قضايا

كاظم شمهود: ماذا يكون شان الفنان والمثقف في العيش وسط التناقضات؟

في مجرى تقلبات التاريخ الاوسع نجد ان جهود وعطاءات الفنان او الشاعر هدفا للتمجيد والتقديس وتثمين وتدعيم اعمالهم. او على العكس يصرف الناس انظارهم عنها وتهمش وتهمل وربما احيانا تحارب... كل ذلك يتم عن طريق ايدي قوى لا يمكن التنبؤ بها. تلك القوى التي تنحاز الى هذا او ذاك نتيجة لمواقف فكرية او عاطفية او مذهبية. حيث ان هذه القوى لا يمكنها الانصاف في المواقف والاوزان الحقه (ما عدا القليل). ولا تعير اهمية للقيم والمبادئ الانسانية سواء في الثقافة او الفن او السياسة.2254 shamhod

وبالتالي ماذا يكون شأن الفنان الذي ينظر الى عدم التوافق، انه شر؟. ثم يعيش ويعمل في هذا الجو المشحون بالخصومات السياسية والثقافية والتناقضات الاخلاقية. ان الكثير من الشعراء والفنانين هم بطبيعتهم رومانسيون لان حساسيتهم الفائقة لا تستطيع ان تعيش في هكذا لون من الاجواء الملوثة بالتناقضات.. والعمل الفني يحتاج العيش في جو من الحرية والاطلاق الذي لا يجد الفنان نفسه فيه فحسب بل يجد الى جانب ذلك سكينة النفس وبهجتها... ومن ناحية اخرى لا يمكن لشخصين مهما كانا من الدراية والثقافة الفنية ان يتفقا على ماهية الفن ؟. فلا بد ان يكون هناك خلاف في الميل والتذوق تتحكم به عوامل وراثية ونفسية وبيئية. ونحن نعلم ان الفنان يحصل على نغمته وايقاعه من المجتمع الذي هو عضوا فيه فهو يؤثر ويتأثر به لهذا فان الفن العظيم يخرج من من اعماق المشاعر الانسانية ومن اوزانها الحقة.. بعض النقاد يرى ان الفن مقدس وعند الاغريق ان الجمال خير اخلاقي (ان الله جميل يحب الجمال) ولا يمكن تهديمه او تهميشه واهماله وانه ليس من حق الناقد اظهار عيوبه. لان الانسان بطبيعته ناقص فما يصدر منه نسبي وغير كامل (وهذا البحث نجده عند الفلسفة الوجودية) وعليه يجب ان يظهر الجوانب المشرقة في العمل الفني بمفاهيمها الفكرية والتقنوية وحالة الوعي بادراك الواقع المحسوس لدى الفنان.. اما السلبيات فالزمن هو كفيل باصلاحها وحلها.. ولهذا اعتقد انه يجب اكرام ومنح الفنان شهادة شرف ليس لانها عملية تحكيم وتفضيل وانما اكراما لعمله الابداعي المتواصل منذ بداية مسيرته الفنية الى اخر اعماله الموسومة. وتسمى هذه العملية قراءة السياق التاريخي الفني للفنان. وبالتالي اكرامه في حياته خير من اكرامه بعد موته.2256 shamhod

في نظر البعض مثل ابن حيان التوحيدي انه لا يوجد فنان يستطيع ان يعمل جيدا اذا لم يتمتع بحساسية المشاهد او المتفرج بمعنى ان هناك علاقة بين الفنان والمتلقي علاقة نفسية او روحية فاذا كان العمل ابداعيا وجميلا فانه يحدث اتحاد او نوع من الانجذاب بين العمل الفني والمتذوق المتفرج وان النفس تتحد بالاشكال التي في اللوحة فتنزع عنها المادة وتثبتها في ذاتها وتلتحم بها..

وقد وجد الفكر في الاعمال الفنية خير وسيلة لتوضيح ما في دواخل وذهن الفنان من المفاهيم الروحية والاجتماعية وحضورا له فاعليته في الحياة منذ كهوف التاميرا الى اليوم... ويمكن تاسيس ذلك من خلال التجارب الشكلية والفنية والرمزية وهي ركائز يستند لها الفنان بادراك الجوانب الحسية التي تطمان لها النفس...2253 shamhod

ويذكر التوحيدي ايضا في مسألة الحكم على الاعمال وتذوقها انه يتبع الوضع النفسي للانسان، فحينما يكون الانسان في مزاج نفسي غير طبيعي فان الامور يراها متشائمة سوداوية. مثلا لو ان احدا خرج من بيته اوعمله بعد حدوث مشكلة بينه وبين غيره ثم دخل معرضا فنيا لرواد الفن الحديث او الانطباعية، فسوف يرى ذلك المعرض مظلما وغير جميلا والسبب هو ان مزاجه غير طبيعي ونفسيته متعبة.. وبالتالي فالحكم باطل.. ؟. وعلى هيئة التحكيم في المعارض ان تكون منفتحت الاسارير وهاديئة الاعصاب والمزاج.. ولهذا فان المفكر الصوفي العربي ابن حيان التوحيدي يقول ان هناك شروطا للتذوق والحكم منها: (اولا ان يكون المتلقي او المشاهد هادئ المزاج ومنفتح الاسارير ومرتاحا. ثانيا ان تكون عناصر العمل الفني متناغمة ومنسجمة فيما بينها. حين اذن يحدث التذوق...).

***

د. كاظم شمهود

في المثقف اليوم