عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علي عمرون: أولمبياد الفلسفة.. قبس النار والمقال الفلسفي المغيّب

في زمن صارت فيه الكتابة الفلسفية لدى كثير من تلامذتنا أقرب إلى "طقس كهنوتي" اشبه بترانيم مكررة وشاحبة، تُقدَّم يوم الامتحان كقداس للتكفير عن خطيئة عدم التفكير وذنب تغيب السؤال. ترانيم حزينة عكست وتعكس أنين الحكمة الى اليوم، تُحفظ عن ظهر قلب وتُستظهر يوم الخلاص.

نعم المقالات التي نطلق عليها في اقسامنا اسم مقالات فلسفية ونتداولها اليوم تغيب عنها لذة الكتابة وتنعدم فيها الدهشة. انها تُثقل كاهل الروح وتُتعب الجسد لحظة تصحيحها وتقييمها، فهي لا تنبع من الداخل، ولا تصدر عن معاناة فكرية، ولا يحركها قلق سؤال. ولا صلة لها بجوهر الفعل الفلسفي الصادق والاصيل: ذلك الفعل المتفرد والمتمرّد تفكيرا وقولا وكتابة، كتمرّد بروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة، لقد اراد أن يمنح البشر، بتمرده على الرتابة والمألوف، نور المعرفة والدفء والحضارة.

تلك النار المحرقة المحركة والفاعلة، أوحت بالشعلة الأولمبية وولّدت عند أهل الحكمة وخاصتها ما سمي "أولمبياد الفلسفة الدولي" وهو فضاء وضّاءٌ بازغٌ، تتنافس فيه عقول طلاب الثانوية من أكثر من خمسين دولة، عقول تلاميذ مفكرة يتقاسمون دهشة السؤال وحرقته ويشتغلون على مدار أربعة ساعات على كتابة أجود المقالات الفلسفية وأعمقها وأكثرها أصالة.

هنا يكمن التوتر الذي ينطلق منه مقالنا هذا: من جهة نفور مما هو كائن من "كتابات استهلاكية استعراضية"، تجترّ المعلوم وتكرر الماضي، عاطلة عن الفعل ومعطّلة للفكر، ومن جهة أخرى انجذاب الى ما يجب أن تكون عليه الكتابة في أولمبياد الفلسفة، حيث المقال الفلسفي ليس ترفاً لغوياً ولا استعراضاً لمحفوظات، بل هو جواب مؤسَّس على سؤال يُفهم في بعده الإشكالي. إنه كالشعور: تيار متدفق، وتجربة فريدة، تعكس تفكير صاحبه في تماسكه وجرأته وأصالته. إنه أشبه بقبس من تلك النار المسروقة، نارٌ تحمل في داخلها دفء الحكمة ونورها الوضّاح.

هناك، في دورة 2025، تكررت مغامرة بروميثيوس: مقالات جريئة ومبدعة ومتمردة على المألوف، كتبها تلاميذ تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والعشرين، غاب عنها العرب. مقالات أصيلة كشفت عن صرامة التحليل وعمقه، ومهّدت، كسابقاتها، الطريق نحو دورة أولمبياد الفلسفة الدولي لعام 2026 -النسخة الرابعة والثلاثين- التي أقيمت في وارسو عاصمة بولندا، في الفترة من 14 إلى 17 ماي 2026.

وبين هاتين الدورتين، يعود السؤال الذي ظل يلازمني منذ مقالي الأول "أولمبياد الفلسفة.. تقليد لا يمارسه العرب" المنشور قبل خمس سنوات: لماذا يعجز عقل التلميذ العربي عن كتابة مقال فلسفي متميز ورصين، ليكون حاضراً في هذا المحفل العالمي؟ هل المشكلة في غياب القدرة المؤسسة لهذا الفعل، أم في مناهجنا الفلسفية ذاتها التي لا تزال أسيرة الحفظ والاستظهار؟ وهل عقل أستاذ الفلسفة عندنا قادر على الانفتاح على هذه النماذج، أم إنه "عقل لم يتصير عقل بعد"، بتعبير المرحوم البشير ربوح؟ وكيف ننتقل بالتلميذ العربي من كائن يخاف السؤال إلى كائن يقدّسه، فيمارس حقّه في سرقة نار المعرفة كما فعل بروميثيوس؟

المقالات الفائزة لعام 2026

دورة 2026 قدمت لنا مقالات استثنائية، يمكن قراءتها كمختبر حي لمعايير المقال الفلسفي المتميز شكلا ومضمونا، وكشفت عن نمطين رئيسيين من النجاح الفلسفي: النمط الجدلي النقدي المتوازن، والنمط التفكيكي الإبداعي.

