عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

منير محقق: تفكيك السرد وإعادة بناء المعنى

قراءة نقدية في “مجمل تاريخ المغرب” لـ عبد الله العروي

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية  لكتاب مجمل تاريخ المغرب، من خلال تفكيك بنيته المنهجية وتحليل أطروحاته المركزية، مع التركيز على إشكالية القطيعة التاريخية التي تشكل مرتكزًا أساسياً في مشروع المؤرخ المغربي عبد الله العروي. وتنطلق الدراسة من فرضية مضادة مفادها أن التاريخ المغربي لا يُفهم بمنطق الانقطاع، بل بمنطق الاستمرارية والتراكم، وهو ما تؤكده المعطيات التاريخية والدراسات الحديثة.

كما تسعى الدراسة إلى إبراز حدود المقاربة التاريخانية عند العروي، خاصة في ما يتعلق بتهميش المجال الصحراوي، واقتراح بديل إبستمولوجي قائم على مفهوم "الشرعية التاريخية"، بما يسمح بإعادة بناء السرد التاريخي المغربي في أفق أكثر اتساقًا مع الواقع التاريخي والسياسي.

على سبيل الافتتاح:

يمثل التاريخ، في السياق المغربي، أكثر من مجرد مجال للبحث الأكاديمي، إذ يتداخل مع أسئلة الهوية والشرعية والسيادة. ومن هنا، فإن كل محاولة لإعادة كتابة التاريخ المغربي تكتسب أبعادًا تتجاوز المعرفة إلى المجال الاستراتيجي.

في هذا الإطار، يبرز مشروع المؤرخ المعربي عبد الله العروي باعتباره أحد أبرز المشاريع الفكرية التي سعت إلى إعادة بناء الوعي التاريخي وفق منظور حداثي، يقوم على تفكيك السرد التقليدي وإعادة تنظيمه ضمن رؤية تحليلية شاملة (العروي، 1996).

غير أن هذا المشروع، رغم أهميته، يطرح إشكالاً جوهريًا يتعلق بطبيعة التاريخ المغربي نفسه: هل هو تاريخ قطيعة أم تاريخ استمرارية؟ وهل يمكن تطبيق نموذج تاريخاني مستمد من التجربة الأوروبية على حالة مغربية تتميز بخصوصية بنيوية عميقة؟

تنطلق هذه الدراسة من فرضية نقدية مفادها أن العروي، في سعيه إلى تحديث الوعي التاريخي، قد أعاد بناء التاريخ المغربي وفق نموذج القطيعة، وهو ما لا ينسجم كليًا مع واقع الدولة المغربية التي تقوم على التراكم والاستمرارية (Abun-Nasr, 1987).

أولًا: البنية المنهجية للكتاب: من السرد إلى التركيب

يُصرّح المؤرخ المغربي عبد الله العروي بأن غايته ليست "جمع الوقائع، بل تنظيمها ضمن رؤية شاملة" (العروي، 1996، ص. 7)، وهو تصريح يؤسس بوضوح لتحول منهجي عميق في الكتابة التاريخية، ينتقل بها من مستوى الوصف السردي إلى مستوى البناء النظري. فالتاريخ، في منظور العروي، لا يُختزل في تتابع الأحداث، بل يتحول إلى مادة خام تُعاد صياغتها داخل نسق تحليلي يهدف إلى إبراز البنيات العميقة والتحولات الكبرى. ومن هنا، تتأسس مقاربته التركيبية التي تقوم على إعادة تنظيم المادة التاريخية ضمن وحدات تحليلية متماسكة، بدل الارتهان للترتيب الكرونولوجي الصرف الذي يكتفي بتتبع تسلسل الوقائع دون مساءلة دلالاتها (Laroui, 1996). ويتجلى هذا التوجه بشكل واضح في تقسيمه للتاريخ المغربي إلى مراحل كبرى:مرحلة ما قبل الدولة، ونشأة الدولة، والدول الوسيطية، ثم المرحلة الحديثة، حيث يتم التركيز على منطق التحول البنيوي بدل التفاصيل الحدثية الجزئية. ولا شك أن هذا المنهج يجد أصوله في تقاليد المدرسة التاريخية الفرنسية، خاصة مع مارك بلوخ، الذي دعا إلى دراسة “المدى الطويل” (longue durée) باعتباره مدخلًا لفهم استمرارية البنيات عبر الزمن (Bloch, 1949). غير أن هذا التحول من الوصف إلى التركيب، رغم قيمته الإبستمولوجية الكبيرة، لا يخلو من إشكال منهجي دقيق، يتمثل في احتمال إخضاع الوقائع التاريخية لنموذج نظري مسبق، بحيث تصبح المادة التاريخية مجرد وسيط لتأكيد فرضيات جاهزة، بدل أن تكون منطلقًا لتوليد المعرفة. ونتيجة لذلك، قد يُفضي هذا الاختيار إلى تهميش بعض التفاصيل الدقيقة التي تحمل في طياتها دلالات تفسيرية حاسمة، خاصة في القضايا التي تتطلب حساسية تاريخية خاصة، مثل المجال الصحراوي، حيث إن تغييب الجزئي لصالح الكلي قد يؤدي إلى إغفال عناصر أساسية لفهم الامتداد التاريخي والروابط السياسية والاجتماعية التي شكلت بنية الدولة المغربية عبر الزمن.

