عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد السلام فاروق: موسى وفرعون.. جدلية التاريخ والإيمان بين الوثيقة والحجر

لا يزال سؤال من هو فرعون موسى؟ شوكة مغروسة في حلق الزمن، عالقاً بين شفاه التاريخ وأسنة المعاول؟

  سؤال يتردد صداه في جنبات وادي النيل، حيث تهمس الرياح فوق كثبان الدلتا الشرقية بأسماء ملوك طواهم النسيان. نسأل، وتسألون، وكأننا نترقب فارساً قادماً من أقصى الأفق على صهوة جواد جامح، يحمل في يمينه يقيناً لا يتطرق إليه الشك. ولكن ما أعصى اليقين على المنال في أرض طالما مزجت بين طمي الواقع وذهب الأسطورة! إننا ننبش التراب، ونفتش النصوص، ونقلب ذاكرة البشرية المرهَقة، باحثين عن حقيقة يلاحقها الشك من كل حدب وصوب.

ولماذا هذا الإصرار العجيب؟ لأن العقل البشري، في سعيه الدؤوب نحو الحقيقة، لا يطيق الفراغ، لا يطيق أن تظل القصة التي صاغت ضمير أمم بأسرها، قصة النبي والطاغية، معلقة في فراغ كوني بلا سند يلمس باليد أو تبصره العين. نريد، بكل ما أوتينا من شغف بالتاريخ، أن نقف على بقعة محددة ونقول هنا مشى موسى، هنا وقف يخاطب إلهه، وعلى هذه الرمال ذاتها جرفت المياه جثة الطاغية وجنده. إنه التوق الإنساني الأزلي لتحويل الرمز إلى جسد نبض يوماً، والإيمان إلى شهادة ترى وتشاهد، والغيب إلى أثر قابع في واجهة متحف.

في خضم هذا التوق الجمعي للتصديق بالعين، يطل علينا عالم الآثار المصري والوزير الأسبق، الدكتور ممدوح الدماطي، قادماً من صميم المؤسسة التي طالما أصرت على أن الفراعنة أجداد عظام، وأن سيرة نبي الله موسى، إن وجدت، فقد رحلت دون أن تترك في أرض مصر شاهداً يعتد به. يضع الدماطي بين أيدينا كتابه الموسوم: "موسى عليه السلام وخروج بني إسرائيل من مصر"، وهو عمل يخالف التيار السائد ويعانده، لا انطلاقاً من يقين النصوص الدينية فحسب، بل من تراب الأرض ذاته. إنه ينطق الجماد، فيستجوب بقايا المدن المندثرة، واللقى الأثرية الصامتة، والتماثيل المكسورة التي تحكي من الملاحم ما لم يسطر في سفر.

الطاغية في مرآة التاريخ

في بحثه المتأني، يرشح الدماطي رمسيس الثاني ليكون الوجه الأقرب لوجه الطاغية الذي خلده القرآن الكريم. لقد حكم هذا الملك ستة وستين عاماً، لم يعرف وادي النيل فيها وجهاً لسيد غيره. كان بانيًا حد الإدمان، شيد حتى بلغ به العمران حدًا يجاور الجنون المقدس. نقش اسمه على كل حجر ناطق وصامت، وملأ الدنيا تماثيل ضخمة، كأنما أراد أن يزاحم الآلهة في معابدها، وأن يجعل من نفسه، في وعي رعاياه، إلهاً حياً يعبد. أوليس هذا هو جوهر العبارة القرآنية الخالدة: "أنا ربكم الأعلى"؟ إن جسده المحنط، الذي يرقد اليوم في بهو المتحف القومي للحضارة المصرية، يتحدى الزمن الذي هزمه، ويتحدانا نحن في عجزنا عن فك شفرة صمته الأبدي.

وهنا، يفتح الدماطي، بجرأة العالم الذي لا يخشى العواصف الفكرية، صندوقاً لا يغلق بعد فتحه: إنه صندوق المصالحة المستحيلة بين مستويين قلما يلتقيان في فكر إنسان؛ مستوى الحقيقة المطلقة كما تجلت في الوحي، ومستوى الحقيقة النسبية كما تستنطق من بردية صفراء أو نقش على جدار معبد.

فخ التاريخ!

