قراءة في كتاب
عبد السلام فاروق: "مملكة الله" في حارتنا.. قراءة في الوعي النقدي وحدوده
تبرز في واقعنا الثقافي الراهن ظاهرة تلفت النظر وتستحق الوقوف عندها، ألا وهي ندرة النصوص النقدية التي تجرؤ على طرح أسئلة منهجية موضوعية طازجة، مقابل استسلام الغالبية الساحقة من الخطاب الثقافي السائد لسلطة الإجابات الجاهزة والمسبوكة سلفاً. إن المرء ليعجب، وهو يتأمل هذا المشهد، كيف أننا أصبحنا نمتلك إجابات عن كل شيء، بينما فقدنا تدريجياً القدرة على صياغة السؤال الصحيح، السؤال الذي يفتح أبواب المعرفة بدل أن يغلقها.
في هذا السياق تحديداً، يأتي كتاب الدكتور محمد بدوي "مملكة الله"، الصادر عن دار العين، ليس بوصفه كتاباً آخر يضاف إلى رفوف المكتبة العربية فحسب، لكن باعتباره حدثاً ثقافياً يستحق منا وقفة تحليلية هادئة، بعيداً عن لغة التبجيل التي لا تفيد، أو لغة الهجوم غير المبرر التي لا تسمن ولا تغني من جوع. سأحاول، في هذه المقالة، ممارسة ما يمكن تسميته "نقد النقد"، أي أن أنقل السؤال من مضمون الكتاب ذاته إلى طبيعة الممارسة النقدية التي يمثلها، وإلى المشكلات المنهجية التي تثيرها الندوة التي ناقشته. وسأفعل ذلك انطلاقاً من قناعة أساسية مؤداها أن النقد، لكي يكون فاعلاً ومؤثراً، لا بد أن يكون واعياً بذاته، أي أن يكون تفكيراً في الفكر، وممارسة تتأمل شروط إمكانها، وليس مجرد إصدار للأحكام.
أول ما يسترعي الانتباه في مشروع الدكتور محمد بدوي هو دعوته الصريحة إلى ما يسميه القراءة الأولى. وهذا المفهوم، في ظاهر الأمر، يبدو بسيطاً وربما بديهياً، لكنه في جوهره يخفي إشكالية منهجية بالغة التعقيد، إشكالية تتصل بطبيعة الفعل القرائي نفسه وبالعلاقة الجدلية بين النص وقارئه. ذلك أن الدعوة إلى نسيان القراءات السابقة للنص ليست مجرد دعوة سيكولوجية إلى صفاء الذهن، إنها موقف معرفي له ما يبرره وله ما يعترض عليه، وهو موقف يستدعي منا أن نضعه تحت مجهر التحليل.
من جهة، يبدو هذا الموقف مشروعاً تماماً إذا فهمناه بوصفه رد فعل ضرورياً على ظاهرة التراكم الكمي للشروح والتفسيرات التي تحجب النص الأصلي عن القارئ. لقد أصبحت رواية "أولاد حارتنا" للكاتب العالمي نجيب محفوظ، بفعل هذا التراكم، أقرب إلى أسطورة منها إلى نص أدبي. وصارت القراءات محملة بأحكام مسبقة، بعضها أيديولوجي وبعضها سياسي وبعضها ديني، إلى درجة أن القارئ الجديد يكاد لا يجد متنفساً للقاء النص وجهاً لوجه، لقاء مباشراً لا تحجبه غيوم التفسيرات الجاهزة. من هذه الزاوية، فإن دعوة الدكتور محمد بدوي إلى تنقية أفق التوقع، كما يعبر عن ذلك نقاد مدرسة جماليات التلقي، هي محاولة مشروعة لتحرير النص من سجن التفسيرات الجاهزة وإعادة اكتشاف إمكاناته الدلالية المفتوحة، تلك الإمكانات التي حجبتها طبقات التأويل المتراكمة.
لكن، من جهة أخرى، ينبغي ألا نغفل عن أن النسيان المنهجي الكامل ليس ممكناً إلا بوصفه فكرة تنظيمية، أي بوصفه مثلاً أعلى نسعى إليه دون أن نبلغه أبداً. ذلك أن القارئ لا يمكنه أن ينفصل انفصالاً تاماً عن سياقه الثقافي والتاريخي، ولا عن المعرفة التي تراكمت لديه عبر قراءاته السابقة، ولا عن الأطر الإيديولوجية التي تشكل وعيه وطريقة رؤيته للعالم. فالوعي الإنساني ليس صفحة بيضاء يمكن محوها متى شئنا، إنما هو حصيلة تفاعلات معقدة بين الذات والموضوع، بين الفرد والتاريخ. ولذلك، فإني أفضل الحديث عن ( قراءة نقدية واعية) بدلاً من [قراءة أولى]، أي قراءة تعي سياقها النقدي الثقافي، وتتعامل معه بحذر جدلي، وتسعى إلى اختباره وتفكيكه، لا أن تتجاهله وكأنه غير موجود.
