عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

مراد غريبي: العقل النقدي وتجديد الوعي

قراءة اولية في شذرات د. صائب عبد الحميد

مدخل: في زمنٍ تتكاثف فيه الأسئلة أكثر مما تتكاثف الأجوبة، ويغدو فيه العقل العربي والاسلامي بين ضغط الموروث وإكراهات الحداثة، يبرز التفكير النقدي لا بوصفه ترفاً معرفياً أو مهارةً خطابية، بل باعتباره شرطاً من شروط تجديد الوعي لصفائه الداخلي وقدرته على الفهم.

من هذا الأفق تأتي أهمية قراءة أحد المشاريع الخاصة والمعمقة، لا لأنه يضيف صوتاً جديداً إلى سجالٍ مألوف حول النقد، بل لأنه ينقل هذا السجال من مستوى الموقف إلى مستوى التجدد، ومن مجرد مساءلة الأفكار إلى مساءلة البنية الذهنية التي تنتجها، حيث النقد ليس هدمًا لما استقر، بل فتحاً لمسالك أعمق نحو الحقيقة، والعقل النقدي ليس اعتراضاً عابراً، بل أفقاً لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعنى، وبين المعرفة ومسؤوليتها، وبين السؤال وما يطرحه من إمكانات،  من هنا جاءت هذه القراءة بوصفها محاولةً أولية للاقتراب من ذلك الجهد الهادئ والعميق الذي يجعل من التفكير النقدي طريقاً إلى تجديد الوعي، لا إلى تشتيته.

هكذا يتبدّى مشروع الدكتور صائب عبد الحميد، من خلال كتابه " النقد والعقل النقدي: شذرات تطبيقية" - الصادر حديثا ضمن سلسلة "" نقد "" التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية- بوصفه محاولة جادة لإعادة الاعتبار إلى فعل النقد  كشرط من شروط تجديد الوعي، لا مجرد أداة لمجابهة الأفكار أو تصنيفها، فالنقد، في هذا الأفق، لا يعود موقفاً طارئاً أو ردّ فعل عابراً، بل يصبح طريقة في النظر، وأسلوباً في بناء العلاقة بين العقل والعالم، وبين المفهوم وسياقه، وبين الفكرة وقدرتها على الصمود أمام الفحص.

ولعل أول ما يلفت النظر في هذا الكتاب أن المؤلف لا يتعامل مع النقد بوصفه شعاراً ثقافياً، بل بوصفه ممارسة معرفية تحتاج إلى عقل متأهب، ملتزم، ومتدرّب على المراجعة والتمحيص.

بين النقد وعقله

هذا الإصدار الجديد للمفكر الدكتور صائب عبد الحميد أقرب إلى محاولة فكرية هادئة، لكنها عميقة الأثر، لإعادة الاعتبار إلى النقد بوصفه فعلاً مؤسِّساً للوعي لا مجرد وسيلة في الجدل أو الاعتراض. فالنقد عبر هذا الأفق لا ينهض بوصفه موقفاً طارئاً من الأفكار، بل بوصفه شرطاً داخلياً في تكوين العقل نفسه وتجديد حيويته، إذ لا يكتمل الفهم إلا حين يتعلم الذهن كيف يسائل ما يظنه بديهياً، وكيف يراجع ما استقر في الوعي من مسلمات، وكيف يميز بين ما يبدو صحيحاً وما يثبت صوابه بعد الامتحان.

من خلال ذلك تبرز أهمية الجمع بين مفهومي "النقد" و"العقل النقدي" في العنوان نفسه، فالنقد وحده قد يُفهم على أنه عملية جزئية تتعلق بقضية معينة أو نص محدد أو سلوك فكري بعينه، أما العقل النقدي فهو البنية الأعمق التي تجعل تلك العملية ممكنة، وتمنحها معناها وفعاليتها، ثم ينتقل المؤلف الدكتور صائب عبد الحميد من مجرد الحديث عن النقد إلى مساءلة الشروط التي تجعل النقد فعلاً معرفياً منتجاً، لا مجرد انفعال ثقافي أو اعتراض لفظي، وهذا الانتقال بالغ الدلالة، لأنه يكشف عن أن اهتمامه ليس منصباً على النتائج بقدر ما هو منصب على تأسيس الملكة التي تنتج النتائج.

