عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

ياسر البتانوني: التوحيد الإنساني بين وحدة المقصد واكتمال الوجود (2)

إستكمالا لحديثنا السابق في الجزء الأول من مقالتنا عن التوحيد الإنساني   https://www.almothaqaf.com/aqlam-3/989699نقول: إذا كان التوحيد قد أعاد إلى الإنسان وحدة مقصده، وحرره من التشتت بين الغايات المتنافسة، فإن أثره الأعمق لا يتوقف عند تحرير الإرادة، وإنما يمتد إلى إعادة بناء علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم وبالحياة كلها. فحين يستقر في القلب أن الله هو الغاية العليا، تتغير قيمة الأشياء في وعي الإنسان؛ فلا يعود ما في العالم قادرا على أن يمنح وجوده معناه النهائي، ولا يعود فقدان شيء من متاعه قادرا على أن يسلب حياته قيمتها، ولا يصبح امتلاك الأشياء دليلا على كماله، ولا فقدانها دليلا على نقصه. وهنا يتحرر الإنسان من أن يجعل قيمته فيما يملك، أو فيما يراه الآخرون فيه، أو فيما يستطيع أن يحققه من نفوذ ومكانة.

ومن هذه الحرية الداخلية يولد معنى آخر من أعمق معاني التوحيد، هو السكينة. فالإنسان الذي تتعدد في داخله الغايات تتعدد معه أسباب القلق؛ يخشى فقدان ما يحب، ويقلق على ما يملك، ويطارد ما لا يملك، ويظل أسيرا لما يمكن أن يحدث غدا. أما حين يستقر المقصد الأعلى في قلبه، فإنه لا يفقد مشروعية الخوف أو الحذر، لكنه يتحرر من أن يتحولا إلى سلطان دائم على وجوده. فهو يسعى، ويخطط، ويأخذ بالأسباب، لكنه لا يجعل النتائج شرطا لطمأنينته.

وهنا يعود التوكل ليأخذ مكانه الطبيعي داخل البناء كله. فقد تعلم الإنسان بالتوكل أن يتحرك في العالم دون أن يعلق قلبه بالأسباب، ويأتي التوحيد ليكشف له الأساس الأعمق لهذا التوازن، وهو أن الأسباب لا تستقل بذاتها، وأن الإنسان مهما بلغت قدرته يظل محدودا، وأن الاعتراف بهذا الحد ليس ضعفا، بل تحرير للروح من وهم السيطرة المطلقة. ومن هنا تصبح السكينة ثمرة للوعي بالحدود، لا هروبا من المسؤولية.

وكذلك الرضا الذي بلغناه في مرحلة سابقة لا يعود حالة منفصلة، وإنما يظهر في أفق التوحيد باعتباره ثمرة من ثمار وحدة المقصد. فالإنسان قد لا يفهم كل ما يقع له، وقد لا يحب كل ما يمر به، لكنه يستطيع أن يظل متماسكا حين يدرك أن وجوده ليس متروكا للعبث، وأن ما يجهل حكمته لا يلزم أن يكون خاليا من الحكمة. وهكذا يتحول الرضا من مجرد سكون أمام ما وقع إلى ثقة أعمق بمعنى الوجود، دون أن يتحول إلى استسلام للظلم أو تعطيل للفعل.

وإذا كان التوحيد يحرر الإنسان من عبودية الأشياء، فإنه لا يدفعه إلى احتقارها. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن التحرر من العالم لا يعني الهروب منه، كما أن عدم عبادة الأشياء لا يعني عدم الانتفاع بها. فالإنسان الموحد يعيش في العالم، ويعمل فيه، ويبني ويزرع ويتعلم ويحب ويعطي، لكنه لا يجعل شيئا من ذلك غاية مطلقة تستولي على قلبه.

وهنا يظهر الوجه الحضاري للتوحيد، فحين لا يصبح المال إلها، لا تتحول الحياة إلى سوق للإنسان؛ وحين لا تصبح القوة غاية، لا يتحول الآخر إلى مادة للاستغلال؛ وحين لا تصبح الشهرة معيارا للقيمة، لا يتحول الإنسان إلى أسير لنظرة الجمهور؛ وحين لا تصبح المنفعة المعيار الوحيد، يبقى للعدل والرحمة والكرامة مكان في حياة الناس.