ثانيًا: مرحلة ما قبل الدولة: بين الاختزال والتعقيد وإشكالية التأسيس:

يعالج عبد الله العروي مرحلة ما قبل قيام الدولة المغربية بوصفها فضاءً قبليًا مفككًا، تهيمن عليه البنيات العصبية، في ظل غياب سلطة مركزية واضحة قادرة على توحيد المجال وضبطه، وهو ما يدفعه إلى اعتبار هذه المرحلة بمثابة تمهيد ضروري لظهور الدولة في صورتها التاريخية المتبلورة (العروي، 1996). ويندرج هذا التصور ضمن أطروحة أوسع تقوم على اعتبار التفكك القبلي لحظة تأسيسية سابقة على نشوء الدولة، حيث يتم الانتقال من  "اللا-دولة" إلى “الدولة” باعتباره تحولًا نوعيًا في بنية السلطة والتنظيم السياسي. غير أن هذا الطرح، رغم ما يوفره من وضوح تحليلي، ينطوي على قدر من الاختزال الذي يُبسّط التعقيد الاجتماعي والسياسي الذي ميّز تلك المرحلة، إذ يُوحي بأن المجال المغربي كان يعيش حالة فراغ سياسي أو فوضى تنظيمية، في حين تُظهر الدراسات التاريخية أن أشكالًا متعددة من التنظيم السياسي كانت قائمة، حتى وإن لم تتخذ شكل الدولة المركزية الحديثة (Abun-Nasr, 1987).

فقد عرفت هذه المرحلة أنماطًا من السلطة المحلية، وشبكات من التحالفات القبلية، وأطرًا للضبط الاجتماعي تستند إلى الأعراف والشرع، فضلًا عن أدوار فاعلة للقيادات الدينية والروحية، وهو ما يدل على وجود “سياسة متعدّدة المستويات” لا يمكن اختزالها في مجرد غياب للدولة. ومن ثم، فإن تقديم هذه المرحلة كفضاء مفكك خالص يُغفل ديناميات التنظيم الداخلي التي مهّدت تدريجيًا لتشكّل السلطة المركزية، لا عبر قطيعة فجائية، بل من خلال سيرورة تراكمية تفاعلت فيها البنيات القبلية مع العوامل الدينية والسياسية.

وعلاوة على ذلك، يُوحي هذا التصور بوجود قطيعة تأسيسية حادة بين مرحلتين متقابلتين: مرحلة “اللا-دولة” ومرحلة “الدولة”، وكأن الانتقال بينهما تم بشكل مفاجئ، وهو ما لا تؤكده الوقائع التاريخية. إذ يكشف التحليل الدقيق أن تشكّل الدولة المغربية كان نتيجة مسار تدريجي معقد، أعادت فيه البنيات السابقة إنتاج نفسها داخل إطار أكثر تنظيماً، مما يعني أن الدولة لم تنشأ من فراغ، بل من داخل بنية اجتماعية وسياسية كانت تحتوي في ذاتها إمكانات التحول. وهنا يتضح أن منطق القطيعة الذي يوظفه العروي لا يعكس بدقة حقيقة التطور التاريخي المغربي، الذي يبدو أقرب إلى منطق الاستمرارية المتحولة، حيث تتداخل عناصر الثبات والتغير ضمن سيرورة تاريخية ممتدة.

