قراءة في كتاب
حميد عقبي: قراءة نقدية في «التاريخ السري للثورة اليمنية»
كيف فكّك عبد الله جزيلان رواية الثورة والجمهورية من الداخل
يُعد كتاب «التاريخ السري للثورة اليمنية من سنة 1956 إلى سنة 1962» للواء اليمني عبد الله جزيلان واحدًا من الكتب اليمنية المثيرة للقلق والارتباك في الكتابة عن ثورة 26 سبتمبر. فهذا الكتاب لا ينتمي إلى أدبيات الاحتفال الجمهوري التقليدي، ولا إلى الأدبيات الملكية المضادة، لكنه يبدو أقرب إلى شهادة ضابط يشعر أن الثورة التي شارك في صنعها قد سُرقت منه ومن الثوار الحقيقين من جيله، ثم أعيدت صياغتها لاحقًا على يد السلطة والإعلام والخطابة السياسية.
ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، ليس بكونه “الحقيقة النهائية” عن الثورة اليمنية، ولن يمكن أن نصفه بأنه من النصوص التي تفتح الجرح القديم: من الذي صنع ثورة سبتمبر فعلًا؟ ومن الذي استولى على روايتها لاحقًا؟ ولماذا تحوّل بعض المشاركين الحقيقيين إلى أسماء منسية ومهمشة، بينما صعد آخرون إلى واجهة المجد الوطني؟
جزيلان لم يكن مؤرخًا أكاديميًا محترفًا، كان ضابطًا شارك في التكوين العسكري والسياسي للمرحلة، وشغل مناصب مهمة لاحقًا داخل الدولة الجمهورية، بينها نائب رئيس الوزراء ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة. هذه الخلفية تمنح كتابه قيمة خاصة، لكنها تجعله أيضًا نصًا ذاتيًا وانفعاليًا.
فهو لا يكتب من مسافة باردة، هو يكتب منفعلاً من داخل الصراع نفسه. ولذلك فإن الكتاب ليس مجرد سرد للأحداث، بل صراع على الذاكرة والشرعية والبطولة.
منذ الصفحات الأولى يبدو واضحًا أن جزيلان يحمل غضبًا عميقًا تجاه الطريقة التي كُتب بها تاريخ الثورة اليمنية لاحقًا. فهو يرى أن هناك “حملة أقلام” صنعت رواية مزيفة، ووزعت البطولة بطريقة انتهازية، حتى أصبح بعض الذين لم يشاركوا فعليًا في صناعة الثورة قادة تاريخيين في الوعي العام، بينما أُقصي آخرون أو حُوصروا أو عادوا إلى بيوتهم منسيين.
إذن هنا تظهر فكرته الأساسية: الثورة لم تُسرق سياسيًا فقط، بل سُرقت سرديًا أيضًا.
ولهذا يهاجم جزيلان بوضوح الطريقة التي تحولت بها ذكرى سبتمبر إلى طقس احتفالي فارغ، أشبه بعروض خطابية وشعارات مدرسية وأغانٍ عاطفية، بدل أن تتحول إلى مشروع نقدي لفهم ما حدث فعلاً. وهو حين يشبّه بعض ما كُتب عن الثورة ببرنامج «ساعة لقلبك»، فإنه لا يقصد السخرية المجانية فقط، بل يريد القول إن جزءًا من أدبيات الثورة تحوّل إلى كوميديا وتهريج سياسي، فيها مبالغات، وفشر، وتوزيع بطولات، أكثر من كونها كتابة دقيقة للتاريخ.
هذه النقطة بالذات شديدة الأهمية، لأنها تكشف أزمة الذاكرة اليمنية الحديثة. فشمال اليمن، بخلاف تجارب عربية أخرى، لم ينجح في إنتاج “أدب ثورة” متماسك وعميق. لم تظهر رواية يمنية كبرى عن سبتمبر، ولا أرشيف وطني نقدي شامل، بل ظهرت:
مذكرات متصارعة، وشهادات شخصية، وخطب احتفالية، وروايات عسكرية متناقضة.