ومن هنا فإن التوحيد لا يحرر الإنسان من الداخل فقط، وإنما يؤسس لإعادة النظر في علاقته بالآخر. فالذي لا يرى في نفسه عبدا إلا لله لا يحتاج إلى استعباد غيره لكي يشعر بقيمته، ولا يحتاج إلى إذلال الآخر ليحصل على الشعور بالتفوق. وكلما استقرت وحدة المقصد في قلبه، صار أكثر قدرة على الاعتراف بكرامة الآخرين، وأكثر استعدادا للعدل معهم، لأن الإنسان عنده لا يتحول إلى وسيلة لتحقيق غاية شخصية.

وهنا تتصل الحرية بالتوحيد اتصالا عميقا. فالحرية الحقيقية ليست أن يتحرر الإنسان من كل قيد، وإنما أن يتحرر من القيود التي تستعبده من الداخل. فقد يكون الإنسان حرا في الحركة، لكنه عبد لشهوته؛ وقد يكون مستقلا في قراره، لكنه أسير لرضا الناس؛ وقد يمتلك الكثير، لكنه لا يستطيع أن يفقد شيئا دون أن ينهار. أما التوحيد فيمنح الإنسان نوعا أعمق من الحرية، وهو أن يسترد مركزه الداخلي، وألا يجعل أي شيء من الأشياء المحدودة مطلقا في حياته.

ومن هنا تتكامل الحرية مع المعرفة، فالمعرفة كشفت للإنسان حقيقة ذاته وحدوده، والتوحيد وضع هذه المعرفة في إطار غائي يجعلها أكثر اتساقا. فلم تعد المعرفة وسيلة للسيطرة على العالم، بل وسيلة لفهمه وإعمار الحياة فيه. ولم تعد قوة العقل مبررا للاستعلاء، بل أمانة تستوجب المسؤولية. وهكذا تتحول المعرفة من مجرد قدرة إلى حكمة، لأن الحكمة هي أن يعرف الإنسان ليس فقط ما يستطيع أن يفعله، وإنما ما ينبغي له أن يفعله.

وتعود المحبة هنا أيضا إلى موقعها الأصيل. فإذا كانت المحبة قد وحدت القلب، فإن التوحيد ينقي هذه الوحدة من كل ما يمكن أن ينافس المحبوب الأعلى. وبذلك لا تصبح محبة الوالدين والأبناء والوطن والناس والجمال والعلم منافسة لمحبة الله، بل تأخذ قيمتها من انتظامها في أفق أوسع. فيحب الإنسان الأشياء دون أن يستعبد لها، ويحب الناس دون أن يجعلهم آلهة صغيرة في قلبه، ويحب الجمال دون أن ينسى مصدر الجمال، ويحب الخير لأنه يرى فيه أثرا من المعنى الذي يتجه إليه وجوده.

وهنا يكتسب الجمال في الرحلة معناه النهائي، فقد بدأ الإنسان يتذوق الجمال في التجربة، ثم أدركه في المحبة، ثم أخذ يتأمل معانيه في المعرفة، حتى يصل في التوحيد إلى إدراك أن الجمال المتفرق في العالم لا يستقل عن مصدر الجمال. فلا يعود الجمال مجرد لذة حسية، وإنما يصبح بابا من أبواب التأمل في المعنى، ودافعا إلى الارتقاء من الجميل المحدود إلى الجمال المطلق.

وكذلك الكمال؛ فالإنسان لا يبلغ الكمال المطلق، ولا يمكن لوجود محدود أن يحيط بما هو مطلق، لكن التوحيد يعيد تعريف الكمال الإنساني نفسه. فالكمال ليس أن يصبح الإنسان مكتفيا بذاته، وإنما أن يعرف افتقاره، ويعرف موضعه، ويستقيم في إرادته، ويتحرر من عبودية ما سوى الله، ويجعل ما أوتي من قدرة وعلم ومحبة وخير وسيلة للعمران والإحسان.

وبهذا يصبح الكمال الإنساني كمالا في الاتجاه قبل أن يكون كمالا في الامتلاك. فالإنسان قد لا يبلغ كل ما يريد، لكنه يستطيع أن يستقيم في ما يريد؛ وقد لا يحيط بكل المعرفة، لكنه يستطيع أن يجعل طلب المعرفة طريقا إلى الحكمة؛ وقد لا يستطيع تغيير العالم كله، لكنه يستطيع أن يجعل وجوده فيه أكثر عدلا ورحمة وجمالا.

