين من الانقطاع عن تمثيل دور مهم. وهي فترة طويلة " إذ لا يمكن لسمكة أن تحيا خارج الماء، وكذلك الممثل.. لا يمكن أن يبتعد عن المسرح كل ذلك الوقت"ص75. يؤكد في هذه اليوميات على توصيات المخرج (قاسم محمد) للممثلين ومنها:

- مراجعة الدور -الحوار والحركة وإطلاق العنان للمخيلة- قبل التمرين.

- الإيمان بما يفعل، واستمرار التدفق وعدم التردد والتوقف.

- مراجعة الأخطاء الدائمة بعد رصدها تشخيصها.

- اهم شيء بعد حفظ الدور هو حضور الروح (التعبير الداخلي للممثل)

- فهم الدور ودراسة الشخصية قبل حفظ الحوار.

- المحافظة على إيقاع العرض وبالوقت نفسه يحافظ على وضوح الكلمات "لا ترسم عصفورا ناقصا، الكلمة عصفور وينبغي أن يتم رسمه كي يطير ويحلق"ص98. ذلك أن الإيقاع هو نبض العرض وانسجام مكوناته.

ثمة تأكيد على اهمية ايام التمارين لانها ايام التجريب وبناء الدور وتكوين الشخصية، وعليه يكتسب العرض أهميته بعده المحصلة النهائية للتمارين الناجحة بفضل عمل الممثل في ضوء معطيات النص، توجيهات المخرج.

الدرس الخامس: مسرحية الغزاة من وراء الكواليس:

يناقش الدرس مجريات ووقائع عرض المسرحية التاريخية (الغزاة) تتناول غزو المغول لبغداد، تأليف علي الشوك وإخراج محسن العزاوي، بدأ من قراءتها من قبل لجنة فحص النصوص وحتى عرضها على خشبة المسرح، وقد تم الشروع بالتدريبات بعد تعديل النص من قبل المؤلف.

أسندت للممثل (عزيز عبد الصاحب) شخصية (صفي الدين الارموي البغدادي) وبنفس الوقت جعل المخرج له بديلا لأداء الشخصية، إلا أن الممثل البديل - رغم أخذه لمساحة كافية من التمارين- لم يواصل.

يتضمن الدرس رسالة مفادها: عندما قيادة العرض المسرحي بيد مخرج مبدع مثل (محسن العزاوي) سيخرج العرض بأبهى صورة حتى إن كان النص ضعيفا وبعض الممثلين غير مبالين، مادام يتبع يخطط قبل التمارين ويضع معالجة واضحة للنص وينفذ رؤيته بدقة.

الدرس السادس: مسرحية (دائرة الفحم البغدادية) من وراء الكواليس:

يتقارب مضمون الدرس مع الدرس السابق في رصد التجربة المسرحية من خلال يوميات التدريبات من داخل العرض من حيث الإعداد والإخراج والتمثيل، وهي مسرحية أعدها (عادل كاظم) باللهجة العراقية وأخرجها (ابراهيم جلال) وعرضت ليوم واحد - ١٥/ ١/ ١٩٧٦- لأن تضمنت إسقاطات سياسية لا تتناسب ورؤية النظام السياسي حينذاك بحسب المسؤولين.

تتلخص حكاية مسرحية (دائرة الطباشير القوقازية) للمؤلف (برتولد بريشت) بالاتي: تنشب حرب، يسقط حاكم جورجيا ويشنق، تهرب زوجته تاركة طفلها، لتنجو بنفسها، تنقذه الطباخة (كروشا) الطفل وتهرب به مجازفة بحياتها، يسقط النظام الجديد، لتعود الاميرة والدة الطفل، تطلب من الطباخة إعادة الطفل إليها، ترفض الطباخة لانها اعتنت بالطفل في أحلك الظروف و غامرت بحياتها واعتنت به وقامت على تربيته، يحال الامر إلى القاضي الذي يأمر برسم دائرة على الأرض، يضع الطفل داخلها، يوقف الاميرة (الام الاصلية) والطباخة (كروشا) متقابلتين على جانبي الدائرة، على ان تمسك كل منهما بالطفل من يده وتشد الطفل إلى خارج الدائرة وتأخذ الطفل لها. ترفض (كروشا) سحب الطفل لأنها تحب الطفل وتخشى إيذاءه. يحكم القاضي بمنح الطفل للطباخة (كروشا) لانها حريصة عليه أكثر من أمه الاصلية.

-  شرح المخرج خطته الإخراجية، وسأل الممثلين عن مقترحاتهم، وآرائهم.

-  التدريبات بقيادة مدير المسرح او مساعد المخرج تفيد الممثل في حفظ الدور وتثبيت الحركة بلا روح بعيدا عن مراقبة المخرج.

-  ركز المخرج على تثبيت أداء الفعل الميكانيكي، الحركة المحسوبة المقننة، وبعد ذلك تأتي الحياة للدور، ويأتي الاسترخاء.

-  في احد الايام تذمر المخرج قائلا: "اين الاكتشاف؟ حين لا يبدأ الممثل في الاكتشاف ينهي نفسه فنيا.. الباحة أعطيت ملاحظاتي فلماذا لا تنفذ؟ اذا بقينا على هذه الحال لن أخرج المسرحية لمدة سنة"ص147.

-  تتلخص إجراءات (ابراهيم جلال) الاخراجية بالاتي -بحسب قوله- " أنا أقرأ المسرحية، استوعبها اولا فيولد التجاوب مع رؤيتي، عندئذ اشخص العملية من خلال هذه الرؤى وأبدأ بالتطبيق، طريقتي، انني ارسم حتى الديكور واتخيل حركة الأشخاص ونماذجهم، وعند اعادة القراءة لتثبيت عملية الإخراج، تبدأ عندي ظواهر الأسس للعملية، أي عندما آتي إلى التمرين، هناك ارضية في ذهني اتحرك بموجبها واحرك الممثل عليها لتكوين الجملة الفنية التي اريد ان اعبر من خلالها.."ص149.

أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الدرس عن التمثيل هو اعتراض أحد الممثلين وعدم حبه للشخصية وتقبله لادائها، وإذا به يبدع في بناء دوره وعبر المؤلف عن ذلك بجملة بليغة : (إنه توطين النفس على ما لا تحب.. متحقق بذلك الانتصار على الدور"ص١٥٥. بمعنى آخر: لا توجد شخصية محبوبة وأخرى غير مرغوب بها، على الممثل ان يقبل ويؤدي اي شخصية تسند اليه، ويعمل على تكييف ادواته ومشاعره معها على وفق رؤية المخرج.

الدرس السابع: دراما الحرب في العراق:

العروض التي تناولت الحرب كثيرة ومتنوعة الاتجاهات، القاسم المشترك بينها هو قلة تكاليف الإنتاج، وسهولة التحرك والعرض داخل وخارج العراق، وأنها لم تتصدى لموضوع الحرب بصيغة مباشرة تسقطها في السطحية، فهي مسرحيات تتحدث بفهم عميق عن واقع الحرب وما تخلفه من دمار للإنسان والأوطان. وقد اعتمدت دراما الحرب على المنهج الواقعي إلى جانب المنهج التعبيري في بناء العرض، ومن أهم العروض التي تناولت الحرب وأثرت بالجمهور وشكلت علامة فارقة في تاريخ المسرح العراقي هي مسرحية (الذي ظل في هذيانه يقظا) اعداد واخراج (غانم حميد) ومسرحية (قصة حب معاصرة) للمؤلف (فلاح شاكر) وإخراج (هاني هاني).

الدرس الثامن (بيلوغرافيا استعادية عن ظاهرة العروض المسرحية 2003 - 2006)

يفند المؤلف فكرة القائلين بسقوط المسرح العراقي بعد حدوث التغيير السياسي عام 2003، وما قاله بعض المغتربين العراقيين بأنهم سيعود المسرح بعودتهم إلى الوطن. يفند هاتين المقولتين بوقائع وشواهد، منها: تقديم عروض نهارية لجمهور قليل نسبيا، مثل عرض (الحسين ثائرا وشهيدا) اخراج جواد الحسب، ومسرحية (مكانك ايها السيد) تأليف مثال غازي، اخراج عماد محمد، ومسرحية (اعتذر استاذي لم اقصد ذلك) تأليف عواطف نعيم، اخراج هيثم عبد الرزاق، تمتعت المسرحيات بحرية واسعة في طروحاتها وتصدت لنقد عسرة المجتمعات، وتعزيز الروح الوطنية. وقد شاركت الكثير من المسرحيات في مهرجانات دولية وحصدت جوائز، وذلك " قبل ان  يشاهدها جمهور بغداد، وربما لم يشاهدها جمهور بغداد اطلاقا وهذا اسوأ ما مارسه المسرح العراقي ازاء جمهوره "ص183. لم تتوقف الحياة المسرحية في بغداد، وتوالت العروض والمهرجانات لتشكل علامة فارقة في تاريخ المسرح العراقي في تلك الفترة.   

كان الفنان (عزيز عبد الصاحب) يصطحب الشخصيات المسندة له معه إلى البيت وفي الشارع وفي كل مكان وكل زمان، ينام معها ويصحو معها ويحلم بها، و بمجريات التمارين، انه يفكر بالمسرح والمسرحية، ويعمل على تطوير كل مفاصل العرض المسرحي، حتى انه وضع صورة وخطة لما ينبغي أن يكون عليه المسرح والية لصناعة الجمهور وجعل الحضور ظاهرة طبيعية ومهمة في حياة الناس.

ختاما لابد من القول.. يشكل كتاب (لا ترسم عصفوراً ناقصا) مصدر تحفيز والهام للعاملين والباحثين في ميدان المسرح، وإثراء المكتبة الدرامية. 

***

ا. د. حبيب ظاهر حبيب

 

فيما يشبه القراءة لكتابين متشابهين في الشكل والمعنى

في المجتمعات التي تخشى السؤال، تتحول الحقيقة إلى يقين مغلق، ويتحوّل الدين من تجربة روحية إلى سلطة تُدين العقل وتخشى الحرية. ولهذا كانت الفلسفة عبر التاريخ هدفاً للتكفير والمطاردة؛ لأنها تُعلّم الإنسان كيف يفكر لا ماذا يفكر. فالعقل النقدي لا ينتج متطرفاً، بل إنساناً أكثر وعياً بنسبية الأفكار وأكثر قدرة على رؤية الآخر بوصفه شريكاً في الإنسانية لا عدواً يجب إلغاؤه. وحين تُقصى الفلسفة من التعليم والثقافة، يفسح المجال للتعصب والطاعة العمياء. لذلك لم تكن الفلسفة ترفاً معرفياً، بل ضرورة حضارية لتحصين العقل من الكراهية والعنف وأوهام الحقيقة المطلقة وفي أزمنة الخوف، لا يبحث الإنسان عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن عزاء. وحين تتصدع اليقينات الكبرى، وتتوحش الحياة، ويصبح العالم أكثر قسوةً وغموضاً، يكتشف الإنسان هشاشته العميقة، فيلتفت إلى الدين أحياناً، وإلى الفن أحياناً أخرى، لكنه في لحظات نادرة يلتفت إلى الفلسفة؛ لا بوصفها ترفاً ذهنياً أو تمريناً لغوياً مجرداً، بل بوصفها محاولة لفهم الألم الإنساني، وترويض الخوف، وإنقاذ العقل من الانهيار أمام عبث العالم.

وبهذا جاء كتاب «عزاءات الفلسفة» للفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون؛ ذلك الكتاب الذي أعاد للفلسفة وجهها الإنساني بعدما طال اختزالها في التعقيد الأكاديمي والنقاشات التقنية الجافة. فدو بوتون لا يقدم الفلاسفة باعتبارهم آلهة فكرية تعيش خارج التاريخ، بل بوصفهم بشراً مجروحين، خائفين، مرتبكين، حاولوا أن يفهموا الحياة كي يستطيعوا احتمالها. ولهذا بدا كتابه أقرب إلى دليل روحي للعقل الحديث منه إلى كتاب في تاريخ الفلسفة.

دو بوتون نسج كتابه على منوال كتاب أقدم وأكثر مأساوية هو كتاب عزاء الفلسفة للفيلسوف الروماني بوئثيوس، ذلك الرجل الذي كتب عمله الخالد وهو سجين ينتظر الإعدام. كان بوئثيوس قد عاش حياة مترفة في بلاط القوط الشرقيين، مثقفاً لامعاً ورجل دولة نافذاً، قبل أن تنقلب السلطة عليه فجأة ويتحول من مستشار للملك إلى خائن ينتظر الموت. وفي زنزانته، حيث تتعرى الأوهام كلها، لم يجد ما يحاوره سوى الفلسفة نفسها، التي ظهرت له في صورة امرأة حكيمة جاءت لتواسيه لا بالخلاص الغيبي، بل بالعقل.

وهنا تكمن عظمة الفلسفة: إنها لا تعد الإنسان بالجنة، ولا تمنحه يقيناً سهلاً، لكنها تعلمه كيف يتحمل الحقيقة. فالعزاء الفلسفي ليس وعداً بإلغاء الألم، بل تدريب على فهمه. ولهذا ظل كتاب بوئثيوس واحداً من أكثر الكتب تداولاً في أوروبا لأكثر من ألف عام، لأنه لامس السؤال الإنساني الأبدي: كيف يستطيع الإنسان أن يظل إنساناً وسط الخراب؟

إن الفلسفة بوصفه محبة الحكمة ليست علماً بارداً، بل مقاومة عميقة للهمجية. وكلما قرأنا تاريخها اكتشفنا أنها كانت دائماً محاولة لتحرير الإنسان من الخوف: الخوف من السلطة، والخوف من المجتمع، والخوف من المصير، بل حتى الخوف من ذاته. ولهذا لم يكن غريباً أن تصبح الفلسفة هدفاً دائماً للسلطات الدينية والسياسية المغلقة؛ لأن الإنسان الذي يتعلم التفكير الحر يصبح أقل قابلية للطاعة العمياء، وأقل استعداداً للتحول إلى أداة في يد الأيديولوجيات المغلقة.

فالمجتمعات التي تُقصي التفكير النقدي من مدارسها وجامعاتها تترك الشباب فريسة سهلة للأيديولوجيات المغلقة. إن العقل الذي لم يتعلم كيف يسأل، وكيف يشك، وكيف يميّز بين الفكرة وصاحبها، وبين المقدس والبشري، يصبح قابلاً للاستلاب باسم أي شعار، سواء كان دينياً أو قومياً أو سياسياً. ولهذا فإن إدخال الفلسفة والعلوم الإنسانية إلى مناهج التعليم ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة حضارية وأمنية وأخلاقية في آن واحد.

أدركت أمم كثيرة هذه الحقيقة مبكراً، فعملت على ترسيخ تعليم الفلسفة منذ المراحل الأولى، فيما يُعرف اليوم بمشاريع “الفلسفة للأطفال”، ليس بهدف تخريج فلاسفة محترفين، بل بهدف تكوين عقل مستقل قادر على الحوار والتفكير والتسامح. فالطفل الذي يتعلم أن يناقش الفكرة بدل أن يكره المختلف، وأن يبحث عن البرهان بدل أن يكتفي بالشعار، يصبح أقل قابلية للوقوع في مستنقعات التعصب والكراهية والتاريخ يشهد بأن أكثر البيئات عداءً للفلسفة كانت أيضاً أكثر البيئات انغلاقاً وتوتراً وعنفاً. فمنذ اللحظة التي انتصر فيها النقل الجامد على العقل النقدي في الثقافة العربية الإسلامية، بدأ العقل الحضاري يفقد قدرته على التجدد. لم يكن الأمر مجرد خلاف فكري بين فلاسفة وفقهاء، بل كان صراعاً بين رؤيتين للإنسان والعالم: رؤية تعتبر العقل أداة لفهم الكون وإعادة بناء الحياة، ورؤية ترى أن الحقيقة اكتملت وانتهى الأمر، وأن مهمة الإنسان ليست التفكير بل الاتباع.

ولهذا بدا سقراط في قراءة دو بوتون نموذجاً للفيلسوف الذي يواسي الإنسان من استبداد الرأي العام. لقد كان يقول للناس إن التصفيق لا يصنع الحقيقة، وإن السخرية الاجتماعية ليست دليلاً على الخطأ ففي محاكمته الشهيرة، لم يتوسل سقراط النجاة، بل دافع عن حقه في ممارسة الفلسفة حتى الموت. كان يدرك أن الإنسان الذي يتخلى عن عقله خوفاً من المجتمع يفقد ذاته قبل أن يفقد حريته. ومن هنا تتحول الفلسفة إلى فعل شجاعة أخلاقية؛ لأنها تدفع الإنسان إلى أن يفكر بنفسه، لا كما يريد له الآخرون أن يفكر.

ثم يأتي سينيكا ليقدم عزاءً آخر أكثر قسوة وواقعية. فالرجل الذي عاش بالقرب من السلطة الرومانية واختبر تقلّباتها الدموية أدرك أن الحياة لا تسير وفق رغباتنا. ولذلك كانت فلسفته الرواقية تدريباً على احتمال العالم لا الهروب منه. كان يرى أن معظم آلام البشر ناتجة عن توقعاتهم المبالغ فيها تجاه الحياة والناس. نحن لا نتألم لأن العالم قاسٍ فقط، بل لأننا نتخيل أنه يجب أن يكون أكثر عدلاً مما هو عليه.

لقد فهم سينيكا أن الإنسان لا ينهار بسبب الأحداث وحدها، بل بسبب تفسيره لها. ولذلك دعا إلى التوازن بين العقل والعاطفة، وإلى عدم تضخيم المصائب في الخيال. كان يقول إننا نعاني في أوهامنا أكثر مما نعاني في الواقع نفسه. ومع أن حياته انتهت بالانتحار القسري بأمر الإمبراطور، إلا أن فلسفته بقيت محاولة نبيلة لتعليم الإنسان كيف يحافظ على اتزانه وسط الفوضى.

أما مونتين فقد منح الفلسفة بعداً أكثر حميمية وإنسانية. لقد كتب عن ضعف الإنسان وعجزه وأخطائه اليومية دون ادعاء البطولة الفكرية. كان يرى أن قبول النقص جزء من الحكمة، وأن الإنسان لا يصبح أكثر إنسانية إلا حين يتصالح مع هشاشته. ولذلك جاءت كتاباته أقرب إلى تأملات شخصية في معنى العيش، لا إلى أنظمة فلسفية مغلقة.

ثم يظهر آرثر شوبنهاور، ذلك المتشائم العظيم الذي رأى العالم محكوماً بالإرادة العمياء والمعاناة المستمرة. ورغم سوداويته، فإن فلسفته كانت نوعاً من التعزية أيضاً؛ لأنها نزعت الأقنعة عن الوهم الرومانسي الذي يصور الحياة باعتبارها طريقاً ممهداً للسعادة. لقد قال للإنسان ببساطة: الألم جزء أصيل من الوجود، وكل محاولة لفهم الحياة يجب أن تبدأ من هذه الحقيقة لا من الأوهام الجميلة.

غير أن فريدريك نيتشه سيقلب هذا التشاؤم إلى احتفاء بالقوة الإنسانية. فنيتشه، الذي بدأ متأثراً بشوبنهاور، انتهى إلى تمجيد المصاعب باعتبارها شرطاً للنمو. لم يرَ في المعاناة لعنة فقط، بل إمكانية للتحول. ومن عباراته العميقة التي يستعيدها دو بوتون: إن كل ما هو جميل ينمو عبر الإخفاق. فالحياة عند نيتشه ليست مكاناً للراحة، بل ساحة لصناعة الذات.

وهنا نعود إلى السؤال الأهم: لماذا تخاف السلطات الدينية المغلقة من الفلسفة؟

الجواب يكمن في أن الفلسفة تسحب البساط من تحت كل يقين مطلق. إنها تعلم الإنسان أن يسأل: لماذا؟ وكيف؟ ومن قال؟ وهذه الأسئلة وحدها كافية لإرباك أي سلطة تقوم على الطاعة لا على الاقتناع. فالفيلسوف لا يكتفي بالإيمان بالحقيقة، بل يريد فهم كيف تشكلت، ومن يملك حق تعريفها، ولماذا تتحول بعض الأفكار إلى مقدسات بينما تُقصى أفكار أخرى والتفكير الحر يهدد البنى التقليدية التي تقوم على احتكار المعنى. فحين يتعلم الإنسان أن يفكر بنفسه يصبح أقل استعداداً للانقياد وراء دعاة التعصب والكراهية. والمتطرف لا يستطيع العيش داخل عقل نقدي؛ لأنه يحتاج دائماً إلى عقل مغلق، مؤمن بحقيقة نهائية، مستعد لإلغاء الآخر باسمها.

ختاما نكرر القول: إن تدريس الفلسفة للأطفال ليس ترفاً تربويا وثقافياً، بل ضرورة حضارية. فالمجتمعات التي تُقصي التفكير النقدي تفتح الطريق أمام التطرف والعنف، لأن الإنسان الذي لم يتعلم الشك يصبح أكثر قابلية للتلاعب. ولذلك لم يكن مصادفة أن معظم الحركات الإرهابية الحديثة خرجت من بيئات فقيرة فلسفياً وإنسانياً، حيث يسود التلقين بدل الحوار، والطاعة بدل التفكير.

الفلسفة لا تمنع الألم، لكنها تمنع الهمجية. إنها تجعل الإنسان أكثر قدرة على فهم ذاته والعالم، وأكثر وعياً بتاريخ الأفكار وحدودها، وأكثر تواضعاً أمام تعقيد الوجود. ولهذا كانت دائماً مرتبطة بالتنوير، لا بمعناه السياسي فقط، بل بمعناه الوجودي العميق: إخراج الإنسان من ظلمات الخوف إلى شجاعة التفكير والفلسفة اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى، لا لأنها تقدم حلولاً نهائية، بل لأنها تمنح الإنسان ما هو أثمن: القدرة على التفكير وسط الضجيج، وعلى الشك وسط اليقينيات القاتلة، وعلى الاحتفاظ بإنسانيته في عالم يتقن صناعة التعصب أكثر مما يتقن صناعة الحكمة.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

كيف فكّك عبد الله جزيلان رواية الثورة والجمهورية من الداخل

يُعد كتاب «التاريخ السري للثورة اليمنية من سنة 1956 إلى سنة 1962» للواء اليمني عبد الله جزيلان واحدًا من الكتب اليمنية المثيرة للقلق والارتباك في الكتابة عن ثورة 26 سبتمبر. فهذا الكتاب لا ينتمي إلى أدبيات الاحتفال الجمهوري التقليدي، ولا إلى الأدبيات الملكية المضادة، لكنه يبدو أقرب إلى شهادة ضابط يشعر أن الثورة التي شارك في صنعها قد سُرقت منه ومن الثوار الحقيقين من جيله، ثم أعيدت صياغتها لاحقًا على يد السلطة والإعلام والخطابة السياسية.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، ليس بكونه “الحقيقة النهائية” عن الثورة اليمنية، ولن يمكن أن نصفه بأنه من النصوص التي تفتح الجرح القديم: من الذي صنع ثورة سبتمبر فعلًا؟ ومن الذي استولى على روايتها لاحقًا؟ ولماذا تحوّل بعض المشاركين الحقيقيين إلى أسماء منسية ومهمشة، بينما صعد آخرون إلى واجهة المجد الوطني؟

جزيلان لم يكن مؤرخًا أكاديميًا محترفًا، كان ضابطًا شارك في التكوين العسكري والسياسي للمرحلة، وشغل مناصب مهمة لاحقًا داخل الدولة الجمهورية، بينها نائب رئيس الوزراء ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة. هذه الخلفية تمنح كتابه قيمة خاصة، لكنها تجعله أيضًا نصًا ذاتيًا وانفعاليًا.

فهو لا يكتب من مسافة باردة، هو يكتب منفعلاً من داخل الصراع نفسه. ولذلك فإن الكتاب ليس مجرد سرد للأحداث، بل صراع على الذاكرة والشرعية والبطولة.

منذ الصفحات الأولى يبدو واضحًا أن جزيلان يحمل غضبًا عميقًا تجاه الطريقة التي كُتب بها تاريخ الثورة اليمنية لاحقًا. فهو يرى أن هناك “حملة أقلام” صنعت رواية مزيفة، ووزعت البطولة بطريقة انتهازية، حتى أصبح بعض الذين لم يشاركوا فعليًا في صناعة الثورة قادة تاريخيين في الوعي العام، بينما أُقصي آخرون أو حُوصروا أو عادوا إلى بيوتهم منسيين.

إذن هنا تظهر فكرته الأساسية: الثورة لم تُسرق سياسيًا فقط، بل سُرقت سرديًا أيضًا.

ولهذا يهاجم جزيلان بوضوح الطريقة التي تحولت بها ذكرى سبتمبر إلى طقس احتفالي فارغ، أشبه بعروض خطابية وشعارات مدرسية وأغانٍ عاطفية، بدل أن تتحول إلى مشروع نقدي لفهم ما حدث فعلاً. وهو حين يشبّه بعض ما كُتب عن الثورة ببرنامج «ساعة لقلبك»، فإنه لا يقصد السخرية المجانية فقط، بل يريد القول إن جزءًا من أدبيات الثورة تحوّل إلى كوميديا وتهريج سياسي، فيها مبالغات، وفشر، وتوزيع بطولات، أكثر من كونها كتابة دقيقة للتاريخ.

هذه النقطة بالذات شديدة الأهمية، لأنها تكشف أزمة الذاكرة اليمنية الحديثة. فشمال اليمن، بخلاف تجارب عربية أخرى، لم ينجح في إنتاج “أدب ثورة” متماسك وعميق. لم تظهر رواية يمنية كبرى عن سبتمبر، ولا أرشيف وطني نقدي شامل، بل ظهرت:

مذكرات متصارعة، وشهادات شخصية، وخطب احتفالية، وروايات عسكرية متناقضة.