في لحظة التلاقي المبهِرة بين النص واللقية الأثرية، يبرز مأزق منهجي عميق. إن النص المقدس، في جوهره، لا يهتم بالتاريخ كما يهتم به المؤرخ المحترف. غايته الكبرى هي العِبرة، والآية، والنموذج الإنساني الخالد. إن فرعون القرآن الكريم ليس شخصاً واحداً محدد الملامح بقدر ما هو فكرةٌ تجسدت في جسد بشري إنه الطغيان المتأله، والكبرياء التي تعمي القلوب. قد يكون هذا الفرعون رمسيس الثاني، وقد يكون غيره، أو قد يكون خلاصة متكثرة لعصور من الاستبداد. القارئ المتدبر لا يحتاج إلى رقم الملك في سلالة الحكام، بل يحتاج أن يستقر في وجدانه أن هذا المصير الأسود ينتظر كل طاغية في كل زمان ومكان.

لكن محاولة إثبات أن رمسيس الثاني هو فرعون موسى بالذات، برغم ما تنطوي عليه من نوايا صادقة، تثير تساؤلات حول خطر تحويل النص المقدس من نص مفتوح على تأويلات تثري الروح الإنسانية، إلى نص تاريخي مغلق على حقيقة واحدة قابلة للإثبات أو النفي. وهذا تأويل خطير، لأنه يجعل من الإيمان قضية أثرية قد تثبت بأدلة جديدة، أو تنهار إذا ما سطعت شمس الحقيقة من ناحية أخرى. فلو ثبت غداً، بما لا يدع مجالاً للشك، أن رمسيس الثاني ليس هو فرعون الخروج، فماذا يحدث لوشيجة الإيمان؟ إن ربط المطلق بالنسبي هو الفخ الأول الذي نصطاده جميعاً حين نخلط بين عالم الغيب وعالم الشهادة.

فخ الانتقائية!

وثمة مأزق آخر لا يقل خطورة، وهو فخ الانتقائية المنهجية. فالدكتور الدماطي، بوصفه عالم آثار، يأخذ من التوراة ما يوافق فرضيته ويرفض منها ما يعترض سبيلها. إنه يستند إلى الرواية التوراتية في تفاصيل جغرافية الخروج ومحطاته، فيضفي عليها مصداقية تاريخية، لكنه حين تذكر التوراة فرعونين يرفض ذلك رفضاً قاطعاً استناداً إلى النص القرآني. فلماذا نصدق النص نفسه هنا ونكذبه هناك؟ إن هذا الانتقاء المريح يأخذ من النصوص ما يخدم الفرضية ويقصي ما يربكها.

والقرآن الكريم ذاته، أليس في منهجه في تناول التاريخ ما ينبهنا بوضوح إلى أنه ليس كتاب تاريخ بالمعنى الأكاديمي؟ إن القصة القرآنية تروى مقطّعة، موزعة على سور متعددة، لا تلتزم بتسلسل زمني صارم. وهذا ليس إهمالاً، بل هو إشارة بليغة إلى أن المقصود ليس التسلسل الزمني، بل المعنى العميق والدلالة الخالدة. لكن عالم الآثار، بحكم تكوينه الدقيق المنضبط، يريد أن يمسك بالشيء مادياً، أن يقول لنا بثقة هذا هو المكان بعينه، وهذا هو الرجل بعينه. إنه يشبه، في هذا المسار، من ظنوا قبل قرن أن العثور على بقايا مدن سهلية يعني صحةً حرفيةً لا تقبل الجدل. المشكلة أن المعول لا يثبت الإيمان، كما أنه لا ينفيه؛ إنه يثبت أحداثاً، لكنه لا يثبت أن هذه الأحداث هي تلك الأحداث بعينها.

 آية من لحم وذهب

يقدم الدماطي صورة آسرة لرمسيس الثاني الملك الذي حكم طويلاً حتى تصور أن الزمان ملك يمينه. الملك الذي بنى مدينة "بر-رعمسيس" العظيمة في شرق الدلتا، حيث يحتمل أن بني إسرائيل قد سكنوا وعملوا وشقوا في بناء مخازنها. هذا الملك الذي حنط جسده بحنكة بالغة، طلباً لخلود مادي يتحدى به فناء الجسد، إذا بجثته تتنقل اليوم بين المتاحف، عارية من كل عظمة، محاطة بحراس وفضول الزائرين، بعد أن كان يحوطه آلاف الكهنة. هنا تكمن المفارقة البليغة؛ لم يغرق رمسيس الثاني بحسب الفحوص الطبية، لكن جثته صارت آية من نوع آخر؛ آية على زوال الملك كأن لم يكن، وشاهداً صامتاً على هشاشة الجبروت البشري. إنها آية تقول بلسان الحال انظروا ماذا فعل الزمن بإله الأمس!

