عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أمين اليافعي: ما الذي يستطيع أن يفعله جيلٌ وَرِث الحرب والآلة الذكية معاً؟

يعيش جيل الشباب العربي اليوم في منطقة اشتباك نادرة بين تحدّيين لا يشبه أحدهما الآخر في طبيعته، لكنهما يلتقيان في أثرهما: تحدٍّ تقني يهدد يقين الفرد بمستقبله المهني، وتحدٍّ وطني يضع على كاهله مسؤولية المساهمة بإعادة بناء الكيان الوطني الجامع الذي تصدّعت نواته وأطرافه بفعل ضربات التدمير الداخلية والخارجية الدؤوبة.

في التحدٍ الأول، تتجلى معضلة الشباب أمام الثورة الرقمية الهائلة والجارفة في وجهين متناقضين ظاهرياً، متطابقين جوهرياً. الوجه الأول هو عدم القدرة على التخطيط المستقبلي أو يما يُمكن أن نسميه "شلل التخطيط": حين تتبدّل خرائط المهن والتخصصات بوتيرة تجعل أي أفق زمني يتجاوز الخمس سنوات ضرباً من التخمين، يفقد الشاب أمام مطبّات التحولات الفجائية المتكررة حافز الاستثمار الطويل في مسار مهني واحد، فيقع بين فخّي الإحجام عن الالتزام في مسارٍ مهنيٍّ أو الاندفاع العشوائي بعد كل موجة جديدة. أما الوجه الثاني فهو العيش داخل بوتقة قلق دائمةٍ من انتظار الاستبعاد الكلي في أي لحظةٍ: فمن استثمر سنوات طويلة في تكوين رصين وشهادات نوعية وبناء مسيرة مهنية مميزة، قد يجد نفسه فجأةً ضحيةً في سباقٍ محسومٍ مع آلة باتت تُنجِز المهام ذاتها بسرعة وكلفة لا يضاهيهما بشر.

الخطأ الشائع في مواجهة هذا التحدي الكبير هو التعامل مع التحولات الرقمية بوصفها خصماً يُنازَل أو تهديداً بالإمكان تجنبه. والأجدى هو تحويل بوصلة التأهيل من إتقان مهارة ثابتة إلى بناء قدرة على التعلّم المستمر، بحيث تُصبِح كل مرحلة تعليمية محطة في مسار لا نهاية له، لا نقطة وصول وراحة واستقرار. وهذه المرحلة البرزخية تستدعي لمواكبتها ثلاث تحوّلات عملية: الانتقال من اقتصار التركيز على التخصص الضيق إلى بناء الكفاءات المركّبة القابلة للنقل أو التنقل بين المجالات؛ مغادرة الطرق التقليدية في التعامل مع المعارف والمعلومات والتركيز على تطوير العقل النقدي الفاحص وفن صياغة الأسئلة النوعيّة الدقيقة، والانتقال من الخوف من الأداة إلى التمرّس عليها، بحيث تصبح الكفاءة في توظيفها الصحيح جزءاً من السيرة المهنية لا نقيضاً لها. فمن يتقن الإدارة الذكية للأداة يظل له موقع في صياغة وصناعة المستقبل، بينما من ينافسها في مجالها الحصري سيخسر السباق حتماً.

كما يحتاج هذا الجيل إلى مخزون نفسي وأخلاقي موازٍ للمخزون المعرفي: قدرة على تحمّل الغموض والالتباس دون شلل، وثقة واقعية لا متهورة بإمكان اكتساب ما يُفيد وينفع، وقبول فكرة أن إعادة التأهيل لم تعد استثناءً عرضياً أو عارضاً في مسيرة العمل، بل قاعدة دائمة فيها. فضلاً عن امتلاك قوة الفضول والجسارة في اقتحام المستقبل، وامتلاك "رأس مال نفسي" – بحسب مصطلح كارل نوتون - من ثقة وتفاؤل واقعي ومرونة، في عالم لا توجد فيه أرضية صلبة ولا محطات مستقرة. ويعني هذا عملياً: تعلماً لا يتوقف عند شهادة واحدة، بل يتجدد عبر مسارات قصيرة ومرنة ومتراكمة في المهارات؛ ومواصلة الاستثمار فيما تعجز عنه الآلة: الحكم الأخلاقي، وفهم السياق الإنساني، والإبداع، والقيادة، وصناعة المعنى. وبهذا بالإمكان تجاوز هذه المعضلة لا عبر افتراض إمكانية الاستمرار في منافسة الآلة في ميادينها، بل عبر تنمية مهنية رصينة ومرنة ومتنوعة قد تجعل من الجيل القادم سيد الأدوات لا ضحيتها بأي صورةٍ من الصورة.