ولهذا يظل تاريخ ثورة سبتمبر هشًا ومفتوحًا للتأويل ويحتاج أن نعيد كتابته.2780 yaman

يرى جزيلان أن شخصيات مثل عبد الله السلال تحولت لاحقًا إلى رموز شبه مقدسة في الرواية الرسمية، بينما الواقع – بحسب شهادته – كان أكثر تعقيدًا بكثير. فهو يلمّح إلى أن السلال لم يكن “العقل المؤسس” للثورة كما قُدِّم لاحقًا، بل جرى تتويجه سياسيًا وعسكريًا لاعتبارات تتعلق بالتوازنات والنفوذ والقدرة على الإمساك بمؤسسات القوة.

وهنا يدخل الكتاب في منطقة شديدة الحساسية؛ لأنه لم يهاجم أعداء الثورة، بل حاول أن يفكك الرواية الجمهورية من الداخل. وهذا جعل الكتاب مهمشًا نسبيًا في الذاكرة الثقافية اليمنية. فالجمهورية احتاجت بعد الحرب الأهلية إلى سردية مستقرة ومبسطة:

ثوار أخيار، وإمام مستبد، وقائد جمهوري، وشعب انتصر لتنتهي الحدوتة .

أما جزيلان فيفسد هذه البنية المريحة، لأنه يقول ضمنيًا:

الثورة نفسها كانت ساحة تنازع واختطاف وإقصاء وما فعلوه من تاريخ فهو مزور .

لكن اللافت أن جزيلان لم يكن قريبًا من الحنين الملكي، ولم يدافع عن الإمامة. هو ثوري جمهوري بوضوح، لكنه جمهوري غاضب من الطريقة التي تحولت بها الجمهورية إلى مؤسسة لإعادة توزيع البطولات والمجد والمناصب.

كما أن علاقته بالزبيري تبدو كانت معقدة أيضًا. فهو لا ينكر مكانته، لكنه يوحي أحيانًا بأن بعض الشخصيات الثقافية تحولت بعد الثورة إلى أيقونات أكبر من دورها الفعلي في العمل التنظيمي والعسكري. وهذه نقطة حساسة جدًا، لأن الزبيري عند النخبة الثقافية اليمنية يكاد يكون شخصية فوق النقد.

ومع ذلك لا يمكن اختزال الكتاب ولحكم عليه بأنه “غيرة سياسية” أو “تصفية حسابات”. فكاتب هذا الكتاب يطرح أسئلة حقيقية:

كيف صُنعت الرواية الرسمية؟

من يملك حق تمثيل الثورة؟

ولماذا يظل نسيان بعض الفاعلين؟

وكيف تتحول السلطة لاحقًا إلى ماكينة لإنتاج أبطال من أجل تقاسم السلطة والنفوذ؟

هذه الأسئلة منحت هذا الكتاب قيمة تتجاوز المعلومات العسكرية نفسها أو الصياغة الأدبية.

أما أسلوب جزيلان فهو من أكثر عناصر الكتاب إثارة للاهتمام. فاللغة ليست لغة مؤرخ أكاديمي، بل لغة رجل يتكلم كما لو كان يجلس في مجلس طويل يروي ذكرياته بمرارة وعفوية. الجمل طويلة أحيانًا، والانفعال واضح، والتنقل بين الوقائع والتعليق الأخلاقي يحدث بصورة مفاجئة.

لا يوجد بناء منهجي أو إحالات كثيفة أو تحليل بارد للوثائق.

يوجد شيء أقرب إلى السرد الشفهي المكتوب.

وهذا ربما يجعل القارئ يعيش حالة مزدوجة:

يثق بعاطفة النص وحرارته،

لكنه يرتبك أحيانًا بسبب القفزات والانفعالات والتكرار.

وربما لو مرّ الكتاب عبر محررين محترفين لتحول إلى نص أكثر تماسكًا، لكنه في المقابل كان سيفقد شيئًا من صدقه الخام. لأن الرجل صاحب احساس ولم يكتب “أدبًا سياسيًا” بقدر ما حاول انتزاع حقه من النسيان.

ومن المدهش أيضًا أن كتب جزيلان لم تتحول إلى مادة دراسية أو موضوع مراجعات نقدية واسعة، رغم أهميتها. فهي بقيت على هامش الأدبيات الجمهورية الرسمية، ربما لأنها تزعج الجميع:

تزعج الرواية الرسمية،

وتزعج بعض الضباط،

وتزعج اليساريين والقوميين،

وحتى بعض المثقفين الذين ساهموا في بناء صورة رومانسية عن سبتمبر.

ولهذا بقيت كتب جزيلان أقرب إلى “أرشيف متمرد” داخل الذاكرة الجمهورية.

استنتاجات هامة:

يرى جزيلان أن الرواية الرسمية للثورة تعرضت للتشويه المبكر.

يعتبر أن كثيرًا ممن احتكروا تمثيل الثورة لم يكونوا صناعها الحقيقيين.

يشعر الكاتب بمرارة واضحة من تهميش الضباط الذين شاركوا فعليًا في التنظيم.

يؤمن بأن الثورة تحولت لاحقًا إلى وسيلة للسلطة والجاه.

يرفض اختزال سبتمبر في أسماء محددة مثل السلال وحده.

يرى أن كتابة تاريخ الثورة تمت بصورة انتقائية ومصلحية.

يشير ضمنيًا إلى وجود “طبقة جمهورية” صنعت لنفسها مجدًا سياسيًا بعد الحرب.

يعتقد أن بعض المثقفين والكتاب ساهموا في تزييف الذاكرة العامة.

يؤكد أن الثورة لم تكن كتلة موحدة بل شبكة متناقضة من الضباط والسياسيين.

يظهر أن الصراع داخل الجمهوريين بدأ مبكرًا جدًا.

يرى أن كثيرًا من الثوار الحقيقيين انتهوا مهمشين أو معزولين.

يعتبر أن الاحتفالات الرسمية بسبتمبر تحولت إلى طقس فارغ.

يستخدم لغة أخلاقية حادة في تقسيم الناس بين ثوار وانتهازيين.

يكشف أن معركة الذاكرة لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية.

يؤكد أن السرد الرسمي أخفى أسماء وأدوارًا كثيرة.

يرى أن بعض القادة صنعوا هالات إعلامية حول أنفسهم.

يقدم نفسه بوصفه شاهدًا على “الحقيقة المخفية”.

يعتمد على الذاكرة الشخصية أكثر من الوثائق الصارمة.

يكشف الكتاب هشاشة الأدب السياسي اليمني الحديث وضعف التحرير الأكاديمي.

يؤكد ضمنيًا أن الثورة اليمنية لم تنتج حتى اليوم سرديتها الوطنية الناضجة.

عبد الله جزيلان: الضابط الذي كتب ضد الرواية الرسمية

ينتمي عبد الله جزيلان إلى الجيل العسكري الذي تخرّج في لحظة التحولات الكبرى في اليمن. شارك في الجيش، وارتبط بتنظيم الضباط الأحرار، ثم دخل في قلب التحولات التي قادت إلى ثورة سبتمبر. بعد الثورة شغل مناصب عسكرية وسياسية مهمة، لكنه بدا لاحقًا وكأنه يشعر أن الثورة التي ساهم فيها قد صودرت رمزيًا من قبل آخرين.

ولهذا يمكن القول بأن كتاباته مشبعة بالغضب والمرارة والرغبة في إعادة ترتيب المشهد والثورة المسروقة.

وربما لهذا يبدو كتابه أحيانًا مرتبكًا وصادقًا في آن واحد. كوننا لسنا مع نصٍ مصقولٍ بعناية أكاديمية، بل صوت ضابط يمثل شريحة مظلومة ولقد حول من خلال كتبه أن يعود إلى المعركة ليصحح ولو جزء من تاريخ الجمهوية العربية اليمنية المزور.

***

حميد عقبي

.......................

* رابط لمشاهدة وسماع المادة النقدية كاملة حول الكتاب

https://youtu.be/BEzswV3kJHI?si=WMvQq-d6MsdBM5Ni

أو ما يشبه القراءة في كتاب جغرافية الفكر والبحث عن المعنى

كيف يفكر الناس في البيئات الجغرافية المختلفة؟ وهل لجغرافياتهم أثر في أنماط تفكيرهم؟ لطالما حيرتني تلك الفكرة التي موادها؛ إذا كان الواقع المرئي المحسوس الملموس واحدا لجميع سكان العالم فلماذا يختلفون في رؤيته وتفسيره وتأويله وفهمه؟

في ندوة العولمة والمجايلة للتاريخية للدكتور سيار الجميل أورد مقارنات ذكية بين الدول العربية وبعض الدول الآسيوية ومنها (ماليزيا وسنغافورة وتايلاند غيرها) التي كانت الدول العربية في زمن مضى افضل منها على مختلف المستويات وما ذلك تبدل الحال وهذا ما دفع الدكتور بن شرقي بن مزيان لصرح السؤال الذي استفزني وجعلني أشاطرهما التفكير في البحث عن ما يفسر هذا الاختلاف بين العرب وغيرهم هل يتصل بالأنثروبولوجيا التكوينية للمجتمعات العربية؟ أم له علاقة بالثقافة وهيمنة المؤسسة الدينية؟ أو يتصل بالبيئة الجغرافية وسياقاتها المختلفة؟ ولا أخفيكم سرا بانني منذ تلك اللحظة وأنا مهموما بالبحث فيما يشبع المعنى وفي اثناء ذلك تذكرت كتاب عالم النفس الأمريكي ريتشارد إي. نيسبت، استاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة ميشيغان، ويُعد رائداً في دراسة تأثير الثقافة على العمليات العقلية والإدراكية ففي كتابه المهم (جغرافية الفكر؛ كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف... ولماذا؟ ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة في الكويت عام 2003 يحاول ريتشارد نيسبت مقاربة السؤال: لماذا يبدو العالم، في عين غربي، مختلفًا عن العالم في عين آسيوي، مع أن الشمس ذاتها تشرق على الجميع، وأن الطبيعة البشرية، في ظاهرها البيولوجي، واحدة بالنسبة للجميع وأصل النوع الإنساني واحد والعقل أعدل الاشياء قسمة بين الناس بحسب ديكارت؟ فضلا عن كون جميع الكائنات الموجودة في هذا العالم تنطبق عليها قوانين الفيزياء ذاتها بما في ذلك الرسل والأنبياء وكل الكائنات في هذا الكون تنطبق عليها قوانين الكيمياء ذاتها بما في ذلك الجمادات والنباتات والحيوانات كما إن الكائنات الحية الأرضية جميعها تنطبق عليها قوانين الحياة ولديها الاعضاء ذاتها ووظائفها الحيوية التي لا تكون حية إلا بها فلا فرق هنا بين كل الاحياء التي يحكمها قانون الفطرة الطبيعية الحفاظ على البقاء ومقاومة الفناء وفي مستوى حاجات الحياة الأساسية لا أحد يمكنه تجاوز هرم إبراهام ماسو بما في ذلك الرسل والأنبياء والحاجات هي:

1- الحاجات الفسيولوجية Physiological needs مثل الجوع، والعطش، وتجنب الألم، والجنس، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجي بشكل مباشر.

2- حاجات الأمان Safety needs وتشمل مجموعة من الحاجات المتصلة بالحفاظ على الحالة الراهنة، وضمان نوع من النظام والأمان المادي والمعنوي مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن.. والثبات.. والنظام.. والحماية.. والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات. وضغط مثل هذه الحاجات يمكن أن يتبدى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول.. من الغموض… من الفوضى واختلاط الأمور أو الخوف من فقدان التحكم في الظروف المحيطة. وماسلو يرى أن هناك ميلا عاما إلى المبالغة في تقدير هذه الحاجات.. وأن النسبة الغالبة من الناس يبدو أنهم غير قادرين على تجاوز هذا المستوى من الحاجات والدوافع.

3- حاجات الحب والانتماء Love & Belonging needs وتشمل مجموعة من الحاجات ذات التوجه الاجتماعي مثل الحاجة إلى علاقة حميمة مع شخص آخر الحاجة إلى أن يكون الإنسان عضوا في جماعة منظمة.. الحاجة إلى بيئة أو إطار اجتماعي يحس فيه الإنسان بالألفة مثل العائلة أو الحي أو الأشكال المختلفة من الأنظمة والنشاطات الاجتماعية.

(أ) المستوى الأدنى أو مستوى الحب الناشئ عن النقصDeficit or D-love وفيه يبحث الإنسان عن صحبة أو علاقة تخلصه من توتر الوحدة وتساهم في إشباع حاجاته الأساسية الأخرى مثل الراحة والأمان والجنس….. الخ.

(ب) المستوى الأعلى أو مستوى الكينونة Being or B-love وفيه يقيم الإنسان علاقة خالصة مع آخر كشخص مستقل… كوجود آخر يحبه لذاته دون رغبة في استعماله أو تغييره لصالح احتياجاته هو.

4 – حاجات التقدير Esteem needs هذا النوع من الحاجات كما يراه ماسلو له جانبان:

(أ) جانب متعلق باحترام النفس.. أو الإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية.

(ب) والآخر متعلق بالحاجة إلى اكتساب الاحترام والتقدير من الخارج… ويشمل الحاجة إلى اكتساب احترام الآخرين.. السمعة الحسنة.. النجاح والوضع الاجتماعي المرموق.. الشهرة.. المجد… الخ. وماسلو يرى أنه بتطور السن والنضج الشخصي يصبح الجانب الأول أكثر قيمة وأهمية للإنسان من الجانب الثاني.

5- حاجات تحقيق الذات Self-actualization والحاجات العليا Metaneeds تحت عنوان تحقيق الذات يصف ماسلو مجموعة من الحاجات أو الدوافع العليا التي لا يصل إليها الإنسان إلا بعد تحقيق إشباع كاف لما يسبقها من الحاجات الأدنى. وتحقيق الذات هنا يشير إلى حاجة الإنسان إلى استخدام كل قدراته ومواهبه وتحقيق كل إمكاناته الكامنة وتنميتها إلى أقصى مدى يمكن أن تصل إليه. وهذا التحقيق للذات لا يجب أن يفهم في حدود الحاجة إلى تحقيق أقصى قدرة أو مهارة أو نجاح بالمعنى الشخصي المحدود.. وإنما هو يشمل تحقيق حاجة الذات إلى السعي نحو قيم وغايات عليا مثل الكشف عن الحقيقة.. وخلق الجمال.. وتحقيق النظام.. وتأكيد العدل.. الخ.

وهكذا هو حال الكائن الحي الوحيد الذي يمكنه تعريف نفسه ويقول (أنا)

واضح اختلافات انماط التفكير إن السؤال لا يهتم باختلاف الآراء العابرة، بل بالبنية العميقة للإدراك نفسه؛ بالطريقة التي يرى بها الإنسان الأشياء، ويرتبها، ويمنحها المعنى. فالاختلاف هنا ليس بين أشخاص، بل بين أنماط وعي تشكلت تاريخيًا داخل بيئات جغرافية وثقافية وحضارية مختلفة

لقد بدا العالم، مع ثورة الاتصالات والمعلومات، أقرب إلى قرية كونية صغيرة. تقلصت المسافات، وتداخلت الثقافات، وتشابكت المصالح، غير أن هذا التقارب المادي لم يؤدِّ بالضرورة إلى تقارب في الرؤية والفهم والتأويل. بل ربما حدث العكس تمامًا؛ إذ صار الإنسان أكثر احتكاكًا بالاختلافات الفكرية والرمزية والعقدية التي كانت، في الماضي، محجوبة خلف حدود الجغرافيا والتاريخ. وهنا يظهر السؤال الأكثر عمقًا: إذا كان الواقع المرئي نفسه يثير كل هذا الاختلاف في تفسيره وفهمه، فكيف سيكون الحال مع النصوص والمعتقدات والرموز التي تتحدث عن عوالم غير مرئية يستحيل التحقق منها بالحواس المباشرة؟ وكيف تتكون الحقائق في أذهان البشر؟ وهل الحقيقة شيء موجود في الأشياء ذاتها، أم أنها نتاج اتفاقات بشرية طويلة، صنعها التاريخ والثقافة واللغة والسلطة؟

يرى نيسبت أن العقل الغربي، منذ الإغريق، تشكل على نحو تحليلي يميل إلى تفكيك الظواهر إلى عناصر مستقلة، والبحث عن القوانين المجردة التي تحكم الأشياء، بينما تشكل العقل الآسيوي ضمن بيئات زراعية وجماعية جعلته أكثر ميلًا إلى التفكير الكلي والعلاقات والسياقات والانسجام بين العناصر. ولذلك فإن الغربي ينظر إلى الشيء بوصفه وحدة منفصلة يمكن تحليلها وتصنيفها، في حين ينظر الشرقي إلى الشيء بوصفه جزءًا من شبكة علاقات معقدة لا يمكن فهمه خارجها. هذا الاختلاف لا يظهر فقط في الفلسفة أو السياسة، بل حتى في الإدراك البصري واللغة والذاكرة والأخلاق وأنماط الحياة اليومية إذ إن الإنسان لا يعيش وفق الوقائع الظاهرة وحدها، بل وفق ما يعتقد أنه حقيقة. فالمعتقدات، مهما بدت غريبة أو وهمية أو غير قابلة للإثبات، تظل قادرة على توجيه السلوك الإنساني وصناعة التاريخ. من يعتقد أن العالم مسكون بالأرواح الشريرة سوف يعيش حياته تحت وطأة الخوف، ومن يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة سينظر إلى الآخرين بوصفهم ضالين أو أعداء أو كفارًا أو تهديدًا وجوديًا. وهكذا تتحول الأفكار إلى قوى مادية فاعلة، لا لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأن الناس يؤمنون بها ويعيشون على أساسها.

فالمؤمن بعقدة ايديولوجيا لا يراها احتمالًا بين احتمالات، بل يراها الحقيقة ذاتها. وإذا تشكل ذهن المرء على نحو من أنحاء الاعتقاد المقدس صار من الصعب تغييره! وبهذا يمكن النظر إلى التاريخ الإنساني بوصفه تاريخًا لصراع السرديات الكبرى وأنماط التأويل المختلفة للعالم. فمن عبادة الطواطم البدائية حتى الأيديولوجيات الحديثة، ومن الأساطير القديمة حتى العقائد السياسية المعاصرة، ظل الإنسان يبحث عن معنى شامل يفسر الوجود ويمنحه الشعور باليقين. والمشكلة ليست في وجود المعتقدات ذاتها، فذلك جزء من الطبيعة البشرية، بل في تحولها إلى أنظمة مغلقة ترفض النقد وترى في الاختلاف تهديدًا ينبغي القضاء عليه.

لهذا تبدو الحاجة ملحّة إلى ما يمكن تسميته بالرؤية الجشطالتية للعالم؛ أي النظر إلى الظواهر ضمن كليتها وترابطها، لا بوصفها أجزاء معزولة. فالعالم المعاصر لم يعد يحتمل الرؤى الاختزالية الضيقة، لأن الاقتصاد والسياسة والدين والتقنية والبيئة والثقافة باتت متداخلة بصورة غير مسبوقة. لم يعد ممكناً فهم الحروب أو الأزمات أو التحولات الكبرى من خلال سبب واحد أو تفسير أحادي. إن كل شيء يتفاعل مع كل شيء داخل شبكة عالمية معقدة، ولذلك فإن أي وعي نقدي حقيقي يجب أن يكون قادرًا على رؤية التشابكات العميقة بين الظواهر بدل الاكتفاء بالمظاهر السطحية إذ أن الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له لغته وثقافته ومصالحه وتاريخه أن يراه وهذا هو فحوى كتاب اللغة الصامتة لعالم الأنثروبولوجيا الأمريكي إدوارد تي هول إذ درس الثقافة بوصفها نظامًا لإنتاج المعنى، لا مجرد مجموعة معارف وخبرات ومعتقدات. فكل جماعة بشرية تبني لنفسها تصورًا عن الكون والعالم والتاريخ والزمان والمكان والحقيقة والهوية والخير والشر والحياة والموت، ثم تدافع عنه بوصفه يقينًا نهائيًا. وحين يتحول هذا اليقين إلى تعصب، يصبح الاختلاف مستحيلًا، ويتحول الحوار إلى صراع. فالناس لا يقتتلون عادة حول الحقائق العلمية، بل حول التأويلات والرموز والمقدسات والهويات والسرديات التاريخية.

وهذا هو الفرق بين العلم، والاعتقاد الأيديولوجي؛ العلم لا يطلب الإيمان بل الاختبار. إنه لا يقوم على سلطة النصوص أو قداسة الأسلاف، بل على البرهان والتجربة وقابلية الدحض. حين نقول إن الماء يتكون من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين، أو إن لكل فعل رد فعل مساويًا له في القوة ومضادًا له في الاتجاه، فإن هذه القضايا لا تعتمد على انتماء ثقافي أو ديني أو قومي، بل يمكن التحقق منها في أي مكان من العالم. ولذلك يتميز العلم بطابعه الكوني والموضوعي؛ فالمعادلات الرياضية لا تتغير بتغير الأديان، وقوانين الفيزياء لا تتبدل بتبدل الأنظمة السياسية أما في عالم المعتقدات والأيديولوجيات فترتفع الأصوات، وتحتدم الخطابات، ويتحول النقاش إلى معركة وجودية. وكلما افتقد الإنسان للحجج والبراهين، ازداد ميله إلى الصراخ والتخويف والتعبئة العاطفية. إن عالم الرياضيات أو الفيزياء لا يحتاج إلى المبالغة الخطابية لإثبات صحة نظريته، لأن البرهان يكفي. أما الأيديولوجي، فإنه غالبًا ما يستعيض عن ضعف الحجة بقوة الانفعال. ولذلك يمكن القول إن الصمت هو لغة العلم، بينما الضجيج هو لغة اليقين الأيديولوجي المغلق.

وبذلك ليست هناك إلا طريقتان أساسيتان في التعامل مع الآخرين: إما إكراههم بالقوة والتهديد والوعيد، وإما إقناعهم بالحوار والبرهان. الأولى تصنع الخضوع المؤقت لكنها لا تصنع اقتناعًا حقيقيًا، أما الثانية فتبني وعيًا حرًا قادرًا على إعادة التفكير والنقد. ولهذا فإن الفرق كبير بين السياسي والواعظ والعالم؛ فالأول يسعى إلى تغيير الواقع عبر السلطة والصراع، والثاني يدعو إلى الصبر والخلاص الروحي، أما الثالث فيحاول فهم العالم وتطوير الأدوات العلمية التي تمكن الإنسان من تحسين شروط حياته.

إن وظيفة الفلسفة، منذ بداياتها، لم تكن تقديم يقينيات نهائية بقدر ما كانت ممارسة نقدية لتحطيم أوثان العقل نفسه. فالفلسفة ليست عقيدة جاهزة، بل يقظة دائمة ضد التحجر الفكري. إنها الوعي الذي يراقب ذاته، ويعيد مساءلة مفاهيمه ومسلماته باستمرار. ولهذا كانت الفلسفة، كما قال نيتشه، ضربًا من الشك الخلاق الذي يكشف أن كثيرًا مما نسميه “حقائق” ليس سوى استعارات لغوية استهلكها التكرار حتى بدت بديهية.

ولعل مفهوم “الثورة” يقدم مثالًا واضحًا على تاريخية المعاني وتحولاتها. فالكلمة التي كانت تشير قديمًا إلى الهيجان أو الفوران أو الحركة الفلكية، تحولت في العصر الحديث إلى مفهوم سياسي واجتماعي مرتبط بالحداثة والتغيير الجذري. ومع الزمن صار المفهوم يتسع ليشمل ظواهر متباينة: الثورة الصناعية، الثورة العلمية، الثورة الفرنسية، الثورات التحررية، الثورات الرقمية، وحتى الثورات الرمزية والثقافية. وهكذا يتضح أن المفاهيم ليست كيانات ثابتة، بل تراكمات تاريخية تتغير دلالاتها بحسب السياقات التي تستخدم فيها بحسب حنا أرندت ارتبط مفهوم الثورة، بولادة العالم الحديث، أي بالعالم الذي انتقل من سلطة التقليد إلى سلطة الإنسان والعقل والتاريخ. ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير سياسي، بل انقلابًا عميقًا في رؤية الإنسان لذاته وللعالم. فالثورة الحديثة لم تعنِ فقط إسقاط الأنظمة القديمة، بل إعادة تعريف مفاهيم الحرية والسلطة والشرعية والمعرفة والتقدم.

