عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

حميد عقبي: كتاب " الحضارة السريانية حضارة عالمية"

«الحضارة السريانية حضارة عالمية: دور السريان في النهضة العربية الأولى» للباحث اللبناني موسى مخّول

يُعدّ كتاب «الحضارة السريانية حضارة عالمية: دور السريان في النهضة العربية الأولى» للباحث موسى مخّول من المحاولات الجادة لإعادة قراءة تاريخ النهضة الفكرية في المشرق، من خلال إبراز الدور المحوري الذي لعبه السريان في نقل المعرفة وبناء الجسر الحضاري بين العالم اليوناني والحضارة العربية الإسلامية.

ينطلق هذا الكتاب من أطروحة مركزية واضحة مفادها أن السريان لم يكونوا مجرد وسطاء تقنيين في عملية الترجمة، بل كانوا فاعلين ثقافيين أساسيين وشاركوا بفعالية وإبداع في حفظ التراث القديم، وتأويله، وإعادة إنتاجه داخل سياقات ثقافية جديدة.

يستعرض المؤلف في البداية نشأة الحضارة السريانية بكونها امتداداً للثقافة الآرامية، ويُبرز انتشار اللغة السريانية كلغة ثقافة وعلم في الشرق الأدنى لعدة قرون. يوؤكد بأن هذه اللغة لم تكن مجرد أداة دينية، لكنها تحولت إلى لغة معرفية استوعبت الفلسفة اليونانية والعلوم الطبيعية، وأسهمت في تشكيل بيئة فكرية خصبة. ومن هنا يبيّن الكتاب أن فهم دور اللغة السريانية هو مفتاح لفهم حركة انتقال المعرفة عبر العصور.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تحليل دور المدارس السريانية، مثل الرها ونصيبين وجنديسابور، يعتبرهما مؤسسات علمية لعبت دوراً حاسماً في إعداد النخب المثقفة. في هذه المدارس، تشكّل العلماء الذين أتقنوا اليونانية والسريانية، ثم العربية لاحقاً، مما جعلهم مؤهلين للقيام بعملية الترجمة المعقدة. ويُظهر هذا التحليل أن النهضة العباسية لم تنشأ فجأة، بل كانت امتداداً لتراكم معرفي طويل بدأ في هذه المراكز.

يركّز الكتاب بشكل خاص على حركة الترجمة، كظاهرة إبداعية حضارية كبرى، وليست فقط نشاط لغوي كما يصوره البعض. فقد تمت ترجمة النصوص اليونانية أولاً إلى السريانية، ثم إلى العربية، وهو ما يعني أن السريان كانوا حلقة أساسية في هذه السلسلة.

كما أن المؤلف يشير إلى أن الترجمة لم تكن حرفية، وانما إبداعية واضافة ثقافية كونها تضمنت شرحاً وتأويلاً وإعادة صياغة للمفاهيم، وهو ما أسهم في تكييف الفكر اليوناني مع البيئة العربية الإسلامية.

ومن هنا نفهم دور العلماء السريان في بغداد خلال العصر العباسي، خاصة في بيت الحكمة، حيث شاركوا في ترجمة مئات الكتب في الطب والفلسفة والرياضيات. وقد كان لهؤلاء العلماء دور مزدوج: نقل المعرفة وتطويرها. ويؤكد الكتاب أن الطب كان من أبرز المجالات التي تأثر بها الفكر العربي بالسريان، نظراً لخبرتهم الطويلة في هذا المجال.

كما يناقش الكتاب طبيعة العلاقة بين السريان والعرب، مؤكداً أنها لم تكن علاقة صراع، بل علاقة تفاعل وتكامل. فقد شارك المسيحيون السريان في الحياة العلمية في الدولة الإسلامية، وأسهموا في بناء تقاليد معرفية مشتركة.

وهنا يطرح المؤلف فكرة أن الحضارة العربية الإسلامية كانت حضارة متعددة الثقافات، وليست نتاجاً أحادياً.

