عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمود محمد علي: عبد الجبار الرفاعي.. مفكر أم مثقف؟

  المفكر والمثقف يبدوان للوهلة الأولى متشابهين، لكن بينهما فروقا في الوظيفة وطريقة التعامل مع المعرفة والواقع.. فالمفكر حسب اعتقادي هو ذلك الرجل الذي يتمتع بمواهب لا تنكر، وطلاقة فلسفية حقيقية، بحيث يفرض علي الجميع أن يكون أحد الأسماء الهامة واللامعة في فكرنا المعاصر، وأن يسهم بسقط وافر في بناء هذا الصرح، بحيث تكون اللبنات الفكرية التي يضعها تكون بمثابة الأساس الذي يبني عليه الكثيرون، وأن يكون ليس مجرد مفكر يدعي أنه نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، ولكنه لا بد أن يكون إنساناً في تفلسفه، وفيلسوفاً في إنسانيته.

  علاوة علي أن المفكر في نظري يجب أن يتمتع بصفات أخري منها: أن يكون مغامراً لا يحدّه خوف، ومناضلاً لا تتعبه خيبة، ومقاوماً لا تكسِره شراسة الأيام، وأن يخوض بمفرده أشرس المعارك الفكرية، وأن يتحمّل ما يكفي من معاناة أزهرت فيما بعد كتباً لم تكن في الحسبان؛ بحيث يكون سلاحُه الاحتراف والاشتغال على الذات، وأن يكون صاحب فكر متّقد انتهج النقد سبيلاً، والتجديد أسلوباً، والكشف عن المنسي هدفاً، وألا يرضي بالبكاء على الأطلال، ولا التغني بنهضة سبقت، إنما يُسنّ قلمه ويُنهض بنفسه في حراك لا يهدأ سفراً وبحثاً وإنتاجاً، وأن يكون له حركةٌ هادرةٌ لا تعرف الراحة، وأن تكون لديه القدرة علي الدورانٌ في المعنى، والاستنطاق المستدامٌ الذي لا يعرف السكون، وأن يكون هو جيشٌ من الفعلة، وأن يكون مبدعاً في أكثر من مجال؛ وكأنه مركز أبحاث، أو خلية نحل.

 بينما نجد المثقف يتميز بعدة ميزات من أهمها:

1- المثقف شخص الذى يكوّن عبر سنوات عمره مخزونًا معلوماتيًا يحوى بيانات ومعلومات وأفكار المفكرين والمتخصصين والفلاسفة وغيرهم. فهو شخص يحمل العلم لكنه لا يصنعه أو يصوغه أو يخلقه أو يبدعه!.

2- المثقف وسيط بين المعرفة والمجتمع يقرأ ويطلع على الفلسفة والأدب والتاريخ والعلوم الاجتماعية ثم يعيد صياغة هذه المعارف في شكل خطاب موجه إلى الجمهور مثل المقالات والمحاضرات والدروس المميزة والبرامج الإعلامية والمحاضرات الثقافية وغيرها.

3-المثقف ينشر الوعي ويدخل الأفكار في الفضاء العام ويحول النقاش النظري إلي قضية رأي عام. قد يكون المثقف مبدعا في أسلوبي ومناقضا الواقع، لكنه غالباً ما يعتمد على رصيد فكري أنتجه آخرون، ثم يعيده في ثوب سياق اجتماعي محدد.

  ومع ذلك فالعلاقة بين المثقف والمفكر ليست علاقة قطيعة تامة. في أحسن الأحوال يتداخل الدوران، وذلك حين يخرج المثقف من برجه النظري ليخاطب المجتمع ويكون المثقف مفكرا عندما يتجاوز مجرد التعليق على الأحداث إلي إنتاج أسئلة جديدة وهدم بني فكرية. لكن التمييز بين المفهومين يبقي مهما لكي نفهم أن امتلاك رصيد معرفي واسع أو الظهور في الإعلام، لا يعني بالضرورة أن نصاحبه مفكر، وأن العمل الفكري لا يقاس بعدد المتابعين بل بقدرة الفكرة على إعادة تشكيل طريقة فهمنا للعالم.

  وفي اعتقادي أن عبد الجبار الرفاعي (مع حفظ الألقاب) مفكرا من طراز فريد ووريثا لسلسلة من المفكرين العراقيين النوابغ، أمثال محمد رضا المظفر، ومحمد باقر الصدر، ومحمد حسين فضل الله، وغيرهم من الذين آثروا الخروج بفكرهم واجتهاداتهم عن الخط التقليدي الذي يغلب في خطابه الفلسفي العقل على النقل، وذلك من حيث مناشدته في كل كتاباته التي كتبها لفكرة التغير الجذري الرامية لإحداث خلخلة الثوابت الجامدة وزعزع الأفكار السائدة، وتأسيس نوع من الانقطاع الابستمولوجى بين المعارف القديمة من جانب، والمعارف الجديدة من جانب آخر، مستهلاً الجديد الجذري الذي يطرح سؤال المستقبل بقوة على الفكر، نفياً لتقاليد الأتباع وتأسيساً لقيم الابتداع.

