قضايا

مصطفى غَلْمان: الإعلام الرقمي وتحولات الهوية

يشهد العالم تحوّلا عميقا في أنماط إنتاج المعنى وتداوله، نتيجة الانتقال من المجال الاتصالي التقليدي إلى الفضاء الرقمي الشبكي. هذا التحول لم يقتصر على تطوير أدوات التواصل، بل مسّ البنية الرمزية التي تتشكل ضمنها الهوية الفردية والجماعية. فالإنسان المعاصر يعيش في بيئة رقمية كثيفة، تتقاطع فيها الصور واللغات والخطابات، وتُعاد فيها صياغة الانتماءات بصورة مستمرة. من هنا تبرز الحاجة إلى مساءلة فلسفية ومعرفية لطبيعة التأثير الذي يمارسه الإعلام الرقمي في تشكيل الهوية، ولموقع الفاعل الثقافي داخل هذه السيرورة المتسارعة.

الهوية مفهوم ديناميكي يرتبط بالذاكرة واللغة والرموز وأنماط العيش المشتركة. كانت تتشكل تاريخيا عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية مثل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية. أما اليوم فقد دخل فاعل جديد بقوة في عملية التنشئة: المنصات الرقمية.

في البيئة الشبكية، تتعرض الهوية إلى ما يمكن تسميته بـ"السيولة الرمزية". فالمحتوى العابر للحدود وسرعة التداول والاتصال الدائم، كلها عوامل تجعل الانتماء أقل استقرارا وأكثر قابلية لإعادة التكوين. لم تعد الهوية تُبنى في إطار جغرافي محدد، بل ضمن فضاء افتراضي متعدد المرجعيات.

هذا التحول أفرز نمطا من الهوية المركّبة، تتداخل فيها العناصر المحلية والعالمية، ويتجاور فيها التراثي مع الحداثي في لحظة واحدة. غير أن هذا التركيب لا يخلو من توترات، خاصة عندما تتراجع المرجعيات العميقة لصالح أنماط استهلاكية سريعة.

على مستوى التأثيرات البنيوية للإعلام الرقمي في تشكيل الهوية، من الضروري الحديث عن ثلاثة اعتبارات: الأول يتعلق بتحولات اللغة والمعنى. اللغة، باعتبارها الحامل الأول للهوية، عرفت تغيرات ملموسة في الفضاء الرقمي. هيمنة الصورة، والرموز التعبيرية، والاختزال اللغوي، أدت إلى اقتصاد في التعبير. هذا الاقتصاد يحمل بعدين متناقضين: من جهة، يتيح مرونة وابتكارا في التواصل. ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى تراجع العمق الدلالي والتأمل النقدي. كما أن هيمنة لغات عالمية في المنصات الكبرى تؤثر في أنماط التعبير المحلي، ما يطرح سؤال التوازن بين الانفتاح والحفاظ على الخصوصية اللغوية.

الاعتبار الثاني، إعادة تشكيل القيم والسلوك، حيث تعمل الخوارزميات على توجيه الاهتمام من خلال ترشيح المحتوى بناءً على التفاعل والانتشار. فينتج عن ذلك إعادة ترتيب ضمنية لسلم القيم، حيث تتقدم عناصر الإثارة والسرعة والاختزال على حساب العمق والرصانة. تتشكل معايير جديدة للنجاح والاعتراف، ترتبط بالحضور الرقمي وعدد المتابعين، ما يؤثر في تمثلات الذات وتقديرها.

أما الثالث والأخير فيرتبط بتحولات الانتماء والوعي الجمعي، على أساس أن الفضاء الرقمي ينتج جماعات افتراضية عابرة للجغرافيا، تقوم على الاهتمام المشترك أكثر من الارتباط المكاني. هذا النمط يعزز الانفتاح والتعدد، غير أنه قد يضعف الروابط التقليدية إذا لم يُواكَب بوعي نقدي. كما أن سرعة انتشار الخطابات قد تخلق وعياً جمعياً آنياً، يتأثر بالموجات الإعلامية أكثر من التأمل المستدام.

ومن أبرز التحديات التي تطرحها البيئة الرقمية، تسليع الهوية وتحويل الرموز الثقافية إلى محتوى استهلاكي خاضع لمنطق السوق الرقمي. والهيمنة الخوارزمية، حيث تتحكم أنظمة تقنية في ترتيب المعرفة وإبرازها، بما يؤثر في تشكيل الرأي والذوق. بالإضافة إلى تآكل المرجعيات العميقة نتيجة هيمنة الإيقاع السريع والمحتوى اللحظي. وهذه المخاطر لا تعني حتمية الانحلال الثقافي، لكنها تستدعي يقظة فكرية ومؤسساتية.

وتُعدّ التربية الإعلامية ركيزة أساسية لتمكين الأفراد من فهم آليات المنصات، وكيفية اشتغال الخوارزميات، وطرق التحقق من المعلومات. والوعي هنا ليس مجرد معرفة تقنية، بل قدرة على القراءة النقدية للمحتوى. على أن إدماج التراث في البيئة الرقمية يحوله إلى عنصر فاعل في التداول المعاصر. توثيق المخزون الثقافي، وإتاحته بوسائط جذابة، يضمن حضوره في الفضاء العام ويمنع اختزاله أو تشويهه. كما تصير الحاجة ملحة إلى تعزيز المحتوى العلمي والثقافي باللغة الوطنية، وتشجيع البحث والإبداع الرقمي، ما يسهم في تحقيق توازن بين العالمية والخصوصية.

وفي هذا الإطار يتطلب الأمر استراتيجيات وطنية تدمج البعد التكنولوجي بالبعد الثقافي، وتربط بين التحول الرقمي والسيادة الرمزية. فالمسألة لا تتعلق بموقف دفاعي من التكنولوجيا، بل بإعادة تعريف العلاقة معها. الإعلام الرقمي مجال مفتوح لإنتاج المعنى، ويمكن أن يكون فضاءً لتعزيز التنوع الثقافي بقدر ما قد يهدده. يتوقف ذلك على مستوى الوعي الفردي، وعلى قدرة المؤسسات على مواكبة التحول. فالهوية في العصر الرقمي ليست معطى منغلقاً، بل مشروعاً مستمراً يتطلب مشاركة واعية. إنّ القدرة على الجمع بين الانفتاح العالمي والتجذر المحلي تمثل الرهان الحقيقي.

تعيش الهوية اليوم مرحلة إعادة تشكيل عميقة تحت تأثير الإعلام الرقمي، حيث تتقاطع التكنولوجيا بالثقافة، والاقتصاد بالرمز، والفرد بالجماعة. التحدي المطروح لا يتمثل في إيقاف هذا التحول، بل في توجيهه بما يحفظ التوازن بين التطور التقني والاستمرارية الثقافية. إن بناء وعي نقدي، وتعزيز الحضور الثقافي في الفضاء الرقمي، يمثلان المدخل الأساس لصون الهوية في زمن الشبكات.

***

د. مصطفى غَلْمان

 

في المثقف اليوم