عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: حدود العقل وممكناته عند ابن خلدون (6)

في ضوء ما تقدم، نخلص إلى أن ابن خلدون كان صريحًا في نقده للمنطق وبيان حدوده، وهو بذلك يختلف عن أولئك الذين يعدّون المنطق علم التفكير الصحيح في كل الأمور، الدينية منها والدنيوية. ويحسن بنا أن نختم هذا النقد بقول ابن خلدون في علم المنطق:

«فهذا العلم، كما رأيته، غير وافٍ بمقاصدهم التي حاموا عليها، مع ما فيه من مخالفة للشرائع وظواهرها، وليس له فيما علمنا إلا ثمرة واحدة، وهي شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين».

وبهذه الحجج اعتقد ابن خلدون أنه نسف جميع التبريرات المطروحة للبحث في المعقولات الميتافيزيقية للعالم.

ومع كل تحفظ ممكن، ينبغي الاعتراف بأن ابن خلدون قد وضع إصبعه على أهم مشكلة في تاريخ المعرفة، وهي مشكلة العلاقة بين الفكر والواقع، أو مشكلة الحقيقة الموضوعية، التي صيغت في الفكر العربي الإسلامي على النحو الآتي:

«كيف يتطابق ما في الأذهان مع ما في الأعيان؟»

أي: كيف يمكن تثبيت العلاقة بين الذهني الكلي والمادي الحسي المشخَّص والحفاظ عليها؟

وإذ شكك ابن خلدون في مطابقة الذهني الكلي للواقعي الحسي الجزئي المتعين، فإنه شكك، في الوقت نفسه، في كل ما بنته الفلسفة النظرية التقليدية. ولعل من الطريف الإشارة إلى أن مشكلة الكليات تُعد من أبرز المشكلات الفلسفية الكبرى في الفكر الفلسفي المسيحي الوسيط؛ إذ انقسم الفلاسفة بشأنها إلى تيارين كبيرين: الاسميين والواقعيين. وكان السؤال الذي واجه الفلاسفة آنذاك هو: هل الأفكار المجردة مجرد أسماء، أم إنها حقائق واقعية؟

وفي هذا السياق جاءت محاولة ابن خلدون في نقده للعقل الخالص، والمنطق التصوري، والميتافيزيقا التقليدية، بهدف تنقية التصور الفكري في طبيعته ووظيفته المعرفية. فالتصور، من حيث هو مرتبط جدليًا بمقتضى الشمول العقلي وبالطابع الفردي للكائنات الطبيعية، لا يتمتع بأساس متين. كما أن القول بأن المقولات محمولات منطقية وأنطولوجية في الوقت نفسه، أو بأن الواقعي عقلي والعقلي واقعي، لا يزيل الغموض والاضطراب اللذين يحيطان بالتصور ويلازمانه على الدوام.

فابن خلدون يرفض أن تكون المجردات المنطقية موجودة وجودًا موضوعيًا، لكنه في الوقت نفسه يتمسك بإرادة فهم الواقع، متخذًا موقفًا نقديًا من الذات، والواقع، والتاريخ، والعقل ذاته. وهو بذلك لم يرفض إمكان المعرفة العقلية.

لذا ينبغي القول إن ابن خلدون، في نقده للمنطق التجريدي، لم يكن يهدف إلى هدم مبادئ الفكر أو دحض قواعد التفكير السليم، وإنما أراد وضع المنطق في موضعه الصحيح، بوصفه ليس سوى آلة، أو ميزان، أو نظام لتنظيم الفكر، لا لتحصيل المعرفة. ولذلك رفض أن يقبل به من دون فحص حدوده ووظيفته، مؤكدًا أن الفكر الطبيعي يستطيع الوصول إلى مطلوبه من المعرفة من غير توسط المنطق الصوري. لذا أشار إلى أن:

«فحول النظار في الخليقة يحصلون على المطلوب في العلوم دون صناعة المنطق».

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم