عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ئاريان علي: هل بقي الفن الشرقي شرقياً؟

فلسفة الهوية والوجدان بين الأصالة والاستهلاك

يبدو الإنسان مذعناً منذ لحظة وعيه الأولى لثنائية أزلية تحرك خطاه وتؤطر صراعاته الداخلية: أهي الرغبة في الاستمتاع أم الحاجة إلى الاستماع والتأمل؟  فمنذ أن تأمل الفلاسفة الأوائل طبيعة الوجود والفن، نظروا إلى الفنون باعتبارها انعكاساً لجوهري النفس الإنسانية؛ فالاستمتاع غريزة بنيوية تدفع الإنسان للبحث عن البهجة والارتواء، بينما الاستماع والإنصات هما مرآة الوعي وقدرة الإنسان على استيعاب العالم وترويض فوضاه. وليست هاتان الغريزتان مجرد خيارين عابرين، بل هما انعكاس لـ نزاع داخلي عميق بين لجم الغريزة والتلذذ بالحياة، وبين قيود الواقع ومسؤولياته الثقيلة.

من هنا يبرز التساؤل الوجودي الأعمق: هل هذا التشابك المعقد بين السعي للذة والإنصات لمتطلبات الوعي هو غريزة أصيلة فُطِر عليها الإنسان ليدير بها سفينة وجوده، أم أنه قدرٌ مفروض عليه يخوضه محكوماً بشقاء البحث المستمر عن المعنى؟ وحين يتجسد هذا الصراع في مرآة الفن -بين ما هو أصيل يرتقي بالروح وما هو هابط يستجيب لغرائز اللحظة-يتحول الصوت والكلمة من مجرد أداتين للترفيه، إلى ساحة معركة كبرى يتحدد فيها مصير الهوية الإنسانية بين السمو والانحسار.

ثنائية الاستمتاع والإنصات. الجذور النفسية والفسيولوجية للموسيقى والفن

حين نغوص في كنه النفس البشرية، نجد أن التفاعل مع الصوت والموسيقى ليس مجرد نشاط ترفيهي عابر، بل هو استجابة عميقة لبنية الإنسان الفسيولوجية والنفسية، تتوزع على قطبين رئيسيين. فالاستمتاع يُعد حاجة غريزية أثبتت الدراسات النفسية والعصبية أن الألحان والنغمات تحفز من خلالها مناطق الدماغ المسؤولة عن المكافأة والمتعة، مما يطلق هرمونات مثل الدوبامين لتقليل التوتر وخلق حالة من الارتواء النفسي والهروب المؤقت من ضغوط الواقع.

وفي المقابل، تمثل قدرة الإنسان على الاستماع الواعي صوته الداخلي للتأمل في المعنى وترويض فوضى الوجود، وهو ما شغل فلاسفة الفن الأوائل في بحثهم عن مدى تأثير الفنون في تهذيب الروح والنفس. من هنا، يبرز النزاع الداخلي الذي يضع الإنسان دائماً في صراع مستمر بين رغبته في بلوغ أقصى درجات اللذة الحسية وبين حاجته إلى الارتقاء بالذوق والوعي؛ فإما أن ينقاد الصوت لإشباع غرائز لحظية عابرة، أو يرتقي ليلامس أبعاداً وجودية ووجدانية أعمق.

الحدود والخطوط الحمراء. مقارنة فلسفية وثقافية بين الفن الشرقي والغربي

يتجلى الاختلاف الجذري بين الفن الشرقي والفن الغربي في طبيعة الحدود الممسوحة لكل منهما، حيث يرتكز الفن الشرقي -تاريخياً- على الرمزية والمجاز والارتباط الوثيق بالتقاليد والأخلاق العامة، محافظاً دائماً على خط رجعة يسمح للعمل الفني بالبقاء ضمن إطار الذوق العام الذي تقبله العائلة والمجتمع المحافظ، بغض النظر عن سعة الغزل أو عمق العاطفة. وفي المقابل، انطلق الفن الغربي من فلسفة الفردانية المطلقة وحرية التعبير التي تحررت تدريجياً من القيود التقليدية، مما جعل الحدود منذ نشأته الأولى قابلة للتجاوز والتوسيع، ليُعامل الجسد والرغبة كجزء طبيعي من التجربة الفنية والمجتمعية دون بال بالضرورة لردود الفعل الجمعية.

حقبة السبعينات والثمانينات. مفترق طرق بين ثورة التحرر الغربي ورصانة الشرق

مثلت فترة السبعينات والثمانينات حقبة ذهبية وفارقة في تاريخ الموسيقى العالمية والعربية على حد سواء، وتشهد بوضوح على الفارق الجذري في طريقة معالجة المضامين بين الشرق والغرب

في الغرب

 شهدت السبعينات والثمانينات انفجاراً ثقافياً وفنياً غير مسبوق، حيث تحولت الموسيقى إلى أداة صريحة للتعبير عن التحرر الفردي والجسدي؛ فظهرت أسماء وفرق غنت للرغبة بوضوح دون مواربة (مثل فرقة ABBA، ودونا سامر بأغنيتها الجريئة Love to Love You Baby في منتصف السبعينات، ومادونا في أوائل الثمانينات التي جعلت كسر المحرمات جزءاً من هويتها). ومع انطلاق قناة MTV عام 1981، أصبح البصري موازياً للصوتي، لتتحول الجرأة واستعراض الجسد إلى عنصر تسويقي تنافسي بحت.