  ولقد كان عبد الجبار الرفاعي بارعا في ذلك، سيما وأنه نجح في تقديم أعسر الأفكار على الهضم العقلي للقارئ العربي في عبارات أدبيَّة مشرقة، وفكَّ أصعب مسائل قضايا العقيدة، وجعلها في متناول قارئ الصحيفة اليوميَّة، واستطاع بكتاباته، أن يُخرج علم الكلام الجديد من بطون الكتب، وأروقة المعاهد، والجامعات، ليؤدِّي دوره في حياتنا الفكرية المعاصرة، وذلك من خلال سعيه إلى تقديم قراءة تأويلية إنسانية للنصوص بعيدة عن التوظيف الأيديولوجي والسياسي تهدف إلى استعادة البعد الروحي والأخلاقي للدين وذلك ضمن تجربة ورؤية واعية ومركبة ومسلحة بمعرفة تراثية وعصرية تكرهُ الخضوع لآليات المناهج الفلسفية والمنطقية التي لا تفصل بين الديني والدينوي، أو بين المقدس والمدنس.

  ولذلك تميز المشروع العقدي عند عبد الجبار الرفاعي (كما قال كاظم عبد النبي لعيبي وعلي عبد الهادي المرهج) برؤية نقدية تتناول جذور الأزمات الفكرية التي أنتجت خطاب العنف مع تأكيده على ضرورة تجديد آليات التفكير الديني لتكون أكثر انسجاما مع المتغيرات الحضارية والإنسانية. كما يُعَدّ من الأصوات القليلة التي سعت إلى تفكيك العلاقة بين الدين والأيديولوجيا محذرا من مخاطر التوظيف السياسي للنصوص في إذكاء الصراعات. ويبرز في فكره اهتمام خاص بالبعد الإنساني للدين، وذهب إلى أن الأديان جاءت في جوهرها لترسيخ قيم الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان. من هنا تكتسب دراسة مشروعه أهمية خاصة في ظل التحديات الراهنة التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية في التصدي للفكر المتطرف.

 عبد الجبار الرفاعي مفكر وفيلسوف عراقي معاصر ولد عام 1954 في محافظة ذي قار بالعراق. يُعنى بقضايا تجديد علم الكلام والفكر الديني ويُعرف بدعوته إلى أنسنة الدين وتطوير الفكر الديني ليكون أكثر انفتاًحا على قيم الرحمة والحرية والعقلانية. نشأ في بيئة دينية ريفية ودرس العلوم الدينية في الحوزة العلمية والجامعات.. وله مؤلفات عديدة في الفكر الديني والفلسفة الإسلامية.

  والسؤال الآن: ما مبرراتي وأصراري على جعل عبد الجبار الرفاعي مفكر من الطراز الأول؟

  اعتقد أن يعود لعدة أسباب، ومن أهمها:

أولا: أن عبد الجبار الرفاعي من المفكرين الذين جعلوا من إنتاج الأفكار مهمتهم الأولي، وذلك حين انطلق في مشروعه في فلسفة الدين بأجزائه المتعددة من أسئلة كبرى حول الإنسان والمجتمع والمعنى ويشتغل على بناء مفاهيم شديدة أو تفكيك مفاهيم سائدة مستخدماً أدوات الفلسفة والنقد والتحليل المنهجي.

ثانيا: أن ما يميز عبد الجبار الرفاعي أنه لا يكتفي بنقل المعرفة أو تلخيصها، بل يحاول إعادة بناء الإطار النظري نفسه، حيث يبتكر ويشكك ويعيد الصياغة ويقترح رؤي بديلة. لذلك كثيرا ما نجد عبد الجبار الرفاعي في صراع مع السائد واللغة اليومية ومع البنى الراسخة في الثقافة والدين والسياسة.

ثالثا: أن عبد الجبار الرفاعي منتج للمعنى وليس ناقل ومنظم ومفسر له، ولذلك فهو يهتم بالبنية العميقة للفكرة والأسئلة الأولي مثل: ما الحرية؟، ما الحقيقة؟، وما العدالة؟، ولم يهتم بترجمة هذه الأسئلة إلي مواقف وممارسات؛ مثل: كيف ندافع عن الحرية في هذا البلد أو كيف نصلح التعليم أو كيف نواجه الاستبداد والفساد.