- النوع الأول: النمط الجدلي النقدي المتوازن

يمثله مقالان: الأول لـ لويس إيمانويل غوميز غوزمان (المكسيك) حول الاختيار عند أرسطو، والثاني لـ أبينيشواري نارايانان (سنغافورة) حول اقتباس آيريس موردوخ للفيلسوفة والروائية الإنجليزية آيريس مردوخ (1919-1999): "نعيش في عالم خيالي، عالم أوهام والمهمة الكبرى في الحياة هي العثور على الواقع"

غوميز غوزمان تلميذ البكالوريا في التعليم الثانوي بالمكسيك أمسك بأطروحة أرسطو في "الأخلاق إلى نيقوماخوس" وفككها بدقة جراحية، انطلق من حجتين مؤيدتين قويتين (العقل يمنع الاندفاع، الشخصية ضرورة أخلاقية)، ثم انقلب عليها باستدعاء خصمين فلسفيين من الإرث الفلسفي الحديث والمعاصر: دافيد هيوم وفكرة العقل عبد للعواطف، والرغبة هي المحرك الأول للفعل والفيلسوف جون بول سارتر ومسلمة الحرية تسبق العقل، ونحن نختار أولاً ثم نبرر. وهو لا يروم من ذلك هدم فكرة أرسطو، بل ليصل إلى نتيجة مركبة ومتوازنة: أرسطو يصف "الفرد الأخلاقي المثالي"، لا السلوك البشري الفعلي في فوضويته.

العقل والرغبة والشخصية: دراسة نقدية لأرسطو حول الاختيار

لويس إيمانويل غوميز غوزمان (Luis Emanuel Gómez Guzmán) -المكسيك

سؤال ما الذي يميز الفعل البشري عن الحركة المجردة قد شغل الفلاسفة لقرون. يقدم أرسطو، في كتاب أخلاقيات نيقوماخوس، إجابة دقيقة: أصل الفعل هو الاختيار (prohairesis)، والاختيار نفسه ينشأ من الرغبة والتفكير الموجه نحو غاية. ثم يضيف شرطًا حاسمًا – لا يمكن أن يوجد الاختيار بدون كل من العقل والذهن وحالة أخلاقية. بمعنى آخر، يتطلب الفعل الجيد (ونقيضه) مزيجًا من الذهن والشخصية. أجد هذا الادعاء عميق الإلهام، لكنه غير كامل أيضًا. بينما أوافق على أن الاختيار يفترض العقل والتربية الأخلاقية، سأجادل بأن أرسطو يقلل من دور العاطفة وظاهرة ضعف الإرادة (akrasia)، والتي تعقد تركيبه الأنيق. للدفاع عن هذا الموقف، سأحلل أولاً التمييزات الرئيسية عند أرسطو، ثم أقدم حجتين مؤيدتين لرأيه، يلي ذلك حجتان مضادتان مستمدتان من ديفيد هيوم وجان بول سارتر، وأخيرًا أقدم خاتمة متوازنة.

يميز أرسطو بين السبب الكافي والسبب الغائي. السبب الكافي هو ما يحرك العملية؛ أما السبب الغائي فهو الغرض أو الغاية التي يُفعل من أجلها الشيء. هنا، يقول إن الاختيار هو الأصل الكافي للفعل – وليس السبب الغائي، الذي هو الغاية المرغوبة. ينبع الاختيار نفسه من مصدرين: الرغبة (orexis) والتفكير (logos) الذي يحسب الوسائل نحو غاية. هذا يتحدى بالفعل أي تفسير فكري بحت أو عاطفي بحت للفعل. علاوة على ذلك، يصر أرسطو على أن الاختيار يتطلب حالة أخلاقية (hexis)، أي استعدادًا مستقرًا للشخصية يتشكل من خلال التعود. بدون شخصية جيدة، لا يستطيع العقل وحده إنتاج اختيار جيد. النتيجة اللافتة هي أن كلا الذهن والشخصية ضروريان. إذا افتقر المرء إلى الحكمة العملية (phronesis) أو كانت شخصيته فاسدة، فسيكون الاختيار معيبًا.

هذا الرأي جذاب لأنه يتوافق مع التجربة اليومية: نحن نعجب بالأشخاص الذين لا يعرفون الصواب فحسب، بل يرغبون في فعله ولديهم الميل الاعتيادي للتصرف جيدًا. ومع ذلك، يترك إطار أرسطو مجالًا ضيقًا للحظات يعرف فيها المرء الخير لكنه يفشل في اختياره – وهي مشكلة سأعود إليها.

من الأسباب القوية للاتفاق مع أرسطو أنه بدون التفكير، سيصبح الفعل مجرد اندفاع. تخيل شخصًا يتصرف بناءً على رغبة فورية فقط – مثل الإمساك بكعكة لأنها تبدو لذيذة، دون التفكير في العواقب الصحية أو البدائل. قد لا يُعتبر هذا الفعل حتى اختيارًا بمعنى أرسطو؛ إنه أقرب إلى سلوك الحيوانات. يتضمن الاختيار الحقيقي التداول، مهما كان موجزًا. كما كتب أفلاطون في بروتاغوراس (352c): «قوة المعرفة شيء جميل قادر على حكم الإنسان، وإذا عرف شخص ما الخير والشر، فلن يُغلب أبدًا بشيء». يدافع أفلاطون هنا عن الفكرية – فكرة أن المعرفة تضمن الفعل الصحيح. أرسطو أكثر اعتدالًا: هو يمنح الرغبة دورًا، لكنه يحافظ على أن التفكير الموجه نحو غاية لا غنى عنه.