هذه النقطة تحديداً تكشف خصوصية هذا المشروع، حيث المؤلف لا يتعامل مع النقد باعتباره عنواناً نظرياً عاماً، بل يحوله إلى أفق معرفي كامل، تتداخل فيه التربية الفكرية مع الصرامة المنهجية، ويتجاور فيه النظر مع الممارسة، أي أننا بإزاء انتقال من الاعتراض كحركة عابرة إلى التفكير كطريقة في بناء الوعي.

والأهم أن المؤلف يصف مادته بأنها "شذرات تطبيقية"، وهي عبارة ليست بريئة من حيث الدلالة المنهجية، فهي توحي بأن المشروع ليس نسقاً مغلقاً يدّعي الإحاطة النهائية بالموضوع، بل هو أقرب إلى مختبر فكري يختبر الأفكار في جزئياتها، ويعيد النظر في مسلّماتها عبر أمثلة ومقاطع ومقاربات متعددة، وهذا ما يشير إلى حس إبستمولوجي مهم: المعرفة لا تولد من التكرار، بل من الاحتكاك، ولا تتكوّن من التسليم، بل من الفحص، ولا تنضج إلا حين تتعرض لما يكشف حدودها ويبيّن مواطن قوتها وضعفها، لذلك فإن البناء الشذري هنا ليس ضعفاً في التماسك، بل اختياراً ينسجم مع طبيعة الموضوع نفسه، لأن النقد لا يعيش في القوالب المغلقة، بل في المسافات التي تتيح للعقل أن يسائل ما ألفه.

ولهذا فإن القيمة المركزية في هذا الكتاب لا تكمن في كثرة الأحكام، بل في نوعية الوعي الذي يصدر تلك الأحكام، فالعقل النقدي ليس عقلاً مشاكساً، وإنما عقل متأهب، يعرف أن الحقيقة لا تُقتنص بالاندفاع، بل تُطلب بالصبر، وبفحص الفرضيات، وبالتحرر من سطوة المألوف، كما ان النقد ليس نقيض المعنى، بل طريقه إلى الصفاء؛ وليس إلغاءً للتراث أو الهوية أو المرجعية، بل تحرير لها من التلقي الكسول ومن التكرار الذي يفقدها طاقتها الحيوية.

وإذا كان ثمة ما يميز هذا المشروع، فهو أنه يتعامل مع العقل النقدي بوصفه قيمة ثقافية وأخلاقية في آن واحد، فالعقل النقدي ليس مجرد قدرة على الجدل أو ميل إلى الاعتراض، بل هو استعداد داخلي للإنصات إلى التعقيد، وتفكيك البداهات، وعدم الارتهان إلى الجاهز من الأحكام، ومن ثم فإن المؤلف الدكتور صائب عبد الحميد لا يدافع عن النقد لذاته، بل يدافع عن الوعي الذي لا يكتمل إلا بالنقد، حيث الوعي الذي لا يسائل نفسه يبقى عرضة للتصلب والضمور، والذهن الذي لا يراجع أدواته يتحول بمرور الوقت إلى أداة لإعادة إنتاج الوهم والأساطير بدل إنتاج المعرفة.

الصلة العميقة بين النقد والتربية الفكرية

الأستاذ الدكتور صائب عبد الحميد لا يفصل بين تكوين العقل وبين تعليمه كيف يفكر، ولا بين المعرفة وبين تهذيب أدواتها الداخلية، وهذا ما يمنح فكرة كتابه بعداً أخلاقياً لا يقل أهمية عن بعده المنهجي، حيث العقل النقدي، في هذا السياق، ليس مجرد تقنية تحليل، بل ملكة مسؤولية؛ مسؤولية تجاه المفهوم، وتجاه النص، وتجاه الواقع، وتجاه الذات نفسها، لأن أكبر الأوهام الفكرية تبدأ حين يظن العقل أنه قد امتلك الحقيقة امتلاكاً نهائياً، فيتحول من باحث عنها إلى حارس لها، ومن سائل لها إلى مكرر لها.