وهنا تكتمل صورة التوحيد باعتباره غاية للوجود الإنساني، إنه لا يجعل الإنسان إلها على العالم، ولا يجعله كائنا منفصلا عنه، وإنما يعيده إلى موقعه الصحيح؛ إنسانا حرا من العبودية لغير الله، مسؤولا عن وجوده، أمينا على ما أوتي من نعم، ومتحركا في العالم بوعي الغاية.

ومن هذه النقطة نستطيع أن نعود إلى الرحلة كلها لنكتشف أن كل مرحلة من مراحلها لم تكن منفصلة عن الأخرى. فالعمر كان أول تنبيه إلى أن الوجود الإنساني محدود، وأن قيمة الحياة لا تقاس بطولها وإنما بما يتحقق فيها من معنى.

ثم جاء الألم ليوقظ الإنسان من وهم الحياة السهلة، ويكشف له أن الوجود لا يخلو من امتحان، وأن الألم يمكن أن يتحول من جرح إلى سؤال.

ثم جاء الصبر ليعلمه كيف يحتمل ثقل الطريق دون أن ينكسر، وكيف يحول الإرادة من انفعال عابر إلى قدرة على الثبات.

وجاء التوكل ليعلمه أن السعي لا يناقض الاعتماد على الله، وأن الإنسان يستطيع أن يتحرك بكل طاقته دون أن يحمل نفسه وهم التحكم في النتائج.

ثم جاء الرضا ليمنح النفس سكينة أمام ما لا تستطيع تغييره، ويعلمها أن السلام الداخلي لا يعني غياب الألم، وإنما القدرة على ألا يتحول الألم إلى اعتراض دائم على معنى الوجود.

ثم جاءت المحبة، فانتقلت الرحلة من احتمال الحياة إلى اكتشاف ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش؛ إذ وحدت القلب، وأورثته الأنس والقرب، وجعلت الإنسان يتجاوز حدود ذاته نحو محبوب يتطلع إليه.

ثم جاءت المعرفة، فلم تترك المحبة في حدود الوجدان، وإنما منحتها البصيرة، وكشفت للإنسان أن الحب يحتاج إلى معرفة، وأن المعرفة الحقيقية لا تكتمل إلا حين تتحول إلى وعي يغير صاحبه.

ثم جاء التوحيد، لا ليضيف مدرجا منفصلا إلى ما سبق، وإنما ليكشف وحدة الطريق كله.

إن هذه المدارج لم تكن إلا صورا متعددة لرحلة واحدة، رحلة الإنسان من التشتت إلى الوحدة، ومن الغفلة إلى الوعي، ومن الألم إلى المعنى، ومن الخوف إلى السكينة، ومن التعلق إلى الحرية، ومن المحبة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى التوحيد.

فالتوحيد هو الذي يكشف أن العمر لم يكن مجرد امتداد زمني، وأن الألم لم يكن مجرد وجع، وأن الصبر لم يكن مجرد احتمال، وأن التوكل لم يكن مجرد تسليم، وأن الرضا لم يكن مجرد سكون، وأن المحبة لم تكن مجرد عاطفة، وأن المعرفة لم تكن مجرد إدراك. لقد كانت جميعها طرائق يتشكل بها الإنسان في طريق عودته إلى الغاية التي من أجلها وجد.

ومن هنا فإن التوحيد لا يغلق باب الرحلة، بل يفتح للإنسان معنى جديدا للحياة، فبعد أن تتوحد الغاية، يستطيع الإنسان أن يعود إلى عمره فيعي قيمته، وإلى ألمه فيفهم درسه، وإلى صبره فيرى ثمرته، وإلى توكله فيستعيد طمأنينته، وإلى رضاه فيجد سكينته، وإلى محبته فيراها أكثر نقاء، وإلى معرفته فيجعلها أكثر تواضعا وحكمة.

وهكذا يعود الإنسان إلى العالم، لكنه لا يعود إليه كما كان، إنه يعود إليه وهو أكثر وعيا بحدوده، وأكثر تحررا من عبوديته، وأكثر قدرة على محبته، وأكثر مسؤولية عن إصلاحه.