يمكننا اختبار ذلك بمثال. افترض أن طالبًا يقرر الدراسة للامتحان بدلاً من الذهاب إلى حفلة. يتضمن هذا الاختيار تفكيرًا (الدراسة تؤدي إلى درجات أفضل، والتي تؤدي إلى مستقبل مرغوب) ورغبة (الرغبة في النجاح). بدون تفكير، قد يذهب الطالب إلى الحفلة اندفاعيًا. وبدون رغبة، لن يكون لدى الطالب دافع حتى. لذا، يحدد أرسطو بشكل صحيح المصدر المزدوج للاختيار. يوافق كثير من علماء النفس المعاصرين على أن الوظائف التنفيذية (العقل) والدافعية (الرغبة) كلاهما مطلوبان للفعل المتعمد.

الحجة الثانية المؤيدة لأرسطو هي أن العقل وحده لا يمكنه ضمان الفعل الجيد لأن العقل محايد – يمكنه خدمة غايات جيدة أو سيئة. يستخدم المجرم الذكي التفكير بفعالية لكنه يفتقر إلى حالة أخلاقية فاضلة. لذا، كما كتب أرسطو: «لا يمكن أن يوجد فعل جيد بدون مزيج من الذهن والشخصية». هذا يتردد صداه مع ادعائه الشهير بأن الفضيلة هي هكسيس اختيارية (hexis prohairetike) – استعداد يتضمن الاختيار. يوافق إيمانويل كانط، رغم أنه يأتي من تقليد مختلف، على أن القيمة الأخلاقية تعتمد على توافق الإرادة مع الواجب، لا على الذكاء فقط. يقول كانط في أساس ميتافيزيقا الأخلاق: «من المستحيل تصور أي شيء في العالم، أو حتى خارجه، يمكن اعتباره خيرًا بلا قيد أو شرط، إلا إرادة طيبة». إرادة كانط الطيبة تشبه الحالة الأخلاقية الفاضلة عند أرسطو: إنها التوجه الداخلي الذي يجعل الفعل جديرًا بالثناء الأخلاقي.

لذلك، أرسطو على حق في الإصرار على أن الذهن والشخصية يجب أن يعملا معًا. قد يعرف شخص أن الصدق فضيلة لكنه يكذب إذا كانت شخصيته فاسدة. وعلى العكس، قد يكون شخص ذو شخصية جيدة لكنه بدون حكمة عملية طيبًا بطرق مضللة. فقط عندما تتحدان الحكمة العملية والفضيلة يظهر الاختيار الجيد الموثوق. هذا هو السبب في أن أخلاقيات الفضيلة لا تزال مؤثرة: فهي تلتقط تعقيد الوكالة الأخلاقية.

رغم قوة رأي أرسطو، أعتقد أنه يغفل أولوية العاطفة في تحفيز الفعل. جادل ديفيد هيوم بشكل شهير بأن «العقل هو، ويجب أن يكون فقط، عبد العواطف، ولا يمكنه أبدًا أن يدعي أي وظيفة أخرى سوى خدمة العواطف وطاعتها» (رسالة في الطبيعة البشرية). بالنسبة لهيوم، لا ينتج العقل الفعل أبدًا؛ إنه يحسب الوسائل فقط نحو غايات تحددها العواطف. الرغبة، لا التداول العقلي، هي محرك الاختيار. قد يرد أرسطو بأن الرغبة بدون تفكير عمياء، لكن هيوم يمكنه الرد بأن التفكير بدون رغبة خامل. الخلاف الأعمق يتعلق بما إذا كان العقل قادرًا على توليد الرغبة. يبدو أن أرسطو يفترض أن التفكير نحو غاية ينتج الاختيار بشكل طبيعي، لكن الرغبة في تلك الغاية يجب أن تكون موجودة بالفعل.

اعتبر حالة واقعية: شخص يقرر التبرع بالمال للأعمال الخيرية. الرغبة في مساعدة الآخرين (عاطفة) تأتي أولاً؛ ثم يحدد التفكير أفضل جمعية خيرية. لو غابت الرغبة، فلن يؤدي أي قدر من التفكير إلى التبرع. لذا، قد يُعكس تعبير أرسطو «الاختيار هو رغبة وتفكير»: الرغبة هي المصدر الأولي، والتفكير أداة ثانوية. هذا يتحدى ادعاء أرسطو بأن الاختيار لا يمكن أن يوجد بدون عقل وذهن. إذا كانت العاطفة وحدها قادرة على تحريكنا (كما في أعمال بطولية مفاجئة بدون تداول)، فقد ينشأ الاختيار من مركبات شخصية-عاطفية ليست بالضرورة عقلانية. قد يكون تأكيد أرسطو على التفكير فكريًا جدًا.

النقد الثاني، الأكثر داخلية، يأتي من الظاهرة التي تصدى لها أرسطو نفسه بشكل مشهور: ضعف الإرادة (akrasia). الشخص الضعيف الإرادة يعرف ما هو الخير (لديه تفكير صحيح) ولديه حالة أخلاقية مقبولة، لكنه يختار العكس مع ذلك. على سبيل المثال، شخص يعرف أن التدخين ضار لكنه يدخن على أي حال. يناقش أرسطو هذا في الكتاب السابع من أخلاقيات نيقوماخوس، لكن تفسيره – أن الضعيف الإرادة لديه معرفة بمعنى مؤهل، مثل شخص نائم أو سكران – ليس مقنعًا تمامًا. إذا كان الاختيار يتطلب عقلًا وحالة أخلاقية، فيجب أن يكون الفعل الضعيف الإرادة مستحيلاً. لكنه يحدث طوال الوقت.