ثالثًا: نشأة الدولة: الدين بين الوظيفة والبنية:

يرى عبد الله العروي أن "الدين كان دائمًا عنصرًا حاسمًا في بناء السلطة، لكنه خضع لمنطق السياسة" (العروي، 1996، ص. 88)، وهو تصور يعكس مقاربة وظيفية تُدرج الدين ضمن أدوات تشكّل الشرعية السياسية. ويُعزز هذا المنحى من خلال تحليله لتجربتي الدولتين المرابطية والموحدية، حيث يُبرز كيف اضطلع العامل الديني بدور مركزي في تأسيس السلطة، من خلال توفير إطار رمزي وأيديولوجي يمنحها المشروعية (العروي، 1996).

غير أن هذا التحليل، على وجاهته، يميل إلى اختزال الدين في بعده الأداتي، بوصفه مجرد وسيلة في خدمة السلطة، وهو ما لا يستوعب كليًا خصوصية التجربة المغربية. إذ تكشف هذه الأخيرة أن الدين لم يكن عنصرًا ظرفيًا أو توظيفًا سياسيًا عابرًا، بل شكّل بنية تأسيسية عميقة لاستمرارية الدولة، حيث تداخل مع السياسي في إطار تراكمي أنتج نموذجًا فريدًا للشرعية.

وفي هذا السياق، تبرز مؤسسة البيعة باعتبارها الآلية المركزية التي تجسّد هذا التداخل البنيوي بين الديني والسياسي، إذ لا تمثل مجرد إجراء شكلي لإضفاء الشرعية، بل تُعد عقدًا تاريخيًا متجددًا يربط بين الحاكم والمحكوم، ويؤسس لاستمرارية السلطة عبر الزمن. ومن ثم، فإن إغفال هذا البعد في تحليل العروي يُفضي إلى تقليص فهم الامتداد التاريخي للسلطة في المغرب، حيث إن البيعة لم تكن فقط أداة سياسية، بل شكلت أحد أهم مرتكزات إعادة إنتاج الشرعية وضمان استمرارية الدولة.

وعليه، فإن قراءة نشأة الدولة المغربية تقتضي تجاوز المقاربة الوظيفية الضيقة للدين، نحو استيعاب طبيعته البنيوية، باعتباره عنصرًا مؤسسًا لا فقط مبررًا، وهو ما يتيح فهمًا أعمق لكيفية تداخل الديني والسياسي في بناء نموذج تاريخي قائم على الاستمرارية، لا على القطيعة.

 رابعًا: الدول الوسيطية: الاستمرارية المغفلة:

يعرض عبد الله العروي تعاقب الدول في المغرب الوسيط—من المرابطين إلى الموحدين فالمرينيين ثم السعديين—بوصفه سلسلة من التحولات السياسية التي تعكس طابعًا متغيرًا لبنية الدولة، حيث يؤكد أن “الدولة في المغرب لم تكن معطى ثابتًا، بل بناءً تاريخيًا متغيرًا” (العروي، 1996، ص. 52). غير أن هذا التصور، إذا ما قُرئ في أفق القطيعة، يُفضي إلى إغفال بُعد أساسي يتمثل في الاستمرارية البنيوية التي تنتظم هذه التحولات.

فقراءة دقيقة لهذه المرحلة تكشف أن ما يبدو تغيرًا على مستوى الأشكال السياسية لم يكن في الغالب سوى تحولات سطحية، في حين ظلت البنية العميقة للسلطة قائمة، خاصة في ما يتعلق بأنماط الشرعية وآليات إعادة إنتاجها، وعلى رأسها العلاقة بين السلطان والمجتمع، التي حافظت على قدر كبير من الثبات عبر الزمن (Pennell, 2000). وبهذا المعنى، لا يعكس تعاقب الدول انقطاعات جذرية بقدر ما يجسد سيرورة تاريخية تقوم على إعادة تشكيل السلطة داخل إطار استمراري، تُعاد فيه صياغة الشرعية وفق شروط كل مرحلة دون أن تنقطع جذورها.

إن إغفال هذا البعد يجعل من التاريخ المغربي يبدو وكأنه سلسلة من الانفصالات، في حين أنه، في جوهره، تاريخ لإعادة إنتاج الشرعية واستمرارية الدولة عبر آليات تقليدية متجددة. ومن ثم، فإن فهم هذه المرحلة يقتضي تجاوز منطق التبدل الشكلي نحو تحليل دينامية الاستمرارية التي شكّلت البنية العميقة للتاريخ السياسي المغربي.