وهذا، في رأيي، هو ما يمارسه محمد بدوي فعلاً في كتابه، فهو لا ينسى ما قيل عن نجيب محفوظ، غير أنه بحذق أكاديمي يعيد النظر فيه، ويناقشه، ويتجاوزه، في حركة جدلية لا تلغي السابق بقدر ما تستوعبه وتتجاوزه في آن.
أما الندوة ذاتها، فقد قدمت نموذجاً يستحق التحليل على مستويين: مستوى المضمون ومستوى الشكل. على مستوى المضمون، كان واضحاً أن كلاً من الدكتور طارق النعمان والناقد إيهاب الملاح قد مارسا ما يمكن تسميته بـ"القراءة المنتجة"، أي أنهما لم يكتفيا باستقبال مادة الكتاب استقبالاً سلبياً، فقد أعادا إنتاجها في سياق جديد، وطرحا عليها أسئلة جديدة. وهذا هو الجوهر المفيد للنقد أن يكون حواراً بين أفق النص وأفق القارئ، ينتج عنه معنى جديد لم يكن موجوداً من قبل، معنى يتجاوز قصد المؤلف وقصد النص في آن.
ولعل أبرز ما ميز مداخلاتهما هو السؤال الذي طرحه الدكتور طارق النعمان حول طبيعة "المملكة" التي يتحدث عنها الكتاب هل هي فضاء إيماني أم فضاء جمالي؟ إن صياغة السؤال بهذه الطريقة تنم عن وعي عميق بإشكالية الحدود الفاصلة بين أنواع الخطاب، وبالعلاقة الملتبسة بين الإيديولوجي والجمالي في النص الأدبي. فالكتاب، كما بدا من النقاش، لا ينتمي إلى حقل النقد الأدبي المحض، ولا إلى حقل الدراسات الدينية المحضة، بل هو، في تقديري، يحاول إقامة جسر بين الحقلين، جسر يعبر فوق الهوة التي خلقتها التقسيمات الأكاديمية الصارمة. وهذه المحاولة، في حد ذاتها، جديرة بالاهتمام، لأنها تعكس حاجة موضوعية إلى تجاوز التقسيمات الأكاديمية التي كثيراً ما تعيق الفهم بدلاً من أن تسهله، تلك التقسيمات التي تفصل بين ما هو متصل في الواقع الحي.
لكن، على مستوى الشكل، تبرز إشكالية لا يمكن تجاهلها، وهي إشكالية النخبوية التي تتسم بها مثل هذه الندوات. وأنا أستخدم كلمة "نخبوية" هنا لا بمعناها الاتهامي المباشر، لكن بوصفها وصفاً موضوعياً لظاهرة تستحق التقصي والتحليل. فالمصطلحات المستخدمة في النقاش - مثل "السردية القرآنية" و"التفكيك الرمزي" و"البنية السردية العميقة" – تفترض وجود جمهور متخصص يشارك النقاد أدواتهم المنهجية ومرجعياتهم النظرية. وهذا الافتراض، في ذاته، ليس خطأ، فالتخصص ضرورة من ضرورات التقدم العلمي في أي مجال.
ولكن الخطر يكمن في أن يتحول التخصص تدريجياً إلى عزلة، وأن يصبح الخطاب النقدي محصوراً في دائرة ضيقة من المثقفين الذين يخاطب بعضهم بعضاً، فيما يظل الجمهور الأوسع خارج هذه الدائرة تماماً، وكأن الثقافة قد انقسمت إلى عالمين لا يلتقيان: عالم النخبة المغلقة وعالم الجمهور المهمش ثقافياً. إن السؤال الذي ينبغي أن نوجهه لأنفسنا، كمهتمين بالشأن الثقافي، هو كيف ننقل هذه الأفكار العميقة إلى قطاع أوسع من القراء، دون أن نفرط في الدقة المنهجية، أو أن ننزلق إلى التبسيط المخل؟ هذا، في تقديري، هو أحد أكبر التحديات التي تواجه المثقف العربي في المرحلة الراهنة، وهو تحد يتطلب حلاً جدلياً لا يضحي بالعمق من أجل الانتشار ولا بالانتشار من أجل العمق.
أما التفسير الاجتماعي للظاهرة الثقافية، فينبغي لنا، ونحن نحلل ظاهرة مثل كتاب "مملكة الله"، ألا ننظر إليها بمعزل عن سياقها الاجتماعي الأكبر، سياق مجتمع يعيش تحولات عميقة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. ذلك أن ظهور كتاب جاد في زمن تسود فيه ثقافة الاستهلاك السريع، ونشرته دار تحرص على النوعية لا على الكم، ونوقش في فضاء ثقافي يحاول أن يستعيد للتعبير الرمزي مكانته – كل هذه المؤشرات تستدعي تفسيراً يتجاوز المستوى الفردي إلى المستوى البنيوي، تفسيراً يرى في الظاهرة الثقافية تعبيراً عن تناقضات المجتمع وقواه الفاعلة.
