قراءة في كتاب
جورج منصور: يوميات شاعر خلف طاولة العرائض
صدر حديثاً عن دار كوديا للنشر والتوزيع في بغداد كتابٌ للشاعر العراقي كاظم غيلان بعنوان "يوميات كاتب عرايض"، يقع في 174 صفحة من القطع المتوسط.
هكذا تبدأ حكاية الكاتب:
" الذي قادني لكتابة العرايض وامتهانها هو عريضة طلبت مني شقيقيتي الكبيرة (نجاة) تنظيمها معنونة إلى وزير الدفاع تشكوه حالها في البحث عن مصير ولدها (حيدر) الذي فقد ابان حرب الخليج، نظمت العريضة وقصدت باب المعظم لطباعتها فذلفت أحد المحلات لذلك، وجدت الشاب الذي جلس خلف الطابعة يعمل ببطء فدفعني فضولي بأن أقوم بطباعتها وعلى الفور فسح لي المجال.
وما أن انتهيت وسلمته أجرة الطباعة حتى سألني:
ماشاء الله سريع.. ليش ما تشتغل عدنه؟".
ومنذ ذلك اليوم، بدأ الشاعر يجلس كل صباح تحت مروحةٍ متعبة في زاويةٍ من بناية قديمة تضم مكاتب للاستنساخ في باب المعظم، خلف طاولة خشبية تآكلت أطرافها من كثرة ما انحنت فوقها أيدي الناس وهم يترجون الكلمات.
على الطاولة بضعة أقلام، وأوراق صفراء، وصورة صغيرة للرئيس موضوعة بحذر؛ لا عن قناعةٍ دائماً، بل لأن الزمن كان يفرض على الجدران والطاولات والقلوب أن تضع صورته في كل مكان.
كان يعرف في داخله أنّه ليس مجرد كاتب، بل مستودع خوفٍ طويل، يسمع يومياً ما لا تجرؤ الشفاه على قوله بصوتٍ مرتفع.
تأتيه امرأة سوداء العباءة، تحمل صورة ولدها الذي قُتل في الحرب، وتجلس أمامه بصمتٍ ثقيل. تُخرج الصورة من كيسٍ نايلون قديم، كأنها تُخرج قلبها.
تقول له بصوتٍ مرتجف:
"اكتب.. إلى السيد الرئيس.. ابني استشهد في المعارك، وعندي خمس بنات.. أطلب شمولنا برحمة سيادته".
كان يعرف أن العبارة الأخيرة ليست من قلبها، بل من خوفها.
فيكتبها بحبرٍ بطيء، ويختار الكلمات كما يختار المرء خطواته في حقل ألغام.
ثم يأتي شاب نحيل يحمل شهادة جامعية مطوية عشرات المرات. يجلس متوتراً وينظر حوله قبل أن يتكلم:
“"أستاذ.. أريد تعيين.. أي وظيفة.. حتى لو فراش
فيكتب له عريضة طويلة عن الوطنية وخدمة الوطن والثقة بالحزب والثورة، بينما كان يعرف أن الشاب لم يعد يريد وطناً بقدر ما يريد راتباً يسند به أمه.
وأحياناً يأتي طفل يتيم، تدفعه خالة أو جار، يحمل أوراقاً رسمية أكبر من عمره. يقف بصمت، فيسأله الكاتب:
“شنو تريد يا ولدي؟”
فيجيبه الطفل كأنه يحفظ درساً:
“"أريد مساعدة لأن والدي متوفي
كان الكاتب يشعر عندها أن الورقة أكبر من الطفل، وأن الدولة كلها أكبر من أحلام الناس، وأن الجميع صاروا يكتبون طلبات نجاة لا طلبات حياة.
ورغم ذلك، أحبَّ هذه المهنة.
ليس لأنها بالكاد تُطعمه، بل لأنها جعلته يرى العراق كله يمر أمام طاولته.
رأى الضابط المتكبر حين يخلع قسوته ليطلب نقل ابنه من الجبهة، ورأى المسؤول الحزبي يرسل خادمه ليكتب عريضة علاج لزوجته. ورأى الفقراء وهم يضعون آخر ما يملكون في جيبه مقابل صفحةٍ قد لا يقرأها أحد.
كان يسمع القصص أكثر مما يسمع الكلمات، وكان يعرف أن كل عريضة تخفي خلفها خوفاً من الجوع، أو السجن، أو الحرب، أو الاختفاء.
وفي بعض الليالي، حين يعود إلى غرفته الصغيرة في الفندق الكئيب، يشعر أن أصابعه لم تعد تكتب بالحبر، بل بآهات الناس.
ومع ذلك، كان يواصل الجلوس كل صباح خلف طاولته الخشبية، تحت المروحة العتيقة، يكتب للناس رسائلهم إلى سلطةٍ بعيدة، بينما هو نفسه لم يكتب يوماً عريضةً واحدة لنفسه.
