عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أكرم عثمان: المعلم الذي يصنع القادة لا المتلقين

حين تتحول الحصة إلى رحلة لاكتشاف كنوز الطلبة

لم يعد دور المعلم في القرن الحادي والعشرين مقتصراً على نقل المعرفة أو شرح المحتوى الدراسي، بل أصبح رسالة تربوية وإنسانية عميقة، تقوم على قيادة الطلبة أثناء التعلم، وتمكينهم من اكتشاف قدراتهم، وإطلاق طاقاتهم، وبناء شخصياتهم. فالمعلم الحقيقي هو الذي يتحول من ناقل للمعلومات إلى ميسر للتعلم، ومن مصدر وحيد للمعرفة إلى داعم ومرشد وشريك أصيل في رحلة بناء الإنسان.

إن قيمة المعلم لا تقاس بكمية المعلومات التي يقدمها، وإنما بقدرته على إبراز أفضل ما لدى طلبته، واكتشاف مواطن القوة في كل واحد منهم، وتوجيهها نحو التعلم النافع والعمل المنتج. فهو يؤمن بأن لكل طالب قدرات فريدة ومتنوعة، وأن نجاح العملية التعليمية يبدأ من احترام هذه الفروق الفردية، لا من محاولة صهر الجميع في قالب واحد وبوتفة واحدة.

ومن هنا، فإن العدالة داخل الصف لا تعني معاملة جميع الطلبة بالطريقة نفسها، وإنما تعني منح كل طالب ما يحتاج إليه لينجح وفق إمكاناته وقدراته. الخلاقة التي وهبة الله سبحانه وتعالى بها، وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (سورة البقرة، الآية 286). وهذه الآية تؤسس لمبدأ تربوي عظيم، مفاده أن مراعاة قدرات الأفراد وطاقاتهم هي جوهر العدل والإنصاف.

إن المعلم الذي يقود التعلم لا يفرض أساليبه بصورة قسرية أو تسلطية، ولا يمارس نفوذه من خلال الهيمنة أو استعراض مكانته، بل يخلق بيئة صفية جاذبة ومحفزة يشعر فيها الطلبة بالأمان النفسي، والاحترام، والانتماء، ويمنحهم مساحة للتفكير، والتجريب، والحوار والنقاش، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية. فكل طالب حالة إنسانية فريدة ومتفلردة، ولكل واحد طريقته الخاصة في التعلم، والتعبير، والتفكير والإبداع.

وتزداد قيمة المعلم حين ينجح في بناء دافعية الطلبة وتحفيزهم نحو العلم والتعلم، فيجعل المعرفة تجربة ممتعةومرحة وليست عبئاً أو مهمة ثقيلة غير محببة، ويحول الدرس إلى مساحة للاستكشاف، لا إلى جلسة للتلقين أو الحفظ دون فهم أو تجريب. فالطلبة يتعلمون بصورة أعمق عندما يسهمون في أن يشاركون، ويجربون، ويناقشون، ويخطئون، ويعيدون المحاولة لا يكلون أو يملون، أكثر مما يتعلمون عندما يكتفون بالاستماع والحفظ.

ومن أبرز الأدوات التي تحقق هذا التحول توظيف استراتيجيات التعلم النشط، مثل الحوار والمناقشة، والعصف الذهني، والتعلم التعاوني، والاستقصاء، وحل المشكلات، ودراسة الحالة، والتجريب العملي، وربط التعلم بواقع حياة الطلبة واحتياجاتهم ورغباتهم. كما أن للقصة الواقعية أثراً بالغاً في جذب الانتباه، وإثارة الفضول، وترسيخ المعاني، لأنها تخاطب العقل والقلب معاً، فذلك يسهم في تحقيق تكامل عمل شقي الدماغ؛ الأيمن، المسؤول عن الإبداع والخيال والجانب الوجداني والعاطفي، والأيسر، المسؤول عن المنطق والتحليل والاستكشاف، بما يحقق توازنا ًفي التفكير ويعزز جودة التعلم .

ولا يقتصر دور المعلم على إدارة الأنشطة، بل يمتد إلى تنمية الشغف بالعلم، وغرس حب المعرفة، وربط ما يتعلمه الطلبة بحياتهم ومستقبلهم. فعندما يدرك الطالب قيمة ما يتعلمه، ويشعر بأنه قادر على النجاح، تتحول الدافعية من استجابة خارجية إلى رغبة شعورية داخلية تقوده نحو التعلم المستمر والاستدامة في النمو والتطور والبناء.

إن الإيمان الحقيقي بقدرات الأطفال هو نقطة البداية في كل نجاح تربوي. فداخل كل طالب طاقات وإمكانات قد لا تظهر للعيان أو يدركها الجميع، لكنها تنتظر معلماً مؤمناً بها، يمتلكالعقل الواعي والبصيرة المدركة قبل الخبرة والممارسات العلمية والتربوية، ويعرف كيف يستخرج الكنوز الكامنة والدفينة، ويمنحها الفرصة لتتألق وتنجح ويظهر وهجها ولمعانها للواقع المعاش في حياة الطلبة. فالمعلم المتميز لا يصنع طلبة يحفظون المعلومات، بل يصنع إنساناً يفكر، ويبدع، ويقود، ويؤثر ويصنع التغيير المبني على أسس علمية ومعرفية.

وفي النهاية، فإن المدرسة التي تضع الطالب في قلب العملية التعليمية، ويقودها معلم يؤمن بالإنسان قبل المنهاج، هي المدرسة القادرة على صناعة المستقبل. ورفدة بكل الطاقات الكفلية بقيادته والإمساك بعناصر التفوق والتميز، فكل حصة دراسية يمكن أن تكون فرصة لاكتشاف موهبة، أو بناء قيمة أو مهارة، أو إشعال شغف ورغبة في العلم والتعلم، أو تغيير مسار حياة طالب. وهذه هي الرسالة الحقيقية للتعليم؛ أن نبني الإنسان قبل أن نملأ عقله بالمعلومات ونحشو عقله بها، وأن نصنع قادة للحياة، لا مجرد حافظين للمعرفة.

***

د. أكرم عثمان

16-7-2026

في المثقف اليوم