ومن أهم القضايا التي يعالجها الكتاب أيضاً إشكالية “الحلقة المفقودة” في تاريخ الحضارة، حيث يرى أن كثيراً من الدراسات أغفلت الدور السرياني، وركّزت فقط على اليونان والعرب. لذلك يدعو إلى إعادة كتابة هذا التاريخ بشكل أكثر توازناً، يعترف بجميع الأطراف التي ساهمت في صنعه.

من حيث المنهجية، يعتمد موسى مخّول على منهج تاريخي تحليلي، حاول الجمع بين عرض الوقائع التاريخية وتحليلها ضمن سياقها الحضاري. كما استند إلى عدد كبير من المصادر العربية والغربية، واستفاد من بعض الدراسات الحديثة حول الترجمة وتاريخ العلوم. غير أن منهجه يميل أحياناً إلى الطابع التفسيري حيث سعى إلى إبراز دور السريان بشكل واضح، وربما هذا قد يعطي بعضنا انطباعاً بتركيز خاص على هذا العنصر على حساب عناصر أخرى، وهو أمر مفهوم في إطار هدف الكتاب.

وتقودنا هذه القراءة إلى مجموعة من الاستنتاجات الأساسية:

1 ـ السريان لم يكونوا مجرد مترجمين:

يكشف الكتاب أن اختزال الدور السرياني في الترجمة يظلم تجربتهم؛ فقد سبق النقلَ نشاطٌ طويل في التعليم والشرح والتأليف وحفظ المخطوطات. لذلك كانوا منتجين للمعرفة ووسطاء ثقافيين، ولم يكونوا مجرد قناة عبرت خلالها المؤلفات اليونانية إلى العربية.

2 ـ النهضة العباسية لها جذور أقدم

لا تبدأ قصة النهضة العلمية مع بغداد وبيت الحكمة وحدهما. يعيد الكتاب جذورها إلى قرون من النشاط العلمي في المشرق، وإلى مدارس ومراكز سريانية كوّنت تقاليد في الطب والفلسفة والمنطق واللغات، استفادت منها المرحلة العربية الإسلامية اللاحقة.

3 ـ اللغة السريانية كانت لغة معرفة

من أهم ما يصححه الكتاب الصورة التي تحصر السريانية في الكنيسة والطقوس. فقد كانت لغة أدب وفكر وتعليم وترجمة وعلوم، واستطاعت استيعاب مصطلحات فلسفية وطبية معقدة، وأصبحت إحدى اللغات الأساسية التي حملت المعرفة في المشرق لقرون.

4 ـ الترجمة عملية إبداع وليست نسخاً

تظهر حركة الترجمة في الكتاب بكونها فعلاً معرفياً مركباً. فالمترجم يحتاج إلى فهم النص والمصطلح والسياق، وقد يشرح ويقارن ويعيد بناء المفهوم في لغة أخرى. ومن هنا شاركت الترجمة السريانية في صناعة المعرفة وساهمت في نهضة عدة حضارات.

5 ـ الحضارة العربية الإسلامية نتاج تفاعل

يقودنا هذا الكتاب إلى تجاوز فكرة الحضارة المنغلقة على هوية واحدة. فالنهضة العربية الإسلامية استفادت من عرب وسريان وفرس ويونان وغيرهم. وأصبحت بغداد، وفق هذه الرؤية، نقطة التقاء لتقاليد معرفية متعددة أكثر من كونها بداية منفصلة عن تاريخ المشرق السابق.

6 ـ المدارس أهم من الأفراد وحدهم

رغم حضور أسماء العلماء والمترجمين، يلفت الكتاب الانتباه إلى البنية التي أنتجتهم: المدارس والأديرة والمكتبات ومراكز النسخ والتعليم. وهذا مهم لأن النهضة العلمية لا يصنعها العباقرة منفردين، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تحفظ المعرفة وتنقلها بين الأجيال.

7 ـ الطب نموذج واضح للتبادل الحضاري

يقدم الطب مثالاً قوياً على عمق الحضور السرياني؛ فالأطباء لم ينقلوا مؤلفات أبقراط وجالينوس فحسب، وإنما مارسوا الطب ودرّسوه وخدم بعضهم في بلاطات الخلفاء. وهكذا انتقلت الخبرة العملية بالتوازي مع انتقال الكتاب والمصطلح والنظرية الطبية.

