عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

اسعد الامارة: الطاقة النفسية.. ومساراتها في البلوغ

هي النفس خزان كل الطاقات وتُحركها، بها دوافع، وهي مصدر القوة الجسمية والنفسية التي تحرك الفرد في تفاعله مع بيئته، وفي ممارسة أنشطته المختلفة. ويمكن للطاقة المرتبطة برغبة ما أو دافع ما أن تُكبت معه في اللاشعور – اللاوعي، وأن تنطلق معه أيضًا عندما تفلت معه من قبضة اللاشعور – اللاوعي في تعبير يظهر في حلم، أو عرض مرضي كما تراه موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، وكذلك في انحرافات في الشخصية منها النرجسية، والسلوك المضاد للمجتمع " السيكوباث" والانحرافات الجنسية بأنواعها. وربما يستغرب البعض عما تحمله النفس من هذه الطاقات التي تحتويها النفس البشرية، وأين مسربها سواءًا في الطفولة، أو في الرشد – البلوغ لكي تحرك كل شيء في دواخلنا، وتتحكم في ما هو خارجها، أعني في الواقع الخارجي، هي تضم الطاقة الإنفعالية، حزن وفرح، كراهية وعدوانية وبغض أو محبة، بصورتها الحقيقية أو المتخيلة أو الذي أرتبط بالشيء المرموز، هي الطاقة التي تحرك وجودنا البيولوجي، وهي الطاقة الجنسية بمختلف أنواعها، اقصد لغرض التناسل والانجاب، أو المثلية السلبية والايجابية " مفعول به وفاعل"، أو الافتتان الهستيري والاستعراض.

النفس تحمل النرجسية ومعها تكمن بين ثناياها العدوانية وهي في الأساس طاقة تم تطبيقها في الواقع، لذا تؤكد لنا أساسيات التحليل النفسي بأنه لا يمكن فصل النرجسية عن العدوانية وكلاهما طاقة نفسية وجدت في هذا السلوك منصرفًا غير مقبول إجتماعيًا لكنه أخذ مسار الفعل في حياتنا اليومية، وعند جاك لاكان العدوانية هي الوجه الآخر لنفس العملة المتخيلة. النرجسية كما يعرف الجميع هي عشق الصورة.. والعدوانية هي الصراع القاتل مع هذه الصورة.

ماذا يُخزن في اللاشعور – اللاوعي من طاقات لم توجه دائمًا نحو فعل الخير أو الشر، الظلام والنور كما يرى " صلاح مخيمر " قوله يجب أن يقام جسرًا بين اللاشعور – اللاوعي وبين الشعور– الوعي. ويقودنا هذا بالاستشهاد برؤية جاك لاكان المحلل النفسي الفرنسي الذي يصور اللاشعور – اللاوعي المطروح على هذا النحو هو لاشعور – لاوعي صوري وفارغ وحامل لقوانين بنيوية، يفرض على ما تحت الشعور – الوعي مجموع العناصر المتمفصلة القادمة من موضع آخر : نزوات، انفعالات، تمثلات، ذكريات، إن كان تحت الشعور كالمتخيل تمامًا، وهي في الحقيقة عبارة عن مجموعة من المواد، أي خزان من الصور يغرف منه كُلٌّ نصيبه الذي يميزه كفرد، وهي طاقته المحركة لهذا السلوك، 

الطاقة في النفس إذن هي منذ الطفولة وهي الفعل الذي يصبح سلوكًا ملموسًا في المستقبل ولو أخذ طابع الرمزية في بداية حياة الإنسان، أي طفولته، فهذه الرمزية تقوم على نقل الطاقات الخاصة لكل فرد بدوافعها المكبوتة من موضوعها الأصلي، إلى موضوع يرمز لها متى توفر تشابه أي ما كان هناك حد ثالث سواء كان الشكل الخارجي، أو الوظيفة، أو الانفعالات التي يثيرها الأصل ورمزه، ولا يخفى لمن درس التحليل النفسي، أو أهتم به كمعرفة إنسانية إن هذه الانفعالات في الطفولة المبكرة، مثل المخاوف المفزعة التي ترتبط بالفعل بكل أنواعه ومنها الجنسي، أو المخاوف من الحيوانات الأليفة بصورة الفوبيا أو غيرها هي مخاوف إنفعالية ترجع إلى طبيعة المراحل الطفلية بتخيلاتها البالغة بالقوة والجموح والبعد عن حقيقتها في الواقع.

