قضايا
وسام حسين العبيدي: من السياسي إلى "صانع محتوى".. تأملات في انحدار الخطاب العام
بدءًا علينا أن نقرَّ ببدهية تقول بمقتضى الحال لا المقال، أنه لا شيء بقي على وضعه، فكل ظاهرة اجتماعية أو غيرها من المجالات التي تنتمي إليها هذه الظاهرة أو تلك، لا تبقى على حالها، فالتعليم أو التسويق أو غير ذلك من عادات وتقاليد وممارسات، تطرأ عليها كثير من المتغيرات، سواء في طريقة الطرح، أو في بعض التفاصيل التي تشكّلها، أو غير ذلك، بمعنى أنه لا يمكن بحال أن ننظر إلى ظاهرةٍ ما يمكن أن توجد في عصريه مختلفين، بمستوىً واحد من الطرح وكيفية واحدة ، إذ لا بد أن نشهد اختلافات في الظاهرة الواحدة بالنسبة لخصوصية كل زمن من الأزمان الذي انطلقت من رحمه تلك الظاهرة/ العادة/ التقليد ..الخ
وهنا إذا أردنا الحديث بخصوص المشهد السياسي، فقد تجد تمثلاته بخصوص هذا التحوّل أو التبدّل واضحاً للعيان من دون بذل مزيد من التأمل، فما عليك وانت تطالع عن سيرة رجال السياسة قبل خمسين سنة أو أقل، وتقارن بينهم وبين المتصدّين منهم حاليا للشأن السياسي، ستجد نفسك إزاء فروقات كبيرة يتصل بعضها بالمؤهلات التي توفّرت لذلك السياسي حتى صار يتبوّأ هذا المنصب أو تلك السلطة، ويتصل بعضها بالكارزما الشخصية التي يحظى بها ذلك السياسي ويفتقر إليها كل الافتقار هذا السياسي الذي صار – بقدرة قادر – سياسيا يجوب القنوات الفضائية أو غير ذلك من وسائل الإعلام، وغير ذلك من أمور كثيرة..
هذا التحوّل وإن كان خفيًّا – أو غير ملفت - لكنه عميق الأثر، إذ أخذ يتسلل إلى بنية الخطاب السياسي المعاصر، حتى كاد يبدّل معناه ووظيفته معًا. فلم يعد السياسي - في بعض صوره - ذلك الذي ينشغل ببناء الرؤية وصياغة المشروع، بل غدا أقرب إلى “صانع المحتوى” اليومي، يقيس حضوره بمدى التفاعل، ويستمد قيمته من سرعة الانتشار. وهنا، لا يكون القول موجّهًا إلى العقل بقدر ما يُلقي أهميةً إلى الانفعال، ولا تُبنى الفكرة بقدر ما تُستثار الغريزة.
إن من يرصد ممثلي هذه الظاهرة، سيلحظ في خطاب هذه الفئة من السياسيين، أنه يقوم على ثلاثية مقلقة: تبسيط مُخلّ، واستثارة مقصودة، وإدامة للتوتر. فاللغة تُختزل حتى تفقد دقتها، لتغدو أقرب إلى شعارات سريعة الاستهلاك، والخصومة تُضخّم حتى تتحول إلى مادة جاهزة للتعبئة، والجمهور يُستبقى في حالة يقظة انفعالية لا تهدأ. وكأن الخطاب لم يعد يسعى إلى الإقناع، بل إلى التحشيد؛ ولا يهدف إلى التبصير، بل إلى الاصطفاف.
ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه يُعيد تشكيل العلاقة بين السياسي وجمهوره. ففي النموذج الكلاسيكي، كان السياسي يُفترض أن يرتفع بالوعي العام، أو- على الأقل - يسعى إلى ترشيده. أما اليوم، فإن بعضهم ينحدر إلى مستوى المزاج السائد، لا ليعالجه، بل ليستثمر فيه. يقرأ ما يريده الجمهور، ثم يعيد إنتاجه بجرعة أعلى من الإثارة، فيدخل الطرفان في حلقة مفرغة: جمهور يطلب المزيد من الانفعال، وسياسي يقدّمه دون تردّد.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على بيئة بعينها؛ ففي الغرب، يمكن أن نجد نماذج لسياسيين أتقنوا توظيف المنصات الرقمية لإثارة الجدل واستدامة الحضور، كما في تجربة Donald Trump، حيث يغدو الخطاب أداةً للاستفزاز المنتج للتفاعل، وتتحول العبارة السياسية إلى حدثٍ إعلامي قائم بذاته. وفي المقابل، لا تخلو الساحة العربية – والعراقية في ضمنها - من ممارسات مشابهة، وإن اختلفت السياقات، إذ يتحول الخطاب السياسي إلى وسيلة يومية لشحن الجمهور، بدل أن يكون أداة لتهدئة المجال العام وترشيده.