خامسًا: المرحلة الحديثة: التحديث بين الداخل والخارج:

يربط عبد الله العروي دخول المغرب إلى الحداثة بما يسميه “الصدمة الاستعمارية”، معتبرًا إياها لحظة حاسمة في مسار التحديث (Laroui, 1977, p. 134)، حيث يرى أن الانتقال إلى الحداثة لا يتم إلا عبر قطيعة مع البنيات التقليدية. ويعكس هذا التصور نزوعًا نحو تفسير التحول التاريخي من خلال العامل الخارجي، بوصفه المحرك الأساسي لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع.

غير أن هذا الطرح، على أهميته التفسيرية، يُضخّم من دور الاستعمار بوصفه فاعلًا حاسمًا، في مقابل تقليله من شأن الدينامية الداخلية التي عرفها المغرب، خاصة خلال القرن التاسع عشر، حيث شهدت الدولة المغربية محاولات إصلاحية متعددة شملت الجوانب الإدارية والعسكرية والمالية، وهو ما يدل على أن التحديث لم يكن مجرد استجابة لضغط خارجي، بل أيضًا نتيجة لتطور داخلي واعٍ بتحولات السياق الدولي.

وعليه، فإن فهم المرحلة الحديثة يقتضي تجاوز ثنائية الداخل/الخارج، والنظر إلى التحديث باعتباره سيرورة مركبة، تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية ضمن مسار تاريخي مستمر. فالتحديث، في الحالة المغربية، لم يكن قطيعة مع الماضي، بل شكل امتدادًا تحويليًا لمسار تاريخي قائم، أعادت من خلاله الدولة إنتاج ذاتها في سياق جديد.

كما أن هذا التصور ينسجم مع واقع استمرارية المؤسسة الملكية، التي استطاعت، رغم التحولات العميقة، أن تحافظ على حضورها ووظيفتها، مما يعكس قدرة الدولة المغربية على التكيف دون فقدان بنيتها الأساسية. ومن ثم، فإن المرحلة الحديثة لا تمثل لحظة انقطاع، بل لحظة إعادة تشكيل داخل منطق الاستمرارية، وهو ما يعزز أطروحة الشرعية التاريخية باعتبارها إطارًا تفسيريًا أكثر انسجامًا مع خصوصية التجربة المغربية.

سادسا: الصحراء المغربية: الغياب الدال واشكالية التمثيل:

من أبرز ما يُلاحظ في مجمل تاريخ المغرب هو الحضور المحدود للمجال الصحراوي، سواء من حيث التحليل أو التوثيق.هذا الغياب لا يمكن اعتباره مجرد نقص عرضي، بل يعكس تصورًا ضمنيًا للتاريخ المغربي الذي  يركز على المركز الدولة والمدن، ويُهمّش الأطراف.

كما يعدّ حضور المجال الصحراوي أيضا في الكتابة التاريخية المغربية  عموما حضورًا محدودًا نسبيًا، سواء على مستوى التناول التحليلي أو على مستوى التوثيق المفاهيمي، وهو ما يثير إشكالية منهجية تتجاوز مجرد "نقص في المادة التاريخية" إلى ما يمكن وصفه بـ " الاختيار المعرفي"  الذي حكم بناء السرد التاريخي الوطني. فغياب الصحراء عن مركز الاهتمام في عدد من الدراسات الكلاسيكية لا يبدو غيابًا بريئًا أو عرضيًا، بل يرتبط في جانب منه  بتمركز الرؤية التاريخية حول المجال المخزني والمديني باعتباره مركز إنتاج الشرعية السياسية والمعرفية، مقابل تهميش الأطراف والهامش الجغرافي، بما في ذلك المجال الصحراوي الذي ظل يُنظر إليه بوصفه فضاءً خارج المركز أو أقل اندماجًا في منطق الدولة.

