قضايا
حميد القحطاني: أنثروبولوجيا اللهيب في امتحان الأرض لإنسانها
لم تعد الأرض التي أنجبت أولى الحضارات تُكافئ ساكنيها بالخصب والعطاء، بل باتت تختبرهم بلهيب يكاد يُسائل جوهر الوجود الإنساني ذاته. ففي بلاد الرافدين، حيث كانت الأرض يوما ما تُقرأ باعتبارها رسالة للإنسان كي يعمّرها ويرتفع بها، أصبح المناخ اليوم يُلقي بظلاله على كل فعل وكل نية وكل مشروع حتى إن المرء ليتساءل في لحظات المكاشفة الصادقة: هل يملك مجتمع يصارع الخمسين درجة مئوية رفاهية أن يحلم؟
كان ابن خلدون أول من أدرك بوعي نظري مبكّر يُبهر حتى اليوم أن الإقليم ليس مجرد خلفية ديكورية لفعل الإنسان، بل هو رحم تتشكّل فيه أمزجة الشعوب وطاقاتها الحضارية. ومن بعده جاء علي الوردي ليُعمّق هذه الرؤية في السياق العراقي تحديدا، كاشفا كيف أن الإنسان المحاصر بين ضغوط البيئة وقسوة الطبيعة يُفرز نمطا سلوكيا يحمل طابع الاستجابة العاجلة لا الاستراتيجية البعيدة. غير أن ما نشهده اليوم يتجاوز ما تنبّأ به المنظّرون الكلاسيكيون، فارتفاع معدل الحرارة بنحو 1.8 درجة مئوية خلال ثلاثة عقود، وهو رقم يبدو صغيرا حين يُقرأ على ورق لكنه يُحدث انهيارا تراكميا حين يُعاش على جسد، لم يعد يمثّل تحديا طبيعيا عابرا، بل أصبح يُعيد رسم ملامح الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية وفق منطق لا يرحم. وحين تكتب التقارير الدولية أن العراق يقع ضمن أكثر بقاع الأرض هشاشة أمام التغير المناخي فليس ذلك توصيفا أكاديميا باردا، بل هو حكم بالإعدام البطيء على مشاريع النهضة إن لم تبادر هذه المشاريع إلى مواجهته.
وهنا يطرح ميشيل فوكو سؤالا جوهريا حول مفهوم السياسة الحيوية: متى تتحوّل الدولة من مؤسسة تُدير الحكم إلى مؤسسة تُدير الحياة ذاتها؟ والجواب العراقي يأتي مُرا صريحا: حين تصبح الكهرباء والماء والهواء البارد أسئلة وجودية لا ترفا حضاريا. بيد أن الأزمة لا تتوقف عند هذا الحد الظاهر، إذ ترصد منظمة العمل الدولية ما يشبه الحقيقة الصارمة: أن إنتاجية الإنسان تتراجع مع الارتفاع الحراري قبل أن تبلغ الحرارة العراقية عتبتها القصوى. وهذا يعني أن قطاعات البناء والزراعة والنقل والعمل اليومي، تلك الأوردة الحية في اقتصاد المجتمعات الناهضة، تنزف طاقتها لا في الإنتاج بل في مجرد الصمود أمام موجة حر. والأشد خطرا ما يجري تحت سطح الأجساد، إذ يربط الباحثون ربطا موثقا بين التعرض المتواصل للإجهاد الحراري وبين تصاعد الأرق وانتشار القلق واحتقان العلاقات الاجتماعية. وكان مالك بن نبي يُذكّرنا دائما بأن مشكلة الحضارة في جوهرها ليست مشكلة أشياء بل مشكلة إنسان، إنسان يتربّى على اليأس ويتعلم قبل كل شيء كيف يُقاوم لا كيف يبني. والحرارة المفرطة حين تغدو اليومي والمألوف تُنتج هذا الإنسان بالضبط: منهكا في الجوهر، متعجّلا في التفكير ومتقلّبا في الطموح.