ولهذا يظل تاريخ ثورة سبتمبر هشًا ومفتوحًا للتأويل ويحتاج أن نعيد كتابته.
يرى جزيلان أن شخصيات مثل عبد الله السلال تحولت لاحقًا إلى رموز شبه مقدسة في الرواية الرسمية، بينما الواقع – بحسب شهادته – كان أكثر تعقيدًا بكثير. فهو يلمّح إلى أن السلال لم يكن “العقل المؤسس” للثورة كما قُدِّم لاحقًا، بل جرى تتويجه سياسيًا وعسكريًا لاعتبارات تتعلق بالتوازنات والنفوذ والقدرة على الإمساك بمؤسسات القوة.
وهنا يدخل الكتاب في منطقة شديدة الحساسية؛ لأنه لم يهاجم أعداء الثورة، بل حاول أن يفكك الرواية الجمهورية من الداخل. وهذا جعل الكتاب مهمشًا نسبيًا في الذاكرة الثقافية اليمنية. فالجمهورية احتاجت بعد الحرب الأهلية إلى سردية مستقرة ومبسطة:
ثوار أخيار، وإمام مستبد، وقائد جمهوري، وشعب انتصر لتنتهي الحدوتة .
أما جزيلان فيفسد هذه البنية المريحة، لأنه يقول ضمنيًا:
الثورة نفسها كانت ساحة تنازع واختطاف وإقصاء وما فعلوه من تاريخ فهو مزور .
لكن اللافت أن جزيلان لم يكن قريبًا من الحنين الملكي، ولم يدافع عن الإمامة. هو ثوري جمهوري بوضوح، لكنه جمهوري غاضب من الطريقة التي تحولت بها الجمهورية إلى مؤسسة لإعادة توزيع البطولات والمجد والمناصب.
كما أن علاقته بالزبيري تبدو كانت معقدة أيضًا. فهو لا ينكر مكانته، لكنه يوحي أحيانًا بأن بعض الشخصيات الثقافية تحولت بعد الثورة إلى أيقونات أكبر من دورها الفعلي في العمل التنظيمي والعسكري. وهذه نقطة حساسة جدًا، لأن الزبيري عند النخبة الثقافية اليمنية يكاد يكون شخصية فوق النقد.
ومع ذلك لا يمكن اختزال الكتاب ولحكم عليه بأنه “غيرة سياسية” أو “تصفية حسابات”. فكاتب هذا الكتاب يطرح أسئلة حقيقية:
كيف صُنعت الرواية الرسمية؟
من يملك حق تمثيل الثورة؟
ولماذا يظل نسيان بعض الفاعلين؟
وكيف تتحول السلطة لاحقًا إلى ماكينة لإنتاج أبطال من أجل تقاسم السلطة والنفوذ؟
هذه الأسئلة منحت هذا الكتاب قيمة تتجاوز المعلومات العسكرية نفسها أو الصياغة الأدبية.
أما أسلوب جزيلان فهو من أكثر عناصر الكتاب إثارة للاهتمام. فاللغة ليست لغة مؤرخ أكاديمي، بل لغة رجل يتكلم كما لو كان يجلس في مجلس طويل يروي ذكرياته بمرارة وعفوية. الجمل طويلة أحيانًا، والانفعال واضح، والتنقل بين الوقائع والتعليق الأخلاقي يحدث بصورة مفاجئة.
لا يوجد بناء منهجي أو إحالات كثيفة أو تحليل بارد للوثائق.
يوجد شيء أقرب إلى السرد الشفهي المكتوب.
وهذا ربما يجعل القارئ يعيش حالة مزدوجة:
يثق بعاطفة النص وحرارته،
لكنه يرتبك أحيانًا بسبب القفزات والانفعالات والتكرار.
وربما لو مرّ الكتاب عبر محررين محترفين لتحول إلى نص أكثر تماسكًا، لكنه في المقابل كان سيفقد شيئًا من صدقه الخام. لأن الرجل صاحب احساس ولم يكتب “أدبًا سياسيًا” بقدر ما حاول انتزاع حقه من النسيان.