وهكذا نخلص إلى إن الاختلاف الجوهري ليس بين الشرق والغرب فقط، بل بين نمطين من التعامل مع العالم: نمط يرى الحقيقة شيئًا مغلقًا ومكتملًا ونهائيًا، ونمط يرى الحقيقة عملية مستمرة من البحث والنقد والتجربة. فالحقائق الأيديولوجية تبقى أسيرة الإيمان الجماعي، أما الوقائع العلمية فتظل قابلة للاختبار والتصحيح والتجاوز. ولهذا فإن المعرفة الحقيقية لا تبدأ حين نمتلك الأجوبة، بل حين نتعلم كيف نشك في الأسئلة نفسها، وكيف نعيد النظر في المسلمات التي تشكل وعينا بالعالم. وربما لهذا السبب كتب فريدريك نيتشه أن الحقيقة ليست سوى أوهام نسينا، عبر الاستعمال الطويل لها، أنها كذلك.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

تفكيك أطروحة أقدمية القلم الثمودي في بحث د. قصي التركي ود. عيد حمد اليحيى

ينطلق البحث المعنون: «هل القلم الثمودي أقدم قلم في التاريخ؟ دراسة في ضوء النقوش الثمودية المرافقة لحيوانات منقرضة في المملكة العربية السعودية»، والمنشور في مجلة «دراسات تاريخية» العلمية المحكمة، مركز عدن للدراسات التاريخية، العدد 12، 2025، للباحثين:

أ.د. قصي منصور التُركي

د. عيد حمد اليحيى

من أطروحة شديدة الجرأة، مفادها أن القلم الثمودي قد يكون أقدم قلم في التاريخ، وأن تاريخه ينبغي أن يُدفع بعيدًا إلى ما قبل التصورات المعتمدة في الدراسات الغربية والعربية، ربما بعشرات القرون. يعلن البحث، منذ ملخصه وسطوره الأولى، أنه يسعى إلى وضع حد للجدل حول تاريخ الثموديين، وخاصة القلم الذي كتبوا به، مستندًا إلى نقوش ثمودية مرافقة لرسوم حيوانات منقرضة في السعودية.

غير أن المشكلة تبدأ من هنا تحديدًا؛ فالدراسة لا تقدم اكتشافًا مؤرخًا تأريخًا مستقلًا، بل تبني دعوى كونية ضخمة على سلسلة من الافتراضات غير المحكمة. وتبدو الدراسة في بعض مواضعها أقرب إلى خطاب احتفائي يريد تسجيل منجز رمزي كبير، أكثر من كونها بحثًا أثريًا يتحرك بحذر بين الفرضية والدليل. والقارئ للمادة سيلمس مدى ضعف اللغة والصياغة وتواضع التعبير.

الفكرة المركزية في البحث تقوم على الربط بين ثلاثة عناصر: رسومات صخرية لحيوانات يراها الباحثان منقرضة أو غير ملائمة للبيئة الصحراوية الحالية، وكتابات يقرآنها بوصفها ثمودية، ثم تاريخ بيئي قديم للجزيرة العربية خلال فترات الرطوبة والبحيرات. وبناءً على هذا الربط، يستنتج البحث أن الكتابة الثمودية لا بد أن تكون معاصرة لتلك الحيوانات، أي أقدم بكثير من التأريخ الشائع.

لكن هذا الاستدلال ضعيف؛ لأن وجود نقش قرب رسم لا يثبت أنهما من الزمن نفسه. فالواجهات الصخرية تُستعمل عبر أزمنة طويلة، وقد يُضاف نقش متأخر إلى رسم أقدم، أو تُكتب أسماء وعبارات بجوار مشاهد موروثة. القرب المكاني ليس دليلًا زمنيًا.

المعضلة الثانية هي الاعتماد على «العتق» أو درجة التجوية بوصفه قرينة شبه حاسمة. هذه ملاحظة ميدانية قد تكون مفيدة، لكنها لا تصلح وحدها لتأريخ كتابة إلى الألف الخامس أو الثامن قبل الميلاد. لون الصخر وعمق الحفر ودرجة التآكل تتأثر بعوامل كثيرة: نوع الصخر، اتجاه الواجهة، الشمس، الأملاح، الرطوبة، الرياح، وعمق النقش.

لذلك لا يجوز تحويل التشابه البصري بين الرسم والحروف إلى تاريخ مؤكد. البحث نفسه يعترف في الخاتمة بأن «جوهر» المسألة علميًا ومختبريًا هو فحص عينات من الرسوم الصخرية المرفقة بكتابات ثمودية، وأن هذه الفحوص هي التي ستبين زمن الكتابة؛ ثم يعلن في الوقت نفسه قناعة تامة بأن القلم الثمودي هو الأقدم. هذا إعلان للحكم قبل إجراء الاختبار الحاسم.2763 hamed

أما القراءة النقشية فتبدو في مواضع كثيرة محكومة بالرسم المجاور لها. فإذا وُجدت حروف قرب ثور، تُقرأ بوصفها صيغة ملكية: «هذا الثور لفلان»، وإذا وُجدت قرب حيوان آخر تُفسر كإشارة إلى الصيد أو الحيازة. لكن تعدد القراءة نفسه يكشف أن النص غير محسوم، وأن المعنى المفترض يستمد قوته من الصورة، إذ لا يوجد نظام كتابي ثابت وقراءة منشورة خضعت لمراجعة مستقلة. وهنا يصبح الدليل دائريًا: الرسم يساعد على تخمين القراءة، ثم تُستخدم القراءة لإثبات أن الرسم والنقش متعاصران.

تتسع الفوضى المنهجية حين يخلط البحث بين علم النقوش، والفن الصخري، والجغرافيا القديمة، واللغة، والهوية، والمرويات الدينية. فهو يبدأ من القرآن وثمود، ثم ينتقل إلى الثمودية بوصفها تصنيفًا كتابيًا، ثم إلى العربية والهوية الجزيرية، ثم إلى الهجرات والكتابة المسمارية والمصرية. بل يذهب إلى أن القرآن ينبغي أن يكون نقطة انطلاق ومنهج بحث أدق في التعامل مع أخبار الأقوام والرسل، مقارنة بالمصادر المسمارية والتوراتية. هذا خلط بين مقام الإيمان ومقام التأريخ الأثري؛ فالنقش لا يؤرَّخ بالعقيدة، بل بالطبقة، والمادة، والمقارنة، والتحليل المختبري، والسياق الأثري.

الأخطر أن البحث يحوّل فرضيات محلية إلى انقلاب في تاريخ الكتابة. فهو لا يكتفي بالقول إن بعض النقوش الثمودية قد تكون أقدم مما نعرف، بل يقارنها بالكتابة السومرية والمصرية، ثم يميل إلى ترجيح أن القلم العربي القديم/الثمودي هو الأسبق، أي أنه سبق كل الحضارات. بل يربط ظهور القلم الثمودي بفترة الهولوسين الرطبة 8000 ـ 4000 ق.م، ويجعل نقش لخيش ودراسات الأبجدية المبكرة مؤشرات مساعدة، مع أن هذه الشواهد لا تسمح بهذه القفزة. فالأقدمية العالمية لا تُثبت بالمجاورة البصرية، بل بنصوص مؤرخة تأريخًا مستقلًا وبتسلسل تطوري واضح.

خلاصة النقد أن البحث لا يفشل لأنه اهتم بالنقوش الثمودية، بل لأنه حمّلها ما لا تحتمل. النقوش الثمودية مهمة، والفن الصخري في الجزيرة العربية ثري، وتاريخ البيئة القديمة يستحق دراسة واسعة. لكن تحويل هذه العناصر إلى إعلان بأن القلم الثمودي أقدم قلم في التاريخ يحتاج إلى دليل من رتبة مختلفة تمامًا. ما بين الفرضية والادعاء الكوني توجد فجوة كبيرة جدًا، وهذا البحث قفز فوقها بلا جسر علمي كافٍ. وفي الفقرة الأخيرة يطالب البحث الجهات الرسمية بإجراء فحوصات مختبرية، أي إنه يعترف ضمنًا بأن الدليل الحاسم لم يُنجز بعد. وهذا وحده يكفي لإسقاط النتيجة الكبرى، لأن ما لم يُختبر لا يجوز أن يُقدَّم بوصفه انقلابًا في تاريخ الكتابة.

استنتاجات هامة

1 ـ العنوان أكبر من مادة البحث

يُظهر البحث منذ عنوانه مشكلة أساسية، وهي أن السؤال المطروح لا يتناسب مع طبيعة الأدلة المعروضة. عبارة «أقدم قلم في التاريخ»عبارة عن ادعاء عالمي يمس تاريخ الكتابة كله. لذلك كان على الباحثين أن يقدما مادة مؤرخة بدقة، وليس أفكار مفتوحة على التأويل. وهنا العنوان يسبق البرهان، ويضع القارئ أمام نتيجة ضخمة قبل أن يرى الطريق العلمي إليها. وهكذا يبدأ الخلل: فالمادة لا تتقدم تدريجيًا نحو النتيجة، لكن تبدو كأنها صيغت أصلًا للدفاع عن نتيجة مقررة مسبقًا أو مبشرة لمنجز وطني يجب أن نقبله ونصفق له

2 ـ الفرضية لم تُصغ بصيغة قابلة للاختبار

الفرضية العلمية الجيدة يجب أن تكون محددة وقابلة للاختبار والنفي. أما هنا فالفرضية فضفاضة جدًا: القلم الثمودي قد يكون أقدم قلم في التاريخ. هذه صيغة واسعة لا تحدد عينة بعينها، ولا فترة محددة، ولا توجد معاير واضحة للمقارنة.

هل المقصود أقدم نقش ثمودي؟ أم أقدم نظام أبجدي؟ أم أقدم كتابة عربية؟ أم أقدم كتابة بشرية؟ هذا الغموض يجعل البحث يتحرك في أكثر من اتجاه، ويستعمل كل قرينة ممكنة لخدمة الاستنتاج، دون أن يضع معيارًا صارمًا يمكن للقارئ أن يقيس به قوة الفرضية أو ضعفها.

3 ـ لا توجد عينة ممثلة واضحة

الدراسة تتحدث عن آلاف النقوش والرسوم، لكنها لا تمنح القارئ عينة منظمة تمثل هذا الكم الكبير. البحث العلمي لا يكتفي بالقول إن الباحث شاهد آلاف الأمثلة، بل يوضح كيف اختيرت العينة، وما معايير إدخالها أو استبعادها، وما نسبة النقوش المصاحبة للرسوم، وما عدد الحالات التي تحمل العلاقة نفسها. من دون هذا التنظيم تصبح «الآلاف» عبارة بلاغية لا قيمة تحليلية دقيقة لها. كثرة المادة قد تكون قوة عظيمة، لكنها تتحول إلى انطباع عام إذا لم تُرتب في جداول وتصنيفات ودرجات يقين واضحة.

4 ـ الدراسة تخلط بين الملاحظة الميدانية والنتيجة العلمية

الملاحظة الميدانية بداية مهمة، لكنها ليست نهاية البحث. أن يرى الباحث كتابة قرب رسم حيوان منقرض لا يعني أنه أثبت التزامن بينهما. الملاحظة تحتاج إلى اختبار: هل النقش فوق الرسم أم تحته؟ هل القشرة الصخرية واحدة؟ هل اتجاه الحفر متشابه؟ هل توجد آثار أدوات مختلفة؟ هل يمكن تصوير السطح بتقنيات دقيقة؟ البحث يتعامل مع الملاحظة كأنها نتيجة شبه مكتملة، وهذا اختزال واضح. فالعين ترى الجوار، لكنها لا ترى الزمن. الزمن يحتاج إلى أدوات قياس، لا إلى انطباع بصري فقط.

5 ـ غياب التمييز بين الدليل والقرينة

من أخطر مشكلات البحث أنه يعامل القرينة كأنها دليل حاسم. وجود حيوان منقرض في رسم صخري قرينة على قدم الرسم، لا دليلًا على قدم النقش المجاور. تشابه العتق قرينة بصرية، لا تأريخًا علميًا. قراءة كلمة محتملة قرينة لغوية، لم تحمل المادة أي إثباتًا تاريخيًا. هذه المادة حتى وإن قبلنا تسميتها بالبحث فإنها لم تتمكن من جمع هذه القرائن، ثم رفعها إلى مستوى البرهان.كون القرائن، مهما تكاثرت، تظل بحاجة إلى حلقة حاسمة تربطها بالنتيجة. والنتيجة هنا كبرى جدًا، لذلك لا يكفي تراكم الاحتمالات لإعلان أن القلم الثمودي أقدم قلم في التاريخ.

6 ـ النصوص غير المنشورة لا تكفي لقلب تاريخ الكتابة

اعتمد البحث على بعض النقوش التي يقدمها بوصفها جديدة أو غير منشورة. هذا في ذاته ليس عيبًا، فكل اكتشاف يبدأ جديدًا. لكن المشكلة أن النقوش غير المنشورة لا يجوز أن تتحول فورًا إلى أساس لانقلاب معرفي عالمي قبل أن تُعرض على مجتمع الاختصاص. يجب أن تُنشر بصور عالية الدقة، وتُفهرس، وتُقرأ من أكثر من متخصص، وتُقارن بنقوش مماثلة، ثم تُتاح للنقاش. أما أن تُستخدم هكذا مباشرة لإثبات أقدمية عالمية، فهذا يجعل القارئ أمام سلطة الباحثين وليس أمام مادة علمية قابلة للمراجعة.

7 ـ غياب المراجعة المستقلة للقراءات

القراءة النقشية مجال دقيق جدًا، والخطوط العربية الشمالية القديمة تحمل احتمالات لبس كثيرة في اتجاه الكتابة وأشكال الحروف وتداخل العلامات. لذلك لا تكفي قراءة واحدة، خصوصًا حين تكون القراءة جزءًا من إثبات نظرية كبرى. كان ينبغي عرضها على متخصصين مستقلين، وذكر المراجعات البديلة، وبيان أسباب الترجيح. أما حين تُقرأ العلامات بطريقة تخدم صورة الحيوان المجاور، يصبح خطر الإسقاط كبيرًا. القراءة هنا لا تبدو دائمًا نتيجة تحليل داخلي للنص، بل أحيانًا نتيجة رغبة في جعل النص شاهدًا على المشهد.

8 ـ الصورة تقود النص بدل أن يقرأ النص نفسه

في كثير من الأمثلة يبدو أن الرسم الصخري هو الذي يوجه معنى النقش. فإذا ظهر ثور، اتجهت القراءة نحو الملكية أو الصيد أو تسمية الحيوان. وإذا ظهر مشهد حيوان آخر، صار النص تابعًا للصورة. هذا قلب للمنهج. في علم النقوش، يجب أن يقرأ النص أولًا بأدواته الداخلية: الحروف، الصيغة، الاتجاه، البنية، المقارنات. بعد ذلك يمكن أن يساعد الرسم في الفهم. أما أن تبدأ القراءة من الصورة، فهذا يجعل النص مرآة لرغبة الباحث، لا شاهدًا مستقلًا. وهنا تنشأ الدائرة المغلقة التي تضعف البحث.

9 ـ تحديد الحيوان يحتاج إلى اختصاص مستقل

لا يكفي أن يقرر الباحثان أن الحيوان المرسوم هو ثور الأرخُص أو غزال بعينه أو حيوان منقرض محدد. الرسوم الصخرية غالبًا مبسطة، وقد تتداخل فيها الرمزية والأسلوب الفني والتآكل. تحديد النوع الحيواني يحتاج إلى مختصين في علم الحيوان القديم، وإلى مقارنة تشريحية دقيقة، لا إلى انطباع بصري عام. وإذا كان نوع الحيوان غير محسوم، فإن الاستنتاج الزمني المبني عليه يصبح غير مستقر. فالدراسة تبني تاريخ الكتابة على تاريخ الحيوان، لكنها لا تثبت الحيوان نفسه بما يكفي من الضبط العلمي.

10 ـ البيئة القديمة لا تؤرخ الكتابة مباشرة

الاستشهاد بفترات الرطوبة والبحيرات في الجزيرة العربية مهم لفهم الخلفية البيئية، لكنه لا يكفي لتأريخ النقوش. نعم، عرفت الجزيرة العربية مراحل رطبة وبيئات غنية بالحيوانات والمياه، لكن هذا لا يعني أن كل نقش بجوار رسم حيوان كبير يعود إلى تلك الفترة. البيئة تقدم إطارًا عامًا، لا تاريخًا مباشرًا للحروف. البحث يستعمل دراسات المناخ القديم وكأنها تمنح تأريخًا للنقوش، بينما هي في الواقع تتحدث عن شروط الحياة والاستيطان. الفرق كبير بين أن نؤرخ بيئة، وأن نؤرخ كتابة محددة على صخرة محددة.

***

حميد عقبي

...................

* رابط لمشاهدة المادة النقدية

https://youtu.be/-8m0t9_LL6w?si=n3wfgjkoeD6RtkbJ

قراءة في كتاب "الجسد اليقظان" للكاتب نورالدين حنيف أبو شامة

المقدمة: تعتبر الكتابة المعاصرة فضاء خصبا لإعادة التفكير في مفاهيم الذات والوجود، ومن بين هذه المفاهيم يبرز الجسد بوصفه مركزا دلاليا تتقاطع فيه أبعاد فلسفية ونفسية وسيميائية.

وفي هذا السياق، يبرز نص «الجسد اليقظان» للأستاذ نور الدين حنيف أبو شامة يقدم فيه تصورا مغايرا للجسد، حيث يتحول من كيان مادي إلى نظام من العلامات، وانطلاقا من هذا الطرح، يمكن صياغة الإشكالية التالية:

كيف يتحول الجسد في النص إلى بنية دلالية منتجة للمعنى؟ وإلى أي حد يمكن قراءة هذا التحول في ضوء سيميائيات تشارلز ساندرز بيرس؟

من خلال قراءتي المتواضعة لهذا المتن فهو عبارة عن مجموعة من الأفكار المتسقة، والتصورات التي بنيت عن تجربة طويلة، وهذا ينطبق على الكاتب العبقري الذي يكتب من خلال نطرته للعالم، ويبرز آراءه بأسلوب ذكي، يضع القارئ في صلب الموضوع، بل ويثير في ذهنه عدة تساؤلات.

هو عبارة عن مواقف وأحاسيس صادقة، نابعة من رجل عاش يبحث عن الحقيقة، ساعده في ذلك اطلاعه على ثقافات متعددة، هذه الحقيقة التي تعكسها الكتابات السوسيولوجية والفلسفية وحتى الدينية مثل:

لغة الجسد لــ بيتر كلينتون.

الإشارات لــ بيتر كوليت.

لغة الجسد في القرآن الكريم لــ أسامة جميل ربايعة.

إذن نحن لسنا بصدد رواية خطية، نقدمها من خلال المفاهيم التي جاء بها هيجل أو جورج لوكاتش او باختين.

نحن أمام عمل يتداخل فيه الفلسفي بالواقعي، ويدعونا إلى التأمل في كل حرف وكلمة وجملة وفقرة.

- عتبات المتن:

تحليل عتبات الكتاب وفق المقاربة السيميائية (جيرار جنيت) التي تهتم بـ النص الموازي: العنوان، الغلاف، اسم المؤلف، التصدير، والنوع.

الغلاف:

يتضمن اللون الأخضر الذي يحمل عدة دلالات بحيث يعد أحد الألوان الثابتة، المتوازنة بيئيا، والأكثر سلاما.

ومن ناحية الأذواق في الاختيارات، فيعتبر من الألوان الجميلة، وأحد الألوان الرئيسية التي لا تدل على التقيد في التعامل، هو لون الطبيعة بحيث يشير إلى الخصوبة والطاقة الإيجابية.

العنوان الرئيسي: كتب باللون الأزرق في إشارة للاستقرار والثقة، فعندما يريد رجال الأعمال عرض أفكارهم وصورهم، فإنهم عادة ما يستخدمون اللون الأزرق في صورهم لإعطاء حس الهدوء والثقة عند التسويق والإعلان، يرتبط اللون الأزرق بالإخلاص والروحانية، مما يجعله لونا مفضلا في العديد من الثقافات.

يحمل العنوان تركيبا دلاليا لثنائية الجسد واليقظة، فالجسد يرمز للبعد الحسي البيولوجي، بينما كلمة “اليقظان” التي جاءت على وزن فعلان فهي صفة مشتقة من اليقظة، بمعنى الحضور الذهني الواعي.

الجسد: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

اليقظان: نعت تابع للمنعوت في الرفع.

وإذا أردنا استخراج الفكرة الأساسية من العنوان يمكننا القول بأن الكاتب يحاول أن يظهر للمتلقي بأن الجسد ليس فقط مجرد مادة بل هو شيء واع متحرك ومدرك للعالم، الشيء الذي ينسجم مع العنوان الفرعي ومضمون المتن الذي يربط الجسد بالوعي والحركة في سياق فن الأيكيدو.

الإهداء: قدم الكاتب إهداء “إلى روح مترجي تونسي”، الذي علم الكاتب الأبجديات الأولى في فن الأيكيدو، وهذا يحمل في طياته بعدا عاطفيا وجدانيا، ناهيك عن التقدير المعرفي القيمي، لأن عملية التعليم والتعلم ليست نقلا للمعرفة فقط، بل هي استمرار لأثر ذلك التعلم في حياة الشخص.

إضاءة: أتى الكاتب بمقولة لـ “موريهاي يوشيبا” وهو من أصل ياباني يعود له الفضل في تأسيس فن الأيكيدو ويلقب بـ «أوسينسي” أي” المعلم الكبير”، حيث يقول: “حاول أن تكون على اتصال مع السماء والأرض، وعندما سيسطع العالم بنوره الحقيقي، سيتلاشى الغرور والإعجاب بالنفس، وستتمكن من الاندماج مع أي هجوم”

من خلال المقولة ومن خلال البحث حول هذه الشخصية، نستكشف أن الأيكيدو هو فن حربي، وأن مؤسسه كان له توجه عسكري وكان ينتمي للجيش الياباني، خاض مجموعة من الحروب وقد أسس مجموعة من الفنون الحربية قبل أن يستقر على الأيكيدو، الذي يتكون من ثلاث حروف على اعتبار أن الحرف في اللغة اليابانية يعتبر كلمة، كما أن اللغة اليابانية تتكون من مجموعة قليلة من الكلمات، ولكن كل كلمة عندما توضع في سياق معين تعطي معنى مختلفا، وسوف أعطي مثال في اللغة العربية من خلال المشترك اللفظي وكلمة “عين”، فتغيير السياق يعطي معاني مختلفة للكلمة، فنقول: “عين الإنسان، ونقول نشر الوالي عيونه في المدينة، ونقول في التوكيد عينه أي نفسه” .

بصفة عامة يمكننا القول بأن عتبات كتاب “الجسد اليقظان “ليست عناصر شكلية فقط، بل هي جهاز دلالي متكامل يهيئ القارئ لفهم أن الجسد في هذا العمل ليس موضوعا بيولوجيا، بل كيانا فلسفيا حيا يتحرك بين الوعي والفعل والمعنى.

نعود لكلمة أيكيدو فهي تتكون من ثلاث كلمات وهي تبرز الفلسفة التي ينتهجها هذا الفن:

أي: وتعني الانسجام

كي: تعني الطاقة ويقصد بها الطاقة الداخلية وليست القوة العضلية

دو: تعني la voie بمعنى الطريقة، كقولنا طريقة التدين معينة عند البودشيشية أو التيجانية أو الدرقاوية على سبيل المثال لا الحصر.

بمعنى طريقة البحث عن الانسجام بين الطاقة الداخلية وعقل الإنسان والكون.

وهو كما سلف الذكر، فن حربي لا يعتمد على الهجوم بل يعتمد على استقبال الهجمات وتحويلها بطريقة ليس فيها عنف أو تحطيم للآخر، أي تعتمد على الضبط والسيطرة بدون تسبب للأذى، أي الدفاع دون إيذاء الخصم قدر الإمكان؛ مثل سيطرة الشرطة في إطار احترام تام للقانون خلال القيام بتوقيف مجرم، دون أن يسببوا له الأذى في الدول التي تحترم حقوق الإنسان طبعا، بمعنى” رد الفعل المناسب للفعل ”

وهو يتكون من عدة تقنيات سواء بالأيدي والأرجل، ويمكن للكاتب من خلال مداخلته أن يفصل في هذا الباب.

- تقديم الأستاذ عبد القادر واعلي:

اعتبر أن ممارسة فن الأيكيدو عند الكاتب مختف تماما عن غيره، فالآخر غالبا ما يرغب في شهرة، أو ترويض للعضلات، أو الاستعداد لمدافعة غريم ما، لكن الكاتب اختار هذا الفن النبيل حبا في حكمته، والحكمة في أبسط تعريف فلسفي لها عند ابن رشد “أفلاطون العرب” كما يحلو للبعض أن يلقبه: “الحكمة هي النظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان، أي القدرة على فهم الأمور بعمق، واستيعاب جوانبها المختلفة”

إذن فنظرة الكاتب لهذا الفن تتجاوز القوالب التقليدية والنظرة الضيقة، لأن الهدف هو ” الرقي بالذات في مدارج الانتشاء الروحي حيث يعزف الجسد بحركاته المتناغمة والمنسجمة سيمفونية التسامي على اليومي والانفتاح على الغير وتقاسم قيم التسامح والتعايش …وإذا أردنا أن ندقق أكثر “أن يفقه الإنسان العلاقة المتلازمة بين الروح والجسد…”

وفي هذا السياق تذكرت كتابا قرأته منذ فترة طويلة وبقي عالقا بذهني وهو “الروح والجسد” للدكتور مصطفى محمود، الذي يمزج فيه بين الفلسفة والدين والواقع بأسلوب جذاب ومؤثر، فكل كلمة فيه تحمل معنى عميقا يدفعك للتفكر في معنى الحياة بصفة عامة حيث يقول: “الحياة امتحان، والنجاح ليس في الإجابة الصحيحة دائما، بل في القدرة على التعلم منها”، فهو يحاول أن يتجاوز الصراع المادي الروحي، حيث يجعل الروح مركزا لفهم الإنسان، بينما يعتبر الجسد وسيلة للتجربة والوجود في العالم.

إذن فالكاتب هنا إذا أردنا ان نضع مقارنة بسيطة، بحكمته وشاعريته رفع الستار عن عالم غني بالدلالات الفلسفية والتربوية والقيمية.

-  توطئة:

يقول الكاتب: “يحاول هذا الكتاب رصد طبيعة الجسد الحركية الخاصة برياضة الأيكيدو، وإن شئنا التعبير الأدق نقول فن الأيكيدو”.