غير أن هذا التصور المركزي للتاريخ يصطدم بمجموعة من المعطيات التاريخية والوثائقية التي تعيد الاعتبار لوحدة المجال المغربي في أبعاده الممتدة. فقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري سنة 1975 وجود روابط قانونية وتاريخية ذات طابع البيعة والولاء بين بعض قبائل الصحراء والسلطة المركزية المغربية، وهو ما يفتح المجال أمام إعادة قراءة العلاقة بين الدولة والمجال الصحراوي خارج ثنائية القطيعة والانفصال، وضمن منطق الاستمرارية التاريخية والتداخل السياسي والاجتماعي (ICJ, 1975). كما أن العديد من الشهادات التاريخية والأنثروبولوجية تشير إلى أن المجال الصحراوي لم يكن فضاءً معزولًا، بل كان جزءًا من شبكات ممتدة من التبادل التجاري والروابط القبلية والارتباط الرمزي بالمؤسسة المخزنية.

وعليه، فإن إعادة إدماج الصحراء المغربية داخل السرد التاريخي الوطني تمثل ضرورة معرفية واستراتيجية.حيث  لا تندرج فقط ضمن عملية تصحيح معرفي أو سدّ فراغ توثيقي، بل تتجاوز ذلك إلى كونها إعادة بناء للمنظور التاريخي نفسه، عبر تفكيك مركزية التمثيل وإعادة توزيع الضوء على مختلف مكونات المجال المغربي. فالمسألة هنا ليست مجرد إضافة جغرافية إلى سرد قائم، بل هي إعادة مساءلة لبنية المعرفة التاريخية ذاتها، بما يسمح بفهم أعمق لدينامية الدولة المغربية بوصفها كيانًا تاريخيًا تشكل عبر تفاعل معقّد بين المركز والأطراف، وليس عبر مركز منفصل عن مجاله الحيوي.

سابعًا: نحو إطار بديل: إبستمولوجيا الشرعية التاريخية:

في مقابل أطروحة القطيعة التي بلورها العروي في قراءته للتاريخ المغربي، تقترح هذه الدراسة تبني إطار تفسيري بديل يقوم على مفهوم "الشرعية التاريخية" كإطار تفسيري بديل، يقوم على اعتبار التاريخ المغربي سيرورة تراكمية مستمرة.

هذا المفهوم يسمح بـ:

فهم استمرارية الدولة

تفسير الامتداد المجالي

تأصيل السيادة المغربية

وهو ما يجعله أكثر انسجامًا مع الواقع التاريخي المغربي (Abun-Nasr, 1987).

هذا التصورً الإبستمولوجي القائم على الشرعية التاريخية وعلى استمرارية الدولة المغربية، يعيد الاعتبار لمسار التراكم التاريخي بدل لحظة الانقطاع. فالتاريخ المغربي، وفق هذا المنظور، لا يُفهم كسلسلة من القطيعات البنيوية الحادة، بل كسيرورة طويلة من الاستمرارية الدينامية التي تتداخل فيها البنى السياسية والاجتماعية والرمزية، بما يسمح بفهم الدولة المغربية بوصفها كيانًا تاريخيًا متجددًا في بنيته، ثابتًا في امتداده العام.

إن اعتماد مفهوم الشرعية التاريخية يتيح إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجال على أسس أكثر تركيبًا وعمقًا؛ فهو يساعد على فهم استمرارية الدولة المغربية عبر تحولات متعددة دون فقدان مركزها السيادي، كما يسمح بتفسير الامتداد المجالي للدولة ليس باعتباره نتيجة توسع ظرفي أو طارئ، بل باعتباره امتدادًا لوحدة تاريخية تفاعلت فيها المركزيات السياسية مع الأطراف الجغرافية والقبلية. وضمن هذا الإطار، تصبح السيادة المغربية نتاجًا لمسار تاريخي طويل من التراكم والتكيّف، وليس مجرد معطى قانوني أو سياسي معزول عن جذوره التاريخية (Abun-Nasr, 1987).

ثامنًا: من التحليل التاريخي إلى الرؤية الاستراتيجية:

إن القيمة المعرفية لمفهوم الشرعية التاريخية لا تقتصر على إعادة تنظيم أدوات التحليل التاريخي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادًا استراتيجية ذات صلة مباشرة بقراءة الحاضر واستشراف المستقبل، خاصة في ما يتعلق بإشكالية تدبير المجال الصحراوي ومشروع الحكم الذاتي. فحين يتم تفكيك فكرة الاستمرارية التاريخية، يُصبح الأساس الرمزي والمعرفي للسيادة عرضة للتفكك والتجزئة، بينما يؤدي إعادة بنائها ضمن منطق الشرعية التاريخية إلى إعادة تثبيت هذا الأساس داخل سيرورة تاريخية متماسكة.