ومما يثير النباهة في هذا الكتاب أيضاً، أنه لا يقدّم النقد بوصفه استنساخاً لنماذج معرفية جاهزة، بل بوصفه جهداً في بناء وعي مستقل، قادر على محاورة التراث والحداثة معاً من دون أن يقع أسيراً لأي منهما، وهذا بالضبط ما يمنحه طبيعته الإبستمولوجية الخاصة: فهو لا يطلب من العقل أن يقطع صلته بجذوره، ولا أن يذوب في المناهج المستوردة، بل يدعوه إلى أن يكون قادراً على الفهم من داخل تجربته، وعلى النقد من داخل مسؤوليته، وعلى الاجتهاد من داخل حاجته إلى الحقيقة. هنا تتجاوز المسألة حدود المنهج لتصل إلى سؤال أعمق: كيف يمكن للعقل العربي المعاصر أن يتحرر من التبعية المعرفية من غير أن يسقط في انغلاق ثقافوي؟ وكيف يمكن له أن يكون نقدياً من غير أن يفقد صلته بالقيم والمعنى؟

وفي هذا السياق، تبدو قيمة الكتاب في أنه لا يفصل بين المعرفة والتربية، فالعقل النقدي، كما يفهم من هذا الكتاب، ليس ملكة طبيعية محضة، بل هو تكوين طويل يحتاج إلى تهذيب ومران وممارسة.، كما ان النقد هنا يكتسب بعداً تربوياً واضحاً؛ إذ لا يتعلق بتقويض الأفكار بقدر ما يتعلق بتأهيل الذات لتكون قادرة على التمييز بين مستويات الفهم، وبين ما هو راسخ حقاً وما هو متوارث على سبيل العادة، أي أن الكتاب يندرج في صميم تفكيك الأسئلة الكبرى التي تشغل الفكر العربي المعاصر: كيف نتحرر من أسر التلقي السلبي؟ وكيف نصنع عقلاً قادراً على الفهم دون أن يفقد حسّه بالقيمة والمعنى؟

تجديد الوعي

من اللافت أن هذا التصور لا يقدّم نفسه باعتباره استنساخاً لنماذج نقدية وافدة، بل يوحي برغبة في بناء وعي نقدي من داخل التجربة الفكرية ذاتها، وفي صوغ علاقة أكثر نضجاً بين الموروث والراهن، فالقضية ليست في استيراد مناهج النقد كما هي، ولا في معاداة الحداثة بوصفها حداثة، بل في اكتساب القدرة على التعامل مع الأفكار بوصفها موضوعات للفحص لا موضوعات للانقياد والتبني. ومن ثم فإن الإبستمولوجيا التي تلوح هنا ليست إبستمولوجيا وصفية فحسب، بل إبستمولوجيا معيارية أيضاً، لأنها تسأل عن الشروط التي تجعل الحكم معقولاً، والفهم منضبطاً، والتقويم ممكناً.

 ما يقترحه الدكتور صائب عبد الحميد، في الجوهر، هو نوع من تجديد للوعي. حيث المعرفة لا تبدأ من تراكم المعلومات، بل من تغير زاوية النظر؛ ولا تنشأ من كثرة الشروح، بل من إصابة السؤال لموضعه الصحيح، في هذا السياق، النقد يصبح فعلاً كاشفاً ومؤسساً في آن واحد: يكشف ما استتر تحت بداهة العادة، ويؤسس لعقل أكثر قدرة على الفهم، وأشد تحرراً من الأوهام والكهوف.

الكتاب يكتسب أهميته من كونه لا يضيف مجرد ملاحظات نقدية إلى مكتبة الفكر العربي، بل ينهض بمحاولة أعمق: أن يجعل من التفكير النقدي مجددا للبنية الداخلية للوعي، لا مجرد مهارة إضافية في هامشه.