إذا كانت تيمة الجسد كمفهوم معقد يتداخل مع الفلسفة والعلوم الاجتماعية والأنثروبولوجيا، ويعكس تجارب الإنسان وهويته عبر التاريخ، فإن الكاتب حاول ملامسة قضايا الجسد داخل مبحث الأيكيدو حيث يقول: “لكنا في هذا الكتاب المتواضع سنحاول ملامسة قضايا الجسد داخل مبحث الأيكيدو أي داخل رياضة تطرح إشكالياتها الخاصة انطلاقا من كونها رياضة وافدة من الشرق الآسيوي الموسوم بثقافته الخاصة تبعا لأصول مرجعياته الفلسفية المتجذرة في التاريخ وفي العتاقة”.

إذن فنحن أمام منطق آسيوي يوصف بأنه منطق متدرج يتجاوز الثنائيات الضدية، فالحديث هنا مركز على ثنائية الجسد بين الكوني المشترك، مقابل النوع الحيواني، والمحلي المشبع بالديني والثقافي، وهذا تأكيد آخر على أن مقاربة مفهوم الجسد من طرف الكاتب في فن الأيكيدو يكون من خلال “التأمل لهذه الرياضة في إطار التجربة فيها وداخل منظومتها” وهي مقاربة تمتح من المقاربة السوسورية التي وضعت قطيعة كوبيرنيكية مع الدراسات المقارنة، من خلال دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها.

إذن نحن هنا بصدد دارسة الجسد دراسة محايثة مغلقة في إطار فن الأيكيدو.

ولسبر أغوار هذا المؤلف الماتع استعملت مقاربة سيميولوجية باعتبارها علما للعلامة، ولها علاقة وطيدة بالجسد، وبالضبط السيميولوجية الأمريكية عند بورس التي تهتم بالفلسفة، عكس السيميولوجية الأوروبية عند غريماس التي تهتم بالسرد.

يتضمن الكتاب تسع يقظات:

اليقظة الأولى: سؤال الجسد في فن الأيكيدو.

اليقظة الثانية: إدهاش البداهة في فن الأيكيدو.

اليقظة الثالثة: المحارب الجميل.

اليقظة الرابعة: الحركة في فن الأيكيدو.

اليقظة الخامسة: شاعرية الجسد.

اليقظة السادسة: تأويل الجسد في فن الأيكيدو.

اليقظة السابعة: رسائل الهاكا.

اليقظة الثامنة: سقوط الجسد.

اليقظة التاسعة: الجسد في مقولة الكاتانا.

اعتبر الكاتب أن ميزة الجسد في هذا الفن غير مفروشة بالورود وإنما مغامرة محفوفة بالمطبات والانزلاقات الجانبية خاصة وأنه اعتمد في استقرائه للموضوع على شرطين مختلفين وهما:

التأمل: وهو غير قابل للقياس.

الملاحظة: قابلة للقياس، خصوصا أنه يمارسها ويطبق قواعدها.

إذن؛ كيف يفهم المتلقي وجهات نظر الكاتب، على اعتبار أن مفهوم نظرية التلقي وأصولها ترتبط بما يعرف بـ “مدرسة كونستانس” في ألمانيا، التي يمثلها كل من “هانس روبرت ياوس” و “فولفغانغ إيزر” وقد ركزت هذه المدرسة على القارئ بوصفه عنصرا فاعلا في العملية الأدبية، لا مجرد متلقي سلبي؟

كما أن “رولان بارث ” الناقد والمنظر الفرنسي، تحدث في مقاله النقدي الشهير سنة 1967 عن موت المؤلف la mort de l’auteur، ما يعني انفصال النص عن مؤلفه، وميلاد القارئ من خلال التعامل مع اللغة.

وقد قال الكاتب في هذا الشأن:” نستعين بذائقة المتلقي في تفهم وجهات نظرنا التي قد تبدو في بعض الأحيان مغرقة في التأويل، ولكنها لا تبلغ درجات الشطط والقفز على البداهات في استخراج المخرجات”

وقد طرح الإشكالية التالية:

كيف نعقل هذا الجسد المرن في ثقافة الأيكيدو؟

كيف يرسل إشاراته المشفرة ويحولها إلى معلومات قابلة للقياس، وقابلة للاستثمار في مجال التعلمات؟

هل هذا الجسد معطى جاهز وخاص أم هو جسد عام اكتسب خصوصياته الحركية عبر آليات التعلم المفرد والمتفرد في عالم فنون القتال؟

كيف يرقى هذا الجسد في ثنائية المادة والروح رقيا نوعيا يسير في اتجاه التميز المجاني القاضي بالتمايز فقط، أو القاضي بمقولة المفاضلة في غير معنى؟

يقول الكاتب: ” الجسد في فن الأيكيدو مقولة كائنة مفارقة دالة ووظيفية تتميز بالحضور الدائم لمفهوم اليقظة”

الشاهد على ذلك قوله: ” تتلخص في حلبة الأيكيدو في مواجهة الشريك تأهبا للنزال في مجال التنافس بواسطة الأدوات القتالية وخاصة ما يطلق عليه في هذه الأدبيات باسم الكاتانا katana، وهو سيف مستقيم وفي رأسه تقوس بنسبة قليلة جدا وبحد مضاء واحد، وبطول سبعين سنتمترا…”

- الجسد كعلامة سيميائية:

وفق تصور بورس، تقوم العلامة على ثلاثية (الممثل–الموضوع–المؤول).

1- الممثل: هو الجسد كعلامة.

2- الموضوع: هو الفكرة التي يحاول الكاتب إبرازها.

3 - المؤول: هو القراءة التي تعكس نظرية المتلقي أو القارئ.

وإذا طبقنا ذلك على النص، يمكن القول بأن الجسد بهذا المعنى يتجاوز وظيفته البيولوجية ليصبح:

أيقونة: يجسد التجربة الحسية والوجودية.

مؤشرا: يدل على حالات داخلية (كالقلق أو الرغبة)

رمزا: يعكس مفاهيم مجردة مثل الحرية والهوية.

وبذلك، يتحول الجسد إلى وسيط تأويلي يربط بين الذات والعالم، حيث لا يفهم الواقع إلا عبره.

البنية السردية والزمن: لا يعتمد النص سردا خطيا تقليديا، بل يقوم على:

تشظي الزمن (استرجاع وتأمل)

تداخل اللحظات الشعورية

غلبة البعد التأملي على الحدث

وهذا يجعل الزمن: زمنا نفسيا مرتبطا بإدراك الجسد، لا زمنا كرونولوجيا ثابتا.

اللغة والأسلوب: تتميّز لغة النص بـ:

الكثافة الرمزية

الانزياح البلاغي

الطابع الشعري التأملي

وهذا يمنح النص عمقا دلاليا، لكنه في المقابل يفرض قارئا نشيطا قادرا على التأويل، وقراءة ما بين السطور، بعيدا عن القراءة السطحية المباشرة، فإن كان ممن يمارسون أو لهم دراية بفن الأيكيدو فستكون لهم إضافة نوعية، لأنهم سيجدون فيه الخلفيات الاجتماعية والنفسية والروحية التي تتجاوز كونه مجرد رياضة لتقوية الجسد والتحكم في مفاصله، إلى كونه تجربة عميقة يتفاعل فيها الجسد والروح، وإن كان ممن لا يمارسون هذا الفن، سيكتشفون أن لهذه الرياضة تصورا خاصا للأجساد، وأن لها فهما خاصا للحركات واللباس، وتصورا لدور الآخر ووظيفته، وسيكون مناسبة للفهم والتعمق في علم ما لا يعلون، وكما يقال فوق كل ذي علم عليم.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله:

تعلم فليس المرء يولد عالما

وليس أخو علم كمن هو جاهل

وإن كبير القوم لا علم عنده

صغير إذا التفت عليه الجحافل

وإن صغير القوم إن كان عالما

كبير إذا ردت إليه المحافل

خلاصة القول فالكاتب اشتغل على تحويل الجسد إلى خطاب يقدم تجربة قراءة قائمة على التأويل لا التلقي المباشر، حيث يصبح المعنى نتيجة تفاعل بين: النص، والقارئ، والسياق الفكري.

يقول الكاتب: “ليس سؤالا سؤال لا يضعنا أمام مرايا الشك”، المقصود هنا الشك الذي يوصلنا إلى الحقيقة، ثم يسترسل القول: ” في هذا المألوف الذي يحبس النظر في الأمداء الممكنة في علاقتنا بذواتنا وعلاقة ذواتنا بما حول”

إنه المنهج الشكي الذي استعمله الأديب طه حسين في “الشعر الجاهلي” حيث استمده من كوجيطو الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، هذا المنهج الذي يعتبر الشك أداة قوية للبحث عن الحقيقة والمعرفة.

فالكاتب كان يدخل الركح “مفصولا عن جسده” يروضه ويخسس وزنه ويشذب ديناميته المبنية داخل أنساق الزقاق لتدخل السينما كعنصر حيث يتماهى الجسد مع أبطال تاريخيين كـ هرقل وسبرتاكوس وعنترة بن شداد أو إظهار قوة الجسد أمام الآخر لسبب أو لأخر.

الحقيقة التي وصل إليها الكاتب هي أن “رقصة (أتاي شباكي) ” هذا الطقس الذي يتكرر في كل حصة تدريبية، حيث يقول: «وفي تكراره تنتفي البداهة والرتابة بحيث تخرج هذه الحركات من مجرد إجراء تمهيدي ….. إلى دينامية تخالط نسغ حياة الممارس لهذا الفن”.

إن المنطق الفلسفي هو منطق السؤال والشك قبل البحث عن الأجوبة، كاتبنا المتواضع المتعدد المواهب الأستاذ نور الدين حنيف أبو شامة؛ الشاعر المتمكن والزجال المتمرس والروائي المبدع، طرح إشكالية اعتبرتها أساسا في التعامل مع الكتاب، واستفزتني في البحث والتنقيب والتمحيص والقيام بعمليتي الهدم والبناء، يقول:

ما هو جسدي؟ وما طبيعته؟ وماذا أريد منه؟ ولم أدخلته في هذا السياق الرياضي والفني والفلسفي؟ وماهي مدخلاته الأساسية؟ وماهي مخرجاته المرجوة؟ وكيف أحاور أجسادا أخرى؟ وكيف أتعالق معها في سياقات إكراهية؟

بصفة عامة يمكننا القول بأن المتلقي الفطن، سيستنتج بأن مقاربة رياضة الأيكيدو من طرف الكاتب، تقدم تصورا خاصا للجسد في حركاته وسكناته ولباسه المميز، الشيء الذي يجعلنا نغير نظرتنا بل وتمثلنا عن الوظيفة التقليدية للجسد، فعندما قال الكاتب: “هكذا يدعونا فن الأيكيدو إلى الاستماع إلى هذا الجسد إلى ملاحظته وهو يتحرك في الفضاءات الممكنة داخل قاعة التدريب، على صفيح الركح المتميز بطقوسه الخاصة والمختلفة”، ثم يتحدث فيما بعد عن رقصات الجسد التي تعتبر أساسا في التحكم في الجسد، رغم النظرة المتحفظة عند البعض، إذن هي سلسلة من الحركات التي تنبني على إيقاعات خاصة، يقول: “تمهد للمارس فكرة التحكم في الجسد انطلاقا من تمهيره على اللف والدوران في افتراض مواجهة الآخر الموصوف بالخصم في رياضات أخرى، والذي تسميه فلسفة الأيكيدو بالمشارك أو الشريك”.

وهذا يندرج من جهة ضمن الفكر الصوفي؛ حيث صورة الجسد عندهم وخلفياته تتجلى في تطويعه من أجل خدمة التجربة بتوجيه طاقاته، وتوظيف جوارحه، لتحقيق درجة من الصفاء تسمح بمعانقة العالم العلوي، وبلوغ الحضرة الإلهية.

ويكون ذلك عبر طقوس الذكر والإنشاد والرقص، ومن جهة أخرى يجعلنا نؤمن بأن الجسد يقودنا إلى ثقافة التسامح المنسجم مع الاختلاف، والقبول بالآخر، ونبذ العنف بكل أشكاله، لأننا نشتغل داخل فضاء مشترك.

وهنا تتجلى القدرة على الفهم العميق لمعنى ثنائية الجسد واليقظة، يوقل الكاتب “إن ممارس فن الأيكيدو محارب جميل”

يضع الكاتب بين أيدينا مادة دسمة وخلخلة لعدة مفاهيم ظلت مبهمة:

اللباس: ليس مجرد قطعة قماش نستتر بها “الهاكاما” سروال يرتديه الممارس، يتم التعامل معه بكل احترام، لأنه يحمل قيم إيجابية، ويعتبر طقسا مميزا روحيا في ارتدائه وفي طيه وأثناء الركوع.

اللون: ليس لونا تمييزيا بل فرضه سياق معين.

السيف: ليس مجرد آلة حربية.

الجسد: أثناء سقوطه، يكون تعبيرا عن مهارة تم سقلها لسنوات، لأن كل حركة للجسد تكون بطريقة متوازنة وسلسة، فالممارس يعي تماما كل تفاصيله حتى يستطيع الحفاظ على سلامته.

يمكن اعتبار المتن محاولة جادة لتجاوز الثنائية التقليدية (جسد/عقل)، حيث: لا يعود الجسد تابعا للعقل، بل يصبح مصدرا للمعرفة والإدراك؛ يوقل الكاتب: “وطيلة هذه الممارسة أو المحاورة بين الممارس والشريك، يظل الخطاب مفتوحا بين الروح والجسد يتكاملان لتأسيس وحدة عضوية طرفاها مختلفان اختلافا جذريا من حيث طبيعة كل منهما ولكنهما منسجمان في التوجيه، وفي بناء منظومة مختلفة لرياضة الأيكيدو”

غير أن هذا الطموح التأويلي يصاحبه نوع من الضعف في البنية الحكائية، وهذا طبيعي لأن النص أقرب إلى كتابة فكرية تأملية منه إلى سرد روائي تقليدي.

خاتمة:

في ضوء ما سبق، يتبيّن أن «الجسد اليقظان» نص سيميائي بامتياز، يعيد الاعتبار للجسد بوصفه نظاما دلاليا حيا، حيث يتشكل المعنى من خلال تفاعل العلامات داخل النص ومن خلال تأويل القارئ.

وبين مقاربة بورس التي تؤكد دينامية المعنى، ومقاربة غريماس التي تكشف بنيته، يقدم النص تجربة فكرية غنية تنفتح على قراءات متعددة.

لا يسعني القول في الأخير، سوى أن الكاتب سرى بنا في متاهات وردهات فن الأيكيدو بكل تواضع، بل وجعلنا نعيش لحظات من هذا الفن النبيل، ونغرف من نهر عطائه حتى الثمالة متأثرين بتجربته المتفردة، وكتابته الرصينة التي جعلتنا نفكر في اقتحام دروبه بكل عزيمة وثبات.

***

بقلم الأستاذ الناقد: محمد التانغمالتي - المغرب

(1963-2026)

كتاب الراحل العراقي شاكر الناصري، "مجرد وقت وسيمضي، يوميات السرطان" بحد ذاته مكرس لموضوعةٍ قاهرةٍ، إنها تجربة حياتية قاسية جدّا يصعب تصوّرها تمر هكذا ببساطةٍ. ويعرف أغلب أصدقاء المؤلف وقرّائه حماسَتَه ككاتب وإنسان عانى ما عاناه في حياته الشخصية كأي مثقف عراقي خاض معترك الحياة بشجاعةٍ، وقام بالأمر ذاته عند تصوير معاناته الصحية والنفسية في أثناء كتابة "اعترافاته اليومية" على جبهة المرض الخبيث منذ اللحظة الأولى حتى نهاية الطريق! 

‏ويكفي هنا الاطلاع على فهرست كتابه المليء بالتجارب الغنيّة والمفاهيم والآراء الثريّة ليشعر المتلقي بقيمة هذه التجربة الإنسانية وصعوبتها. ولا بدّ لنا هنا من نقل بعض العناوين المهمة ليشعر القارئ بشجاعة هذا الكاتب وهو يكتب عن جسامة الحرب مع السرطان ومواجهة آلامه في 164 صفحة من الحجم المتوسط من إصدار دار الرافدين 2025.

يبدأ الكاتب الراحل شاكر الناصري سرديتَه بإهدائها إلى عائلته الكريمة: زوجته وابنتهما وولدهما: "إلى ابتهال وديار وطيف معكم كنتُ قويّاً، ومعكم تجاوزتُ محنة الرعب الأولى، على أمل أن نجتاز معاً محنتنا القادمة" ص 7.

منذ البداية يعبّر الكاتب شاكر الناصري عن محبّته لعائلته وتعلّقه بها، أسرته التي صاحبته أوّلاً باوّل منذ الخطوة الأولى في مسيرته النضالية الصعبة حتى الرمق الأخير، كذلك لا ينسى التعبير عن شكره وامتنانه لأصحابه وزملائه الكتّاب: قحطان جاسم، سليمان جوني، صلاح حسن وعلي حاكم، الذين وقفوا جنباً إلى جنب معه لإنجاز كتابه المكرّس لهذا المرض الخطير منذ بداياته حتى نهايته.2760 shaker alnaseri

 في فصل "رعب الاحتمالات" يعيش في دوامة إثر الأخرى في زحمة الاحتمالات، ومع ذلك يتحدث عن الأمل ويصف السرطان في معدته "لغم في المعدة"!

أقول بكل صراحة: لم يكن من السهل عليّ الاستمرار في قراءة هذه السردية دون توقف واستراحات، وكنت أشعر بين الفينة والأخرى بالمرارة والحاجة الماسّة للتواصل مع المؤلف شاكر الناصري من خلال رسائل نصيّة قصيرة معينة عن نصوصه وحالته النفسية كنوع من الدعم والمساندة، والتنفيس أيضاً عن وضعي والألم الذي كنت أعاني منه شخصيّا رغم أني لم أكن قريباً منه كأصدقائه الآخرين. لا أزال أتذكر استجابة الراحل شاكر الناصري لكتابتي عن رحيل صديقنا الكاتب الراحل عدنان المبارك في الفيس بوك قبل أكثر من عقد بقليل حيث أبدى الاهتمام بالأمر وعرضَ تقديم المساعدة.

يبدأ الكاتب بوصف "اليوم الكيمياوي الأول الثلاثاء 28 تشرين الثاني 2023 وموقف الأصدقاء منه وتعاضدهم وتعاونهم معه وتشجيعهم له ومساندتهم له! نص جميل مليء بتجربته عن الصداقة وانطباعاته عن أهميتها في مثل هذه الأوقات الصعبة وعن اليوم الكيمياوي.

ويعيدنا شاكر الناصري إلى طفولتنا من خلال السخرية أحيانا باستخدام مفردة قد نكون نسيناها، إنها "المحجارة" التي كنّا ننظف أقدامنا بها في الحمّام، هذا ما ذكره للقارئ في فصل "اليوم الكيمياوي الثاني"!

ورغم قساوة الحدث وصعوبته، لكن الكاتب، مع ذلك يعرف كيف يصل إلى أحاسيس القارئ العراقي من خلال استخدام مفردات تثير النوستالجيا: "المحجارة"، "نمره صفر" حيث يتعرض لحلاقة شعره "نمره صفر".

ويأخذنا الكاتب إلى طفولته الجميلة في "قرية فرحان" رغم صعوبات الظروف!  أو يقول ساخراً من الذين يخفون إصابتهم بهذا المرض الخبيث: "... صايره موديل، هوايه ناس تشيل المعدة من أجل الرشاقة والتخلص من متاعب السمنة والكرش|" ص 42

ويناقش الكاتب في فصل "تجارب: كل يوم نعيشه هو بمثابة هدية! تجارب الحياة التي مر بها أثناء علاج "إمبراطور الرعب"، حيث يعيش "حالة الرعب و"الصداع" الذي تعرض له، كذلك "نوبات الصمت"، ويصوّر معاناته في "اليوم الكيمياوي الثالث"، ومع ذلك رغم حالته الإنسانية المرضية القاسية لا يتوانى عن التطرق إلى قضية "فلسطين ومجازر غزة وسرطان الاحتلال".

وأتذكر أننا عندما تحدثنا في مكالمات تليفونية لم ينسَ أن يذكر لي قلقه بسبب القضايا السياسية، رغم محاولة تهدئته، لكنه كان يعاني. ومع ذلك فكرتُ في هذا الأمر المهم جدّا، وحتى بعد إزالة المعدة، بقي يعاني من القلق ليس بسبب المرض فحسب، بل أيضاً الأوضاع السياسية، ويذكر هنا في كتابه الذي نحن بصدده صديقَه الأكاديمي والروائي سنان أنطوان المقيم في أميركا وتعرضه للمشاكل بسبب تضامنه مع الشعب الفلسطيني!

لا يكتفي الراحل شاكر بتجربته مع مرض السرطان الشخصية فحسب، بل وتجارب شخصيات أخرى كبيرة، مثل الشاعر المصري أمل دنقل وأخرين.

ومهم هنا أن تكون قراءتنا لهذا العمل صحيحة لناحية الاعتبارات الفنية، ولا نخرجه عن إطار "نوعه" الأدبي ومقوماته، فهو ليس سيرةَ حياة رغم توفر بعض مقومات السيرة، ولا رواية تقليدية، بل سردية أو يوميات تتوفر فيها مقومات متنوعة. ولم يقصد الكاتب أن يكتبها كرواية رغم وصف حالة "الإنسان الخاص" "البطل المعاني" من الداخل، ولا يُفترض بنا أيضا التعامل معها من الناحية اللغوية من تلك المنطلقات الأدبية الفنية، فعلينا أن نفهم أن الكاتب كان يكتبُ وهو في حاله حزن شديدة، مع ذلك لا أقصد أنا أنه كان محبطاً ويائساً كونه لم ينسَ أيضا التعليق على القضايا السياسية.

وتطرق إلى كتب أخرى مشابهة لكتابه بطريقة فنية متحررة من الأسلوب الأكاديمي، بل متمّمة مع النص واللغة، لا أرى ضرورة لذكرها هنا تاركاً الأمر للقارئ ليطّلع عليها بنفسه.

‏يتميز المرحوم شاكر الناصري بنكران الذات والتضحية، فرغم معاناته من المرض الخطير وأنه يمكن أن يتعرض للوفاة في أي لحظة، لكنه مع ذلك يسافر إلى العراق لزيارة أخته التي تعاني هي أيضاً من المرض الخبيث عينه، وهو ما أشار إليه صديقه الكاتب علي حاكم صالح.

‏ومن المواقف المؤلمة والحساسة، نذكر أن الكاتب يقدم لنا عراقيين مغتربين معه في المحنة ذاتها: شاعر عراقي رائع يذكره باسمه الحقيقي يقاوم المرض بضراوة، وهو صديق شخصي لنا، عراقي أخر مريض بالسرطان، طبيبة عراقية كانت تراقب الرنين المغناطيسي تقدم لهم العون قدر استطاعتها في تدقيق مفصل حسّاس من تطور المرض!

أهم ما يقرب هذه السردية من القصة الصحفية الوثائقية كون الكاتب يذكر أبطالَها بأسمائهم الحقيقية، كلهم يتجمعون في مستشفى أجنبية خارج بلدهم العراق، عراقيون يتحدثون بلغتهم!

يصف السارد حالة زوجته ابتهال، ابنتهما ديار وابنهما طيف، غادر الأب الكاتب تاركاً عائلته كشجرةٍ مثمرةٍ وارفةِ الأغصان في هذا البلد الإسكندنافي، كأننا أمام لوحةٍ كبيرةٍ ترمز إلى وادي الرافدين: العراق!

***

الدكتور زهير ياسين شليبه

تُعدّ ملحمة «إنكي وتنظيم العالم» واحدة من أهم النصوص السومرية التي وصلت إلينا من بلاد الرافدين القديمة، ليس لكونها تروي حكاية دينية عن إلهٍ عظيم فحسب، ولكن هناك أهمية خاصة، لأنها تكشف رؤية حضارية كاملة للعالم، وللعلاقة بين الإنسان والطبيعة والسلطة والاقتصاد والطقوس. النص الذي عُرف حديثًا في الدراسات الغربية بعنوان و «ملحمة إنكي وتنظيم العالم» الذي عمل على تحقيقه ودراسته المستشرق وأحد عالماء السومريات ابروفيسور/ جيرولد س. كوبر، إذن نحن مع نافذة نادرة لفهم الطريقة التي تخيّل بها السومريون نشأة النظام الاجتماعي والكوني في عالمهم.

فالملحمة لم تتعامل مع فكرة الخلق من العدم كما سنجد لاحقًا في بعض النصوص البابلية أو التوراتية، بل تقدّم تصورًا مختلفًا يقوم على إعادة تنظيم الكون بعد مرحلة اضطراب أو خلل. إنكي هنا ليس خالقًا بالمعنى المطلق، هو مهندس كوني، ومُنظّم للحياة، وحارس للتوازن بين الماء والأرض والمدينة والزراعة والتجارة.

الماء، الجغرافيا، وإعادة ترتيب الكون في المخيال السومري

أهم ما يلفت الانتباه في هذه الملحمة هو مركزية الجغرافيا. النص لا يتحرك في فضاء أسطوري غامض، بل داخل عالم يمكن تتبّع حدوده ومعالمه. تبدأ الأحداث من مدينة إريدو، المدينة المقدسة المرتبطة بإله الحكمة والمياه العذبة إنكي، وهي مدينة تقع في أقصى جنوب بلاد الرافدين قرب الأهوار والخليج. هذا الاختيار لم يكن عابرًا، فإريدو في المخيال السومري تعتبر نقطة اتصال بين العالم البشري والعالم الإلهي، ومقرّ «الأبسو»، أي المياه الجوفية العذبة التي اعتُبرت أصل الحياة كلها.