8 ـ الدين لم يمنع الشراكة المعرفية

تكشف التجربة التي يعرضها الكتاب أن الاختلاف الديني لم يمنع التعاون العلمي. فقد عمل علماء مسيحيون سريان داخل فضاء سياسي وثقافي إسلامي، وتعامل معهم الخلفاء والعلماء بوصفهم أصحاب معرفة. ويذكرنا هذا بصفحة تاريخية مهمة لفهم إمكان التعايش والإنتاج الثقافي المشترك.

9 ـ تاريخ المعرفة سلسلة طويلة وليست قفزات مفاجئة

من أعمق رسائل الكتاب أن المعرفة لم تنتقل بقفزة مباشرة من أثينا إلى بغداد ثم أوروبا. بين هذه المراحل حلقات ولغات ومؤسسات ومترجمون وشراح. وإعادة السريان إلى هذه السلسلة تجعل تصورنا لتاريخ العلوم أكثر دقة وأقل خضوعاً للسرديات المبسطة.

10 ـ إعادة الاعتبار للسريان تصحيح لا استبدال

القيمة الحقيقية للكتاب ليست في استبدال مركزية عربية بمركزية سريانية، ولكن في توسيع الصورة. فالتاريخ الثقافي للمشرق نتاج مساهمات متشابكة. وتصبح أهمية السريان أكثر وضوحاً عندما نفهمهم شريكاً مؤثراً داخل شبكة حضارية واسعة، لا حضارة تعمل منفردة.

خاتمة

تكمن أهمية كتاب موسى مخّول في أنه يفتح أمام القارئ باباً واسعاً يتجاوز كثيراً من الكتب الشعبية العربية التي تتناول الآراميين والسريان من خلال سرديات عامة أو هوياتية لا تستند دائماً إلى تحقيق تاريخي كافٍ. والكتاب نفسه ليس نهاية البحث،ويمكن أن نعتبره مدخلاً إلى حقل أكاديمي ضخم؛ فهناك مئات الكتب والدراسات والمقالات المتخصصة في الآرامية واللغة والأدب السريانيين والمخطوطات والمدارس وحركات الترجمة، إلى جانب عشرات الجامعات والمراكز والجمعيات البحثية في الشرق وأوروبا وأميركا التي تعمل في هذه المجالات. المشكلة أن جانباً محدوداً جداً من هذا الإنتاج يصل مترجماً إلى القارئ العربي أو يحظى بعرض نقدي منتظم. وفي المقابل، تتسع اليوم مساحة البرامج والقنوات والبودكاست التي تقدم الادعاء التاريخي كمعرفة ثقافية ولغوية وحضارية، لكن أغلبها بلا مصادر واضحة. لذلك تظل قيمة هذا الكتاب في أنه يدفع القارئ من الجدل الشعبي حول الهوية إلى البحث والمصدر والمخطوط والدراسة المقارنة.

أما عن المؤلف موسى مخّول، فهو باحث مهتم بتاريخ الحضارة السريانية ودورها في الثقافة العربية، وله عدة دراسات في هذا المجال، منها أعمال تتناول يوحنا الدمشقي ودور السريان في نقل الحضارات. ويبدو من خلال كتاباته أنه يسعى إلى إعادة الاعتبار لهذا التراث، وإبراز إسهامه في تشكيل الفكر العربي.

و يمكن القول إن هذا الكتاب يقدّم قراءة مهمة في تاريخ الثقافة، ويعيد تسليط الضوء على دور مهم غالباً ما يتم تجاهله. والأكثر أهمية أنه لم يكتف بسرد التاريخ، وهو يؤكد و يدعو إلى إعادة التفكير في كيفية كتابة تاريخ الحضارات، على أساس التفاعل والتكامل.

***

حميد عقبي

.....................

* رابط لمشاهدة وسماع مداخلة نقدية موسعة عن الكتاب

https://youtu.be/xJfrgcuBbVs?si=PVb_kAOFXS20gJLY

في المثقف اليوم