بعبارة أخرى أهم ما في شذرات المفكر الدكتور صائب عبد الحميد هو أنها تستعيد للنقد معناه الإيجابي،لأن النقد، في التداول الشائع، كثيراً ما يُختزل إلى التجريح أو الاعتراض أو كشف الأخطاء، بينما في هذا الأفق فإنه يتحول إلى فعل تجديدي، غايته تحرير العقل من الاستغراق في الموروث غير المفحوص، ومن الخضوع للمسلّمات التي تتسلل إلى الوعي بوصفها حقائق نهائية، وهنا تنبثق القيمة الفلسفية العميقة للكتاب: إنه يدعو إلى عقل لا يعبد الراهن ولا يقدّس الماضي، بل يختبر كليهما بميزان الفهم والمسؤولية والتطلع المتفتح على الحقيقة.

وعليه فإن قراءة كتاب "شذرات تطبيقية في النقد والعقل النقدي" تقودنا إلى أن المفكر الدكتور صائب عبد الحميد لا ينشغل فقط بتقديم ملاحظات نقدية متفرقة، بل يسعى إلى ترسيخ مناخ ثقافي جديد، يكون فيه النقد علامة على الصحة الفكرية لا على التمرد المجرد، وعلى النضج لا على الفوضى، وهذه نقطة جوهرية، لأنها تجعل من العقل النقدي أفقاً لتجديد الوعي، لا مجرد تقنية لمخاطبة التراث أو معارضة الأفكار السائدة.

وإذا كان الفكر العربي والاسلامي المعاصر يحتاج إلى ما يعيد إليه توازنه، فإن هذا الكتاب يذكّره بأن النقد لا يزدهر إلا حين يقترن بالبصيرة، وأن البصيرة لا تنمو إلا حين تتربى في حضن السؤال، حيث العقل الذي لا يسأل يتلاشى، والعقل الذي لا يراجع ينكص، والعقل الذي لا يتعلم التمييز يفقد قدرته على العبور من الظن إلى الفهم، هنا تتجلى القيمة الأعمق لهذا الكتاب: إنه لا يدعونا إلى أن نكون ناقدين فحسب، بل إلى أن نصير جديرين بالنقد؛ أي أن نؤسس في ذواتنا ذلك الاستعداد الرفيع الذي يجعل من التفكير مسؤولية، ومن المسؤولية طريقاً إلى النضج، ومن النضج أفقاً مفتوحاً لفعالية الوعي ومصداقيته.

 القيمة الكبرى في هذا الكتاب تتحدد، في تقديري، في أنه يربط بين الفهم والصرامة، وبين الحس المعرفي والوعي الأخلاقي، وبين النقد بوصفه مساءلة والنقد بوصفه بناء. وهذا الربط هو ما يمنحه حيويته وقدرته على الاستمرار،لأن التجارب تفصح على أن المشروع النقدي الذي لا يفضي إلى تربية العقل يظل ناقصاً، كما أن العقل الذي لا يتدرب على النقد يبقى معرّضاً للجمود والتخلف. ومن هنا يمكن القول إن المفكر صائب عبد الحميد قدم، عبر كتابه هذا، إشارة مهمة إلى أن تجديد الوعي لا يبدأ من كثرة المعلومات، بل من كيفية النظر إليها، ومن نوع السؤال الذي نوجهه إليها، ومن الشجاعة المعرفية التي تسمح لنا ألا نكتفي بما استقر، بل نبحث عما يصحّ أن يستقر.

مستخلص

 وفق هذه القراءة الأولية، فإن الكتاب لا يمثل مجرد مساهمة في نقد الأفكار، بل مساهمة في إعادة تشكيل الأفق الذي تُنتج فيه الأفكار الحية، وهذه، في النهاية، هي العلامة الفارقة لكل تفكير نقدي جاد وأصيل، هكذا يظهر أن الدكتور صائب عبد الحميد لا يشتغل على النقد بوصفه موضوعاً عابراً، بل بوصفه مدخلاً إلى تحرير العقل من الجمود، وإلى اكتشاف المعاني بوصفها ثمار للسؤال المثير لدفائن العقول، لا للانفعال العابر...

***

مراد غريبي

في المثقف اليوم