وعليه، فإن مقترح الحكم الذاتي، في هذا السياق التحليلي، لا يظهر كمجرد حل سياسي ظرفي أو تقنية تدبير إداري، بل يمكن فهمه كامتداد طبيعي لبنية الدولة المغربية التاريخية، التي عرفت دائمًا أشكالًا متعددة من تدبير التنوع المجالي والاجتماعي داخل إطار وحدة سيادية مرنة. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الحلول السياسية الآنية، بل في القدرة على إعادة إدماج هذه الحلول داخل سردية تاريخية متماسكة تُعيد ربط الحاضر بجذوره العميقة.

على سبيل الختام:

يمثل كتاب مجمل تاريخ المغرب مساهمة فكرية رائدة في إعادة بناء الوعي التاريخي المغربي، وإعادة طرح أسئلة جوهرية تتعلق ببنية الدولة ومسارات تشكلها التاريخي. غير أن هذه المساهمة، على أهميتها، تظل محكومة بإطار نظري يميل إلى تبني مقولة القطيعة بوصفها مفتاحًا أساسياً لفهم التحولات التاريخية، وهو ما يجعلها غير قادرة بشكل كافٍ على استيعاب الخصوصية المركبة للتجربة المغربية، التي تتسم بدرجة عالية من الاستمرارية التاريخية والتداخل بين المركز والهامش، وبين السياسي والاجتماعي والمجالي.

وانطلاقًا من ذلك، فإن هذه الدراسة لا تروم نفي القيمة التحليلية لأطروحة القطيعة، بقدر ما تسعى إلى اقتراح أفق تفسيري بديل يقوم على مفهوم “الشرعية التاريخية”، باعتباره إطارًا إبستمولوجيًا يعيد الاعتبار لمنطق التراكم والاستمرارية في بناء الدولة المغربية. فالتاريخ، من هذا المنظور، لا يُفهم كسلسلة من الانفصالات الحادة، بل كسيرورة ممتدة تتشكل عبر تفاعل مستمر بين البنيات السياسية والمجالية والرمزية، بما يسمح بإعادة قراءة الدولة المغربية ككيان تاريخي متجدد الجذور، متحول الأشكال، لكنه متصل البنية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية إعادة إدماج المجال الصحراوي ضمن السرد التاريخي الوطني، ليس باعتباره إضافة جغرافية هامشية، بل كعنصر بنيوي في فهم تشكل المجال المغربي ووحدته التاريخية. فإقصاء هذا البعد أو تهميشه يؤدي إلى اختزال غير دقيق لمسار تشكل الدولة، بينما يسهم إدماجه في تقديم صورة أكثر تركيبًا واتساقًا للتاريخ المغربي بوصفه وحدة مجالية وسياسية ممتدة.

وعليه، فإن الانتقال من منطق القطيعة إلى منطق الاستمرارية لا يندرج فقط ضمن مراجعة أكاديمية أو نقد منهجي، بل يشكل أيضًا إعادة توجيه للمنظور التاريخي نحو أفق أكثر قدرة على ربط المعرفة التاريخية بالوظيفة الاستراتيجية للدولة. ففهم التاريخ بوصفه رافعة للسيادة، وليس مجرد سرد للماضي، يتيح بناء رؤية أكثر تماسكًا لموقع الدولة المغربية في امتدادها التاريخي والجغرافي، ويعزز في الآن ذاته قدرتها على توظيف هذا الإرث في صياغة اختياراتها الاستراتيجية الراهنة والمستقبلية.

***

د. منير محقق: باحث وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

.......................... 

المراجع (APA – موسّعة وقوية)

Abun-Nasr, J. M. (1987). A History of the Maghrib in the Islamic Period. Cambridge University Press.

Bloch, M. (1949). Apologie pour l'histoire ou Métier d'historien. Paris: Armand Colin.

ICJ. (1975). Western Sahara Advisory Opinion. International Court of Justice.

Laroui, A. (1977). The Crisis of the Arab Intellectual. University of California Press.

Laroui, A. (1996). Mujmal Tarikh al-Maghrib. Casablanca: Centre Culturel Arabe.

Pennell, C. R. (2000). Morocco: From Empire to Independence. Oneworld Publications.