الرحلة الكبرى

ومن هنا تنطلق الرحلة الكبرى التي يقوم بها إنكي عبر الأهوار والأنهار ثم باتجاه الخليج والمناطق البعيدة. الملحمة ترسم خريطة واسعة للعالم المعروف للسومريين: سومر، أور، دلمون، ملوخا، عيلام، ومَرهاشي. هذه ليست أسماء أسطورية بالكامل، لكنها كلها تعكس شبكة حقيقية من العلاقات التجارية والسياسية والثقافية التي عرفتها بلاد الرافدين في الألف الثالث قبل الميلاد. فـ«ملوخا» تشير غالبًا إلى وادي السند والهند القديمة، و«دلمون» ترتبط بمنطقة الخليج، بينما تشير عيلام إلى مناطق إيران الحالية. النص هنا يكشف وعياً جغرافياً مدهشًا؛ إذ تبدو سومر مركز العالم المنظم، بينما تتحول الأطراف إلى مساحات للتجارة أو التهديد أو الموارد النادرة.

لكن الجغرافيا في الملحمة أكثر من مجرد وصف للمكان، هي نظام رمزي أيضًا. فكل منطقة لها وظيفة داخل البناء الكوني. المدن السومرية تمثل النظام والحضارة، الخليج يمثل الانفتاح والتبادل، الأراضي البعيدة تمثل الثروات الغريبة، والمناطق الشرقية المعادية تمثل الفوضى التي يجب ضبطها أو إخضاعها. إنكي لا يكتفي بالسفر، بل يعيد توزيع الأدوار والوظائف على الأماكن والكائنات والآلهة.

إنه منح الأنهار مهامها، وحدد للبحار طبيعتها، ومنح المستنقعات أسماكها، وجعل الزراعة ممكنة عبر تنظيم المياه. ومن هنا يمكن فهم الملحمة باعتبارها نصًا سياسيًا أيضًا؛ فهي تعبّر عن رؤية سومرية ترى أن الاستقرار الحضاري يقوم على السيطرة على الطبيعة وتنظيمها، لا على مواجهتها بالعنف وحده. الماء يجب أن يُضبط، والأرض يجب أن تُقسّم، والحدود يجب أن تُعرّف، والاقتصاد يجب أن يُدار عبر نظام مقدّس. حتى التجارة الخارجية تبدو جزءًا من هذا النظام، إذ تُصوَّر البضائع القادمة من المناطق البعيدة وكأنها تدخل ضمن ترتيب كوني يمنح سومر مركزيتها وهيمنتها الرمزية.

الماء العذب، أو «الأبسو»، هو القلب الحقيقي للملحمة

من الصعب فهم النص من دون إدراك أن حضارة جنوب العراق القديمة كانت حضارة أنهار وأهوار وقنوات ري. الماءكان شرطًا للوجود نفسه. لذلك يظهر إنكي بصفته سيد المياه العذبة والحكمة والخصوبة. الأبسو في النص ليس بحرًا عاديًا، بل عالم سفلي مائي، ومصدرًا خفيًا للحياة. إنّه الخزان الكوني الذي تنبع منه الأنهار والخصوبة والنظام.

ومن المهم أن ننتبه إلى أن الملحمة تقدّم تصورًا معقدًا للماء؛ فهو عنصر طبيعي وروحي في آن واحد. إنه مادة للحياة، لكنه أيضًا قوة مقدسة مرتبطة بالخلق والسلطة والمعرفة. حين يقوم إنكي بتنظيم دجلة والفرات، لا يفعل ذلك بقرار إداري فحسب، بل عبر طقس كوني ذي أبعاد جنسية ورمزية.

النص يصف إنكي وكأنه يخصّب الأنهار بمائه، في صورة تربط بين الماء والسائل الحيوي والقدرة على الإنجاب. هنا تصبح الطبيعة نفسها جسدًا حيًا، وتتحول الأنهار إلى كائنات أنثوية تتلقّى الخصوبة. هذا التصور قد يبدو غريبًا للقارئ الحديث، لكنه يكشف كيف فهم السومريون العلاقة بين الماء والزراعة والحياة. فالماء ليس مجرد وسيلة للري، بل قوة ولادة مستمرة.

وتكشف الملحمة أيضًا عن إدراك عميق لدور شبكات الري والقنوات في بناء الحضارة. إنكي يعيّن آلهة متخصصة للإشراف على الأنهار والمستنقعات والبحار والأمطار والزراعة. كل مجال له مسؤول إلهي، وكأن الكون يدار مثل دولة كبرى لها جهاز إداري معقّد.

هذا الجانب مهم جدًا لأنه يعكس طبيعة الدولة السومرية نفسها، التي اعتمدت على إدارة المياه والقنوات وتنظيم العمل الزراعي. فالحضارة هنا لا تقوم فقط على الإيمان الديني، بل على المعرفة التقنية أيضًا. لذلك يظهر إنكي كإله للحكمة العملية، لا للحكمة التأملية فقط. إنه يعرف كيف يجعل الأرض تنتج، وكيف يجعل الأنهار نافعة، وكيف ينظم العلاقة بين الإنسان والطبيعة. حتى الفيضانات أو المياه غير المنضبطة تبدو ضمنيًا تهديدًا للفوضى. ولهذا يمكن القول إن الملحمة تعبّر عن خوف حضاري عميق من انهيار النظام المائي الذي قامت عليه سومر.

أما الطقوس، فهي البنية الخفية التي تربط كل شيء في النص. الملحمة لا تفصل بين الدين والسياسة والطبيعة والاقتصاد. كل فعل من أفعال إنكي يتم داخل إطار طقسي. رحلته تبدأ بمراسيم وتجهيزات مقدسة، والسفينة التي يستخدمها ليست مجرد وسيلة نقل، بل جزء من الاحتفال الديني. حتى تنظيم البحر أو بناء المعبد أو توزيع الوظائف على الآلهة يتم بلغة قريبة من الطقوس والشعائر.

وهذا يكشف طبيعة الفكر السومري الذي كان يرى أن النظام الكوني لا يمكن أن يستمر من دون شعائر تعيد تثبيته باستمرار.

الطقس أكبر من مجرد عبادة، هو آلية لحفظ العالم من العودة إلى الفوضى. ولذلك ترتبط المعابد في النص بالوفرة الاقتصادية أيضًا؛ فهي أماكن للقرابين والغلال والسمك والجعة والحبوب. الغذاء نفسه يتحول إلى جزء من النظام المقدس.

إنكي حين ينظم الزراعة والمياه لا يفعل ذلك فقط لإطعام البشر، بل أيضًا لضمان استمرار المعابد والطقوس والعلاقة بين البشر والآلهة.

وتتجلّى أهمية الطقس أيضًا في وصف المعابد الداخلية بوصفها أماكن غامضة لا يمكن فهم أسرارها بسهولة. النص يستخدم أوصافًا تشير إلى التعقيد والتشابك، وكأن الداخل المقدّس للمعبد يمثل صورة مصغّرة للكون نفسه. هذه الفكرة مهمة لأنها تكشف أن المعبد في الحضارة السومرية لم يكن مكان عبادة فقط، بل مركزًا للسلطة والمعرفة والإدارة والاقتصاد. ومن هنا يصبح إنكي إلهًا يجمع بين الحكمة الدينية والتنظيم السياسي والقدرة التقنية. إنه ليس إله حرب مثل بعض الآلهة اللاحقة، بل إله بناء وترتيب وإدارة. وحتى عندما تذكر الملحمة أراضي العدو أو المناطق المعادية، فإنها لا تركّز على البطولة العسكرية بقدر تركيزها على إعادة إدخال تلك المناطق ضمن النظام العام الذي تديره الآلهة.

في القسم الأخير من الملحمة تظهر الإلهة إنانا، وهي تمثل عنصر الاضطراب والحركة والرغبة والقوة غير القابلة للسيطرة الكاملة. وجودها مهم جدًا لأن النص لا يقدّم النظام بوصفه حالة ثابتة نهائية. العالم المنظم يظل مهددًا دائمًا بالفوضى والتوتر والتغيير. إنكي يضع القوانين والوظائف، لكن الحياة نفسها تبقى متحركة وغير مستقرة. وهذه نقطة فلسفية عميقة في النص؛ فالحضارة ليست انتصارًا نهائيًا على الفوضى، بل عملية مستمرة من إعادة التنظيم. وربما لهذا السبب بقيت هذه الملحمة حية في الدراسات الحديثة، لأنها تقدم تصورًا معقدًا للعلاقة بين السلطة والطبيعة والمعرفة.

الناحية الأدبية

ومن الناحية الأدبية، تتميز الملحمة بلغة شعرية تجمع بين التكرار والإنشاد والوصف الطقسي. النص يحمل إيقاعًا احتفاليًا واضحًا، ويستخدم تراكيب تتكرر لتأكيد السلطة الإلهية وترسيخ النظام الكوني. كما أن كثرة القوائم والتقسيمات ليست ضعفًا فنيًا كما قد يظن البعض، بل جزء من طبيعة الفكر الإداري السومري نفسه. فالتعداد هنا يعكس رغبة في تصنيف العالم وترتيبه. كل شيء يجب أن يكون له اسم ووظيفة وحدود. وحتى حين يصف النص المستنقعات أو الأسماك أو القنوات، فإنه يفعل ذلك ضمن رؤية كونية ترى أن النظام يبدأ من تسمية الأشياء وتحديد مواقعها.

في النهاية، تكشف «ملحمة إنكي وتنظيم العالم» عن حضارة كانت ترى أن بقاء الإنسان مرتبط بقدرته على إدارة الماء وتنظيم الطبيعة وتحويل الفوضى إلى نظام. أي إنها ملحمة عن الجغرافيا بقدر ما هي عن الآلهة، وعن الاقتصاد بقدر ما هي عن الطقوس.

وتمنحنا هذه الرؤية فهمًا أعمق لبلاد الرافدين القديمة بوصفها حضارة قامت على هندسة الماء والمدينة والرمز. إنكي في هذا النص هو صورة مبكرة لفكرة الحاكم المنظم والعقل الذي يمنع العالم من الانهيار.

وربما لهذا السبب ما تزال هذه الملحمة قادرة حتى اليوم على إثارة التأمل؛ لأنها تذكّرنا بأن الحضارة ليست معطى ثابتًا، بل توازن هشّ بين الطبيعة والمعرفة والسلطة والطقس.

***

حميد عقبي

............................

* رابط فيديو لمشاهد عرض كامل عن الكتاب

https://youtu.be/X7_sS6On1o0?si=8ltcxJ9hBXiZyuDt

صدر حديثاً عن دار كوديا للنشر والتوزيع في بغداد كتابٌ للشاعر العراقي كاظم غيلان بعنوان "يوميات كاتب عرايض"، يقع في 174 صفحة من القطع المتوسط.

هكذا تبدأ حكاية الكاتب:

 " الذي قادني لكتابة العرايض وامتهانها هو عريضة طلبت مني شقيقيتي الكبيرة (نجاة) تنظيمها معنونة إلى وزير الدفاع تشكوه حالها في البحث عن مصير ولدها (حيدر) الذي فقد ابان حرب الخليج، نظمت العريضة وقصدت باب المعظم لطباعتها فذلفت أحد المحلات لذلك، وجدت الشاب الذي جلس خلف الطابعة يعمل ببطء فدفعني فضولي بأن أقوم بطباعتها وعلى الفور فسح لي المجال.

وما أن انتهيت وسلمته أجرة الطباعة حتى سألني:

ماشاء الله سريع.. ليش ما تشتغل عدنه؟".

ومنذ ذلك اليوم، بدأ الشاعر يجلس كل صباح تحت مروحةٍ متعبة في زاويةٍ من بناية قديمة تضم مكاتب للاستنساخ في باب المعظم، خلف طاولة خشبية تآكلت أطرافها من كثرة ما انحنت فوقها أيدي الناس وهم يترجون الكلمات.

على الطاولة بضعة أقلام، وأوراق صفراء، وصورة صغيرة للرئيس موضوعة بحذر؛ لا عن قناعةٍ دائماً، بل لأن الزمن كان يفرض على الجدران والطاولات والقلوب أن تضع صورته في كل مكان.

 كان يعرف في داخله أنّه ليس مجرد كاتب، بل مستودع خوفٍ طويل، يسمع يومياً ما لا تجرؤ الشفاه على قوله بصوتٍ مرتفع.

تأتيه امرأة سوداء العباءة، تحمل صورة ولدها الذي قُتل في الحرب، وتجلس أمامه بصمتٍ ثقيل. تُخرج الصورة من كيسٍ نايلون قديم، كأنها تُخرج قلبها.

تقول له بصوتٍ مرتجف:

"اكتب.. إلى السيد الرئيس.. ابني استشهد في المعارك، وعندي خمس بنات.. أطلب شمولنا برحمة سيادته".

كان يعرف أن العبارة الأخيرة ليست من قلبها، بل من خوفها.

فيكتبها بحبرٍ بطيء، ويختار الكلمات كما يختار المرء خطواته في حقل ألغام.

ثم يأتي شاب نحيل يحمل شهادة جامعية مطوية عشرات المرات. يجلس متوتراً وينظر حوله قبل أن يتكلم:

 “"أستاذ.. أريد تعيين.. أي وظيفة.. حتى لو فراش

فيكتب له عريضة طويلة عن الوطنية وخدمة الوطن والثقة بالحزب والثورة، بينما كان يعرف أن الشاب لم يعد يريد وطناً بقدر ما يريد راتباً يسند به أمه.

وأحياناً يأتي طفل يتيم، تدفعه خالة أو جار، يحمل أوراقاً رسمية أكبر من عمره. يقف بصمت، فيسأله الكاتب:

“شنو تريد يا ولدي؟”

فيجيبه الطفل كأنه يحفظ درساً:

“"أريد مساعدة لأن والدي متوفي

كان الكاتب يشعر عندها أن الورقة أكبر من الطفل، وأن الدولة كلها أكبر من أحلام الناس، وأن الجميع صاروا يكتبون طلبات نجاة لا طلبات حياة.

ورغم ذلك، أحبَّ هذه المهنة.2734 khadoليس لأنها بالكاد تُطعمه، بل لأنها جعلته يرى العراق كله يمر أمام طاولته.

رأى الضابط المتكبر حين يخلع قسوته ليطلب نقل ابنه من الجبهة، ورأى المسؤول الحزبي يرسل خادمه ليكتب عريضة علاج لزوجته. ورأى الفقراء وهم يضعون آخر ما يملكون في جيبه مقابل صفحةٍ قد لا يقرأها أحد.

كان يسمع القصص أكثر مما يسمع الكلمات، وكان يعرف أن كل عريضة تخفي خلفها خوفاً من الجوع، أو السجن، أو الحرب، أو الاختفاء.

وفي بعض الليالي، حين يعود إلى غرفته الصغيرة في الفندق الكئيب، يشعر أن أصابعه لم تعد تكتب بالحبر، بل بآهات الناس.

ومع ذلك، كان يواصل الجلوس كل صباح خلف طاولته الخشبية، تحت المروحة العتيقة، يكتب للناس رسائلهم إلى سلطةٍ بعيدة، بينما هو نفسه لم يكتب يوماً عريضةً واحدة لنفسه.

 كان الشاعر كاظم غيلان يعتقد أن القصائد يمكن أن تطعم القلب على الأقل، لكن بغداد علّمته بسرعة أن القلب نفسه يحتاج إلى خبز، وأن الشاعر الذي لا يملك واسطة ولا راتباً ولا حزباً، يتحول بالتدريج إلى رجل يبحث عن أي مهنة تمنحه حق البقاء.

جاء من محافظة جنوبية بعيدة، من مدينة يغمرها القصب والملح ورائحة الأهوار، يحمل حقيبة صغيرة ودفتر شعر سميكاً. كان يحلم أن تصبح بغداد مدينته الكبرى؛ مدينة المقاهي الثقافية والجرائد والندوات، لكنه اكتشف أن العاصمة لا تسأل القادم إليها عمّا يكتب، بل عمّا يملك.

لم يشعر بالإهانة، لأنه اكتشف مع الوقت أن ما يكتبه ليس بعيداً تماماً عن الشعر. صحيح أنه لم يعد يكتب عن الحب والحرية، بل عن طلبات التقاعد ومعاملات نقل النفوس، وشكاوى الموظفين. لكن العرائض نفسها بدت له نوعاً آخر من الشعر؛ شعراً موجوعاً ومكسوراً، بلا استعارات.

كانت امرأة عجوز تأتيه كل أسبوع تقريباً، تطلب منه أن يكتب رسالة إلى دائرة الشهداء، وتقول له كل مرة:

.“"اكتبها بطريقة تبچيهم يمّه.. خليهم يحسون بابني

فيكتب لها بلغة رسمية، لكنه يهرّب بين السطور شيئاً من قلبه، كأن يصف الابن بأنه "سقط وهو يحلم بوطن كريم".

وكان شاب عاطل يقف أمامه مرتبكاً، يطلب عريضة تعيين، فيسأله:

 شنو اختصاصك؟

فيجيب بخجل:

هندسة.

فيبتسم الشاعر- كاتب العرائض- بمرارة، لأنه هو أيضاً يحمل اختصاصاً لا يطعم أحداً: الشعر.

شيئاً فشيئاً، صار يعرف بغداد من خلال وجوه المنكسرين؛ المدينة التي حلم بها كقصيدة طويلة، ظهرت له ككومة عرائض مختومة بالطوابع الرسمية.

حتى لغته تغيرت؛ اختفت المفردات الحالمة، وحلت محلها كلمات مثل: "راجين التفضل” و”استناداً للتعليمات" و”مع التقدير".

وأحيانًا، حين يخلو المكان عند الظهيرة، كان يقلب مسودة إحدى العرائض ويكتب على ظهرها بيت شعر سريعاً، ثم يمزقه قبل أن يراه أحد، خوفه من عيون المتربصين.

كان يشعر أن مهنته الجديدة منحته ما لم تمنحه القصائد: الاقتراب الحقيقي من البشر.

فالشاعر الذي كان يكتب عن الحزن نظرياً، صار الآن يلمسه بيده؛ في أصابع الأرامل المرتجفة، وفي عيون الآباء الذين يبحثون عن أبنائهم، وفي الموظفين الذين يركضون خلف توقيع صغير قد يغير حياتهم.

في إحدى الليالي الممطرة، عاد إلى غرفته المتعبة، وأخرج دفتراً قديماً من حقيبته. قرأ قصيدة كتبها قبل سنوات عن بغداد، كانت مليئة بالنجوم والمقاهي والنساء الجميلات.

ضحك طويلاً، ثم همس لنفسه:

"بغداد الحقيقية ليست التي كتبتُ عنها.. بغداد الحقيقية تجلس أمامي كل يوم، حافية ومتعبة، وتحمل بيدها عريضة".

وهكذا لا يبدو كتاب "يوميات كاتب عرائض" مجرد سردٍ لمهنةٍ شعبيةٍ عرفتها المدن العراقية في زمن الحروب والخوف، بل شهادة إنسانية مؤلمة عن عراقٍ كامل كان يكتب أوجاعه على أوراق رسمية مختومة بالطوابع والأمل المؤجل. لقد استطاع الشاعر كاظم غيلان أن يحوّل الطاولة الخشبية الصغيرة في باب المعظم إلى مرآةٍ لوطنٍ مثقل بالخسارات، وأن يجعل من كاتب العرائض شاهداً صامتاً على انكسارات الناس وأحلامهم البسيطة في النجاة.

في هذا الكتاب، لا نقرأ عن العرائض وحدها، بل عن بشرٍ سحقهم الانتظار، وعن شاعرٍ اكتشف أن القصيدة قد تختبئ أحياناً في رجفة يد أرملة، أو في توسّل أم، أو في صمت طفل يتيم يحمل أوراقاً أكبر من عمره. لذلك تبقى هذه اليوميات أكثر من مجرد ذكريات شخصية؛ إنها وثيقة أدبية وإنسانية تستعيد زمناً عراقياً ثقيلاً، وتمنح أصوات البسطاء الذين مرّوا خلف تلك الطاولة حقّهم في البقاء داخل الذاكرة.

***

جورج منصور

 

يعتبر كتاب "بعد السماء الأخيرة حيوات فلسطينية" لإدوارد سعيد توثيقا لتفاصيل يومية فلسطينية، إذ يروي حكاية وجع، ويقدم توصيفا لوطن لا يمكن الإمساك به إلا عبر ذاكرة تقاوم الغياب والنسيان، ولربما الكتاب هو محاولة لإخراج الفلسطيني من التنميط الجاهز وتخليصه من الإنجاز الخطابي الذي قد يتهم بالتحيز أو التلفيق، وجعله ظاهرة عيانية تشاهد كما تقرأ، وهو ما انعكس في الجمع بين الصورة والسرد، وقد أثنى سعيد على المصور جان مور فقال: "أسلوب مور شفاف: هو يمكننا من رؤية الفلسطينيين في خضم عملية المحافظة على وجودهم، وربما حتى إعادة تقديم أنفسهم خارج القيود المنهكة لوضعهم الحقيقي بشكل عفوي مدهش في قوته... صور مور هنا هي دليل على بيئة فلسطينية متكاملة لا هي رمزية ولا تمثيلية بطريقة وطنية مبتذلة.. "ص179.

بين مترجم الكتاب"أحمد دياب" في مقدمته سبب تأليفه، حيث وضح أن إدوارد سعيد شارك كمستشار للأمم المتحدة في تحضير مؤتمر يختص موضوعه بالقضية الفلسطينية بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1983، وقتها قدم اقتراحا يقضي بعرض صور قام بالتقاطها المصور السويسري جان مور توثق الحياة اليومية الفلسطينية بتفاصيلها المختلفة، لكن تم الترحيب بالصور و اشترط عرضها دون شرح أو مسميات تظهر أن من فيها فلسطينيون، المفارقة تمثلت في محاولة محو ذكر الفلسطينيين من مؤتمر يناقش مصيرهم، اجتمع سعيد ومور وشفيق الحوت ونوبار هوفسبيان، واتخذوا قرارا بمقاومة هذا التغييب والإقصاء المتعمد، من هنا جاءت فكرة هذا الكتاب الذي يعتبر مقاومة سردية.

وقد انبنى الكتاب على سؤال محوري يحمل مفارقة مقلقة على حد تعبير المترجم: "كيف يحضر الفلسطيني بكثافة في الصور والخطاب، ثم يظل غائبا عن الفهم؟ كيف يحضر الفلسطيني ولكن تغيب روايته لذاته وراء روايات الآخرين عنه؟"ص7.

الكتاب قدم الفلسطيني ليس بوصفه ضحية أو مدانا، ولا بوصفة رمزا جامدا، فقد كان بعيدا عن التنميط، لذا قدمه كإنسان بتجارب متعددة وملامح متباينة، أو كما يقول المترجم "نراه في المنفى كما في الداخل، في الضفة الغربية كما في غزة، حاضرا في تفاصيل حياته، لا في الاستعارات الفنية"ص8.

اختار الكاتب والمصور جنس الكولاج الذي يمزج بين النص والصورة، بعد أن وجد سعيد في تجارب سابقة لمور مع بيرجر تصويرا لحياة المهمشين بطريقة صادقة بعيدا عن المأساوية الرومانسية التي تستدر المشاعر، فقد كان هذا الجنس الهجين حسب رأيه قادرا على مقاومة التاريخ الرسمي وتقديم سردية المسحوقين المضادة لسرديات التقدم، من خلاله يتم تصوير حياة الفلسطينيين في المنافي والتعبير عن تنوع حياتهم وثرائها.  وقد وضح هدفه في آخر الكتاب بقوله "كان هدفي هنا، مع جان مور، أن أنقل إحساسا عن ماهية عدم اكتمالنا الوطني في الوقت الحالي، وهو إحساس اعتقدت أنه لا يمكن تقديمه إلا من الداخل، بقدر كبير من التعاطف والتشارك. غياب الحسم في هذا الكتاب هو غياب حقيقي: إنه ينبع من المنفى.. "ص201.

يذكر سعيد في مقدمة طبعة 1999 لكتابه أنه كتاب منفى، فهو يجسد حياة الفلسطينيين من منظور ذات بعيدة عن فلسطين، حيث عاد بعد 45 عاما لفلسطين ليجد كل شيء تغير، الأماكن التي صارت مراكز إسرائيلية بشكل كامل، وحتى الفلسطينيين الذين صار الكثير منهم يتحدث العبرية في الوقت الذي لم يهتم الإسرائيليون بتعلم العربية.

وقد صدره ببيت شعر لمحمود درويش الذي وجه له شكرا مع مجموعة أسماء ساعدته في هذا الكتاب، يقول فيه:

إلى أين تذهب بعد الحدود الأخيرة،

أين تطير العصافير بعد السماء الأخيرة؟".

عن الصورة التي صورها الغرب وعلى رأسهم أمريكا يتحدث سعيد في مقدمة كتابه عن إساءات التمثيل، وعن ذلك التنميط الجاهز الذي يقدم صورة مضللة ومسيئة للآخر الفلسطيني، فيقول: "الصور المستخدمة لتمثيلنا لا تقوم إلا بتقليص واقعنا أكثر. بالنسبة إلى معظم الناس، يظهر الفلسطينيون بشكل أساسي كمقاتلين وإرهابيين ومنبوذين خارجين عن القانون. قل كلمة إرهاب وسرعان ما يبرز أمام عينيك رجل يرتدي كوفية وقناعا ويحمل كلاشنكوفا. إلى حد ما، تم استبدال صورة اللاجئ العاجز البائس بذلك الذي يبعث على التهديد والوعيد كرمز حقيقي لما تعنيه كلمة فلسطيني"25.