يقف العراق فضلا عن ذلك أمام مفارقة لها طعم المأساة الفلسفية: فهو يمتلك من الثروة النفطية ما يكفي للاستثمار في مستقبله، بيد أن هذه الثروة ذاتها تُستنزف في مواجهة آثار مناخ يزداد استعارا عاما بعد عام. وهكذا يدور في حلقة تنموية مفرغة، موارد تذهب إلى التبريد عوضا عن التعليم وطاقة تُبدّد في إدارة الكوارث الموسمية بدل أن تتراكم في بنية الإنسان. والنزيف الزراعي يُجسّد هذه المعادلة بكل قسوتها، فتملّح التربة وتآكل الغطاء النباتي وانحسار الرافدين بفعل سياسات المنبع، كلها عوامل أفضت إلى ظاهرة النزوح البيئي التي تُفرّغ الأرياف من بنائها الاجتماعي وترسل إلى المدن أمواجا بشرية مقتلعة الجذور، لا تحمل معها مهاراتها الإنتاجية القديمة فحسب، بل تحمل أيضا جراحها النفسية وخيبة أملها في مؤسسات الدولة. وخسائر الجفاف في البصرة وحدها خلال عام واحد بلغت من الضخامة ما يجعل الأرقام تُدوّخ المتأمل، وما يجعل الصمت السياسي حيال هذا الجرح أشد إيلاما من الجرح نفسه.
وحين رأى توماس هوبز أن الدفاع عن البقاء هو الحق الطبيعي الأول، لم يكن يتخيّل أن ثمة مجتمعات ستُضطر يوما إلى الدفاع عن بقائها لا بمواجهة عدو خارجي، بل بمواجهة ما أفرزته صناعات العالم من أعطاب مناخية. والعراق اليوم في موقع من يُدافع عن حقه في الوجود الطبيعي في مواجهة أزمة لم يكن طرفا رئيسيا في صنعها. وعليه فإن توظيف الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية لحماية الحق المائي في دجلة والفرات ليس ضربا من المبالغة السياسية، بل هو ممارسة مشروعة لأحد أبسط الحقوق التي تملكها أمة: حق الشرب قبل حق التنمية وحق الحياة قبل حق الازدهار. غير أن جوهر المأزق لا يكمن في شُح الحلول، فالحلول موجودة: تحديث أنظمة الري واعتماد الزراعة الذكية والتوسّع في مصادر الطاقة المتجددة التي يُهيّئ لها العراق إشعاعا شمسيا استثنائيا وإنشاء أحزمة خضراء تُعيد التوازن للمدن المحمومة. لكن مكمن الأزمة الحقيقية تلك الهوة الواسعة بين معرفة الحل والإرادة على تنفيذه، وهي الهوة التي تملؤها البيروقراطية والريعية والاتكالية الهيكلية.
حذّر جاريد دايموند في أطروحته المقلقة من أن المجتمعات لا تنهار دفعة واحدة في الغالب، بل تتآكل حين تعجز نخبها الحاكمة عن قراءة الإشارات البيئية المتراكمة وتكتفي بالمعالجة الآنية على حساب الاستشراف البعيد. وهذا التحذير يصل إلى العراق بثقل المرآة التي لا تكذب. ما تحتاجه هذه اللحظة الفارقة ليس مجرد خططا تقنية وإن كانت ضرورية، بل تحوّل في العقلية السياسية من منطق إطفاء الحرائق إلى منطق هندسة البقاء. وهذا يستلزم في الحد الأدنى مجلسا أعلى للأمن المائي والمناخي يتجاوز حدود الوزارات المتشرذمة وصندوقا سياديا أخضر يُموّل من نسبة ثابتة من العائدات النفطية بعيدا عن عبث الموازنات المتذبذبة، ودبلوماسية مائية تفهم أن المياه لم تعد بندا ثانويا في ملفات الجوار بل أصبحت مسألة سيادة وجودية.
لكن أعمق من ذلك كله، ثمة سؤال يتربّص في صميم المشروع النهضوي العراقي: هل يُدرك هذا المجتمع أن معركته مع التدهور البيئي هي معركة هويّته الحضارية قبل أن تكون معركة موارده الاقتصادية؟ فالأرض التي لا تُطاق لا تُنجب فكرا والمدن التي تلفح فيها الحرارة الوجوه تصنع بشرا يتعلمون الصمود لا الإبداع. وتلك هي الكارثة الحقيقية: لا حين تموت الأشجار، بل حين يتعلّم الإنسان أن يُقلّص أحلامه كي تتّسع لها ظلال شحيحة. إن بلاد ما بين النهرين لم تُنجب الكتابة والزراعة والقانون لأن أرضها كانت يسيرة، بل لأن إنسانها واجه القسوة بالإبداع والابتكار. وربما هذا هو الرهان الحقيقي اليوم: أن يختار العراق مرة أخرى الإبداع في مواجهة القسوة لا الاستسلام لها.
***
حميد القحطاني