إن فاعلية الطاقة تبرز وتظهر في سلطة اللغة والكلمات والفعل الذي كونه صاحبه من الرمزية في الطفولة والتي أدركها كمتخيل ونسج حولها صورته التي بنى بها نفسه، ولا نغالي كثيرًا حينما نقول هي إخفاء السبب النفسي الحقيقي عن مسار هذه الطاقة وتكونها في الأساس لغرض تحقيق الرغبة.

إن الطاقة النفسية التي يمارس بها أي منا في حياته اليومية هي في الأساس تأخذ طابع الفقدان منذ الطفولة، أخذت مسار يناسب شخصية كلٌ منا ونظل نبحث عن تحقيق الرغبة، وحتى لو حققنا رغبتنا، لا نتوقف، ولا تنتهي هذه الرغبات، هي النفس في مسعاها لا تشبع. وترى " نيفين زيور" فالفنان في عمله يعبر عن تدفق من اللذة من شأنها أن توائم له الأشياء ولكن إلى حين، وتقول أيضًا أكبر الظن أن تكون جملة – فعل الفنان ذات قدرة كبيرة على الإعلاء . وهي جزء من الطاقة التي تم توجيهها إلى فعل وسلوك مقبول اجتماعيُا. وعلى النقيض من ذلك فإن التحليل النفسي كشف النقاب عن الرغبات الخفية لجنس منحرف التي تدفعها طاقة جياشة، هذه الطاقة النفسية التي لا تدرك أي معنى للثقافة، أو القيم الاجتماعية. أو الطاقة التي توجه إلى العدوانية وسلوك العنف وابرزها السادية والمازوخية، وكلاهما مرتبط بالجنس في أغلبه، وتدل السادية على انها انحراف ينحصر في استمداد اللذة الجنسية مما يلحق الغير من ألم بدني، والشخص الذي يقع عليه هذا الألم قد يكون من نفس الجنس الذي ينتمي إليه السادي، أو قد يكون طفلا أو حيوانًا، وفقًا لارتباط الانحراف بالجنسية المثلية، أو عشق الأطفال كما يرى ذلك فرويد.

إن عالمنا اليوم لم يجد أفراده في تصريف الطاقة النفسية منفذًا مقبول اجتماعيًا إلا في سلوك التعصب بكل أشكاله الرياضي، الديني والمذهبي، الجغرافي والانتماء القبلي والعشائري، السياسي، الاجتماعي، عالم الأليكترونيات ومواقع التواصل الاجتماعي حيث تظهر أعلى سمات العدوانية في السلوك، أو إظهار الدوافع الغريزية الجنسية وقول فرويد هذه الغرائز والنزعات الجنسية هي الممثل النفسي للمنبهات التي تصدر عن الكائن العضوي وتتغلغل في النفس وهي في الآن ذاته مقياس للمطالب التي تفرضها على الطاقة النفسية صلة النفس بالبدن، ونقول إنها الاستعراض الجسدي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويضيف فرويد حينما يتناول الغرائز من وجهات نظر ثلاث : فهو يفترض أن لكل غريزة مصدرًا يمدها بالطاقة الضرورية، وأن لها موضوعًا تتجه إليه لغرض الإشباع وهدفًا يحقق لها هذا الإشباع. ونقول أخيرًا ان الطاقة النفسية لدى الإنسان تأخذ المسار الذي بنيت عليه " البنية" بمختلف أنواعها، التي تتجه لاشباع الرغبات العلمية والمهنية والحرفية والفنية والاجتماعية والرياضية والفكرية والأدبية والجنسية المنحرفة وغيرها، فكل تلك تحركها الطاقة النفسية أولًا وأخيرًا.

***

د. اسعد الامارة

في المثقف اليوم