يقدم جان بول سارتر بديلاً جذريًا: الاختيار ليس محددًا بالعقل أو الشخصية؛ إنه فعل حر غير مشروط. في الوجودية إنسانية، يكتب سارتر: «الإنسان ليس شيئًا آخر سوى ما يصنعه من نفسه». بالنسبة لسارتر، حتى شخصيتنا وتفكيرنا هما نتاج اختيارات سابقة. الشخص الضعيف الإرادة ليس لغزًا بل دليلاً على أننا نستطيع دائمًا اختيار ما يخالف حكمنا الأفضل. هذا الرأي الوجودي يعارض مباشرة ادعاء أرسطو بأن الاختيار يتضمن دائمًا تفكيرًا نحو غاية. سيقول سارتر إن الاختيار يسبق العقل؛ نختار أولاً، ثم نبرر.

بينما لا أقبل تمامًا حرية سارتر الجذرية (يبدو أنها تتجاهل علم النفس والعادة)، فإن نقطته تكشف ضعفًا في أرسطو. إذا كان ضعف الإرادة حقيقيًا، فإن الارتباط الضروري بين الاختيار والتفكير ينكسر. قد يعيش مراهق في السابعة عشرة هذا يوميًا: أعرف أنني يجب أن أدرس، ولدي شخصية جيدة (في الغالب)، لكنني أختار مشاهدة يوتيوب. سيقول أرسطو إن تفكيري كان ناقصًا أو حالتي الأخلاقية غير كاملة. لكن هذا يبدو كتبرير للمشكلة بدلاً من حلها.

كيف سيكون رد أرسطو على هذه الحجج المضادة؟ قد يقبل نقطة هيوم لكنه يصر على أن الرغبة البشرية ليست عمياء؛ من خلال التعود، تصبح رغباتنا عقلانية. يرغب الشخص الفاضل فيما يوافق عليه العقل. لذا، الرغبة والتفكير ليسا قوتين منفصلتين بل متكاملتين. أما بخصوص ضعف الإرادة، فيحافظ أرسطو على أن الشخص الضعيف الإرادة يفتقر إلى معرفة حقيقية – لديه معرفة عامة فقط («التدخين سيء») لكنه لا يطبقها على الخصوص («هذه السيجارة الآن سيئة لي»). هذا التمييز معقول لكنه ضعيف Arguably عندما ننظر في ضعف الإرادة الواعي (مثل شخص يدخن وهو مدرك تمامًا للمخاطر ويقول حتى «لا يجب أن أفعل هذا»).

في رأيي، يقدم أرسطو إطارًا ممتازًا للوكالة الأخلاقية المثالية، لكن الفعل البشري الحقيقي أكثر فوضوية. أحيانًا تتجاوز العواطف التفكير دون تدمير الاختيار. وضعف الإرادة يظهر أن الشخصية والذهن يمكن أن يتعارضا. لذا، أخلص إلى أنه بينما أرسطو على حق في أن الاختيار يتطلب كلا العقل والحالة الأخلاقية في الوكلاء الذين يعملون جيدًا، فإن ادعائه قوي جدًا كضرورة عامة. بيان أدق سيكون: الاختيار يتضمن عادة العقل والشخصية، لكن الأفعال يمكن أن تنشأ من الرغبة وحدها أو من صراع بين المعرفة والفعل. هذا الرأي المنقح يحتفظ برؤية أرسطو دون تجاهل تعقيد الإنسان.

في الخاتمة، يظل حساب أرسطو للاختيار واحدًا من أكثر التفسيرات إقناعًا للفعل البشري لأنه يعترف بأن لا العقل ولا الرغبة وحدهما كافيان للوكالة الأخلاقية. إصراره على أن الفعل الجيد يتطلب كلا الذهن والحالة الأخلاقية الفاضلة يلتقط حقيقة مهمة عن الحياة الأخلاقية: يتصرف الناس جيدًا ليس فقط لأنهم يعرفون الصواب، بل لأنهم طوّروا الشخصية التي تجعلهم يرغبون فيه ويسعون إليه. في الوقت نفسه، تكشف النقدات التي أثارها هيوم وسارتر قيودًا مهمة في إطار أرسطو. غالبًا ما يدفع البشر بالعاطفة بطرق تتجاوز السيطرة العقلانية، وواقع ضعف الإرادة يظهر أن المعرفة والشخصية لا تضمنان دائمًا الفعل الصحيح. لهذا السبب، يعمل نظرية أرسطو بشكل أفضل كوصف للوكيل الأخلاقي المثالي بدلاً من حساب كامل للسلوك البشري الفعلي. في النهاية، يتشكل الاختيار من تفاعل معقد بين العقل والرغبة والعاطفة والحرية. يحدد أرسطو بشكل صحيح الدور المركزي للعقل والشخصية، لكن نظرية مقنعة تمامًا للفعل يجب أن تعترف أيضًا بعدم الاستقرار والصراع اللذين هما جزء من التجربة البشرية العادية.