والإشكال هنا أن هذه الصورة النمطية مركبة من قبل الإسرائيليين وحتى بعض العرب كذلك، يقول: "إن كنت تبحث عن إرهابي، وبما أن جميع الفلسطينيين الذين عارضوا إسرائيل في لبنان إرهابيون، فإن أي فلسطيني تجده هو إرهابي، إرهابي خالص"ص93.

يذكر سعيد أن موضوع المناقشة المطروح بين الفلسطينيين اليوم يتمثل في الطريقة السيئة التي يعاملون بها، سواء من قبل العرب أو من قبل الإسرائيليين خاصة في مخيمي صبرا وشتيلا، الكتاب يحاول أن ينفي التمثيلات المسيئة للفلسطينيين، وأن يحيط بواقعهم المعقد، وشكل الكتاب الجامع بين الصورة والنص يوافق حالة المنفيين من خلال استخدام أشكال تعبيرية هجينة ومتشظية لتمثيلهم، وقد كان المصور جان مور موافقا هذه الرؤية التي ذكر في مقدمة الكتاب أنها دفعته لهذه المغامرة بعد أن رأى معاناة الفلسطينيين بعين الرائي غير الخاضع لتحيزات الغرب، أو بعين الرائي المتجرد، المعاين حقيقة لا انصياعا.

تحت عنوان"أحوال" يقدم سعيد قراءة في صورة زفاف فلسطينيين لاجئين في دولة عربية، حيث التقطت صورة خارج المدينة الباهتة، يقول: "مفارقة التنقل وانعدام الأمن. أينما نكن نحن الفلسطينيين فإننا خارج فلسطيننا التي لم تعد موجودة. تسافر العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، ترتحل في أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين وأستراليا وتجد فلسطينيين مثلك.  ومثلك يخضعون لقوانين خاصة وأوضاع قانونية خاصة هي علامات سلطة وعنف من غير أن يكونوا منتمين لها. هم منفيون في الوطن وخارجه"ص34.

والمنفى عنده يتحول إلى سلسلة من الصور الشخصية المبهمة الأسماء، صور صامتة تجردت من سياقها، أو كما يقول: " صور خرساء بلا تفسير وبلا أسماء. أنظر إليها دون معرفة دقيقة بقصصها، ولكن مع ذلك فإن دقتها الواقعية تترك انطباعا أعمق من مجرد ما تفضي عنه من معلومات "ص35.

رصد الكاتب تحولات كثيرة في الوطن العربي، حتى الخلافات التي وقعت بين الدول العربية، وكأن بذاكرة الشتات تصبح قدرا عاما، نفسيا وسياسيا وليس جغرافيا فقط، وهو ما يثقلها بوجع الانفصال الدائم وخطر الاجتثاث واللااستقرار، يقول: "لقد اختفى تماما استقرار الجغرافيا واستمرارية الأرض من حياتي وحياة جميع الفلسطينيين. إذا لم يتم إيقافنا على الحدود، أو اقتيادنا لمخيمات جديدة، أو منعنا من العودة والإقامة، أو منعنا من السفر من مكان إلى آخر، فإنه يتم الاستيلاء على المزيد من أرضنا، والتدخل في حياتنا بشكل تعسفي، ومنع بعض أصواتنا من الوصول إلى بعضها الآخر، وتقييد هويتنا بجزر صغيرة خائفة في بيئة غير مضيافة تطغى عليها القوة العسكرية المتفوقة.. "43.

يذكر سعيد بكثير من الأسى أن الرؤية التي تعتبر الفلسطينيين مشتتين مقطعين بينما سكان إسرائيل مهيمنين يلتزم بها عدد من الدول العربية والدول الأخرى التي تتواجد بها تجمعات فلسطينية كبيرة، من هنا يغدو أي مكان مهجور أو هيكل متروك أو أنقاض الحرب ساحة للعب الأطفال، فالتاريخ الفلسطيني محظور وهو ما يجعل السرديات نادرة، مغيبة، تختفي منها قصص الأصول والبيت والأمة لتصبح سرية محكومة بالاحتجاب، تاريخ فلسطين إذن عندما يظهر ـ حسب قوله ـ"فإنه يظهر مبتورا، غالبا في أقصى درجات التعرج والجموح، مشفرا على الدوام، عادة في أشكال صارخة ـ ملاحم تهكمية، هجائيات، أمثال ساخرة، طقوس عبثية ـ لا يفهمها الغرباء إلا لماما. وهكذا فإن الحياة الفلسطينية مبعثرة ومتقطعة، علاماتها الفارقة هي الترتيبات المصطنعة والمفروضة التي تخلق مساحات محصورة ومشرذمة، وهي الانخلاعات والإيقاعات الناشزة للزمن المضطرب.. كل إقامة هي منفى.. "ص44، 45.

تحت عنوان"دواخل"يشرح سعيد القصد بلفظة "الداخل" وكيف تغير من سياق زمني لآخر فيقول: "إنها تشير، أولا، إلى مناطق داخل إسرائيل، وإلى أناس وأراض لا تزال فلسطينية على الرغم من محظورات الوجود الإسرائيلي. لذلك، وحتى عام 1967، كانت تعني الفلسطينيين الذين يعيشون داخل إسرائيل، بعد 1967 توسعت العبارة لتشمل سكان الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان، ومنذ عام 1982 صارت تعني أيضا الفلسطينيين واللبنانيين في جنوب لبنان"ص77، لقد تغيرت قيمة دلالة هذه اللفظة، ففي أوائل السبعينات تم النظر إلى الفلسطينيون الإسرائيليون على أنهم من سلالة خاصة من البشر، إذ كانوا محل شك وريبة من قبل فلسطينيي الشتات أو اللاجئين الذين أقاموا خارج إسرائيل، فختم الكيان على جوازات سفرهم وكذا إتقانهم للعبرية، واعترافهم بإسرائيل وإشارتهم لها كدولة وليس ككيان صهيوني، غيرهم وجعلهم مختلفين عن العرب داخل الوطن العربي المسكونين بهاجس الانتصارات القومية وكل مآسيها، يقول: "كنا نحيا حياة مستقلة عن الإمبريالية والصهيونية. كانوا مختلفين عنا بما يعني الاختلاف من ازدراء للآخر. هم الآن مازالوا مختلفين، لكنهم أصحاب امتياز. يحتفى بأهل الداخل باعتبارهم فلسطينيين موجودين على الأرض بالفعل.. "ص77.

هذا ما يخلق اختلافا في الرؤى وحتى في مفهوم العودة، إذ تتحول من سعي سياسي من أجل تقرير المصير لدى الفلسطينيين إلى دلالة تنبني على التغاير، فتنحو عند البعض منحى آخرا، ليصبح معناها العودة إلى دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، بينما تعني للبعض الآخر العودة إلى فلسطين كلها"79.

تحت عنوان "انبثاق"تحدث عن كيفية تأسيس دولة لليهود من قبل هذا الكيان اللقيط، وكيف تم النظر إلى الصهاينة كرواد أوائل أو كآباء مؤسسين، وعن محاولات صهينة فلسطين، ثم ختمه ختمه بطرح أسئلة جوهرية حول حقيقة الذات ووجودها دون شعارات قومية أو نماذج ثورية غيرية، فيقول: "يجب أن ننظر إلى شبابنا، الذين لأنهم ولدوا بعد عام 1948 من دون بلد، لا يجسدون مصيرا فلسطينيا بسيطا، وإنما يقفون عادة عند نقطة التقاء، مهما كانت غريبة، بين القديم والجديد، العربي وغير العربي، التقليدي وغير المألوف. عندها تصبح الأسئلة الكبرى: أي أجزاء من هويتنا وتاريخنا ينبغي الحفاظ عليها، وأي أجزاء ينبغي التخلي عنها، في سبيل تحقيق جدلية بين الذات والآخرين تكون أكثر قابلية للتطبيق؟ وهل يمكن لهذه المعرفة أن تربط ماضينا ومستقبلنا بشكل نشط وخلاق، أم أننا سنسمح بشكل قدري للقوانين الدنيوية والمقدسة بأن تعمل عملها في توجيه تاريخنا؟"ص157.

ضمن عنوان"ماض ومستقبل"بين سعيد أن الفلسطيني شخص في حالة عبور دائم، غير ثابت متأهب للرحيل أينما حل، يحمل حقيبته أو حزمة فقط من مملكاته في يده، كل عائلة إذن تتخلى عن أراضيها لآخرين، وكم يقول: "حتى عند عبور حدود جديدة، وخلق فرص جديدة، وإقامة حقائق جديدة. يمكن للمرء أن يحاجج أننا قابلون للتنقل والتكيف أكثر مما ينبغي"ص163.

وجد سعيد أن هناك ارتباط وثيق بين فكرة إسرائيل وأمريكا من وجهة نظر إلياس صنبر، حيث تتوحد رؤيتهما حول تدمير السكان الأصليين للأرض بعد الادعاء بأنها فارغة وتحتج لمن يعمرها، يقول: "يبدو الأمر كما لو أن فلسطين كانت موقعا جغرافيا مبهما أخلي من سكان أصليين مجهولي الهوية، إلى أن حن عليها الأمريكيون وملؤوها بصهاينة جديرين بها"ص166، وقد سمى المفكر المصري عبد الوهاب المسيري هذا الفعل بالاحتلال الإحلالي، حيث جزم أن فعل الإخلاء بعد الإبادة الكلية من أجل إحلال شعب آخر بدل السكان الأصليين أو الاستيطان قد تم في ثلاثة دول: أمريكا وفلسطين والجزائر إبان الاحتلال الفرنسي.

بين سعيد الأساس المتهاوي لخطاب حقوق الإنسان وتلك الازدواجية والتناقض بين الشعارات والفعل، فوضح كيف تم تهميشهم رغم أن إسرائيل أقيمت بدعوى تعويض اليهود على كل أشكال التهميش والقهر الذي تعرضوا له زمن المحرقة، هذا وعرض الصور النمطية التي تحمل تحيزا إيديولوجيا واضحا من خلال تركيب صورة مزدوجة عن الفلسطينيين الإرهابيين والإسرائيليين الخيرين، يقول: "عندما نسمع الإرهاب يناقش كظاهرة عالمية، كما هي الحال كل يوم، فإنه يحق لي أن أظن أن التلميح إلى تورط الفلسطينيين هو كامن دائما بين السطور، وأن إسرائيل تتخذ مكانها إلى جانب الخير"ص172.

لقد انشغل سعيد بصورة الأنا التي ركبها الآخر الغربي، وكيف تضمر تحيزا كبيرا لإسرائيل، هي صورة يتقصد من خلاله تسويغ الاستيطان، حيث يتم شيطنة الفلسطينيين واتهامهم بعرقلة كل محاولات السلام، ومن خلال هذا التنميط يصبحون الطرف الأضعف داخل الصراع العربي الإسرائيلي، بل "الجانب المتصلب والمبالغ في مطالبه. وبما أننا ضعفاء، تطلب منا مقدما أكبر التنازلات.. نحن ضحايا عملية تدمير لمجتمعنا لما تتوقف منذ أن بدأت، ونحن أهداف متكررة لنوايا إبادة جماعية، ويتوقعون منا ألا نقاوم وأن نصغر خانعين، بالإضافة إلى ذلك، يلقون علينا المواعظ حول الحاجة إلى نبذ العنف، والحاجة إلى التوقف عن الإصرار على اختيار ممثلينا بأنفسنا، والحاجة إلى التخلي عن رغبتنا في إقامة دولة مستقلة خاصة بنا، والحاجة إلى الاستجابة للمطالب الأمريكية من أجل السلام. وفي الوقت نفسه، تزود أمريكا عدونا بكل شيء وترفض إدانة  إجراءات إسرائيل الصارخة في مخالفتها للقوانين ضدنا مثل استخدام الأسلحة الأمريكية..  ”ص196.

هذا ويعتبر أن أفضل طريقة لفهمهم من قبل أنفسهم ومن قبل الغرباء اعتبارهم معادلا رياضيا أو فوتوغرافيا دقيقا لما عايشوه، يقول: "فإن أصدق تجل لحقيقتنا الصرف، في الواقع، هو الطريقة التي نقطع بها المسافة من مكان إلى آخر. نحن مهاجرون وربما نكون مزيجا هجينا في أي موقف نجد أنفسنا فيه، ولكنها ليست هجانة بين المواقف المختلفة. هذه هي أعمق استمرارية لحياتنا كأمة تعيش في المنفى وكأمة دائمة الترحال.. "ص200.

هذا الكتاب هو اختبار للقارئ أيضا حسب رأي سعيد، فالفلسطينيون ليسوا مجرد موضوع للآخرين، بل يمتحنون الآخرين ويحاكمونهم ويقيمونهم، حتى لا يسمحون لأن ينظر إلى الفشل أنه من صنع أيديهم وحدهم وبأنه نصيبهم فقط.

ينهي سعيد الكتاب بملحق عنوانه "سقوط بيروت"، يبين فيه التحولات الحاصلة في لبنان ويصور التعاسات الماثلة داخلها، يقول: "يمكنني بشكل عام أن أغامر بتقديم رد بالنيابة عن المنفيين أمثالي ـ الفلسطينيين الذين وفرت لهم بيروت وطنا بديلا.  مهما أمعنا في الحديث عن الفساد والسطحية والعنف اللبناني، فإننا نشعر الآن خارجها بأننا أصبحنا للأسف في العراء. كانت عبقرية بيروت هي أنها استجابت على الفور لاحتياجاتنا كعرب في عالم عربي صار استبداديا ورتيبا وباهتا بشكل لا يطاق. لبضع سنوات، كان يمكن للمرء، في بيروت، أن يحترق بلهب متوهج متقد كحجر كريم، حتى رذيلة المدينة وفجورها كان لهما تألق لا يمكنك رؤيته في أي مكان آخر. الشيء الوحيد الذي لم تقدمه لنا بيروت المعاصرة هو القدرة على الاستمرارية، أو ما يكفي من مشاعر الاهتمام بالأسس الهشة التي غطت عليها ضيافتها المبهرة. العزاء الرئيسي في هذه الأوقات المظلمة هو الشعور بأنه كما نهضت بيروت ذات مرة من غياهب الغموض، يمكنها أن تظهر مرة أخرى من بين دمارها الكارثي، ومعها مواطنون أكثر حنوا وثباتا.. "ص212.

يمكن أن نعتبر الكتاب صوتا للهامش والمقصي، أو يمكن أن نعده احتجاجا انبني على انفلاتات خطابية، وتعاليا عن التأريخ السطحي، حيث التشظي ليس قدرا للمعنى فقط وإنما لهوية سردية فارقت المألوف، لتعبر عن ثوريتها الخاصة بعيدا عن المركزيات بكل أشكالها: ثقافية وسردية وتاريخية... 

***

د. غزلان هاشمي ـ جامعة سوق أهراس ـ الجزائر

اشتريت قبل أيام كراسة صغيرة الحجم، عظيمة المضمون. عنوانها «الرأسمالية الجديدة... شركات التقنية الكبرى واحتكار الأسواق الرقمية»، لمؤلفها الدكتور عادل عبد الصادق، وهي صادرة ضمن سلسلة «كراسات استراتيجية» عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، التي يرأس تحريرها الدكتور محمد عز العرب.

الواحد منا قد يقرأ العنوان ويظن أنه سيدخل في جدل المصطلحات الدائر الآن في الغرب بين أنصار الليبرالية الجديدة وخصومهم. لكن الحقيقة أن الكراسة تذهب، في رأيي، إلى ما هو أبعد وأخطر. إنها ترسم ملامح نظام عالمي جديد، لا عاصمة له في واشنطن ولا في بكين، لكن مراكزه في وادي السيليكون وتايوان . نظام تتزعمه شركات عملاقة لا تبيع بضاعة، لكنها تنتج السلوك، وتصمم الوعي، وتخلق الاحتكار من العدم، من مجرد كود وخوارزمية وبنية تحتية سحابية لا يراها أحد.

ما نسميه خطأ «اقتصاد المنصات» ليس إلا وجهاً جديداً لرأسمالية لم تعد تكتفي بامتلاك وسائل الإنتاج. صارت هذه الرأسمالية تملك وسائل التنسيق الاجتماعي كلها. عندما تملك جوجل محرك البحث، وتملك ميتا الخريطة الكاملة للعلاقات الإنسانية، وتملك أمازون البنية التحتية السحابية التي تقوم عليها دول، وتملك آبل المتجر الوحيد الذي يمر منه أي تطبيق ليصل إلى جيبك، فعندها نكون أمام شيء يتجاوز فكرة الاحتكار التي عرفها قانون شيرمان الأمريكي قبل 135 سنة. ذلك الاحتكار كان لسلعة في سوق جغرافي محدد، أما احتكار هذا الزمن فهو احتكار المساحة الرقمية بأكملها. إنه احتكار مركب، متعدد الأسواق، يبدأ من بياناتك ولا يتوقف عند البنية التحتية التي تمر منها، مروراً بالذكاء الاصطناعي. إنه احتكار للعقود الاجتماعية غير المكتوبة التي صارت تدير إيقاع حياتنا اليومية، ونحن نائمون.

ما كان يسمى في أدبيات مكافحة الاحتكار القديمة رفاهية المستهلك صار مفهوماً ساذجاً إلى حد التفاهة. لأن جوجل تعطيك البحث مجاناً، وميتا تعطيك شبكتها مجاناً. المستهلك ظاهرياً لا يدفع قرشاً. لكن الحقيقة المرة أنه يدفع أغلى ما يملك يدفع انتباهه، يدفع بياناته، يدفع استقلاله الإدراكي. الثمن ليس مالاً، الثمن سيادة. سيادة الفرد على قراره، وسيادة الدولة على حيزها العام الرقمي.

هنا مربط الفرس. فالرأسمالية الجديدة رأسمالية بنية تحتية. المنصة ليست تاجراً، المنصة دولة ترتدي ثوب شركة. هي من يقرر من يصل صوته إلى الجمهور ومن يخفت، أي كتاب يباع وأي تطبيق يحظر. انتقلنا من زمن اليد الخفية التي تحدث عنها آدم سميث، إلى زمن اليد الخوارزمية. وهي ليست خفية أبداً، بل مبرمجة سلفاً على هدف واحد تعظيم الربح. وليكن الثمن تمزيق النسيج الاجتماعي، أو تآكل أسس الديمقراطية.

المعضلة الكبرى، كما نفهم من كراسة الدكتور عادل عبد الصادق، أن الدولة الوطنية، خصوصاً في عالمنا النامي، تجد نفسها عارية أمام كيانات تتجاوز قدرتها التنظيمية والتشريعية. قوانين حماية البيانات والمنافسة صممت لعالم المصانع ومنافذ البيع القديمة. فكيف تطبقها على كيان لا مقر له في بلدك، ولا أصول ملموسة يمكن مصادرتها، وبيانات مواطنيك عنده مجرد وقود مجاني يحرقه كما يشاء؟ أوروبا حاولت متأخرة بقانون الأسواق الرقمية، والأمريكيون يحاولون اليوم عبر وزارة العدل. لكن ماذا عنا نحن؟ دول كثيرة لا تزال عارية تماماً أمام طوفان المنصات، لا تعرف أين تضع المشرط التنظيمي، ولا تملك أصلاً جراحاً يمسك بالمشرط.

الأخطر من كل ذلك أن هذه الرأسمالية الجديدة لم تعد تنتج التضخم النقدي الذي نعرفه فقط، لكن صارت تنتج ما أسميه التضخم الوجودي. ذاك الشعور الدائم واللزج بأن حياتك مراقبة، مصنفة، مسعرة من قبل خوارزميات لا تعرف عنها شيئاً. المشكلة هنا لم تعد اقتصادية محضة، بل حضارية. المنصة حولت المواطن إلى مستخدم، والمستخدم إلى منتج للبيانات، والبيانات إلى ذهب هذا القرن. لكن الفرق أن الذهب يستخرج بإذن صاحب الأرض، أما البيانات فتستخرج بلا إذن، ثم يعاد بيعها لنا في صورة إعلانات موجهة وخدمات يقولون عنها إنها مجانية. إنه استعمار من نوع جديد، لا يرسل جنوداً.. يرسل أكواداً، ولا يحتل أرضاً .. يحتل وعياً وذاكرة وانتباهاً.

ما نعيشه بالفعل هي لحظة تغير جذرية في طبيعة الرأسمالية نفسها. المدرسة النمساوية في الاقتصاد، وعلى رأسها فريدريش هايك، حذرت من أن المعرفة موزعة بين الأفراد ولا يمكن لسلطة مركزية أن تجمعها. لكن ما حدث أن جوجل وفيسبوك وأمازون جمعت هذه المعرفة فعلاً، واحتكرتها، ليس لسلطة سياسية منتخبة، لكن لسلطة تجارية خاصة لا ينتخبها أحد. صار بوسع خوارزمية تنبؤية في ميتا أن تعرف ميولك السياسية قبل أن تعرفها أنت، وأن تقرر نيابة عنك ما الذي ستقرؤه الليلة، وما الذي ستغضب منه صباح الغد. هذه قوة تتجاوز أي قوة امتلكتها كنيسة أو حزب أو دولة عبر التاريخ. إنها قوة الهندسة السلوكية الجماعية الممنهجة، تمارسها شركات لا تملك تفويضاً من ناخب، ولا شرعية من عقد اجتماعي. هي فقط تملك المال، والكود، والغطرسة.

ويبقى السؤال الذي يوجعني شخصياً أين نحن العرب في هذا المشهد؟ لا أبالغ إذا قلت إننا مستهلكون متخمون في سوق لا ننتج فيه شيئاً من بنيته التحتية. لا نملك محرك بحث، لا نملك شبكة اجتماعية عابرة للحدود، لا نملك سحابة حوسبية تنافس أمازون أو مايكروسوفت، والأدهى أننا لا نملك حتى تشريعات تجعل هذه الكيانات العملاقة تلتزم بشيء اسمه سيادة وطنية. نحن سوق كبيرة، ولحم رخيص للبيانات، ومختبر لسياسات محتوى لم تجرؤ المنصات على تجربتها في بروكسل أو واشنطن، فتأتي لتجربها هنا على أجسادنا وعقولنا. وبينما يدرس الغرب، عبر مراكز أبحاثه كما يفعل مركز الأهرام هنا، كيف يستعيد زمام المبادرة، نكتفي نحن بتغريدات غاضبة كلما حذفت منصة منشوراً أو حجبت حساباً. نستجدي لفتات إنسانية من آلة لم تبرمج أصلاً لتكون إنسانية.

لنكن واقعيين، المخرج ليس سحب البساط من تحت المنصات، فهذا ضرب من الخيال. المخرج، كما تفيد خلاصات هذا النوع من الأبحاث الجادة، له ثلاثة أرجل. الأول سيادي بصناعة بنى تحتية رقمية وطنية وإقليمية مستقلة، تفقد المنصات الكبرى حجة أنها الناقل الوحيد الذي لا بديل عنه. الثاني تشريعي بقوانين لا تكتفي بغرامات هزيلة تضحك عليها الشركات، وتفرض قابلية التشغيل البيني، ونقل البيانات، وفك الارتباط القسري بين مكونات الاحتكار المركب. الثالث وعيي، وهو الأصعب والأشق بإعادة تعريف المواطن الرقمي كصاحب حق لا مجرد مستخدم، وتوعيته بأن المجاني ليس مجانياً على الإطلاق. أنت تقايض على المجاني بأغلى ما تملك هويتك واستقلالك.

في الختام، كراسة الدكتور عادل عبد الصادق تضع الإصبع على الجرح النازف في جسد العولمة الجديدة. الرأسمالية الجديدة ليست عدواً، ولكنها وحش كاسر يلزم ترويضه. وحين يكتب باحث مرموق في مركز الأهرام هذه الكراسة، فاعلم أن السؤال لم يعد أكاديمياً، بل صار سؤال أمن قومي. لأن السيادة اليوم، أي سيادة، لن تكتمل قبل أن نستعيد السيطرة لا على أرضنا وسمائنا فقط، وعلى كودنا وبياناتنا ووعينا، الذي تسلل بهدوء إلى غرف عمليات في كاليفورنيا، لا نعرف عنها شيئاً، ولا تعرف عنا إلا ما أرادت الخوارزمية أن تعرفه. تلك هي المعركة الحقيقية القادمة، ومعركة الوعي هي أم المعارك.

***

عبد السلام فاروق

عندما صدرت مجلة قضايا إسلامية معاصرة قبل ثلاثين عامًّا كانت تنشد تعميق الأسئلة الحائرة حول مأزق الفكر الدينيّ في عالم متغيّر، وتسعى إلى استفتاء الخبراء في الفلسفة والعلوم الإنسانيّة الحديثة عن الإجابات المقترحة لتلك الأسئلة، وعن كيفيّة قراءة النّصوص الدينيّة والتراث في ضوء مناهج هذه العلوم وأدواتها الجديدة. لم تكن "قضايا إسلاميّة معاصرة" تطمح إلى تقليد مجلات إسلاميّة معروفة تصدر عن مؤسسات دينيّة، ذلك ما دعاها إلى رسم خارطة طريقها الخاصّة، والتحرّر من مراكمة الكلام على الكلام، ومن الانشغال بالذود عن شعارات مكرّرة مُثقلة بمعلومات تراثيّة، لكنّها لا تَمنحنا معنى يُضيف شيئًا مُفيدًا.

