قضايا
ابتهال عبد الوهاب: لا تنسي
لا تنسي أبدا: أولئك الذين تمسكوا بك عندما تخلى عنك العالم كله… ففي لحظة السقوط يتعرى الوجود، وتسقط الأقنعة كما تسقط أوراق الخريف اليابسة، ولا يبقى إلى جوارك إلا من كان جذره ضاربا في تربتك، لا في ظلك.
العالم في أكثر تجلياته قسوة لا يحبك لذاتك، بل لصورتك، لنجاحك، لقوتك، لبريقك حين يلمع. فإذا انطفأت، تراجع. وإذا تعثرت ابتعد .
أما في العتمة، فلا يجلس معك إلا من يعرفك بلا اقنعه ويحبك بلا شروط، ويراك وأنت هش فلا يخاف هشاشتك، بل يحتضنها.
في فلسفة الألم، يتكشف معدن البشر. لحظة انكسارك ليست اختبارا لقوتك وحدك، بل اختبارا لقلوب من حولك. هناك من كان وجوده حولك محض صدفة، مجرد تقاطع مصالح أو تلاقي أمزجة. وهناك من كان ارتباطه بك فعل اختيارحر، إرادة وفاء لا تتبدل بتبدل الأحوال.
أولئك الذين تمسكوا بك حين تخلى الجميع، لم يكونوا يبحثون عن مجد في قربك، ولا عن دفء في شهرتك، ولا عن منفعة في نجاحك. كانوا يرون فيك إنسانا يستحق أن يُحب حتى وهو خاسر، حتى وهو ضعيف، حتى وهو مكسور. وهذا في جوهره أسمى أشكال الحب: أن يحبك أحدهم لا لأنك قوي، بل لأنك أنت
الوفاء موقف وجودي. هو إعلان صامت يقول: أنا هنا، لا لأنك منتصر، بل لأنك أنت.”
قلة قليلة فقط هي التي تختار أن تبقى حين تصبح الإقامة مكلفة
لا تنسهم… لأن النسيان جحود للتاريخ الخفي . ولأن النسيان هنا ليس سهوا، بل خيانة صامتة للحظة أنقذك فيها حضورهم من التفتت. والتشظي والاحتراق. ولأنك، في أكثر لحظاتك ظلمة، كنت تستند إلى كتف ما، إلى كلمة ما، إلى يد لم ترتجف وهي تمسك بيدك. ربما لم يملكوا حلولا، لكنهم امتلكوا حضورا. وربما لم يستطيعوا إزالة الألم، لكنهم رفضوا أن يتركوك تتألم وحدك. والإنسان، في نهاية الأمر، لا ينجو بقوته فقط، بل بمن أحبوه وهو ضعيف.
يقول ألبير كامو: «في أعماق الشتاء، اكتشفت أن في داخلي صيفا لا يقهر». لكن ذلك الصيف لا يولد دائما من الداخل وحده؛ أحيانا يولد من دفء يد امتدت إليك في أكثر فصولك برودة. من كلمة قيلت لك حين كان الصمت أسهل، ومن كتف احتميت به حين كان الانسحاب أريح.
تذكرهم كلما نهضت. تذكرهم وأنت تعود إلى الضوء. فلا شيء أقسى من أن تستعيد عافيتك ثم تنسى الذين سهروا على جراحك. ولا شيء أنبل من أن ترد الوفاء وفاءا، وأن تجعل حضورك في حياتهم يقينا كما كانوا لك يقينا في العتمة.
لا تنسي:
من اختضنوا هشاشتك، وصدقوك أكثر مما صدقوا أنفسهم. ومن صفقوا لك حينما وصلت. ومن واسوك حينما أوجعتك الحياه. من طمأنك في لحظات خوفك وشتاتك. من زرعوا في قلبك الأمل في لحظات اليأس والقنوط.. من بكوا معك وضحكوا معك.
لا تنسي
من كانوا امتدادا حقيقيا لذاتك.. ومن احترقوا من أجل سعادتك.. ومن جعلوك الحجه التي من اجلها تستخق الحياة ان تعاش ..
من جعلوا فكرك يثمر من جديد. وانبثقت في روحك ينابيع لم تكن تعلم أنها باقية
وبحثوا معك عن لحظات حقيقيه تمنح لوجودك معنى.. من رأوا كل لحظه بدونك هي لحظات ناقصه.. تشبث بهم كما يتشبث النور بظله. والعمر بأسباب بقائه..
لا تنسي
من اقتربوا بما يكفي ليحترقوا قليلا كي تظل أنت مضيئا.
من اقتسموا معك القلق،لا ليبحثوا له عن حلول بل ليشاركوك نفس الألم. من تحملوا ارتباكك، وصبروا على تقلباتك،
لا تنسي
من كانوا لك كستره النجاه في بحر هائج. ومنديلا يمسح دموعك كلما بكيت. ودليلا كما تاهت خطواتك وفقدت الطريق
لا تنسي
من يفتحون نوافذ النور على روحك، من يشعرونك بأن الحياة رحبة والأيام باسمة.. من اهتموا بتفاصيلك الصغيره.. ماذا فعلت.. ماذا أكلت.. أين ذهبت
لا تنسي من شاركوك اجمل ذكرياتك وصنعوا لك ذاكره مليئه بالتفاصيل المبهجه
لا تنسى
الوجوه التي ترتبك أمام دموعك. اليد التي امتدت إليك، لأنها لم تكن يدا عابرة، بل كانت طوق نجاة. والقلوب التي احتمت بك واحتميتِ بها.
لا تنسي
من زرع زهورا في حقل قلبك المهجور وأحيا فيكِ رائحة الحياة. واقام في أعماق أعماقك بين الجذور. ومنحك دفئا لتزهر من جديد. لأن الروح تحيا بيد صادقة قبل أن تُحيا بالزمان أو الظروف.. وجعل من كل زهرة نقطة ضوء تتسلل عبر شقوق حزنك
أيها الأصدقاء.. احتفظوا بكل لحظة احتواء وبكل يد مسحت عنكم العثرات ... واحفظوا الوجوه التي أشرقت لكم حين أظلمت الدنيا... تفقدوا ساكني قلوبكم وأطمأنوا عليهم دوما. أولئك المختبئين في زوايا الروح. لعل أحدهم يكون قد اقترب من الحافة. فينقذه دفء السؤال
فالأشياء البسيطة عندما تأتي من شخص نحبه. تتضاعف قيمتها داخلنا ألف مرة .. اسأل عنهم كما سألوا عن تفاصيلك الصغيرة التي ظننتها تافهة، وكانت عندهم دليل حياة.
فالسؤال أحيانا فعل إنقاذ، والاهتمام شكل من أشكال المقاومة ضد القسوة..
لا تنسي
***
ابتهال عبد الوهاب