نارايانان تلميذة البكالوريا ابدعت في استراتيجية "القراءات المتعددة". اختبرت "القراءة القوية" لادعاء موردوخ (العالم خيال مطلق، والواقع هو الهدف الأعظم) وحطمت بحجج مضادة للشك (حجة مور ومعيار اليقين). ثم فكرة (الواقع مُشيَّد ذاتياً كما عند كانط وما بعد الحداثة). لكنها في النهاية خلت إلى أن الصورة "المتواضعة" لموردوخ (الدعوة إلى الفضائل المعرفية والتساؤل) هي الأكثر بقاءً، وإن كانت فلسفياً "تافهة" لا جديد فيها. السمة هنا هي الصرامة المنطقية: القدرة على عرض الحجج وتفنيدها بلا مجاملة، مع شجاعة القول إن الفيلسوفة الكبيرة قد تكون مخطئة، أو على الأقل غير أصلية في ادعائها الأقوى.

- النوع الثاني: مقالة النمط التفكيكي الإبداعي

تمثله مقالة سيميون كاردجييف (بلغاريا) حول الاقتباس نفسه لموردوخ

كاردجييف لا يناقش الاقتباس، بل يزعزع افتراضاته الأنطولوجية. يرى أن موردوخ تسجننا في ثنائية (وهم/واقع) كل طرف فيهما لا يُعرَّف إلا بنفي الآخر، فيقعان في دائرة منطقية مغلقة. ثم يستدعي مفهوماً فلسفياً غير متوقع: "الافتراضي" عند جيل دولوز. الافتراضي ليس وهماً ولا واقعاً فعلياً، بل هو "حقيقي دون أن يكون فعلياً"، مثل الذاكرة أو العاطفة تجاه شخصية روائية. بهذا المفهوم الثالث، يهدم كاردجييف الثنائية كلها، ويعيد تعريف الحقيقة لا كشيء "يُعثر عليه" بل كشيء ينكشف.

نعيش في عالم خيالي، عالم وهم.

المهمة الكبرى في الحياة هي اكتشاف الواقع. — آيريس موردوخ

سيميون كاردجييف (Simeon Kardzhiev) — من بلغاريا.

طالب في الصف الحادي عشر

إنه بالضبط هذا السؤال — حول ما هو «حقيقي» وما هو «زائف» — الذي لاحق وطارد بلا راحة تاريخ الفكر الغربي وتطوره منذ طاليس. لقد عمل هذا الانقسام في الوقت نفسه كمحفز للتغيير في الفلسفة الغربية، ولكنه أيضًا بدا وكأنه غير قابل للحل إلى الأبد. وبسبب هذه المفاهيم ذاتها، وبناها، وبنية الأنطولوجيا التي نألفها، لا نجرؤ على التفكير خارج هذا النموذج. يبدو أننا، بحكم الطبيعة، نميل إلى التفكير بأن الواقع والحقيقة شيء يجب «العثور عليه». في الاقتباس نفسه، تظهر هذه التوتر واضحًا؛ إذ يفترض ثلاثة أمور:

1. أننا نسكن عالم وهم، عالم زيف، عالم لا يتوافق مع الواقع، عالم يُعرَّف فقط بعدم علاقته بالصدق.

2. أن هدف «الحصول» على هذه الحقيقة هو «مهمة عظيمة»، جبل يجب تسلقه.

3. أن المهمة هي «العثور» على تلك الحقيقة، أي ما يتوافق مع الحق.

علينا اكتشاف النموذج الثابت للوجود الذي اعتبرته العادة مركز بنيتنا. في هذه المقالة، سأحاول تفكيك هذه البنى والثنائيات، لأرسم شيئًا يمكن أن يكون حقيقيًا وزائفًا في الوقت نفسه، ولأوجه فكرنا لا إلى «العثور» على الواقع الثابت، بل إلى تعزيز اكتشاف نشط للوجود داخل أنفسنا.

الواقع، والحقيقة بالطبع، ليسا شيئين ثابتين مفردين يُعثَر عليهما. الواقع والحقيقة هما حدث، حدوث مستمر في العالم، وليسا مجرد شيء يُعثَر عليه؛ إنهما يكشفان نفسيهما لنا في الوجود ذاته. إن المعارضة التي تخلقها موردوخ بين الخيالي والحقيقي دائرية؛ فهما يبرران بعضهما البعض ويسكنان مجالًا واحدًا. الشيء الذي لا تستطيع هذه البنية الثنائية احتواءه هو المفهوم الديلوزي للـ«افتراضي» (virtual) — ذلك الذي هو إمكاني، لكنه غير فعلي؛ إنه ليس في الواقع (غير حاضر)، ولا في الخيال؛ إنه ممكن. من خلال الافتراضي، يمكننا إعادة التفكير في الانقسام بين الحقيقي وغير الحقيقي، لا كشيء موجود أنطولوجيًا بالضرورة، بل كشيء يُيسَّر بواسطة بنى الفكر. الحقيقة ليست شيئًا يُنال، بل هي أليتيا (aletheia) — ذلك الذي يكشف نفسه لنا — ولا تكتشف نفسها بمحاولتنا «العثور» عليها، بل بحضورنا في الوجود. في هذا الإطار، ليس الخيال والوهم معارضين تمامًا لفعل تجربة الحقيقة، بل هما شيء يساعدنا على تجربة الواقع.