وهنا يلتقي التوحيد بالكمال والجمال في أعمق نقطة من نقاط الرحلة، فالكمال ليس بلوغ الإنسان منزلة لا نقص فيها، وإنما أن يبلغ من النضج ما يجعله يعرف حقيقته وحدوده وغايته. والجمال ليس مجرد ما تراه العين أو تستحسنه النفس، وإنما أن يصبح الوجود الإنساني نفسه قادرا على إنتاج الجمال من خلال الخير والعدل والمحبة والحكمة.

ومن ثم فإن الإنسان لا يكتمل بكثرة ما يملك، ولا بكثرة ما يعرف، ولا بطول ما يعيش، وإنما بقدر ما تتوحد في داخله الغاية التي من أجلها يعيش.

وهنا نعود إلى حيث بدأنا، إلى العمر، إذ بدأنا بالسؤال عن عمر الإنسان، لأن العمر هو الوعاء الذي تجري فيه الرحلة. وانتهينا إلى التوحيد، لأن التوحيد هو الذي يمنح هذا العمر وجهته ومعناه. وبين البداية والنهاية مر الإنسان بالألم، والصبر، والتوكل، والرضا، والمحبة، والمعرفة، حتى اكتشف أن الزمن وحده لا يصنع قيمة الحياة، وأن قيمة الحياة تتحدد بما يودعه الإنسان في الزمن من معنى.

فالعمر بلا غاية امتداد، والألم بلا وعي جرح، والصبر بلا معنى احتمال، والتوكل بلا فهم استسلام، والرضا بلا بصيرة خمود، والمحبة بلا معرفة تعلق، والمعرفة بلا غاية تراكم. أما حين تنتظم هذه كلها في وحدة المقصد، فإنها تتحول إلى رحلة إنسانية نحو الكمال والجمال.

فالإنسان الذي عرف أن وجوده ليس عبثا، وأن عمره ليس ملكا مطلقا له، وأن آلامه يمكن أن توقظ وعيه، وأن صبره يهذب إرادته، وأن توكله يحرره من وهم السيطرة، وأن رضاه يمنحه السكينة، وأن محبته تفتح قلبه، وأن معرفته تنير بصيرته، ثم وحد غايته في الله؛ هذا الإنسان لا يكون قد أنهى رحلة وجوده، وإنما يكون قد بدأ يعيشها على بصيرة.

ومن هنا يكون التوحيد غاية الرحلة لا نهايتها؛ لأن الإنسان حين تتوحد غايته لا يتوقف عن السير، وإنما يتوقف عن التيه. ويصبح العمر بعد ذلك فرصة، والألم درسا، والصبر قوة، والتوكل طمأنينة، والرضا سكينة، والمحبة أنسا وقربا، والمعرفة بصيرة، ويصبح الوجود كله مجالا تتجلى فيه معاني الكمال والجمال.

وهكذا يكتمل القوس الذي بدأ بالعمر وانتهى بالتوحيد، من سؤال الإنسان عن معنى وجوده إلى اكتشاف الغاية التي تمنح وجوده معناه، ومن تفرق المقاصد إلى وحدة المقصد، ومن ظلمة الغفلة إلى نور البصيرة، ومن اضطراب النفس إلى سكينتها، ومن التعلق بما يفنى إلى التوجه إلى من له البقاء والكمال والجمال.

ذلك هو الإنسان حين يسترد وحدة وجوده؛ لا يخرج من العالم، ولا يتعالى عليه، وإنما يعيش فيه بقلب متصل بالغاية، وعقل مستنير بالمعرفة، وإرادة متحررة من العبودية لغير الله، ونفس تتذوق من الكمال والجمال بقدر ما تستطيع، حتى يصبح وجوده نفسه شهادة حية على أن أسمى صور اكتمال الإنسان ليست في أن يمتلك العالم، وإنما في أن يعرف لمن ينتمي، ولماذا يعيش، وإلى أين يتجه.

وهنا لا تنتهي الرحلة.. بل يبدأ الإنسان، للمرة الأولى، في السير وهو يعرف الطريق.