يمكننا، من منظور سوسيولوجيا الثقافة، أن ننظر إلى هذا الكتاب وإلى الندوة التي ناقشته بوصفهما فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية. لا أعني بالمقاومة هنا موقفاً سياسياً مباشراً، إنما أعني بها ذلك الإصرار – الذي قد يبدو للبعض رومانسياً – على إنتاج خطاب يتجاوز السطح، ويتعمق في الأسئلة الكبرى، ويرفض منطق السوق القائم على العرض والطلب السريعين. إن وجود مثل هذه الممارسات في حقلنا الثقافي هو مؤشر على أن ثمة حاجة إنسانية اجتماعية، لدى قطاع من المثقفين والقراء على حد سواء، إلى تجاوز ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة التأمل، حاجة تعبر عن تطلع إلى ما هو أبعد من اليومي والمباشر.
غير أن الفعل الثقافي، مهما كان عميقاً وجاداً، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الفعل الاجتماعي المباشر، ولا ينبغي أن يتحول إلى هروب من مواجهة الواقع. وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري يطرح نفسه بإلحاح ما هي العلاقة الحقيقية بين ما يحدث في قاعات الندوات وما يحدث في الشارع؟ بين عالم الرمز وعالم الواقع الملموس؟ صحيح أنه لا ينبغي أن نحمل الناقد أو الأديب مسئولية حل المشكلات الاجتماعية، فهذه ليست وظيفته المباشرة. ولكن من حقنا، بل من واجبنا، أن نتساءل عن حدود تأثير الخطاب النقدي، وعن السبل التي يمكن بها أن يتحول الفهم العميق للنصوص إلى وعي يسهم في فهم أعمق للحياة نفسها، فهم يتجاوز النص إلى الواقع ثم يعود إلى النص في حركة جدلية لا تتوقف.
ما الذي نستخلصه من كل ما تقدم؟ أعتقد أن أهم ما تثيره تجربة مثل "مملكة الله" والندوة التي ناقشته هو ضرورة إعادة النظر في مفهوم الممارسة النقدية ذاته، وفي وظيفة النقد في مجتمعنا. النقد، كما أفهمه، ليس غاية في ذاته، إنما هو وسيلة لتطوير الوعي وعي القارئ بالنص، ووعي الناقد بأدواته، ووعي المجتمع بأسئلته الكبرى.
ولهذا، فإنني أدعو إلى ثلاثة أمور أساسية:
الأول: ضرورة الموازنة بين الدقة المنهجية والوضوح اللغوي. إن لغة الناقد ينبغي أن تكون أداة للتواصل، لا حاجزاً بينه وبين القارئ. وهذا لا يعني التخلي عن المصطلحات، بل يعني شرحها، وتوظيفها في سياق يجعل معناها متاحاً، وأن تكون اللغة جسراً للعبور إلى الأفكار لا سداً يحجبها عن الجمهور.
والأمر الثاني تجاوز ثنائية "المثقف النخبوي" و"الجمهور العام". نحن بحاجة إلى مستويات متعددة من الخطاب: خطاب متخصص يخاطب المتخصصين، وخطاب وسيط يخاطب المثقف العام، وخطاب تبسيطي يخاطب القارئ المبتدئ. والمشكلة ليست في وجود الخطاب المتخصص، بل في غياب المستويين الآخرين، مما يخلق قطيعة بين النخبة والجمهور تضعف الثقافة الوطنية في مجملها.
أما الأمر الثالث فهو الربط بين النقد والحياة. النقد الأدبي لا يمكن أن يكون هدفه النهائي هو "فهم النص" فحسب، بل لا بد أن يمتد إلى فهم الإنسان وفهم المجتمع، وإلى الكشف عن القوى الاجتماعية والتناقضات التي تشكل النصوص والتي تكشف عنها النصوص. وهذا ما يجعل النقد فعلاً ثقافياً متصلاً بنسيج الحياة، لا مجرد تمرين أكاديمي معزول في برجه العاجي.
في النهاية، يمكن القول إن كتاب "مملكة الله"، بكل ما أثاره من نقاشات وأسئلة، يمثل إضافة حقيقية إلى حقلنا الثقافي، ليس فقط بما يقدمه من تحليل لرواية "أولاد حارتنا"، وهذا هو الأهم، لكن بما يثيره من أسئلة حول طبيعة الممارسة النقدية ذاتها، وحول علاقتها بالمجتمع، وحول شروط إمكان وجود خطاب ثقافي جاد في زمن يبدو فيه كل شيء متآمراً ضد الجدية.
***
د. عبد السلام فاروق