ومن المدهش أيضًا أن كتب جزيلان لم تتحول إلى مادة دراسية أو موضوع مراجعات نقدية واسعة، رغم أهميتها. فهي بقيت على هامش الأدبيات الجمهورية الرسمية، ربما لأنها تزعج الجميع:
تزعج الرواية الرسمية،
وتزعج بعض الضباط،
وتزعج اليساريين والقوميين،
وحتى بعض المثقفين الذين ساهموا في بناء صورة رومانسية عن سبتمبر.
ولهذا بقيت كتب جزيلان أقرب إلى “أرشيف متمرد” داخل الذاكرة الجمهورية.
استنتاجات هامة:
يرى جزيلان أن الرواية الرسمية للثورة تعرضت للتشويه المبكر.
يعتبر أن كثيرًا ممن احتكروا تمثيل الثورة لم يكونوا صناعها الحقيقيين.
يشعر الكاتب بمرارة واضحة من تهميش الضباط الذين شاركوا فعليًا في التنظيم.
يؤمن بأن الثورة تحولت لاحقًا إلى وسيلة للسلطة والجاه.
يرفض اختزال سبتمبر في أسماء محددة مثل السلال وحده.
يرى أن كتابة تاريخ الثورة تمت بصورة انتقائية ومصلحية.
يشير ضمنيًا إلى وجود “طبقة جمهورية” صنعت لنفسها مجدًا سياسيًا بعد الحرب.
يعتقد أن بعض المثقفين والكتاب ساهموا في تزييف الذاكرة العامة.
يؤكد أن الثورة لم تكن كتلة موحدة بل شبكة متناقضة من الضباط والسياسيين.
يظهر أن الصراع داخل الجمهوريين بدأ مبكرًا جدًا.
يرى أن كثيرًا من الثوار الحقيقيين انتهوا مهمشين أو معزولين.
يعتبر أن الاحتفالات الرسمية بسبتمبر تحولت إلى طقس فارغ.
يستخدم لغة أخلاقية حادة في تقسيم الناس بين ثوار وانتهازيين.
يكشف أن معركة الذاكرة لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية.
يؤكد أن السرد الرسمي أخفى أسماء وأدوارًا كثيرة.
يرى أن بعض القادة صنعوا هالات إعلامية حول أنفسهم.
يقدم نفسه بوصفه شاهدًا على “الحقيقة المخفية”.
يعتمد على الذاكرة الشخصية أكثر من الوثائق الصارمة.
يكشف الكتاب هشاشة الأدب السياسي اليمني الحديث وضعف التحرير الأكاديمي.
يؤكد ضمنيًا أن الثورة اليمنية لم تنتج حتى اليوم سرديتها الوطنية الناضجة.
عبد الله جزيلان: الضابط الذي كتب ضد الرواية الرسمية
ينتمي عبد الله جزيلان إلى الجيل العسكري الذي تخرّج في لحظة التحولات الكبرى في اليمن. شارك في الجيش، وارتبط بتنظيم الضباط الأحرار، ثم دخل في قلب التحولات التي قادت إلى ثورة سبتمبر. بعد الثورة شغل مناصب عسكرية وسياسية مهمة، لكنه بدا لاحقًا وكأنه يشعر أن الثورة التي ساهم فيها قد صودرت رمزيًا من قبل آخرين.
ولهذا يمكن القول بأن كتاباته مشبعة بالغضب والمرارة والرغبة في إعادة ترتيب المشهد والثورة المسروقة.
وربما لهذا يبدو كتابه أحيانًا مرتبكًا وصادقًا في آن واحد. كوننا لسنا مع نصٍ مصقولٍ بعناية أكاديمية، بل صوت ضابط يمثل شريحة مظلومة ولقد حول من خلال كتبه أن يعود إلى المعركة ليصحح ولو جزء من تاريخ الجمهوية العربية اليمنية المزور.
***
حميد عقبي
.......................
* رابط لمشاهدة وسماع المادة النقدية كاملة حول الكتاب
https://youtu.be/BEzswV3kJHI?si=WMvQq-d6MsdBM5Ni