كان الشاعر كاظم غيلان يعتقد أن القصائد يمكن أن تطعم القلب على الأقل، لكن بغداد علّمته بسرعة أن القلب نفسه يحتاج إلى خبز، وأن الشاعر الذي لا يملك واسطة ولا راتباً ولا حزباً، يتحول بالتدريج إلى رجل يبحث عن أي مهنة تمنحه حق البقاء.
جاء من محافظة جنوبية بعيدة، من مدينة يغمرها القصب والملح ورائحة الأهوار، يحمل حقيبة صغيرة ودفتر شعر سميكاً. كان يحلم أن تصبح بغداد مدينته الكبرى؛ مدينة المقاهي الثقافية والجرائد والندوات، لكنه اكتشف أن العاصمة لا تسأل القادم إليها عمّا يكتب، بل عمّا يملك.
لم يشعر بالإهانة، لأنه اكتشف مع الوقت أن ما يكتبه ليس بعيداً تماماً عن الشعر. صحيح أنه لم يعد يكتب عن الحب والحرية، بل عن طلبات التقاعد ومعاملات نقل النفوس، وشكاوى الموظفين. لكن العرائض نفسها بدت له نوعاً آخر من الشعر؛ شعراً موجوعاً ومكسوراً، بلا استعارات.
كانت امرأة عجوز تأتيه كل أسبوع تقريباً، تطلب منه أن يكتب رسالة إلى دائرة الشهداء، وتقول له كل مرة:
.“"اكتبها بطريقة تبچيهم يمّه.. خليهم يحسون بابني
فيكتب لها بلغة رسمية، لكنه يهرّب بين السطور شيئاً من قلبه، كأن يصف الابن بأنه "سقط وهو يحلم بوطن كريم".
وكان شاب عاطل يقف أمامه مرتبكاً، يطلب عريضة تعيين، فيسأله:
شنو اختصاصك؟
فيجيب بخجل:
هندسة.
فيبتسم الشاعر- كاتب العرائض- بمرارة، لأنه هو أيضاً يحمل اختصاصاً لا يطعم أحداً: الشعر.
شيئاً فشيئاً، صار يعرف بغداد من خلال وجوه المنكسرين؛ المدينة التي حلم بها كقصيدة طويلة، ظهرت له ككومة عرائض مختومة بالطوابع الرسمية.
حتى لغته تغيرت؛ اختفت المفردات الحالمة، وحلت محلها كلمات مثل: "راجين التفضل” و”استناداً للتعليمات" و”مع التقدير".
وأحيانًا، حين يخلو المكان عند الظهيرة، كان يقلب مسودة إحدى العرائض ويكتب على ظهرها بيت شعر سريعاً، ثم يمزقه قبل أن يراه أحد، خوفه من عيون المتربصين.
كان يشعر أن مهنته الجديدة منحته ما لم تمنحه القصائد: الاقتراب الحقيقي من البشر.
فالشاعر الذي كان يكتب عن الحزن نظرياً، صار الآن يلمسه بيده؛ في أصابع الأرامل المرتجفة، وفي عيون الآباء الذين يبحثون عن أبنائهم، وفي الموظفين الذين يركضون خلف توقيع صغير قد يغير حياتهم.
في إحدى الليالي الممطرة، عاد إلى غرفته المتعبة، وأخرج دفتراً قديماً من حقيبته. قرأ قصيدة كتبها قبل سنوات عن بغداد، كانت مليئة بالنجوم والمقاهي والنساء الجميلات.
ضحك طويلاً، ثم همس لنفسه:
"بغداد الحقيقية ليست التي كتبتُ عنها.. بغداد الحقيقية تجلس أمامي كل يوم، حافية ومتعبة، وتحمل بيدها عريضة".
وهكذا لا يبدو كتاب "يوميات كاتب عرائض" مجرد سردٍ لمهنةٍ شعبيةٍ عرفتها المدن العراقية في زمن الحروب والخوف، بل شهادة إنسانية مؤلمة عن عراقٍ كامل كان يكتب أوجاعه على أوراق رسمية مختومة بالطوابع والأمل المؤجل. لقد استطاع الشاعر كاظم غيلان أن يحوّل الطاولة الخشبية الصغيرة في باب المعظم إلى مرآةٍ لوطنٍ مثقل بالخسارات، وأن يجعل من كاتب العرائض شاهداً صامتاً على انكسارات الناس وأحلامهم البسيطة في النجاة.
في هذا الكتاب، لا نقرأ عن العرائض وحدها، بل عن بشرٍ سحقهم الانتظار، وعن شاعرٍ اكتشف أن القصيدة قد تختبئ أحياناً في رجفة يد أرملة، أو في توسّل أم، أو في صمت طفل يتيم يحمل أوراقاً أكبر من عمره. لذلك تبقى هذه اليوميات أكثر من مجرد ذكريات شخصية؛ إنها وثيقة أدبية وإنسانية تستعيد زمناً عراقياً ثقيلاً، وتمنح أصوات البسطاء الذين مرّوا خلف تلك الطاولة حقّهم في البقاء داخل الذاكرة.
***
جورج منصور