خاتمة الرحلة:

وهكذا، ومع بلوغنا آخر حلقات رحلة الوجود الإنساني التي حملت عنوان "الوجود الإنساني ومدارج الكمال والجمال- قراءة فلسفية وروحية"، والتي عرضناها في صورة مقالات متتابعة، نستطيع أن نقول إن هذه الرحلة، كما تكشفت لنا عبر مدارجها، لم تكن بحثا عن حياة تخلو من الألم، ولا سعيا إلى كمال يستقر فيه الإنسان استقرارا نهائيا، وإنما كانت بحثا عن المعنى الذي يجعل الإنسان قادرا على أن يحيا وجوده بوعي، وأن يحول محدوديته إلى مجال للنضج، وتجربته إلى طريق للمعرفة، وحركته في العالم إلى سعي يستمد غايته من مقصد أعلى. فمنذ اللحظة الأولى، كان العمر أكثر من مجرد امتداد زمني؛ كان أمانة ووعاء للمعنى، وكانت قيمته لا تقاس بعدد أيامه، وإنما بما يودعه الإنسان فيها من عمل وخير ومعرفة وأثر. وحين ينكشف للإنسان أن الزمن لا يعود، يبدأ وعيه الحقيقي بوجوده، ويغدو السؤال عن كيفية العيش أعمق من مجرد الرغبة في إطالة الحياة.

ثم يأتي الألم ليكشف الوجه الآخر لهذا الوجود؛ فيخرج الإنسان من وهم الاكتفاء والقوة المطلقة إلى وعي الحاجة والحدود. وليس معنى ذلك أن الألم خير في ذاته، وإنما أن التجربة الإنسانية قادرة، حين تستقبل الألم بوعي، على أن تحول الجرح إلى سؤال، والسؤال إلى معرفة، والمعرفة إلى حكمة. وفي هذه النقطة تحديدا يبدأ الإنسان في اكتشاف أن قيمة التجربة لا تتحدد بما يقع له وحده، وإنما بما يصير إليه من خلالها. ومن هنا كان الألم إمكانا من إمكانات الارتقاء، لا لأنه مطلوب، وإنما لأن الإنسان يستطيع أن يمنحه معنى يتجاوز وجعه المباشر.

غير أن الألم وحده لا يصنع الارتقاء؛ إذ يحتاج الإنسان إلى قدرة تحفظ له توازنه أمام ما لا يستطيع دفعه، وهنا يتشكل الصبر بوصفه تربية للإرادة ومصالحة واعية مع الزمن. فالصبر لا يلغي الألم، ولا يطلب من الإنسان أن يتجرد من مشاعره، وإنما يمنحه القدرة على ألا تتحول هذه المشاعر إلى قوة تستبد بوجوده. وبالصبر يتعلم الإنسان أن المعنى لا يظهر دائما في اللحظة التي تقع فيها الأحداث، وأن بعض الحقائق لا تنضج إلا بمرور الزمن، وأن الثبات ليس سكونا، بل استمرار في السير مع بقاء الوجهة.

ثم يتقدم الإنسان من الثبات إلى الحركة، ومن احتمال ما يقع إلى حسن التعامل مع ما لا يملك نتائجه، فيولد التوكل بوصفه توازنا بين حركة الإرادة وطمأنينة القلب. وهنا يتعلم الإنسان أن مسؤوليته تكمن في صدق السعي وإحكام العمل، لا في امتلاك النتائج. فالتوكل لا ينتقص من الإرادة، وإنما يحررها من وهم السيطرة المطلقة؛ ولا يدعو إلى ترك الأسباب، وإنما إلى ألا تتحول الأسباب إلى معبودات خفية تستولي على القلب. وبذلك يستعيد الإنسان قدرته على الفعل دون أن يجعل مصيره النفسي رهنا بما يحققه فعله من نتائج.

ومن التوكل تنشأ السكينة التي تتعمق في مقام الرضا. وهنا لا يتغير العالم بالضرورة، وإنما تتغير علاقة الإنسان به. فالرضا لا يعني قبول الظلم أو تعطيل الإصلاح، وإنما يعني أن يميز الإنسان بين ما يقع داخل دائرة مسؤوليته وما يتجاوز قدرته، فيبذل وسعه فيما يستطيع، ويسلم ما لا يستطيع إلى حكمة الله. وبهذا يتحرر من الصراع المستنزف مع ما لا يملك تغييره، ويتفرغ لما يستطيع أن يصنعه. فالرضا ليس انطفاء للإرادة، بل اتزانها؛ وليس خمودا للنفس، بل انتقالا بها من مقاومة الواقع بوصفه واقعا إلى فهمه في أفق أوسع من اللحظة.

