"انتبهوا، الوحش الذي بداخلكم ساكن، ينتظر الشرارة ليهجم".. الكاتب
تقديم: ليس المسخ كائنا من عالم آخر، إنه في داخلنا، إنه نحن حين نسلّم القيادة للجسد، حين نفقد القدرة على الحب والتفاهم والتعاطف، إن ما تبقى منا، من إنسانيتنا في عصر الحروب والظلم وتسليع الإنسان، يهدّد المسخ الذي بداخلنا وييسّر له أسباب الظهور والخروج، ليضمن مكانا في عالم فقد سيطرته على الأخلاق والقيم.
حين يصنع الإنسان مسخه، فهو لا يخلق كائناً مشوَّهاً بالضرورة، كالمسخ فرانكشتاين، أو مسخ الدكتور مورو، أو الجوليم، وحوشاً بمواصفات مرعبة، لأنه في ثقافتنا ومنطوقنا المسخ كائن مشوَّه، مرعب ومخيف، فالمسخ هنا، غالبا ما يُجسّد أسوأ ما في الإنسان ليُصبح مرآة لقبح الصانع حين تركبه الأهواء والحماقات والانتقام والكره، فيظهر على حقيقته التي تختبئُ وراء الوجه المسالم الذي يعرفه الناس به. فالمسخ لا يلد نفسه، ولا يولد من تلقاء نفسه، بل يخرج من رحم الخوف والغرور والظن بالقدرة على التحكّم، فيتجبَّر، «فهو ليس مجرد تغيير في الشكل، بل هو انعكاس مادّي للتّشوّه الدّاخلي الذي أحدثه المجتمع أو الخوف في روح الإنسان»، وقد يرتد على صانعه حين يشعر أنه ملك هامشا من الاستقلالية الوجودية. فالصانع لا ينقل المحاسن فقط، بل ينقل النزعات التدميرية الكامنة في اللاوعي البشري. فالوحش الرابض في ظلمات النفس يظهر ويختفي كالظل يُظهره بصيص من نور، فينزع إلى الدمار والكراهية، ويُخرج من الغضب المكبوت والمخاوف القديمة والأنانية وغرائز البقاء البدائية ما يجعله وحشاً مدمّراً.
يطفو المسخ أو الوحش على السطح عندما تضعف السيطرة الواعية للعقل، ويستنزف طاقاته النفسية والجسدية، وعندما تحيط به لحظات الخوف أو الخطر ويبتلع المهانات، يظهر المسخ ويتصرف بشراسة غير معهودة لحماية النفس أو للسيطرة على الآخر والمحيط، ويختفي المسخ، وهو هنا لا يموت لأنه جزء من التكوين البشري، لكنه ينام ويخضع للسيطرة حين يتصالح الإنسان مع نفسه ويفهم مخاوفه ونقاط ضعفه، أو حين لا تجد الغرائز الشرسة مبرّراً للظهور، لذا لا يمكن إنكاره أو قتله، بل ترويضه ليظهر، حين يطفو على السطح، أقل وحشية وأكثر تفكيراً واتزاناً.
عندما تتراكم الخسارات، وتصل النفس البشرية إلى الطريق المسدود حيث لا رجعة، وحين يضعف الشعور بالحرية والكرامة بسبب الإذلال والاستغلال والقمع والاحتقار، وحين لا يبقى من الإنسان إلا بقايا إنسان متهالك، أو ما يُشبه الإنسان، عندما يعجز العقل عن قولا "لا"، أو حين يخاف عواقب التمرد والمواجهة، في لحظات الضعف القصوى هاته، يظهر المسخ، وتتبدّى بوادر التّمرّد على السطح، ويَتَسلّم الجسد القيادة بدل العقل، فيفسخ العقود الإنسانية، ويختار شكله الذي به سيواجه خوفه وضُعفه، وينفجر المسخ ثائراً ضد جلاّديه، وهذا هو الثمن الذي يدفعه الإنسان المقهور ليحصل على حريته وكرامته.
وقد يظهر المسخ أيضا، عندما يريد الإنسان أن يتحدّى قدراته، ويخوض سباقاً محموماً للارتقاء بقواه المعرفية أو المادية إلى سقف القدرة المطلقة، فيأتي على القيم فيضربها، وعلى الأخضر فيجرفه ولا يُبقي شيئا، ويكتسي لحظة ضُعف الآخر، حين يتذلّلُ ولاءً، لباس السلطة والجاه والأنا، وينظر إلى ذاته كأنّه الأهم والأحق بالتبجيل، إذ في غمرة هذا الاعتداد والزّهو يظهر المسخ، ذاك الكيان الوحشي الذي ينبث من رحم السيطرة وحب السلطة واحتقار الآخر، فينزع عنه جوهره الإنساني، ويتحول إلى قوة متوحّشة تهدد من حولها.
كلّنا يحمل مسخه داخله، ليس شرّاً مطلقا ولا رغبة في الأذى، لكنه الجانب المظلم والخفي من النفس البشرية، التي يعجّ مستودعها بالرغبات والدوافع والأحقاد والغرائز التي تسكننا ونرفض الاعتراف بها، لأنّ المجتمع يحكم عليها بالسوء والرفض. لذا، فالوعي بوجود الوحش أو المسخ داخلنا، وأن الشر يحمل بذور فنائه داخله، هو أولى الخطوات لمنعه من السيطرة على أفعالنا أو التّسلل، في غفلة منّا، إلى تصرفاتنا الصغيرة واليومية، فالمسخ لا يملك ولاءً لنفسه، فهو دائماً، قاب قوسين من الظهور حين نتخلّى عن قيمنا الإنسانية، فيدمّر ما حوله ويدمّرنا في الآن نفسه. فالإنسان حين يصنع مسخه يصبح هو نفسه ضحية الوحش الذي أوجده، إذ تُسجن النفس داخل دائرة الشر فتُسحق، لأن الشر ليس طاقة بناء، بل طاقة استهلاك. «فمن يحارب الوحوش عليه أن يحذر لئلاّ يُصبح وحشا هو الآخر.» (نيتشه)
***
عبد الهادي عبد المطلب
الدار البيضاء ـ المغرب








