قضايا

سليم جوهر: لاهوت السلطة.. العقلية الشرعية في فضاء علماني

الاشكالية في اعتقاد البعض ان ممارسة العمل السياسي او الاداري هو تكليف شرعي، ينبع من جذر فكري ميتافيزيقي للسلوك السياسي ما بعد عام 2003.

تكمن هذه المفارقة في ان الاعتقاد بالتكليف الشرعي يستلزم حضور اليقين في اداء الرسالة السماوية مقابل الممكن السياسي الذي قد يتطلب استخدام كل الوسائل المتاحة (دنيوية على الاعم الاغلب) من اجل انجاز هذا المهمة. حيث تتلازم ثنائية حضور اليقين بوجود خطر دائم يكمن في الفضاء العلماني، ويكفي تصور هذا الخطر مع عدم ضرورة وجوده فعلا من اجل بناء سياسات صراع متخيلة. ويستمد هذا التصور جذره الميتافزيقي من الاعتقاد باستحالة اجتماع الكفر والايمان (الشرع والعلمنة) في فضاء سياسي واداري على صعيد واحد.

والعقلية الشرعية في انخراطها بمسار عملية سياسية تدار في فضاء علماني تتطلب نهجا اقل ما يوصف به انه براغماتي. ومن ناحية اخرى بكونها تكتسب صفة (شرعية) فيتحتم على ذلك، انه لا يمكن تسليم الرسالة الى غير المكلف بها شرعا كواجب مقدس اي (ما ننطيها). بمعنى ان الثبات في العمل والدوام على متابعة الهدف حتى تحقيقه يتطلب ان تتماهى فيه الشرعية أي (الحق الالهي) مع الحزبية (الجوهر الايديولوجي) مع الشخصنة (الكفاءة الفردية). لذا لا يمكن تشخيص مسارات هذه العقلية في مساراتها المختلفة في اي قرار يتم اتخاذه في طريق اداء الرسالة وتحقيق الهدف (التكليف الشرعي) دون ملاحظة الثلاثية الكامنة خلفها. فقرارات هذه العقلية تتخفى خلف حصانة ذاتية لا ترى الخطأ في القرار السياسي في فضاء علماني الا بكونه عارض بسبب الشيطان الذي يمكن التحايل عليه بالعنوان الثانوي او الثالثي او غيره.

اي ان هذه المفارقة تؤدي بالعقلية الشرعية في فضاء سياسي علماني الجذر والنسق الى اعتماد "صناعة الحقيقة" بديلا عن امتلاكها، وهذا يتطلب نهجها "براغماتيا مشوها" يستند الى النجاح المؤقت ولو على حساب الخسائر الاستراتيجية بتطويع الوقائع او خسائر اخلاقية من خلال استدعاء التفسير التاريخي المأزق المعاصر. في هذه الاشكالية يختلط وعي الحقيقة مع العلم بالحقيقة كسردية تاريخية تحظى بالمقبولية في الذاكرة الجمعية الشعبية (حيث يتم القاء ضوء على الحاضر من خلال الاهتمام بالماضي، واستدعاء وهم التاريخ الرومانسي، اي الوصول الى الماضي انطلاقا من الحاضر) اي الأحياء للماضي بتصوير ازمنة اسطورية، وعصور البطولة والمظلومية، فيتم تحديد النقطة الزمنية في العصر الحديث، كوعيا تاريخيا لحقيقة مستعادة من اجل تحيينها في الحاضر.

غياب هذه التمييز واتخاذ تحيين الحقيقة التاريخية (شكل برنامج او مشروع ايديولوجي، يصطدم في اغلب الاوقات بثقل الماضي الاشد عتمة وفي الحاضر الاشد تعقيدا)، مما يؤدي الى أزمات حياتية ومعيشية يدفعهم الى التحقيب الاسطوري بتفضيل ازمان محددة، تتعلق بتواريخ ثورات او حروب وتحولات النظام السياسي، مما يثقل الذهنية والهوية الوطنية بسبب عدم الاتفاق على، او غياب الماضي المعروف والمعترف به من الجميع. فاعتمد الذاكرة الماضوية لتفسير الوقائع الحادثة في محاولة للاستحواذ على الذاكرة الجمعية العراقية الحديثة يولد تنافرا شديدا بين ماضي غير متفق عليه وواقع خطير وشديد التعقيد. وعلى الرغم ان السياسي المستند الى الشرعية الدينية يتسلح بالبراغماتية الا انها أي (البراغماتية) لم تحد من صلته مع التراث. بل ان الإسلام السياسي بنى نهجه السياسي في تجربته المريرة التي تميزت بطابع الصراع وخاصة مع الحداثة، مستندا الى فلسفة سياسية في قراءة الواقع تقوم باستحضار مقولات مأثورة من النصوص المقدسة مستعينا بارتفاع منسوب التعلق بالذاكرة الماضوية للجماعة المثقلة بهموم الهوية الملية.

لكل ذلك يتميز الفعل السياسي للعقلية الشرعية في فضاء علماني بالتباس الغاية الرسالية مستعينا بأدوات حداثوية (تحاول ان تكون كفؤة اكثر منها فاعلة) في الثبات على الهدف والاستمرار في العمل عبر تكييف الفضاء السياسي وفقا لثلاثية (الحق الإلهي، الجوهر الأيديولوجي، والكفاءة الشخصية). لذا لا يمكن ان تستقيم الامور بتشابك المسارات المتناقضة لاستراتيجيات تستند الى التكليف الشرعي والديمومة في العمل لتحقيق الهدف في فضاء علماني.

***

د. سليم جوهر

 

في المثقف اليوم