لكن السكينة لا تستنفد إمكانات الوجود الإنساني؛ إذ إن الإنسان لا يكتفي بأن يسكن إلى ما هو كائن، بل يبحث عما يستحق أن يتجه إليه. وهنا تظهر المحبة باعتبارها القوة التي تنقل الإنسان من مجرد احتمال الحياة إلى اكتشاف ما يجعلها جديرة بأن تعاش. فالمحبة تجمع ما تفرق في القلب، وتمنح الإرادة وجهة، وتجعل الإنسان يتجاوز حدود ذاته نحو ما يراه أكمل وأجمل وأحق بالتعلق. وحين تتجه المحبة إلى الله، لا تعود مجرد انفعال وجداني، وإنما تصبح قوة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بكل محبوباته، فتتحول الأشياء من غايات تستعبد القلب إلى موجودات تأخذ قيمتها في ضوء الغاية الأعلى.

ومن المحبة تفتح المعرفة أبوابها؛ لأن القلب الذي وجد وجهته يحتاج إلى بصيرة تهديه، ولأن التعلق بالحقيقة لا يكتمل إلا بالسعي إلى إدراكها. وهنا تنتقل الرحلة من حرارة الوجدان إلى نور البصيرة، ومن امتلاك المعلومات إلى اكتشاف المعنى. فالمعرفة الحقيقية ليست ما يزداد في الذهن فحسب، وإنما ما يتغير في الإنسان بسبب ما عرف. ولذلك كانت المعرفة في أفق هذه الرحلة تحولا في الوعي قبل أن تكون تراكما في المعلومات؛ فهي التي تجعل الإنسان يرى ذاته في حدودها، والعالم في دلالاته، والجمال وراء مظاهره، والكمال وراء صوره الجزئية. وكلما اتسعت المعرفة الحقيقية، ازداد الإنسان تواضعا أمام الحقيقة، لأن انكشاف بعض الحقيقة يكشف في الوقت نفسه اتساع ما يجهله الإنسان.

وعند هذا الحد تبدأ المدارج كلها في الكشف عن وحدتها الداخلية. فالعمر علم الإنسان أن وجوده محدود، والألم كشف له هشاشته، والصبر هذب إرادته، والتوكل حرره من وهم السيطرة، والرضا منحه السكينة، والمحبة وحدت وجهة قلبه، والمعرفة أنارت بصيرته. ولم تكن هذه تحولات منفصلة، وإنما كانت حركات متتابعة في اتجاه واحد: من التشتت إلى الجمع، ومن الغفلة إلى الوعي، ومن الانفعال إلى البصيرة، ومن التعلق المتفرق إلى وحدة المقصد. ولهذا لم يكن التوحيد إضافة إلى الرحلة، بل كان انكشافا لمعناها الكامن منذ بدايتها.

فالتوحيد، في أفق الوجود الإنساني، لا يقف عند حدود المعرفة الذهنية بوحدانية الله، على جلالة هذه الحقيقة وأصلها، وإنما يتجاوزها إلى أن تصبح الوحدة مبدأ ناظما للوجود كله. إنه أن تتحرر الإرادة من التشتت، والقلب من الاستعباد، والعقل من الغرور، وأن تستعيد الأشياء مواضعها الصحيحة في حياة الإنسان. فلا يصبح المال غاية، ولا المكانة معيارا للقيمة، ولا الشهرة مصدرا للمعنى، ولا المعرفة وسيلة للاستعلاء، ولا المحبة الجزئية بديلا عن المحبوب الأعلى. وبذلك لا يلغي التوحيد كثرة العالم، وإنما يكشف وحدتها في المقصد والمعنى.

ومن هنا تتضح إحدى أعمق نتائج الرحلة: أن الإنسان لا يتحرر حين يتخلص من كل تعلق، وإنما حين يعرف ما الذي يستحق أن يكون غايته العليا. فالحرية ليست غياب القيود فحسب، وإنما التحرر من أن تتحول الأشياء المحدودة إلى غايات مطلقة. وحين تتوحد الغاية، تستقيم الإرادة، ويهدأ القلق، وتتحول المعرفة إلى حكمة، والمحبة إلى صفاء، والسكينة إلى قوة على العمل، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على العودة إلى العالم دون أن يصبح عبدا له.