أما التحدٍ الثاني فأكثر تعقيداً وأثقل وطأة؛ لأنه لا يخص الفرد وحده، بل المجال العام برمّته. فقد التهمت الحروب سنوات من عمر بعض دول المنطقة، واستنزفت جميع مواردها، وتمزقت مجتمعاتها على خطوط طائفية وعشائرية وميليشياوية، حتى غدت كيانات ما دون الدولة صاحبة القرار الفعلي والكلمة الفصل في الحياة والرزق والأمن. وعلى أنقاض هذا كله، تقع على الشباب مهمةً جليلةً في ضرورة الإسهام ليس في إصلاح دولة قائمة فحسب، بل المشاركة الفاعلة في إعادة بناء فكرة الدولة ذاتها كإطار جامع لعلهم يَجِدوا فرصة للعيش في مجتمعات صحيّة، آمنة ومستقرة، وقادرة على ابتكار مسارات تنموية.

هذه المهمة لا تُنجز من خلال الاكتفاء بالخطابات الوطنية الرنانة أو المجردة، بل بالممارسة اليومية التي تراكم ثقة الناس. ويبدأ ذلك من موقعين يمكن للشباب (الطليعيين) أن يفعلا فيهما فعلاً حقيقياً: الأول هو ترجيح الروابط العابرة للجماعة الأهلية الضيقة على الروابط المنغلقة داخلها، عبر الانخراط في العمل النقابي والمهني والأهلي المشترك بين مكونات المجتمع المختلفة، بحيث تتحول هذه المساحات إلى تدريبٍ عمليٍّ على المواطنة قبل أن تكون شعاراً. والثاني هو المطالبة الواعية والمستمرة بحياد المؤسسات وتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية، لأن الثقة بالدولة لا تُبنى بالخطب، بل بيقين مواطنٍ مُعزز بواقعٍ متطابق يُظهِر بجلاء أن القاعدة نفسها تسري عليه وعلى غيره.

فأقوى ما يهدم سرديات قادة الميليشيات وتجار الحروب الذي يُكرِسون فكرة أن لا خيار سوى السلاح والانتماء الضيق، هو شابٌ ناجحٌ فعّالٌ يُقدِّم نموذجاً حياً مضاداً. فأمراء الحرب يراهنون على "اقتصاد اليأس": على إقناع الشاب بأن لا مستقبل له خارج الحماية العصبوية، وأن حمل السلاح هو أقصر الطرق إلى الكرامة. وفي مقابل ذلك، فإن الطبيب الذي يعالج الجميع دون أن يسأل عن الانتماء، والمهندس الذي يُساهم في بناء مدرسة، وصاحب المشروع الذي يجتهد في جلب موظفين من مناطق مختلفة، جميعهم يفككون بفعلهم اليومي أكاذيب أمراء الحرب وزعماء المليشيات أكثر مما تفعله آلاف البيانات الرسمية الجافة.

والمطلوب أن تتحول هذه النماذج الفردية إلى بدائل شبابية مؤسسية رائدة: مبادرات مدنية تعيد تأهيل المدارس والمرافق العامة، وشبكات تطوعية تربط أبناء المناطق ببعضهم، وشركات ناشئة تجمع شركاء من خلفيات مختلفة حول مصلحة مشتركة، ومنصات إعلامية مسئولة، ونقابات ومجالس محلية تعيد الاعتبار للعمل العام النزيه. كلُ بديلٍ ناجحٍ هو لبنةٌ في استعادة الثقة: ثقة المواطن بأخيه المواطن، وثقته بأن للدولة معنى يتجاوز العلم والنشيد. فأي هوية وطنية جامعة، كما تظهر الدراسات السوسيولوجية لتجارب ما بعد الحروب، ليست معطى جاهزاً وموروثاً، بل صيرورة تُبنى بالممارسة اليومية: بحياد المؤسسات، وعدالة الفرص، وقانون يُنفَّذ على الجميع دون استثناء، وأناسٌ يتشاركون نعمة الأمن والأمان.

الشباب العربي ليسوا هامشاً على مسارات هذا الزمن، بل ينبغي أن يكونوا متنه ومعناه. وبين آلة تتعلم بسرعة البرق ودولة يجب أن تنهض من بين الأنقاض، لا شك بأن هنالك شبابٌ يُكافِحون في سبيل كتابة إجابتهم العملية كل يوم.

***

أمين اليافعي

 

في المثقف اليوم