قضايا
ابتهال عبد الوهاب: صليب من السكر.. كراهية من حديد
لم يطلب الرجل امتيازا خاصا، ولم يسع إلى فرض معتقده على أحد. كل ما أراده أن يضع رمزا دينيا يخصه على قطعة حلوى يحتفل بها مع أسرته، ولم يدع إلى مواجهة أو صراع. كان يمارس حقا إنسانيا بسيطا: أن يعبر عن هويته كما يشاء. لكن المفاجأة لم تكن في رفض الطلب فحسب، بل في الدلالة العميقة الكامنة وراء هذا الرفض.
أي مجتمع هذا الذي يخاف من رمز مرسوم على قالب حلوى؟. إن المشكلة ليست في التورتة، ولا في الصليب، ولا في قطعة السكر التي ستشكل الرمز. المشكلة تكمن في العقلية التي ترى في وجود الآخر تهديدا، وفي التعبير عن هويته استفزازا، وفي أبسط مظاهر الاختلاف خطرا يجب منعه. لكن المجتمع الذي يضيق برمز صغير مرسوم بالسكر ليس مجتمعا يخاف من الرمز، بل من المعنى الذي يحمله الرمز. إنه يخاف من الاعتراف بأن هذا الوطن يتسع لغير صورة واحدة، ولغير صوت واحد، ولغير معتقد واحد.
حين يرفض إنسان خدمة مشروعة لمواطن آخر فقط لأن طلبه يحمل رمزا دينيا مختلفا، فإننا لا نكون أمام موقف شخصي عابر، بل أمام صورة مصغرة لمرض اجتماعي أعمق؛ مرض يقوم على الاعتقاد بأن بعض الناس يملكون حق الظهور الكامل في الفضاء العام، بينما يطلب من آخرين أن يخفوا هوياتهم وأن يعيشوا مواطنتهم في الظل.
ما أبشع أن يتحول رمز ديني بالنسبة لملايين البشر إلى سبب للرفض والإقصاء. وما أخطر أن يعتاد المجتمع مثل هذه الممارسات حتى تصبح أمرا عاديا لا يثير الاستنكار.
إن الحرية الدينية لا تعني أن نحترم ما يشبهنا فقط، بل أن نقبل بحق الآخرين في التعبير عن ذواتهم كما يقبلون حقنا في التعبير عن ذواتنا. أما الانتقائية في احترام الحريات فليست حرية، وإنما امتياز مقنع بلغة الأخلاق.
لو أن الرفض كان موجها ضد رمز يخص الأغلبية لقامت الدنيا ولم تقعد. لكن معيار العدالة الحقيقي لا يقاس بطريقة تعاملنا مع من يشبهوننا، بل بطريقة تعاملنا مع من يختلفون عنا.
إن المجتمعات المتحضرة لا ترتعب من الصليب، ولا من الهلال، ولا من أي رمز ديني أو ثقافي. إنها ترتعب فقط من الكراهية والتمييز والإقصاء. أما المجتمعات التي تخاف من الرموز أكثر مما تخاف من الظلم، فهي مجتمعات ما زالت تخوض معركتها الأولى مع معنى المواطنة.
ليس السؤال لماذا أراد الرجل صليبا على تورتته، بل لماذا انزعج البعض من وجوده؟
فحين يصبح رسم الصليب مشكلة، بينما لا تصبح الكراهية مشكلة، نكون أمام خلل أخلاقي عميق يحتاج إلى مراجعة شجاعة.
إن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وحرية المعتقد لا تقبل الاستثناءات. والحق الذي أطالب به لنفسي يجب أن أقبله لغيري، وإلا تحول حديثنا عن التسامح إلى مجرد شعار جميل يخفي وراءه وجها آخر من وجوه التمييز..
أي مفارقة هذه؟
مجتمعات تتعايش مع الفساد عقودا طويلة، وتتسامح مع الكذب اليومي، وتغفر التعصب والعنف والتحريض، لكنها ترتجف أمام رمز ديني مرسوم على قالب حلوى.
والمؤسف حقا أن بعض الناس ما زالوا يعتقدون أن إقصاء الآخر دفاع عن الدين، بينما الحقيقة أن الدين لا يحتاج إلى الكراهية كي يبقى، ولا إلى التمييز كي ينتصر. الذي يحتاج إلى الكراهية هو الخوف، والذي يحتاج إلى الإقصاء هو الضعف، أما الإيمان الواثق من نفسه فلا يخشى صليبا مرسوما على قطعة حلوى. وما أكثر الأوطان التي تتغنى بالتسامح في الخطب، ثم تضيق بأبسط تجلياته في الواقع.
إن الصليب في هذه الحكاية ليس مجرد علامة دينية، بل اختبار أخلاقي. اختبار يكشف مدى قدرتنا على قبول التنوع، ومدى استعدادنا للاعتراف بأن الإنسان أكبر من انتمائه، وأن الكرامة لا تعرف دينا ولا طائفة.
ولتعلموا ان المجتمع الناضج لا يسأل الناس عن رموزهم، بل عن أخلاقهم. لا يحاكمهم على معتقداتهم، بل على أفعالهم. ولا يرى في التنوع تهديدا، بل يرى فيه دليلا على ثراء التجربة الإنسانية.
***
ابتهال عبد الوهاب