مَنْ يتصدّى لقولٍ مُختلفٍ ورؤيةٍ لا تحاكي رؤيةً راسخةً مُتسيّدةً، عليه أن يتحمّل ما يُقال عنه من أحكامٍ قاسيةٍ، وكلماتٍ جارحةٍ، واتّهاماتٍ مريرةٍ، خاصّةً حين تصدر عن مؤسّساتٍ دينيّةٍ تدّعي امتلاك مشروعيّة السّماء، ومزوّدةٍ بإمكاناتٍ متنوّعةٍ، وتحظى بحمايةٍ جماهيريّة. الصوت المختلف يستفزّ الخائفين. أصرّت "قضايا إسلاميّة معاصرة" على صوتها المختلف، وصارت تشدّد عليه وترسّخه في كلّ محور جديد تقتحمه. لم تعبأ هذه المجلّة بما كان يصلها من أولئك الذين لا يقرأون النصوص إلاّ في الظّلام، ولم تشغل وقتها بالردود وردود الردود عليهم، لأنّها مُنهمكة بإنجاز وعودها الكبيرة.2664 REFAIE

فوجئت هذه المجلّة بحضورها الفاعل والمؤثّر لدى جيلٍ من الشّباب العراقيين الدارسين لعلوم الدين التراثيّة في تسعينيات القرن الماضي، ممّن تطوّعوا لتبني رسالتها، وتحوّلوا إلى ناطقين بما تنشره من مفاهيم ورؤى جديدة في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وأصبحت "قضايا إسلاميّة معاصرة" ناطقةً بأحلامهم وما يتطلّعون إليه من إنتاج فكرٍ دينيٍّ جديدٍ يغادر المأزق المرير للفكر الدينيّ التقليديّ، ويحرّره من مقولات الإسلام السياسيّ المفارقة للواقع، والغارقة في سجون أوهامه الرومانسيّة اللاعقلانيّة.

كما جاء عن السيّد المسيح: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ"، إنجيل متّى، الإصحاح 7، الآية 20، فإنّ ما حصدته "قضايا إسلاميّة معاصرة" من ثمار، وما تترقّب أن تحصده غدًا، لم تكن تتوقعه عند صدور أعدادها الأولى. استطاعت هذه المجلّة والكتب الرديفة لها، التي أصدرها "مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد"، في سلاسل متنوّعة بلغ مجموع ما صدر منها خلال ثلاثين عامًّا أكثر من ثلاثمائة كتاب، أن تحضر بكثافة، عبر رؤاها الجديدة في الفكر الدينيّ، وفي الدراسات الفلسفيّة والدينيّة ضمن مقرّرات جامعات عربيّة عديدة اهتمّت بتدريس فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. واتّخذت نُخبة من طلاب الدراسات العليا موضوعاتٍ لرسائلهم في الماجستير والدكتوراه في هذا الحقل، كما برز توجّه لافت لدى بعض مراكز الأبحاث لعقد مؤتمرات وندوات وكتابة أبحاث فيه.

يَعترف مُحرّر هذه المجلّة بمديونيته لطلاّبه الأوفيّاء، ولطلاّب الدراسات العليا والأساتذة في جامعات عديدة، ممّن حملوا رسالة هذه المجلّة وإصداراتها بوعيهم الحرّ وحماستهم، وانخرط أكثرهم في رفدها وإثراء مسيرتها بتنويعات متميّزة من كتاباتهم التي تنفتح على آفاق الوعي الدينيّ الذي أعلنت عنه وسعت إلى ترسيخه.

وكعادتها في فتح باب النّقاش في القضايا المختلَف فيها، تناولت "قضايا إسلاميّة معاصرة" في هذا العدد المزدوج 81–82 قضيّة تتّصل بكيفيّة تشكّل المصحف وتاريخ تدوينه. وهي قضيّة فرغ المسلمون من حسمها في وقت مبكّر يعود إلى عصر الرسالة، بعد تدوين القرآن في مصحف في عصر الخليفة عثمان بن عفّان. ومنذ ذلك التاريخ تلقّى المسلمون، على اختلاف فرقهم، هذا المصحف بالقبول، وتبنّوه مرجعيّةً مركزيّةً في حياتهم الدينيّة، وحتّى في كثير من شؤون حياتهم الدنيويّة.

تبنّى مستشرقون في القرون السابقة الرواية الإسلاميّة واعتمدوها مُسلّمةً في دراساتهم لكيفيّة تشكّل المصحف، على الرغم من اختلافهم في الإيمان بالوحي، فقد وضع المستشرق الألماني تيودور نولدكه (Theodor Nöldeke، 1836 - 1930) الأُسس الأولى لما عُرف في الجامعات الغربيّة بالدراسات القرآنيّة التاريخيّة من خلال كتابه: "تاريخ القرآن" الذي نشره سنة 1860م، ودرس فيه القرآن بوصفه نصًّا تاريخيًا، وبحث في ترتيب سوره ومراحل نزوله، وتاريخ جمعه باعتماد معايير لغويّة وتاريخيّة ومقارنة بالروايات الإسلاميّة التقليديّة. حاز هذا العمل تأثيرًا واسعًا وعدّه الباحثون في أوروبا العمل الأكثر شمولًا في دراسة تاريخ القرآن. ثم واصل تلامذته تطويره، فأعاد فريدريش شفالي (Friedrich Schwally، 1863 - 1919) تحريره ونشر الجزء الثاني سنة 1909م حول جمع القرآن، وتابع غوتلف بيرغشتريسر (Gotthelf Bergsträsser، 1886- 1933) العمل على الجزء الثالث المتعلّق بتاريخ النصّ والقراءات قبل وفاته، ثم استكمله أوتو بريتسل (Otto Pretzl، 1893 - 1941) ونشره سنة 1938م. وخلال عقود طويلة عدّ دارسو القرآن في الغرب هذا الكتاب حجر الأساس في الدراسات القرآنيّة حتى تحوّل إلى نموذج تفسيريّ مهيمن في هذا الحقل.

في حين اقترح بعض الباحثين الغربيين المتأخّرين روايةً مغايرة عمّا استقرّ في مؤلّفات علوم القرآن التراثيّة حول هذا الموضوع، وقد ظهر هذا الاتّجاه منذ سبعينيات القرن العشرين فيما سُمّي في الدراسات الغربيّة بـ"البراديغم الجديد" في دراسة تاريخ القرآن. من أبرز ممثليه الباحث البريطاني جون وانسبرو (John Wansbrough، 1928– 2002) الذي نشر كتابه "الدراسات القرآنيّة" سنة 1977م، ثم كتاب "البيئة الطائفيّة" سنة 1978م، وفيهما قدّم قراءة نقديّة لتاريخ النصّ القرآنيّ وشكّك في كثير من الروايات الإسلاميّة التقليديّة حول نشأته المبكّرة. كما شارك في هذا الاتّجاه الباحثان مايكل كوك (Michael Cook، 1940– ) وباتريشيا كرون (Patricia Crone، 1945 - 2015) في كتابهما المشترك "الهاجريّة: تشكّل العالم الإسلامي" Hagarism: The Making of the Islamic World الذي صدر سنة 1977م، إذ حاولا إعادة كتابة تاريخ الإسلام المبكّر باعتماد مصادر غير إسلاميّة. كما حاول بعض الباحثين استثمار النقوش العربيّة القديمة والمخطوطات المبكّرة لإعادة قراءة تاريخ النصّ القرآني، كما فعل الباحث الألمانيّ غيرد روديغر بوين (Gerd Rüdiger Puin، 1940– ) في دراساته لمخطوطات صنعاء التي اكتُشفت سنة 1972م، وكذلك الباحث الألماني كارل هاينتس أوليغ (Karl-Heinz Ohlig، 1942– ) الذي نشر مع باحثين آخرين كتاب "الأصول الخفيّة للإسلام المبكّر" سنة 2005م. وحاول آخرون تصيُّد بعض الإشارات في نقوشٍ حجريّةٍ قديمةٍ في اليمن والجزيرة العربيّة لتقديم روايةٍ أخرى لتاريخ النصّ القرآنيّ، وهي روايات لا يقبلها المسلمون اليوم، ولن يقبلوها غدًا. وبرأيي أنّ مثل هذه الآراء لن يكون لها أثرٌ عمليٌّ في حياة المسلمين، ولن تدعوهم إلى إعادة النظر في تاريخ تدوين المصحف.

كنتُ أجادل بعض المفكّرين، ممن كتبوا في كيفية تشكّل المصحف، بأنّ التشديد على هذه القضيّة لن يكون له أثرٌ يُذكر في حياة المسلم العمليّة اليوم أو غدًا. ما يمكن أن يكون له أثرٌ كبيرٌ في حياة الفرد والمجتمع هو كيفيّة قراءة النصّ القرآنيّ، باعتماد أدواتٍ جديدةٍ في تأويله، والاستعانة بالفلسفة والعلوم الإنسانيّة وعلوم التأويل. تاريخُ الكتب المقدسّة للأديان يكشف لنا أنّ نصوصها بعد تدوينها وإغلاقها تَكتسب وَضعًا معياريًا لا يسمح بإعادة النظر فيها لاحقًا، حتّى لو لم تُدوّن في حياة مؤسّس الديانة. يظهر ذلك بوضوح في تاريخ تدوين أسفار العهد العتيق والعهد الجديد وغيرهما من الكتب المقدّسة التي تشكّلت نصوصها النهائيّة بعد زمن طويل من نشأة الدين.

يَنسب التقليد اليهوديّ التوراة إلى النّبيّ مُوسى الذي يؤرَّخ حضوره في الدراسات التاريخيّة عادة إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد تقريبًا (نحو 1250 ق.م)، غير أنّ الدراسات النقديّة الحديثة ترى أنّ تكوين أسفار التوراة جرى عبر مراحل طويلة من التحرير والتدوين بين القرنين العاشر والخامس قبل الميلاد، وأنّ صورتها النصيّة المستقرّة تبلورت في مرحلة ما بعد السبيّ البابليّ، لا سيما في القرن الخامس قبل الميلاد في زمن عزرا الكاتب نحو سنة 450 ق.م تقريبًا. أمّا الأناجيل التي تُشكّل القسم السرديّ الرئيس من العهد الجديد فقد كُتبت بعد عقود من حياة النّبيّ عيسى الذي عاش تقريبًا بين 4 ق.م و30 م، ويُرجّح معظم الباحثين أنّ أقدمها وهو إنجيل مرقس كُتب بين سنتي 65 و70 م، في حين كُتب إنجيل متّى وإنجيل لوقا بين سنتي 80 و90 م، في حين يرجَّح أنّ إنجيل يوحنّا كُتب في نهاية القرن الأوّل الميلادي نحو 90–100 م.

أمّا القرآن الكريم فقد دُوِّن في حياة النّبيّ محمّد الذي عاش بين سنتي 570 و632 م، إذ كُتب الوحي فور نزوله على يد عدد من كتّاب الوحي من الصحابة، وتشير المصادر الإسلاميّة المبكّرة إلى أنّ عددهم تجاوز الأربعين كاتبًا، ثم جرى توحيد المصاحف ونسخها في خلافة عثمان بن عفّان نحو سنتي 650–656 م باعتماد ما كُتب في حياة النّبيّ وما حفظه القرّاء من القرآن.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

............................

- كلمة التحرير للعدد 81 – 82، السنة 30، 2026، من مجلة قضايا إسلامية معاصرة.

فيما يشبه القراءة النقدية في كتاب نظرية الثقافة

الثقافة بوصفها القوة الإبداعية في التاريخ تتكون من ثلاثة عناصر أساسية هي:

 اولا: العلم بكل أشكاله وأنماطه ونظرياته ومناهجه وأدواته ومجالاته الطبيعية والرياضية المنطقية والميتافيزيقية والتاريخية الإنسانية والاجتماعية. فكل ما يتصل بممارسة العلم تعليما وتفكيرا واكتشافا واختراعا وتأملا وتفسيرا وفهما هو نشاط ثقافي بالضرورة.

ثانيا: الأدب بكل أنواعه وأساليبه ومجالاته الشعرية والنثرية الخيالية والسردية الاسطورية والواقعية بما في ذلك الايديولوجيات والمعتقدات والتصوف وكل الخطابات النثرية والشعرية تندرج في البنية الكلية للنشاط الأدبي الإبداعي والإخباري.

ثالثا: الفن بكل حقوله ومظاهره الجمالية البصرية والسمعية الايقاعية والتشكيلة، من الرقص والموسيقى والتصميم والتشكيل والهندسة وكل ما نشاط يشتمل على مواهب وقدرات فنية في الصناعة والعمارة والتعدين والتخشيب والفلاحة والصيد وغيرها. وبهذا تكون الثقافة هي القوة الإبداعية في التاريخ بمعناها الواسع. انها تبدع التاريخ وتعيد تشكله باستمرار ولا تقدم ولا تطور ولا نماء ولا ارتقاء بدون معرفة الطبيعة وفهم ديناميكيتها وتفسير قوانين حركتها المعرفة التي لا تكون الا بالعلوم الطبيعية التجربية الموضوعية القادرة على الاكتشاف والاختراع والتفسير والتنبؤ. وتلك هي وظيفة العلوم البحتة. ولا تقدم ولا تطور ولا نماء ولا ارتقاء الا بفهم حركة المجتمع بالتاريخ وشروط ومقومات نموه وتقدمه وهذا لا يتحقق الا بتطور العلوم الإنسانية والاجتماعية المعنية بدراسة الإنسان وحاجاته ودوافعه ودراسة المجتمع ودينامياته الظاهرة والخفية. ولا تزدهر الحضارة بوصفها القوة التنظيمية في التاريخ سياسة وأخلاقًا وتشريعا معنية بخلق النظام العام الذي يحفظ ويصون حقوق الإنسان الأساسية؛ حق الحياة والعمل والحرية والفكر والاعتقاد والتعبير في إطار القانون سيد الجميع. لا تزدهر الا بازدهار الأدب والفن بوصفهما عنصران اساسيان من عناصر الثقافة المعنية بتنمية الإنسان تنمية ثقافية مستدامة بحسب الذكاءات المتعددة التي يتميز بها الكائن الإنساني (الذكاء الوجداني والذكاء المنطقي الرياضي والذكاء الاجتماعي والذكاء البصري والذكاء الايقاعي الموسيقي والذكاء اللغوي والذكاء العضلي والذكاء الوجودي) ففي ذات كل إنسان طيف واسع من المواهب والقدرات المتعددة التي تستدعي التأهيل والتنمية. وتلك هي وظيفة الثقافة في بوصفها الراسمال الذي يبقى بعد نسيان كل شيءٍ! والراسمال الثقافي هو مجموع المنابت والينابيع والمصادر الثقافية التي ينهل منها الفرد وتتوزع الى العادات والتقاليد والأعراف والسرديات والأساطير والرمز والدين والفنون. كما يفيد جملة المؤهلات الفكرية التي ينتجها المحيط الأسري والنظام التربوي وتشكل أحد أدوات التحكم والتوجيه والتأثير في الفرد ويتم مراكمتها عبر الزمن وتمريرها من شخص الى آخر عن طريق المحاكاة والمشاركة والتقليد ويمكن كذلك نقلها من جيل الى آخر عبر آلية اعادة الانتاج واحترام النفوذ.

بناء على ذلك إن الرأسمال الثقافي يحصل عليه المرء بعد مراكمة للتجارب المتنوعة ومثابرة في العمل ويعطيه نوعا من الامتيازات في المجتمع. وحينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة. ويتوزع الرأسمال الثقافي بحسب بيير بورديو الى ثلاثة عناصر هي شكل متجسد في الهابيتوس الثقافي وتكمن وظيفته في جعل الانسان كائنا اجتماعيا ومشاركا في الفضاء العام، وشكل مموضع في مستوى ثان يتكون من منافع ثقافية وخيرات رمزية مثل الكتب والآثار الفنية والأدوات الرقمية وتتمثل مهمتها في حزن وحفظ العناصر الثقافية، وشكل مؤسساتي في مقام ثالث ويتمثل في العناوين المدرسية والمتاحف والمكتبات ودور الثقافة والمسرح والسينما وتتمثل مهمته في عرضه للمنتوجات الثقافية للفرجة والتقبل والتداول التوزيع والاستعراض والاستهلاك وبالتالي تتحول هذه المؤسسات الى سوق ثقافي. وهكذا يمكن القول أن الناس هو الذين يشكلون ثقافتهم بما يبدعونه من علم وفن وأدب ثم تقوم هي بتشكيلهم بما تحتويه من معرفة وقيم وعادات وافكار وانماط الحياة فهي كل ما نفكر به أو نمتلكه ونمارسه في المجتمع وتُعدّ الثقافة، وفق تعريف عالم الاجتماع الأمريكي روبرت بيرستد، ذلك الكل المركب الذي يشمل ما يفكر فيه الإنسان وما يقوم به وما يمتلكه بوصفه عضواً في المجتمع. هذا التعريف لا ينظر إلى الثقافة بوصفها مجرد معرفة أو فنون، بل باعتبارها بنية متكاملة تتشكل من تفاعل ثلاث منظومات أساسية: التحيزات الثقافية التي تضم القيم والمعتقدات، والعلاقات الاجتماعية التي تربط الأفراد، وأنماط الحياة التي تمثل المحصلة الكلية لهذا التفاعل وتلك الأخيرة هي الناتج الكلي المركب من التحيزات الثقافية والعلاقات الاجتماعية وتميز نظرية الثقافة بين خمسة أنماط أساسية للحياة الاجتماعية والثقافية في المجتمعات المعافية هي خمسة أنماط رئيسية للحياة الاجتماعية والثقافية، وهي: النمط التدريجي، والمساواتي، والقدري، والفردي، والانعزالي. ولا تمثل هذه الأنماط تصنيفات جامدة، بل هي نماذج تفسيرية تساعد على فهم السلوك الإنساني داخل المجتمعات، حيث يتعايش أكثر من نمط في المجتمع الواحد، وتتحدد حيويته بمدى التوازن بين هذه الأنماط.

أولاً: النمط التدريجي (الهرمي)

يقوم هذا النمط على فكرة التدرج في السلطة والتنظيم، حيث تُوزع الأدوار وفق تراتبية واضحة، ويُمنح كل فرد موقعاً محدداً داخل البناء الاجتماعي. يؤمن هذا النمط بالقواعد والضبط المؤسسي، ويرى أن الاستقرار يتحقق عبر الالتزام بالنظام والتقاليد.

يمتاز النمط التدريجي بقدرته على تحقيق الاستقرار والتنظيم، لكنه قد يتحول إلى بيروقراطية جامدة إذا بالغ في تقديس السلطة، مما يحدّ من الإبداع والمبادرة الفردية. ومع ذلك، يبقى هذا النمط ضرورياً لضبط إيقاع المجتمع ومنع الفوضى.

ثانياً: النمط المساواتي

يقوم النمط المساواتي على رفض التراتبية الاجتماعية، والدعوة إلى تحقيق العدالة والمساواة بين الأفراد. يركز هذا النمط على القيم الجماعية والتضامن، ويعارض الهيمنة والسلطة المركزية.

في المجتمعات المتجانسة، يمكن للنمط المساواتي أن يعزز التماسك الاجتماعي، غير أن خطورته تظهر بوضوح في المجتمعات الانقسامية، حيث تتعدد الهويات والانتماءات. ففي هذه الحالة، قد تتحول المساواة من قيمة أخلاقية إلى أداة إقصاء، إذ تسعى كل جماعة إلى فرض تصورها الخاص للمساواة باعتباره النموذج الصحيح الوحيد.

إن المساواتية حين تتحول إلى أيديولوجيا مغلقة، تنفي الاختلاف وتُقصي التنوع، فإنها تُنتج نوعاً من “اليوتوبيا القسرية” التي تفرض نمطاً واحداً للحياة. وهذا ما يؤدي إلى صراعات حادة، لأن كل جماعة ترى نفسها ممثلاً حقيقياً للعدالة، فتتنازع مع غيرها على احتكار الحقيقة الأخلاقية.

ثالثاً: النمط القدري

يتسم هذا النمط بالإيمان بالحتمية والعجز عن التغيير، حيث يشعر الأفراد بأن مصائرهم محددة سلفاً ولا قدرة لهم على التأثير فيها. ينتشر هذا النمط غالباً في البيئات التي تعاني من القهر أو انعدام الفرص.

يميل أصحاب هذا النمط إلى الانسحاب من الفعل الاجتماعي، ويغلب عليهم الشعور باللامبالاة، مما يضعف الحيوية المجتمعية. ومع ذلك، يمكن أن يشكل هذا النمط آلية نفسية للتكيف مع الظروف القاسية، لكنه يصبح خطيراً حين يتحول إلى ثقافة عامة تعيق التقدم.

رابعاً: النمط الفردي

يركز النمط الفردي على الحرية الشخصية والمبادرة الذاتية، ويؤمن بأن النجاح يتحقق من خلال الجهد الفردي والمنافسة. يشجع هذا النمط الابتكار والإبداع، ويُعدّ محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية.

غير أن الإفراط في الفردانية قد يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية، وتراجع قيم التضامن، مما يجعل المجتمع عرضة للتفاوت الحاد والصراعات الطبقية. لذلك، يحتاج هذا النمط إلى التوازن مع أنماط أخرى تحافظ على البعد الجماعي.

خامساً: النمط الانعزالي

يمثل هذا النمط انسحاباً شبه كامل من الحياة الاجتماعية، حيث يفضل الأفراد العزلة وتجنب التفاعل مع الآخرين. قد يظهر هذا النمط كرد فعل على الإحباط أو فقدان الثقة في المجتمع.

ورغم أنه يبدو هامشياً، إلا أن انتشاره يشير إلى خلل عميق في البنية الثقافية، إذ يعكس فقدان الانتماء وضعف الاندماج الاجتماعي.

تؤكد نظرية الثقافة أن هذه الأنماط لا يجب أن تُفهم بوصفها متعارضة بشكل مطلق، بل بوصفها عناصر متكاملة داخل منظومة واحدة. فالمجتمع الصحي هو الذي يسمح بتعايش هذه الأنماط في حالة من التوازن، بحيث يحدّ كل نمط من تطرف الآخر.

إن التعددية الثقافية ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية، لأن اختلاف الناس هو ما يتيح إمكانيات متعددة للفهم والاستجابة. فأنصار كل نمط يحتاجون إلى الأنماط الأخرى، سواء للتحالف أو للمنافسة أو حتى لتعريف أنفسهم في مقابلها.

ومن هنا، فإن فرض نمط واحد على المجتمع، مهما بدا مثالياً، يؤدي إلى اختلال خطير. فالمجتمعات التي تقمع التنوع تصبح أقل قدرة على التكيف مع التغيرات، وأكثر عرضة للأزمات.

في المجتمعات العربية المعاصرة، حيث تتعدد الانتماءات الدينية والطائفية والإثنية، تبرز إشكالية المساواتية بشكل حاد. فبدلاً من أن تكون المساواة إطاراً جامعاً، تتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع بين رؤى متنافسة.

تكمن الخطورة في أن الخطاب المساواتي قد يُختزل في شعارات سياسية أيديولوجية، تُستخدم لتبرير الهيمنة بدل تحقيق العدالة. وعندما تتضخم السياسة وتحتكر المجال الثقافي، فإنها تعيد تشكيل كل الخطابات الأخرى وفق منطقها، كما أشار ميشيل فوكو، حيث تسعى السلطة إلى التمدد واحتواء كل أشكال التعبير وفي هذه الحالة، لا تعود الثقافة مجالاً للإبداع والتنوع، بل تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الخطاب السياسي. وهنا تفقد المساواة معناها الحقيقي، لتصبح مجرد قناع لإقصاء المختلف.

لا ريب إن المجتمعات التي تهيم فيها أنماط الثقافة الانقسامية تحتاج إلى إدارة ذكية للتنوع، تقوم على الاعتراف بالاختلاف لا إنكاره، وعلى بناء مؤسسات قادرة على تحقيق التوازن بين الأنماط الثقافية المختلفة. أما فرض المساواة بمعناها التبسيطي، فإنه يؤدي إلى تفجير التناقضات الكامنة بدل حلها.

وبذلك تتضح العلاقة التكاملية بين السياسة الرشيدة والثقافة بوصفة تنمية مستدامة إذ هي ليست مجرد تراكم معرفي، بل هي عملية تهيئة شاملة للإنسان، تشمل تنمية قدراته الفكرية والعاطفية والاجتماعية. كما أنها تمكّن الفرد من استيعاب المعرفة وتحويلها إلى سلوك، وتمنحه القدرة على الربط بين الظواهر المختلفة في إطار رؤية كلية تتيح للفرد القدرة على الفهم العميق، وليس مجرد امتلاك المعلومات. وهي بهذا المعنى تمثل ما يبقى بعد نسيان كل شيء، أي البنية الذهنية التي توجه السلوك.

غير أن هذه الوظائف تتعرض للتآكل عندما تهيمن السياسة الغبية على المجال الثقافي كما حديث في مدينة عدن الساحلية ، وتفرض خطاباً أحادياً يُقصي التنوع. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للثقافة بوصفها مجالاً مستقلاً، يعزز الحرية والإبداع.

خاتمة

إن فهم الأنماط الثقافية الخمسة يتيح لنا قراءة أعمق للواقع الاجتماعي، ويكشف أن التوازن بين هذه الأنماط هو الشرط الأساسي لاستقرار المجتمعات. فكل نمط يحمل في داخله إمكانات إيجابية وسلبية، ولا يمكن لأي منها أن يدّعي الكمال.

وفي المجتمعات الانقسامية، تبرز الحاجة إلى الحذر من تحويل المساواتية إلى أيديولوجيا مغلقة، لأن ذلك يقود إلى إقصاء التنوع وإشعال الصراعات. إن الحل لا يكمن في فرض نموذج واحد، بل في بناء فضاء ثقافي تعددي يسمح بتعايش الاختلاف.