لكن هل تكفي هذه المقاربة الرمزية لإثبات فرضية تاريخية صارمة؟ إن صوت المؤرخ الصارم يعلو هنا ليقول كلا. المؤرخ يريد وثيقة بردية تقول بوضوح: "جاءني رجل اسمه موسى، فرفضت، فحلت بي اللعنة". لا توجد مثل هذه الوثيقة، وليس بين عشرات الآلاف من البرديات والنقوش التي خلفها عصر الرعامسة ما يذكر بني إسرائيل كجماعة خرجت من مصر. هذا صمت أثري مطبق، عميق كعمق المقابر الملكية، لا يمكن تفسيره بسهولة. هل طمست ذكرى الحدث عمداً؟

في البحث عن فرعون

يصر الدماطي على أن موسى عاصر فرعوناً واحداً. لكن قصة موسى، منذ طفولته في القصر وحتى عودته نبياً مرسلاً، تمتد على مسافة زمنية شاسعة تكفي لتعاقب عدة ملوك على عرش مصر. إن قرار قتل الذكور قد يكون سياسة دولة ثابتة عبر عهدين أو أكثر. يقدم لنا الدماطي رمسيس الثاني بحكمه الطويل الذي استوعب القصة كلها، لكن التاريخ المصري يعرف ملوكاً آخرين حكموا طويلاً، مثل تحتمس الثالث وبيبي الثاني. لماذا لا يكون أحدهما هو المرشح؟ الإجابة الجاهزة هي البناء في شرق الدلتا، وهو جواب أثري مقنع، لكنه ليس حاسماً، فمدن شرق الدلتا بنيت وهجرت عبر عصور.

البحر الذي انشق: بين الإعجاز الإلهي وتفسير الطبيعة

ثم هناك مشكلة البحر. إن الدماطي يحاول أن يعقلن المعجزة، متحدثاً عن جغرافية المنطقة حيث المياه ضحلة، وحيث المد والجزر يصنعان العجائب أحياناً. إنه يحاول أن يجعل الحدث مقنعاً للعقل الحديث، لكنه بهذا يقع في مأزق مزدوج؛ فالمؤمن سيقول له إنك تجرد المعجزة من معناها الفريد، واللاديني سيقول إنك تختلق تفسيرات واهية. الحقيقة أن البحر لم ينشق في التاريخ كما ينشق في النص المقدس؛ البحر انشق في الوجدان الجمعي، في ذاكرة أمة وجدت في هذه القصة هويتها. إن محاولة تفسير انشقاق البحر علمياً تشبه عملية تشريح لقصيدة عظيمة ستجد الكلمات والحروف، لكنك لن تجد الروح التي سكنت القصيدة وأحيتها.

ورغم هذه الإشكاليات، تظل للكتاب قيمته الكبرى. قيمته في أنه أخرج النقاش من الدوائر المغلقة، دائرة نقاش ديني مغلق، ودائرة نقاش تشكيكي لا يرى في النص إلا الأسطورة. لقد جاءنا الدماطي من موقع مركب ونادر هو موقع العالم الذي يؤمن، والمؤمن الذي يعلم. وهذا الموقع الوسطي الجسور يستحق منا التأمل والاحترام العميق، حتى وإن اختلفنا معه في بعض استنتاجاته.

 الأطلال الصامتة

ولعل أبلغ ما في الكتاب هو ربطة بين قصة الخروج ومصير "بر-رعمسيس" ذاتها. هذه المدينة التي بناها أعظم الفراعنة، وصارت عاصمة الإمبراطورية ومركز ثقلها، تحولت بعد قرون إلى تلال من الخرائب والوحل، يجهل الفلاحون موقعها ويزرعون فوق أسوارها المندثرة وهم لا يعلمون أن تحت أقدامهم عرش أعظم فرعون. هذه هي العِبرة الحقيقية التي لا تحتاج إلى دليل أثري، كل شيء يزول. كل قصر يصير تراباً يداس، وكل تاج يصير ذكرى باهتة. إنها شهادة التاريخ الصامتة على أن الظلم لا يدوم، وأن للحق دورة لا تخطئ.

وهكذا، يظل كتاب الدكتور ممدوح الدماطي، في نهاية المطاف، وثيقة فريدة من نوعها. إنه محاولة شجاعة لردم الهوة بين السماء والأرض، بين نور الإيمان المطلق ومصباح العلم النسبي، يكتبها رجل من صميم ضفة النيل، ليقدمها إلى ضمير الإنسانية جمعاء.

***

د. عبد السلام فاروق