وهنا يتكشف معنى الكمال الإنساني على نحو مختلف. فالكمال ليس بلوغ حالة مطلقة لا نقص فيها، فهذا مما يتجاوز طبيعة الوجود الإنساني المحدود، وإنما هو استقامة الإنسان في اتجاهه، وصدق حركته نحو الغاية التي تمنح وجوده معناه. قد يخطئ، ويتعثر، ويضعف، وقد لا يبلغ من المعرفة إلا بعضا، ولا يستطيع أن يغير من العالم إلا قدرا محدودا، لكنه يستطيع أن يظل سائرا في الاتجاه الصحيح. ومن ثم فإن الكمال الإنساني ليس كمال الامتلاك، وإنما كمال التوجه؛ وليس أن يصبح الإنسان مكتفيا بذاته، وإنما أن يعرف حقيقته وحدوده وافتقاره، وأن يجعل ما أوتي من عقل وإرادة ومحبة ومعرفة وسائل للخير والعمران والإحسان.

وكذلك الجمال لا يعود مجرد صفة في الأشياء أو لذة تستقبلها الحواس، وإنما يصبح قيمة تتجسد في طريقة الإنسان في الوجود. فحين تتحول المعرفة إلى حكمة، والإرادة إلى مسؤولية، والمحبة إلى رحمة، والحرية إلى عدل، والقدرة إلى أمانة، يصبح الإنسان نفسه قادرا على إنتاج الجمال في العالم. وهكذا ينتقل الجمال من أن يكون شيئا يتأمله الإنسان إلى أن يصبح شيئا يشارك في صناعته.

ولذلك فإن التوحيد، وإن كان غاية الرحلة، ليس نهايتها بمعنى توقف السير؛ إنه اكتمال الاتجاه. فالإنسان بعد التوحيد لا يغادر الحياة، وإنما يعود إليها بوعي آخر. يعود إلى عمره فيدرك قيمته، وإلى ألمه فيستخرج منه معناه، وإلى صبره فيرى فيه قوة الإرادة، وإلى توكله فيستعيد طمأنينته، وإلى رضاه فيجد فيه سكينة القلب، وإلى محبته فيجعلها أكثر صفاء، وإلى معرفته فيجعلها أكثر تواضعا وحكمة. إنه يعود إلى العالم، لكنه لا يعود إليه كما كان؛ لأن العالم لم يعد غاية تستعبده، بل أمانة يتحمل مسؤوليتها.

وهكذا يتبين أن رحلة الوجود الإنساني تبدأ من الوعي بأن العمر محدود، وتنفتح عبر الألم والصبر والتوكل والرضا على تهذيب الإرادة وتطهير القلب، ثم تتسع بالمحبة والمعرفة حتى تبلغ وحدة المقصد في التوحيد. وما بين البداية والغاية لا يكون الإنسان مجرد كائن يعبر الزمن، بل كائنا يصنع من عبوره معنى، ومن تجربته وعيا، ومن وعيه بصيرة، ومن بصيرته سلوكا، ومن سلوكه أثرا.

وفي النهاية، لا يكون السؤال الأهم: كم عاش الإنسان؟ ولا كم عرف؟ ولا كم امتلك؟ وإنما: في أي اتجاه عاش، ولأي غاية وجه قلبه وعقله وإرادته؟ فالعمر بلا غاية امتداد، والألم بلا وعي جرح، والصبر بلا معنى احتمال، والتوكل بلا فهم استسلام، والرضا بلا بصيرة خمود، والمحبة بلا معرفة تعلق، والمعرفة بلا غاية تراكم. أما حين تنتظم هذه كلها في وحدة المقصد، فإن الوجود الإنساني يتحول من مجرد حياة تمر إلى رحلة لها معنى، ومن تعدد مشتت إلى وحدة واعية، ومن البحث عن الكمال إلى الاستقامة في طريقه.

وهنا لا تنتهي الرحلة، بل ينكشف معناها؛ إذ يصبح التوحيد غاية يتجه إليها الإنسان، ومعنى يعود به إلى الحياة، ونورا يعيد قراءة كل ما سبق في ضوئه. فليس اكتمال الوجود أن يبلغ الإنسان نهاية الطريق، وإنما أن يعرف وجهته، وأن يستقيم في السير إليها، وأن يجعل من عمره المحدود مجالا للخير، ومن معرفته سبيلا إلى الحكمة، ومن محبته بابا إلى القرب، ومن وجوده نفسه شاهدا على أن أجمل ما في الإنسان ليس ما يملك، بل ما يتجه إليه.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في المثقف اليوم