وهنا يتبدل معيار النجاح: لا تُقاس قيمة الخطاب بعمق فكرته، ولا بقدرته على تقديم حلول، بل بعدد الإعجابات – أو اللايكات - وسرعة الانتشار، وحجم الجدل الذي يثيره. ومع الزمن، تتآكل هيبة المعنى، ويغدو القول - مهما اشتدّ صخبه - أقرب إلى ضجيج عابر، يعلو سريعًا ثم يخبو، دون أن يترك أثرًا حقيقيًا في الواقع.
إن هذا النمط لا يكتفي بعكس الانقسام الاجتماعي، بل يسهم في تعميقه وتوسعته. فكل منشور مشحون بشتى النكهات: طائفية على قومية على عرقية، مع عبارة مستفزة، بما يُضيف طبقة جديدة إلى جدار الكراهية، حتى يصبح الخلاف - وهو أمر طبيعي - انقسامًا وجوديًا لا يقبل الجسر أو المراجعة. وبهذا، يتحول الفضاء العام إلى ساحة توتر دائم، تُستنزف فيها الطاقات، ويُغيَّب فيها التفكير الهادئ، أو المراجعة النقدية.
وليس من المبالغة القول إننا أمام انزياح من “السياسة بوصفها تدبيرًا” إلى “السياسة بوصفها استعراضًا”. ففي الأولى، يكون الفعل موجّهًا نحو الواقع، يسعى إلى تغييره أو تحسينه. أما في الثانية، فيكون موجّهًا نحو الجمهور، يهدف إلى التأثير فيه آنًا، ولو على حساب الحقيقة أو المصلحة العامة.
حقيقةً دائما ما أردد في نفسي سؤالا مفاده: لو عاد رجال السياسة من أجانب ومن عرب، ممن كان لهم شأنٌ قبل خمسين سنة أو اكثر، ورأوا هؤلاء الذين يمثلون السياسة في هذا العصر، ماذا ستكون ردة فعلهم، فمثلا لو عاد إلى الحياة كل من "هاري ترومان" أو "أيزنهاور" أو غيرهما من رؤساء الولايات المتحدة، وشاهدوا المعتوه "ترامب" وسياسته الرعناء ماذا سيقولون..؟! وهكذا الحال لو أعدنا هذا الافتراض في المشهد السياسي في غير امريكا من دول العالم الغربي، والعربي..!
غير أن المسؤولية في ذلك لا تقع على عاتق السياسي وحده. فالجمهور شريكٌ في صناعة هذا النموذج، حين يكافئ الخطاب الاستفزازي الباحث عن "الترند"، ويتغافل عن الخطاب الرصين الباحث عن الحلول للمشاكل لا إثارتها فحسب. فحيثما يكون التفاعل، يكون الإنتاج. وإذا ظلّ ميزان التلقي مختلًا، فلن يكون مستغربًا أن يستمر هذا النمط الهابط في التمدد، مستندًا إلى طلبٍ لا ينقطع.
ويبقى السؤال: هل العالم متّجه إلى خطاب سياسي سطحي يمثله من لا حصانة لهم ولا دراسة بالشأن السياسي، بل كل مؤهلاتهم ما يملكونه من أموال تجلب لهم السلطة، وجمهور يقتات على خطاب شعبوي غارق بالأنانية الحزبية أو التعنصر المذهبي أو القومي الذي لا يحقق عشر معشار ما يدعيه من وعود يمرِّرها على ذلك الجمهور..
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال، أحد ممثلي هذه الظاهرة، ممن سكن وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنه إعلامي أو ناشط أو "بلوگر" مشهور على الفيسبوك، لا تفتح الفيسبوك إلا وتجده أمامك، وكأنه لا شغل ولا عمل لديه في البرلمان العراقي الذي ترشّح لأجل أن يكون ممثلا عن جمهوره، ولكن مع ذلك أقول: ليس العتب عليه، بل على جمهوره، إذ الجمهور الواعي له أثره في اختيار النائب الواعي لدوره، والجمهور غير الواعي وإن أتيح له ممارسة ديمقراطية مثل الانتخابات، فهو لا يستفيد منها باختيار الافضل من بين الخيارات المطروحة، بل ينعكس اختياره لما يمثل مستواه الفكري المتواضع. وبتعبير أبي الطيب المتنبي حين علّل هذه الظاهرة بما له علاقة بالشأن الأدبي، ممن لم ينبهر بالشعر الجيد في معناه ومبناه، بقدر انبهاره بالرديء منه أو النمطي التقليدي في أفضل أحواله، بقوله:
وَكَم مِن عائِبٍ قَولاً صَحيحاً
وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ
*
وَلَكِن تَأخُذُ الآذانُ مِنهُ
عَلى قَدرِ القَرائِحِ وَالعُلومِ
***
د. وسام حسين العبيدي