في الشرق

عاش العالم العربي مرحلة انتقالية حساسة؛ فبينما ظل عمالقة الطرب (مثل أم كلثوم حتى رحيلها عام 1975، ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ) يمثلون القمة التي تكرس الحب العذري واللغة الشعرية الرفيعة التي تخاطب وجدان العائلة، ظهر في الثمانينات جيل جديد (مثل عمرو دياب وراغب علامة) أخذت أغلبه الأغنيات نحو إيقاعات أسرع وغزل بالعيون والقد والقوام. ورغم ذلك، ظلت هذه التحولات مغلفة بالرومانسية البريئة واللمسات العاطفية التي لا تصل أبداً إلى حدود الجنس الصريح، محكومةً بسياق أخلاقي ورقابة صارمة ترفض أي خروج عن المألوف لكي تبث الأغاني في البيوت العربية دون حرج.

الواقع المعاصر.. ذوبان الهوية وسؤال هل بقي الفن الشرقي شرقياً؟

شهد العصر الحديث تحولات جذرية ومفصلية مع ثورة التكنولوجيا الرقمية، وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، وتسارع وتيرة الإنتاج الفني؛ وهو ما أدى إلى تذويب الفوارق التقليدية بين الثقافات، ليقفز إلى الواجهة التساؤل الوجودي والجمالي الأملس: هل بقي الفن الشرقي شرقياً كما عهدناه؟

إن الإجابة الصادقة والواقعية تؤكد أن الفن الشرقي قد فقد الكثير من ملامحه الجوهرية وروحه العميقة. فلم يعد الشرق ينتج فناً نابعاً من خصوصيته الحضارية ومقاماته وشجنه الأصيل، بل تحول في أغلبه إلى قالب مستورد وهجين. ولم تعد الشرقية اليوم تعكس هوية فنية أو مضامين راقية ترتقي بالوجدان وتخاطب الروح، بل انحسرت لتصبح مجرد لهجة محلية أو إيقاع صاخب تُؤدى به تلك الأغاني الاستهلاكية الخاوية، بينما تهرأت الروح والكلمة والذوق العام تحت وطأة الاستهلاك الرقمي السريع. ويظهر هذا الجفاء بوضوح مؤلم حين نتأمل واقع الفن الشعبي في البيئتين المصرية والعراقية -اللتين عُرفتا تاريخياً بعمقهما الحضاري وإرثهما الطربي الرفيع-حيث انحرفت بعض الأنماط بصورة جذرية نحو الإسفاف، والكلمات الهابطة، وتحول الفن من رسالة سامية للارتقاء بالبشر إلى مجرد سلعة استهلاكية تلهث خلف التريند والأرباح المادية الرخيصة، مما أحدث قطيعة تامة بين إرث الماضي العريق وبين واقع السوق المعاصر.  إن هذا الانهيار الفني والذوقي لم يأتِ من فراغ، بل هو حصيلة منظومة متكاملة تضافرت فيها أطراف عدة؛ أولها سلطة خوارزميات المنصات الرقمية التي تقدّس لغة الأرقام والمشاهدات على حساب القيمة، وثانيها غياب الدور الرقابي والتوجيهي الحقيقي للمؤسسات الرسمية والنقابات الفنية في مصر والعراق والتي فتحت الباب على مصراعيه دون فلترة أو معايير حقيقية تحمي الذوق العام. ويضاف إلى ذلك انكفاء النخبة المثقفة واكتفاؤها بالتذمر الصامت بعيداً عن الاشتباك مع الشارع، فضلاً عن ضغط الحياة المعصرية وإيقاعها السريع الذي جعل المتلقي يميل نحو المحتوى الخفيف الاستهلاكي الذي لا يتطلب تأملاً أو تفكيراً.

إن الأمل يظل قائماً للاحتفاظ بما بقي من أصالة الفن الشرقي ما دامت الجذور التاريخية والروائع الفنية راسخة في الذاكرة الجمعية. وللحفاظ على ما تبقى من هذه الهوية العريقة، تبرز الحاجة الملحة إلى استراتيجيات واعية وجادة تتجسد في إحياء الأرشيف وربطه بالأجيال الجديدة عبر تقديم التراث الخالد، كالمقامات العراقية والطرب المصري الأصيل، بقوالب حديثة ومقاومة للنسيان لتبقي نافذة الجمال الحقيقي مفتوحة. كما يتطلب الأمر دعم الأصوات والمشاريع الفنية الجادة وتمكين الفنانين الشباب الذين يحملون مشروعاً حقيقياً يحترم الكلمة واللحن من الوصول والمنافسة، إلى جانب بناء الوعي النقدي والمجتمعي من خلال ترسيخ ثقافة النقد الفني الرافض للاستسفاف والابتذال باعتباره خطراً داهماً على الهوية والوجدان، وليس مجرد حرية تعبير عابرة.

***

ئاريان علي

في المثقف اليوم