1- العلاقة بين الخيال والواقع

يفترض الاقتباس أن طبيعة الواقع مفردة، وأن كل فرد في هذا «نحن» الذي تشير إليه موردوخ يختبر الوجود بنفس الطريقة. لكن هذا تعميم خطير جدًا؛ يمكننا فقط افتراض أن كل ذات تختبر هذه البنية المفردة للواقع. بنية — مرة أخرى — تبدو محصورة في الواقع ذاته ويجب «العثور» عليها. «العثور» على شيء يعني اعتباره شيئًا ملموسًا. نحن نعرف ما نحتاجه، وكل ما علينا هو معرفة أين نبحث. يبدو كأن مهمتنا هي اتباع والمشاركة في هذه الأنطولوجيا للحضور، لنعثر على الحق مرة واحدة وإلى الأبد ونسكنه. التيليولوجيا (علم الغايات) التي نميل إلى اتباعها هي التوافق مع الحق والواقع. ولكي نكون حاضرين وجزءًا من الواقع، نُجبر أيضًا على اعتبار أن الواقع والحقيقة ذاتهما ثابتين. مفهوم ونمط فكري تكلسا في الفكر الغربي منذ أفلاطون ومثل الغار، مرورًا باللاهوتيين المدرسيين، وتاريخ الفلسفة الحديثة، وصولًا إلى يومنا هذا. لكن بالتراجع خطوة إلى الوراء والنظر إلى مصدر الالتباس — أفلاطون — يمكننا رؤية أصل الالتباس. حسب هايدغر في محاضرته «عقيدة أفلاطون في الحقيقة»، اعتدنا اعتبار الحقيقة شيئًا ثابتًا وغير قابل للتغيير إلا بالصدفة البحتة. هناك، يعيد هايدغر — وفي «الوجود والزمان» — تعريف الحقيقة حسب تعريفها المفقود: أليتيا — عدم الاختباء — وأن الحقيقة تكشف نفسها. في الغار، لا تُمسك الذات الحقيقة و«تعثر» عليها، بل من خلال تجربته تكشف الحقيقة نفسها له عبر الظلال والنار والنجوم والشمس. من خلال هذه المشاركة الديناميكية والمتدفقة والمتغيرة في الوجود، يختبر الحقيقة والواقع، ولا «يعثر» عليه. لذلك، لا يمكننا أن نربط الحقيقة بشيء مفرد أو ثابت، بل كشيء ديناميكي.

بالعودة إلى الاقتباس، نرى أن اللغة التي تستخدمها موردوخ تزرع فورًا في فكرنا تسلسلًا هرميًا للنمطين من الوجود اللذين يشكلاننا حسبها. في هذه البنية، يُرتب الوهم والخيال في أسفل السلم؛ ليس لهما وزن أو سلطة أو أهمية، بخلاف الواقع والحقيقة اللذين يجلسان في القمة وهما سمو هذه الميتافيزيقا. لذا، ليس لدينا خيار سوى التفكير في كل شيء من خلال هذا التعارض الثنائي: إما حقيقي أو زائف. من السيئ أن نعيش في الخيال، لأننا لا نحقق المهمة العظيمة المتمثلة في العثور على الواقع. لكن إذا نظرنا عن كثب وبدأنا نسأل أنفسنا: ما الذي يجعل شيئًا جزءًا من الواقع أو الخيال؟ فإن هذا الإطار الصلب ينهار على نفسه. الوهمي لا يُعرَّف بغير عدم علاقته بالحقيقي، والعكس بالعكس؛ الحقيقي هو فقط ما ليس في مجال الخيال. هذه المفاهيم التي اعتدنا اعتبارها آمنة تنهار تحت توترها الخاص، لأن تعارضهما يتميز فقط بعدم كونهما ما هو الآخر. لذا، ليسا في تعارض حقيقي، بل يخدمان لتبرير بعضهما البعض. إنهما يشكلان نفسيهما ذاتيًا، ولا يمكنهما الوجود بدون بعضهما، محيطين بنا في منطق دائري يبدو صعب الخروج منه. وربما بالفعل، بسبب تركيزنا الشديد على تحقيق المهمة العظيمة المتمثلة في العثور على الواقع، لا نستطيع تحقيقها. إن دافعنا النشط للعثور على الحقيقة هو العائق الذي يمنعنا من اكتشافها، حسب هايدغر، بالضبط لأننا نريد بشدة السيطرة على الوجود، وأمر أنفسنا عقلانيًا، فلا ننجح. بل نحتاج إلى تعزيز ما يسميه «الانفتاح على الكشف». نتيجة بحثنا حتى الآن هي أن لا الخيال ولا الوهم في هذا الإطار يوجدان حقًا بذاتهما دون أن يكونا مقيدين بالمفهوم الذي يعارضانه. وهذا يثبت أن مركز هذه البنية ليس داخلها، بل خارجها. وسأحاول الآن العثور على شيء لا تستطيع البنية ومفاهيمها المكونة الاستيلاء عليه بالكامل.