رابعا: أن عبد الجبار الرفاعي دائما ما نراه في كتاباته ومقالاته على المستوى النظري التجريدي، وليس العمومي العملي، ولذلك كثيرا ما أجد لديه في أغلب كلامه عن علاقة بالسلطة والجمهور، فعبد الجبار غالباً ما يكون معزولا يعمل في صمت ويكتب نصوصا يصعب على الجمهور الواسع قراءتها لأنها تفكك المسلمات وتستعمل لغة مفهومية دقيقة.

خامسا: إن عبد الجبار الرفاعي دائما ما يصر على أن يجعل دوره كمفكر تتصل بحركة الحياة، وهداية المجتمع، وتغيير الإنسان وإنضاجه أو تحسين حاله. وفي ذات الوقت أراه يتقمص وظيفة المثقف والعالم الرامية إلى إدارة الحياة، ودفع المجتمع إلى التقدم، وتحصيل القوة والمنفعة والرفاهية، وتحسين أوضاع الإنسان.

سادسا: أن وظيفة المفكر تتصل بحركة الحياة، وكأن عبد الجبار الرفاعي مصرا على تأكيد قول على شريعتي في كتابه (العودة إلى الذات)، الصادر 2006، بأن السمة البارزة فيه هي معرفة مجتمعه معرفة حقيقية ومباشرة، يحسن التفاهم مع قومه، ويتقن معرفة عصره، ويعيش الإحساس بآلام العصر، ويدرك في أي مرحلة من التاريخ يعيش مجتمعه، ويكون واعيا بزمانه الاجتماعي.

سابعا: أهم ما يميز فكر عبد الجبار الرفاعي أيضا هو ما أسماه " علي حرب" في كتابه (أوهام النخبة أو نقد المثقف) الصادر سنة 1996م، بـ "جبهة الممتنع"، ويقصد به ما يتصل بعالم الفكر والتفكير، ولهذا يهتم عبد الجبار الرفاعي بتفكيك العوائق الذاتية للفكر، كما تتمثل في عادات الذهن، وقوالب الفهم، وأنظمة المعرفة، وآليات الخطاب، وكأن عبد الجبار الرفاعي هو في النهاية هو مفكر صانع أفكار، أو مبتكر مفاهيم، أو خالق بيئات مفهومية. ولذلك لم أكن مبالغا حين نعته بأنه نحات المفاهيم الجديدة.

ثامنا: من الأمور التي جعلتني أصف عبد الجبار الرفاعي بأنه مفكر من الطراز الأول نقده لأدلجة الدين من خلال قضية ترحيل الدين من مجاله الأنطولوجي الواسع إلى سياقات وظيفية ضيقة يجري فيها استلابه وتسخيره لخدمة أهداف محدودة ما يُميت رحمانيته ورحابته الأنطولوجية، ويجعله أكثر عنفًا وانغلاقا ونبذ الآخر. ومن هنا جاء نقده لعلي شريعتي تحت عنوان: "المثقف الرسولي علي شريعتي: ترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا". ونفس الشيء يقال عن حسن حنفي حين اختزل الدين في الانطولوجيا.

تاسعا: كذلك لا ننسي براعة عبد الجبار الرفاعي من تأسيس فهمه للدين على إعادة تعريف الإنسان وإعادة تعريف الدين وإعادة قراءة نصوصه في أفق العصر وإعادة تحديد وظيفته في الحياة والكشف عّما يمكن أن يقدّمه الدين للإنسان من احتياجات روحّية وأخلاقية وجمالية وما يترقبه الإنسان من عواطف ورفق ِهُمه للروح من سكينة وللقلب من طمأنينة. وفي ضوء ذلك يعيد الرفاعي تعريفه الخاص للدين، وشفقة ورحمة يمنحها الديُن للحياة وما يُل فيراه في كتابه حياةً في أفق المعنى، تفرضها حاجةُ.

عاشرا: وأخيرا وليس آخر أرفع القبعة لعبد الجبار الرفاعي في جمال دعوته نحو تعريف منظور حداثًيا للدين، حيث انتقل فيه الرفاعي من كونه منظومة مغلقة من الأحكام والطقوس إلى كونه تجربة وجودية مفتوحة تستجيب لحاجات الإنسان في أبعاده العميقة. فحين يعّرف الدين بأنه "حياة في أفق المعنى" فهو يعيد ربطه بالأسئلة الكبرى للوجود ويخرجه من أسر الصراعات الأيديولوجية أو التفسيرات الجامدة إلى فضاء أرحب يتقاطع فيه الروحي مع الجمالي والخلقي مع الإنسان... وللحديث بقية..

***

دكتور محمود محمد علي

مفكر مصري