وبذلك تتعين الوظيفة الاجتماعية للثقافة بوصفها ذلك الكل المركب الذي يشكل تفكيرنا وخيالنا وسلوكنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وهي فضلا عن ذلك أداة لنقل السلوك ومصدر دينامي للتغيير والإبداع والحرية وتهيئة فرص الابتكار والمنافسات والمبادرات الفردية، وهي مصدر للطاقة والإلهام والتنوع والاختلاف والشعور بالهوية والانتماء. والسؤال هو هل يمكن للثقافة بوصفها التطور الدائم المستمر في العلم والفن والأدب أن تزدهر بدون ازدهار الحضارة؟.

***

ا. د. قاسم المحبشي

قراءة نقدية في “مجمل تاريخ المغرب” لـ عبد الله العروي

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية  لكتاب مجمل تاريخ المغرب، من خلال تفكيك بنيته المنهجية وتحليل أطروحاته المركزية، مع التركيز على إشكالية القطيعة التاريخية التي تشكل مرتكزًا أساسياً في مشروع المؤرخ المغربي عبد الله العروي. وتنطلق الدراسة من فرضية مضادة مفادها أن التاريخ المغربي لا يُفهم بمنطق الانقطاع، بل بمنطق الاستمرارية والتراكم، وهو ما تؤكده المعطيات التاريخية والدراسات الحديثة.

كما تسعى الدراسة إلى إبراز حدود المقاربة التاريخانية عند العروي، خاصة في ما يتعلق بتهميش المجال الصحراوي، واقتراح بديل إبستمولوجي قائم على مفهوم "الشرعية التاريخية"، بما يسمح بإعادة بناء السرد التاريخي المغربي في أفق أكثر اتساقًا مع الواقع التاريخي والسياسي.

على سبيل الافتتاح:

يمثل التاريخ، في السياق المغربي، أكثر من مجرد مجال للبحث الأكاديمي، إذ يتداخل مع أسئلة الهوية والشرعية والسيادة. ومن هنا، فإن كل محاولة لإعادة كتابة التاريخ المغربي تكتسب أبعادًا تتجاوز المعرفة إلى المجال الاستراتيجي.

في هذا الإطار، يبرز مشروع المؤرخ المعربي عبد الله العروي باعتباره أحد أبرز المشاريع الفكرية التي سعت إلى إعادة بناء الوعي التاريخي وفق منظور حداثي، يقوم على تفكيك السرد التقليدي وإعادة تنظيمه ضمن رؤية تحليلية شاملة (العروي، 1996).

غير أن هذا المشروع، رغم أهميته، يطرح إشكالاً جوهريًا يتعلق بطبيعة التاريخ المغربي نفسه: هل هو تاريخ قطيعة أم تاريخ استمرارية؟ وهل يمكن تطبيق نموذج تاريخاني مستمد من التجربة الأوروبية على حالة مغربية تتميز بخصوصية بنيوية عميقة؟

تنطلق هذه الدراسة من فرضية نقدية مفادها أن العروي، في سعيه إلى تحديث الوعي التاريخي، قد أعاد بناء التاريخ المغربي وفق نموذج القطيعة، وهو ما لا ينسجم كليًا مع واقع الدولة المغربية التي تقوم على التراكم والاستمرارية (Abun-Nasr, 1987).

أولًا: البنية المنهجية للكتاب: من السرد إلى التركيب

يُصرّح المؤرخ المغربي عبد الله العروي بأن غايته ليست "جمع الوقائع، بل تنظيمها ضمن رؤية شاملة" (العروي، 1996، ص. 7)، وهو تصريح يؤسس بوضوح لتحول منهجي عميق في الكتابة التاريخية، ينتقل بها من مستوى الوصف السردي إلى مستوى البناء النظري. فالتاريخ، في منظور العروي، لا يُختزل في تتابع الأحداث، بل يتحول إلى مادة خام تُعاد صياغتها داخل نسق تحليلي يهدف إلى إبراز البنيات العميقة والتحولات الكبرى. ومن هنا، تتأسس مقاربته التركيبية التي تقوم على إعادة تنظيم المادة التاريخية ضمن وحدات تحليلية متماسكة، بدل الارتهان للترتيب الكرونولوجي الصرف الذي يكتفي بتتبع تسلسل الوقائع دون مساءلة دلالاتها (Laroui, 1996). ويتجلى هذا التوجه بشكل واضح في تقسيمه للتاريخ المغربي إلى مراحل كبرى:مرحلة ما قبل الدولة، ونشأة الدولة، والدول الوسيطية، ثم المرحلة الحديثة، حيث يتم التركيز على منطق التحول البنيوي بدل التفاصيل الحدثية الجزئية. ولا شك أن هذا المنهج يجد أصوله في تقاليد المدرسة التاريخية الفرنسية، خاصة مع مارك بلوخ، الذي دعا إلى دراسة “المدى الطويل” (longue durée) باعتباره مدخلًا لفهم استمرارية البنيات عبر الزمن (Bloch, 1949). غير أن هذا التحول من الوصف إلى التركيب، رغم قيمته الإبستمولوجية الكبيرة، لا يخلو من إشكال منهجي دقيق، يتمثل في احتمال إخضاع الوقائع التاريخية لنموذج نظري مسبق، بحيث تصبح المادة التاريخية مجرد وسيط لتأكيد فرضيات جاهزة، بدل أن تكون منطلقًا لتوليد المعرفة. ونتيجة لذلك، قد يُفضي هذا الاختيار إلى تهميش بعض التفاصيل الدقيقة التي تحمل في طياتها دلالات تفسيرية حاسمة، خاصة في القضايا التي تتطلب حساسية تاريخية خاصة، مثل المجال الصحراوي، حيث إن تغييب الجزئي لصالح الكلي قد يؤدي إلى إغفال عناصر أساسية لفهم الامتداد التاريخي والروابط السياسية والاجتماعية التي شكلت بنية الدولة المغربية عبر الزمن.

ثانيًا: مرحلة ما قبل الدولة: بين الاختزال والتعقيد وإشكالية التأسيس:

يعالج عبد الله العروي مرحلة ما قبل قيام الدولة المغربية بوصفها فضاءً قبليًا مفككًا، تهيمن عليه البنيات العصبية، في ظل غياب سلطة مركزية واضحة قادرة على توحيد المجال وضبطه، وهو ما يدفعه إلى اعتبار هذه المرحلة بمثابة تمهيد ضروري لظهور الدولة في صورتها التاريخية المتبلورة (العروي، 1996). ويندرج هذا التصور ضمن أطروحة أوسع تقوم على اعتبار التفكك القبلي لحظة تأسيسية سابقة على نشوء الدولة، حيث يتم الانتقال من  "اللا-دولة" إلى “الدولة” باعتباره تحولًا نوعيًا في بنية السلطة والتنظيم السياسي. غير أن هذا الطرح، رغم ما يوفره من وضوح تحليلي، ينطوي على قدر من الاختزال الذي يُبسّط التعقيد الاجتماعي والسياسي الذي ميّز تلك المرحلة، إذ يُوحي بأن المجال المغربي كان يعيش حالة فراغ سياسي أو فوضى تنظيمية، في حين تُظهر الدراسات التاريخية أن أشكالًا متعددة من التنظيم السياسي كانت قائمة، حتى وإن لم تتخذ شكل الدولة المركزية الحديثة (Abun-Nasr, 1987).

فقد عرفت هذه المرحلة أنماطًا من السلطة المحلية، وشبكات من التحالفات القبلية، وأطرًا للضبط الاجتماعي تستند إلى الأعراف والشرع، فضلًا عن أدوار فاعلة للقيادات الدينية والروحية، وهو ما يدل على وجود “سياسة متعدّدة المستويات” لا يمكن اختزالها في مجرد غياب للدولة. ومن ثم، فإن تقديم هذه المرحلة كفضاء مفكك خالص يُغفل ديناميات التنظيم الداخلي التي مهّدت تدريجيًا لتشكّل السلطة المركزية، لا عبر قطيعة فجائية، بل من خلال سيرورة تراكمية تفاعلت فيها البنيات القبلية مع العوامل الدينية والسياسية.

وعلاوة على ذلك، يُوحي هذا التصور بوجود قطيعة تأسيسية حادة بين مرحلتين متقابلتين: مرحلة “اللا-دولة” ومرحلة “الدولة”، وكأن الانتقال بينهما تم بشكل مفاجئ، وهو ما لا تؤكده الوقائع التاريخية. إذ يكشف التحليل الدقيق أن تشكّل الدولة المغربية كان نتيجة مسار تدريجي معقد، أعادت فيه البنيات السابقة إنتاج نفسها داخل إطار أكثر تنظيماً، مما يعني أن الدولة لم تنشأ من فراغ، بل من داخل بنية اجتماعية وسياسية كانت تحتوي في ذاتها إمكانات التحول. وهنا يتضح أن منطق القطيعة الذي يوظفه العروي لا يعكس بدقة حقيقة التطور التاريخي المغربي، الذي يبدو أقرب إلى منطق الاستمرارية المتحولة، حيث تتداخل عناصر الثبات والتغير ضمن سيرورة تاريخية ممتدة.

ثالثًا: نشأة الدولة: الدين بين الوظيفة والبنية:

يرى عبد الله العروي أن "الدين كان دائمًا عنصرًا حاسمًا في بناء السلطة، لكنه خضع لمنطق السياسة" (العروي، 1996، ص. 88)، وهو تصور يعكس مقاربة وظيفية تُدرج الدين ضمن أدوات تشكّل الشرعية السياسية. ويُعزز هذا المنحى من خلال تحليله لتجربتي الدولتين المرابطية والموحدية، حيث يُبرز كيف اضطلع العامل الديني بدور مركزي في تأسيس السلطة، من خلال توفير إطار رمزي وأيديولوجي يمنحها المشروعية (العروي، 1996).

غير أن هذا التحليل، على وجاهته، يميل إلى اختزال الدين في بعده الأداتي، بوصفه مجرد وسيلة في خدمة السلطة، وهو ما لا يستوعب كليًا خصوصية التجربة المغربية. إذ تكشف هذه الأخيرة أن الدين لم يكن عنصرًا ظرفيًا أو توظيفًا سياسيًا عابرًا، بل شكّل بنية تأسيسية عميقة لاستمرارية الدولة، حيث تداخل مع السياسي في إطار تراكمي أنتج نموذجًا فريدًا للشرعية.

وفي هذا السياق، تبرز مؤسسة البيعة باعتبارها الآلية المركزية التي تجسّد هذا التداخل البنيوي بين الديني والسياسي، إذ لا تمثل مجرد إجراء شكلي لإضفاء الشرعية، بل تُعد عقدًا تاريخيًا متجددًا يربط بين الحاكم والمحكوم، ويؤسس لاستمرارية السلطة عبر الزمن. ومن ثم، فإن إغفال هذا البعد في تحليل العروي يُفضي إلى تقليص فهم الامتداد التاريخي للسلطة في المغرب، حيث إن البيعة لم تكن فقط أداة سياسية، بل شكلت أحد أهم مرتكزات إعادة إنتاج الشرعية وضمان استمرارية الدولة.

وعليه، فإن قراءة نشأة الدولة المغربية تقتضي تجاوز المقاربة الوظيفية الضيقة للدين، نحو استيعاب طبيعته البنيوية، باعتباره عنصرًا مؤسسًا لا فقط مبررًا، وهو ما يتيح فهمًا أعمق لكيفية تداخل الديني والسياسي في بناء نموذج تاريخي قائم على الاستمرارية، لا على القطيعة.

 رابعًا: الدول الوسيطية: الاستمرارية المغفلة:

يعرض عبد الله العروي تعاقب الدول في المغرب الوسيط—من المرابطين إلى الموحدين فالمرينيين ثم السعديين—بوصفه سلسلة من التحولات السياسية التي تعكس طابعًا متغيرًا لبنية الدولة، حيث يؤكد أن “الدولة في المغرب لم تكن معطى ثابتًا، بل بناءً تاريخيًا متغيرًا” (العروي، 1996، ص. 52). غير أن هذا التصور، إذا ما قُرئ في أفق القطيعة، يُفضي إلى إغفال بُعد أساسي يتمثل في الاستمرارية البنيوية التي تنتظم هذه التحولات.

فقراءة دقيقة لهذه المرحلة تكشف أن ما يبدو تغيرًا على مستوى الأشكال السياسية لم يكن في الغالب سوى تحولات سطحية، في حين ظلت البنية العميقة للسلطة قائمة، خاصة في ما يتعلق بأنماط الشرعية وآليات إعادة إنتاجها، وعلى رأسها العلاقة بين السلطان والمجتمع، التي حافظت على قدر كبير من الثبات عبر الزمن (Pennell, 2000). وبهذا المعنى، لا يعكس تعاقب الدول انقطاعات جذرية بقدر ما يجسد سيرورة تاريخية تقوم على إعادة تشكيل السلطة داخل إطار استمراري، تُعاد فيه صياغة الشرعية وفق شروط كل مرحلة دون أن تنقطع جذورها.

إن إغفال هذا البعد يجعل من التاريخ المغربي يبدو وكأنه سلسلة من الانفصالات، في حين أنه، في جوهره، تاريخ لإعادة إنتاج الشرعية واستمرارية الدولة عبر آليات تقليدية متجددة. ومن ثم، فإن فهم هذه المرحلة يقتضي تجاوز منطق التبدل الشكلي نحو تحليل دينامية الاستمرارية التي شكّلت البنية العميقة للتاريخ السياسي المغربي.

خامسًا: المرحلة الحديثة: التحديث بين الداخل والخارج:

يربط عبد الله العروي دخول المغرب إلى الحداثة بما يسميه “الصدمة الاستعمارية”، معتبرًا إياها لحظة حاسمة في مسار التحديث (Laroui, 1977, p. 134)، حيث يرى أن الانتقال إلى الحداثة لا يتم إلا عبر قطيعة مع البنيات التقليدية. ويعكس هذا التصور نزوعًا نحو تفسير التحول التاريخي من خلال العامل الخارجي، بوصفه المحرك الأساسي لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع.

غير أن هذا الطرح، على أهميته التفسيرية، يُضخّم من دور الاستعمار بوصفه فاعلًا حاسمًا، في مقابل تقليله من شأن الدينامية الداخلية التي عرفها المغرب، خاصة خلال القرن التاسع عشر، حيث شهدت الدولة المغربية محاولات إصلاحية متعددة شملت الجوانب الإدارية والعسكرية والمالية، وهو ما يدل على أن التحديث لم يكن مجرد استجابة لضغط خارجي، بل أيضًا نتيجة لتطور داخلي واعٍ بتحولات السياق الدولي.

وعليه، فإن فهم المرحلة الحديثة يقتضي تجاوز ثنائية الداخل/الخارج، والنظر إلى التحديث باعتباره سيرورة مركبة، تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية ضمن مسار تاريخي مستمر. فالتحديث، في الحالة المغربية، لم يكن قطيعة مع الماضي، بل شكل امتدادًا تحويليًا لمسار تاريخي قائم، أعادت من خلاله الدولة إنتاج ذاتها في سياق جديد.

كما أن هذا التصور ينسجم مع واقع استمرارية المؤسسة الملكية، التي استطاعت، رغم التحولات العميقة، أن تحافظ على حضورها ووظيفتها، مما يعكس قدرة الدولة المغربية على التكيف دون فقدان بنيتها الأساسية. ومن ثم، فإن المرحلة الحديثة لا تمثل لحظة انقطاع، بل لحظة إعادة تشكيل داخل منطق الاستمرارية، وهو ما يعزز أطروحة الشرعية التاريخية باعتبارها إطارًا تفسيريًا أكثر انسجامًا مع خصوصية التجربة المغربية.

سادسا: الصحراء المغربية: الغياب الدال واشكالية التمثيل:

من أبرز ما يُلاحظ في مجمل تاريخ المغرب هو الحضور المحدود للمجال الصحراوي، سواء من حيث التحليل أو التوثيق.هذا الغياب لا يمكن اعتباره مجرد نقص عرضي، بل يعكس تصورًا ضمنيًا للتاريخ المغربي الذي  يركز على المركز الدولة والمدن، ويُهمّش الأطراف.

كما يعدّ حضور المجال الصحراوي أيضا في الكتابة التاريخية المغربية  عموما حضورًا محدودًا نسبيًا، سواء على مستوى التناول التحليلي أو على مستوى التوثيق المفاهيمي، وهو ما يثير إشكالية منهجية تتجاوز مجرد "نقص في المادة التاريخية" إلى ما يمكن وصفه بـ " الاختيار المعرفي"  الذي حكم بناء السرد التاريخي الوطني. فغياب الصحراء عن مركز الاهتمام في عدد من الدراسات الكلاسيكية لا يبدو غيابًا بريئًا أو عرضيًا، بل يرتبط في جانب منه  بتمركز الرؤية التاريخية حول المجال المخزني والمديني باعتباره مركز إنتاج الشرعية السياسية والمعرفية، مقابل تهميش الأطراف والهامش الجغرافي، بما في ذلك المجال الصحراوي الذي ظل يُنظر إليه بوصفه فضاءً خارج المركز أو أقل اندماجًا في منطق الدولة.

غير أن هذا التصور المركزي للتاريخ يصطدم بمجموعة من المعطيات التاريخية والوثائقية التي تعيد الاعتبار لوحدة المجال المغربي في أبعاده الممتدة. فقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري سنة 1975 وجود روابط قانونية وتاريخية ذات طابع البيعة والولاء بين بعض قبائل الصحراء والسلطة المركزية المغربية، وهو ما يفتح المجال أمام إعادة قراءة العلاقة بين الدولة والمجال الصحراوي خارج ثنائية القطيعة والانفصال، وضمن منطق الاستمرارية التاريخية والتداخل السياسي والاجتماعي (ICJ, 1975). كما أن العديد من الشهادات التاريخية والأنثروبولوجية تشير إلى أن المجال الصحراوي لم يكن فضاءً معزولًا، بل كان جزءًا من شبكات ممتدة من التبادل التجاري والروابط القبلية والارتباط الرمزي بالمؤسسة المخزنية.

وعليه، فإن إعادة إدماج الصحراء المغربية داخل السرد التاريخي الوطني تمثل ضرورة معرفية واستراتيجية.حيث  لا تندرج فقط ضمن عملية تصحيح معرفي أو سدّ فراغ توثيقي، بل تتجاوز ذلك إلى كونها إعادة بناء للمنظور التاريخي نفسه، عبر تفكيك مركزية التمثيل وإعادة توزيع الضوء على مختلف مكونات المجال المغربي. فالمسألة هنا ليست مجرد إضافة جغرافية إلى سرد قائم، بل هي إعادة مساءلة لبنية المعرفة التاريخية ذاتها، بما يسمح بفهم أعمق لدينامية الدولة المغربية بوصفها كيانًا تاريخيًا تشكل عبر تفاعل معقّد بين المركز والأطراف، وليس عبر مركز منفصل عن مجاله الحيوي.

سابعًا: نحو إطار بديل: إبستمولوجيا الشرعية التاريخية:

في مقابل أطروحة القطيعة التي بلورها العروي في قراءته للتاريخ المغربي، تقترح هذه الدراسة تبني إطار تفسيري بديل يقوم على مفهوم "الشرعية التاريخية" كإطار تفسيري بديل، يقوم على اعتبار التاريخ المغربي سيرورة تراكمية مستمرة.

هذا المفهوم يسمح بـ:

فهم استمرارية الدولة

تفسير الامتداد المجالي

تأصيل السيادة المغربية

وهو ما يجعله أكثر انسجامًا مع الواقع التاريخي المغربي (Abun-Nasr, 1987).

هذا التصورً الإبستمولوجي القائم على الشرعية التاريخية وعلى استمرارية الدولة المغربية، يعيد الاعتبار لمسار التراكم التاريخي بدل لحظة الانقطاع. فالتاريخ المغربي، وفق هذا المنظور، لا يُفهم كسلسلة من القطيعات البنيوية الحادة، بل كسيرورة طويلة من الاستمرارية الدينامية التي تتداخل فيها البنى السياسية والاجتماعية والرمزية، بما يسمح بفهم الدولة المغربية بوصفها كيانًا تاريخيًا متجددًا في بنيته، ثابتًا في امتداده العام.

إن اعتماد مفهوم الشرعية التاريخية يتيح إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجال على أسس أكثر تركيبًا وعمقًا؛ فهو يساعد على فهم استمرارية الدولة المغربية عبر تحولات متعددة دون فقدان مركزها السيادي، كما يسمح بتفسير الامتداد المجالي للدولة ليس باعتباره نتيجة توسع ظرفي أو طارئ، بل باعتباره امتدادًا لوحدة تاريخية تفاعلت فيها المركزيات السياسية مع الأطراف الجغرافية والقبلية. وضمن هذا الإطار، تصبح السيادة المغربية نتاجًا لمسار تاريخي طويل من التراكم والتكيّف، وليس مجرد معطى قانوني أو سياسي معزول عن جذوره التاريخية (Abun-Nasr, 1987).

ثامنًا: من التحليل التاريخي إلى الرؤية الاستراتيجية:

إن القيمة المعرفية لمفهوم الشرعية التاريخية لا تقتصر على إعادة تنظيم أدوات التحليل التاريخي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادًا استراتيجية ذات صلة مباشرة بقراءة الحاضر واستشراف المستقبل، خاصة في ما يتعلق بإشكالية تدبير المجال الصحراوي ومشروع الحكم الذاتي. فحين يتم تفكيك فكرة الاستمرارية التاريخية، يُصبح الأساس الرمزي والمعرفي للسيادة عرضة للتفكك والتجزئة، بينما يؤدي إعادة بنائها ضمن منطق الشرعية التاريخية إلى إعادة تثبيت هذا الأساس داخل سيرورة تاريخية متماسكة.

وعليه، فإن مقترح الحكم الذاتي، في هذا السياق التحليلي، لا يظهر كمجرد حل سياسي ظرفي أو تقنية تدبير إداري، بل يمكن فهمه كامتداد طبيعي لبنية الدولة المغربية التاريخية، التي عرفت دائمًا أشكالًا متعددة من تدبير التنوع المجالي والاجتماعي داخل إطار وحدة سيادية مرنة. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الحلول السياسية الآنية، بل في القدرة على إعادة إدماج هذه الحلول داخل سردية تاريخية متماسكة تُعيد ربط الحاضر بجذوره العميقة.

على سبيل الختام:

يمثل كتاب مجمل تاريخ المغرب مساهمة فكرية رائدة في إعادة بناء الوعي التاريخي المغربي، وإعادة طرح أسئلة جوهرية تتعلق ببنية الدولة ومسارات تشكلها التاريخي. غير أن هذه المساهمة، على أهميتها، تظل محكومة بإطار نظري يميل إلى تبني مقولة القطيعة بوصفها مفتاحًا أساسياً لفهم التحولات التاريخية، وهو ما يجعلها غير قادرة بشكل كافٍ على استيعاب الخصوصية المركبة للتجربة المغربية، التي تتسم بدرجة عالية من الاستمرارية التاريخية والتداخل بين المركز والهامش، وبين السياسي والاجتماعي والمجالي.

وانطلاقًا من ذلك، فإن هذه الدراسة لا تروم نفي القيمة التحليلية لأطروحة القطيعة، بقدر ما تسعى إلى اقتراح أفق تفسيري بديل يقوم على مفهوم “الشرعية التاريخية”، باعتباره إطارًا إبستمولوجيًا يعيد الاعتبار لمنطق التراكم والاستمرارية في بناء الدولة المغربية. فالتاريخ، من هذا المنظور، لا يُفهم كسلسلة من الانفصالات الحادة، بل كسيرورة ممتدة تتشكل عبر تفاعل مستمر بين البنيات السياسية والمجالية والرمزية، بما يسمح بإعادة قراءة الدولة المغربية ككيان تاريخي متجدد الجذور، متحول الأشكال، لكنه متصل البنية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية إعادة إدماج المجال الصحراوي ضمن السرد التاريخي الوطني، ليس باعتباره إضافة جغرافية هامشية، بل كعنصر بنيوي في فهم تشكل المجال المغربي ووحدته التاريخية. فإقصاء هذا البعد أو تهميشه يؤدي إلى اختزال غير دقيق لمسار تشكل الدولة، بينما يسهم إدماجه في تقديم صورة أكثر تركيبًا واتساقًا للتاريخ المغربي بوصفه وحدة مجالية وسياسية ممتدة.

وعليه، فإن الانتقال من منطق القطيعة إلى منطق الاستمرارية لا يندرج فقط ضمن مراجعة أكاديمية أو نقد منهجي، بل يشكل أيضًا إعادة توجيه للمنظور التاريخي نحو أفق أكثر قدرة على ربط المعرفة التاريخية بالوظيفة الاستراتيجية للدولة. ففهم التاريخ بوصفه رافعة للسيادة، وليس مجرد سرد للماضي، يتيح بناء رؤية أكثر تماسكًا لموقع الدولة المغربية في امتدادها التاريخي والجغرافي، ويعزز في الآن ذاته قدرتها على توظيف هذا الإرث في صياغة اختياراتها الاستراتيجية الراهنة والمستقبلية.

***

د. منير محقق: باحث وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

.......................... 

المراجع (APA – موسّعة وقوية)

Abun-Nasr, J. M. (1987). A History of the Maghrib in the Islamic Period. Cambridge University Press.

Bloch, M. (1949). Apologie pour l'histoire ou Métier d'historien. Paris: Armand Colin.

ICJ. (1975). Western Sahara Advisory Opinion. International Court of Justice.

Laroui, A. (1977). The Crisis of the Arab Intellectual. University of California Press.

Laroui, A. (1996). Mujmal Tarikh al-Maghrib. Casablanca: Centre Culturel Arabe.

Pennell, C. R. (2000). Morocco: From Empire to Independence. Oneworld Publications.

في المثقف اليوم