2- المصطلح الثالث: الافتراضي (الافتراضي)

لكن هل هناك شيء قد يكون وهميًا وحقيقيًا في الوقت نفسه، ولا نستطيع تصنيفه بسهولة في فئة واحدة؟ إنه هذا المصطلح الثالث الذي تخفيه البنية ضمنيًا، والذي من خلاله يمكننا زعزعة مركزها وتفكيكها، ونكون قادرين على رؤية كيفية عملها حقًا. الافتراضي، الذي صاغه برغسون أصلًا، يُجذِّره ديلوز ويعرفه بأنه ذلك الذي يسكن الواقع دون أن يكون ممكنًا. الافتراضي نفسه غير مُفعَل، ولا يمكن تفعيله بالكامل. الافتراضي يتناقض مع الانقسام الأنطولوجي التقليدي من أرسطو فصاعدًا، بين الممكن والفعلي. الفعلي حاضر، يمكن العثور عليه، يمكن الإشارة إليه، هو حقيقي، هو هنا ويمكن الإشارة إليه. الكرسي حقيقي وفعلي في آن. أما الممكن فيفترض داخل نفسه غاية — الفعلية. لكن الافتراضي حقيقي دون أن يكون فعليًا؛ إنه ليس لا شيء، لكنه ليس أي شيء؛ إنه قوة، ميل. بذور الشجرة افتراضية؛ الشجرة موجودة وحقيقية، لكنها غير فعلية.

من خلال هذا، يمكننا إعادة تقييم كلا مفهومي الخيال والواقع. إذا حاولنا تطبيق إطار موردوخ على شيء مثل الذاكرة، على سبيل المثال، نرى أنه لا يستطيع الصمود. الذاكرة ليست حقيقية تمامًا، فهل تعني ذلك أنها شيء وهمي؟ الماضي ليس شيئًا يمكننا الإشارة إليه بشكل ملموس، لكنه حقيقي بالتأكيد، لأنه حدث. فكيف لا نستطيع تعريفه بسهولة حسب مصطلحات موردوخ؟ يصبح الأمر أكثر إرباكًا عندما نفكر في تأثيرات الذكريات؛ يمكن للذاكرة أن تحتوي على مجموعة واسعة من المزاجات، وعند العودة إليها يمكننا اختبار هذه العواطف. إنها ليست شيئًا حقيقيًا بمعنى أنها محيطة بنا وملموسة، بل هي غير ملموسة جذريًا، حتى من خلال اللغة، لكننا نستطيع إدراكها تمامًا من خلال التجربة. على أي حال، لها وزن أنطولوجي. ينهار منطق موردوخ هنا؛ الذكريات ليست خيالًا، لكنها ليست حقيقية تمامًا أيضًا. لذلك يمكننا تعريف الذاكرة كشيء افتراضي — إنها حقيقية لكنها غير فعلية؛ حقيقتها تكشف نفسها لنا من خلال التجربة والمسافة. محتويات وتأثيرات هذا المثال للافتراضي حقيقية وتغير إدراكنا للعالم، دون أن تكون الذاكرة نفسها شيئًا يمكن الإشارة إليه. الحزن الذي نشعر به تجاه شخصية خيالية حقيقي، دون أن تكون الشخصية فعلية، وهذا الحزن يمكن أن يؤثر فينا ويغير الطريقة التي نختبر بها الواقع والحقيقة. إنه هذا التأثير الذي يمكن أن يسمح لنا بـ«العثور» على الواقع، لا كشيء نهائي، بل كمفتاح لمشاركتنا في الوجود. الرغبة حقيقية، لكننا لا نستطيع الإشارة إليها، رغم أن تأثيرها علينا شيء يمكن ملاحظته.

3- الخاتمة

مفارقة موردوخ هي أنه رغم كونها كاتبة غزيرة الإنتاج، فإنها تبدو وكأنها تدين الخيال كشيء غير حقيقي وخيالي يصرفنا عن هدف العثور على الواقع. ببساطة، في هذا النمط الثنائي للفكر — بين الخيال والواقع — لا يستطيع الوجود ذاته أن يظهر نفسه بشكل كامل وأصيل في كل مجالاته وسجلاته. إذا اعتقدنا أن الواقع هو مرمى هدف، أو كأس يُفوز به، أو مكافأة نهائية لطريق، فلن نستطيع أبدًا اختبار الوجود والواقع في تعقيده. بالضبط هذا الاقتباس يعمل كنقطة تفكيك من خلالها نفهم موردوخ والوجود بشكل أفضل؛ إذ إن ما يُعتبر خيالًا هنا هو بالمفارقة الشيء الذي يسمح لنا بإدراك الواقع والحقيقة. الخيال ليس عقبة أمام الفهم وكشف الواقع، بل هو شيء من خلاله نستطيع اكتشافه بشكل أفضل. البنى التي نعتبرها صلبة تخفي داخلها علاقة نحتاج إلى التكيف معها. علينا تحويل التركيز من الخارجي الذي يمكن امتلاكه، إلى الافتراضي الداخلي، الأرضية غير المؤسسة التي تسمح للحقيقة بأن تكشف نفسها لنا.

بارك يون وو تتفوق على الجميع بتحليلها لسلطة أرندت. تنطلق من تعريف أرندت (السلطة هرمية غير قسرية، تقف بين الإكراه بالقوة والإقناع بين أنداد) ثم تختبره بلا هوادة. تبتكر "عتبة انقلاب القوة" وجدولاً يصنف أشكال القوة، وتحلل العلاقة بين "ذات السلطة" و"موضوع السلطة" كما لو كانت معادلة فيزيائية. لكن ضربتها الكبرى هي تجربتها الفكرية عن "الشخص ج": ذات عقلانية محضة، متحررة من كل حاجة وكل علاقة، يُعرض عليها الدخول طواعية في سلطة. تثبت بارك، خطوة بخطوة، أن هذا الشخص لن يقبل، لأن العقل الخالص لا مصلحة له في سلطة. إنها تصل إلى نتيجة وجودية مزلزلة: السلطات توجد، لكنها لا تستطيع تبرير وجودها داخلياً أبداً.

- أسئلة العقل العربي معنى الغياب وإمكان الحضور

نعود الآن إلى الأسئلة التي افتتحنا بها هذا المقال، والتي تزداد إلحاحاً بعد هذه الرحلة.

لماذا يعجز عقل التلميذ العربي؟ ليس لأن الذكاء مفقود، ولا لأن الموهبة معدومة. الخلل أعمق. الخلل في أن مناهجنا صممت لتنتج "الترانيم الحزينة" التي وصفناها، لا "النار المحرقة" التي ننشدها. تلميذنا يُدرّب على الحفظ والاستظهار، لا على السؤال والتفكيك. يُطلب منه أن يكون وعاءً للمعلومة، لا منتجاً للمعنى. وحين يصل إلى لحظة الكتابة، لا يجد في داخله إلا صدى ما حُفظ، لا صوت ما فُكّر فيه. كيف ننتقل به من الخوف إلى التقديس؟ بأن نغير السؤال في فصولنا: لا "ماذا قال أرسطو؟"، بل "ماذا تقول أنت؟ وكيف ترد على أرسطو؟". بأن نعلمه أن الفلسفة ليست مادة دراسية، بل مغامرة وجودية، و"سرقة نار" كما فعل بروميثيوس ولن نصل الى هذه الغاية الا بإصلاح تربوي شامل.

وهل عقل أستاذ الفلسفة "لم يتصير عقل بعد"؟ سؤال البشير ربوح يوجع لأنه صادق. كثير من أساتذتنا وقعوا في الفخ نفسه: صاروا حراساً للمعرفة لا مشاركين في إنتاجها. يدرّسون الفلسفة كما تدرس الجغرافيا: أسماء وتواريخ ونظريات واغلب الأساتذة للأسف لا يقرأون ولا يكتبون وبالتالي لا يفكرون فلسفيا. والفلسفة الحقيقية تُمارس. ولكي نمارسها مع تلامذتنا، علينا العودة جميعا الى لحظة الدهشة والى مصادرها . وعلينا أن ننفتح على هذه النماذج العالمية، لا لنقلدها، بل لنفهم روحها. روح التحليل والتفكيك والجرأة على قول "لا" لنص فلسفي كبير. إذا كان أستاذنا يخاف السؤال، فكيف لتلميذه ألا يخاف؟

أليس غيابنا عن هذا الأولمبياد مرآة تعكس علاقتنا الملتبسة بالفلسفة أصلاً: نقدّسها في كتب التراث ونغتالها في ممارساتنا التعليمية؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً. نحن أمة تتفاخر بفلاسفتها القدامى، لكنها لا تنتج فلاسفة. تحتفي بالكندي وابن رشد، لكنها لا تخلق فضاءً لشاب في الثامنة عشرة ليكتب مقالاً أصيلاً وينافس به العالم. ثمة انفصام بين التمجيد اللفظي للفلسفة والتخلّي العملي عنها. وحده الفعل الذي يرمم هذا الانفصام. فعل تأسيسي وثورة تبدأ من القرار السياسي بإصلاح الفلسفة والنظام التعليمي ككل، ويمر بتدريب الأساتذة على التفلسف لا تدريس الفلسفة، وينتهي بتلميذ يكتب مقاله بقلمه وروحه، لا بذاكرته. وحين سرق بروميثيوس النار، لم يستأذن. لم ينتظر أن تصدر الآلهة مرسوماً يبيح له الفعل. هو فعل ما فعل لأن حبه للبشر كان أكبر من خوفه من العقاب. هذا هو الدرس الأخير الذي تحمله إلينا مقالات أولمبياد الفلسفة: أنها مكتوبة بروح بروميثيوس. روح لا تنتظر الإذن، ولا تخشى التمرد على المألوف، ولا ترضى بكتابة "ترانيم حزينة" فمتى نقرر نحن العرب، أن نسرق النار؟ متى نقرر أن نعلّم تلامذتنا ألا يخافوا السؤال وحرقته، تلك هي "المهمة الكبرى" للفلسفة.

***

عمرون علي

في المثقف اليوم