عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

زكريا نمر: الدولة كقناع والقبيلة كحقيقة

القبيلة إطار اجتماعي، والدولة إطار سياسي. عبارة تبدو في ظاهرها توصيفا بسيطا، لكنها في العمق تكشف عن بنية مأزومة، حيث تختلط الحدود بين ما هو تقليدي وما هو حديث، بين ما يفترض أنه مجال للانتماء الثقافي، وما يفترض أنه مجال لتنظيم السلطة. في المجتمعات المستقرة، يظل هذا الفصل واضحا نسبيا: القبيلة تحتفظ بوظيفتها الرمزية والاجتماعية، بينما تحتكر الدولة المجال السياسي والقانوني. أما في المجتمعات التي تعاني من هشاشة بنيوية، فإن هذا الفصل يتآكل تدريجيا، حتى يصل إلى مرحلة التداخل الكامل، حيث لا تعود القبيلة مجرد إطار اجتماعي، ولا الدولة مجرد إطار سياسي، بل يتحول كل منهما إلى امتداد مشوه للآخر.

الأزمة السياسية التي تتصاعد وتزداد تعقيدا ليست مجرد نتيجة لصراع على السلطة، بل هي انعكاس لفشل عميق في تعريف من يملك الحق في إدارة الشأن العام، وبأي أدوات، وعلى أي أساس. حين تكون مساهمة أطراف الصراع في إدارة الملف السياسي محدودة أو معدومة، فإن ذلك لا يعني غياب الفعل السياسي، بل يعني احتكاره من قبل قوى ضيقة، غالبا ما تستند إلى الولاءات الأولية، وفي مقدمتها القبيلة. وهنا تبدأ السياسة في الانحدار من فضاء التفاوض العقلاني إلى فضاء الاصطفاف الهوياتي، حيث لا تحسم القضايا وفق منطق المصلحة العامة، بل وفق ميزان القوة والانتماء.

تتحول القبيلة من بنية اجتماعية إلى فاعل سياسي مركزي. لم تعد مجرد إطار يوفر الحماية المعنوية أو التكافل الاجتماعي، بل أصبحت أداة تعبئة، ومنصة للشرعية، وقناة للوصول إلى الموارد والسلطة. ومع هذا التحول، يعاد تعريف مفاهيم أساسية مثل الحق والتمثيل والعدالة. فالحق لم يعد مرتبطا بالمواطنة، بل بالانتماء؛ والتمثيل لم يعد قائما على البرامج أو الكفاءة، بل على القدرة على حشد الجماعة؛ أما العدالة، فتفقد طابعها المؤسسي لتتحول إلى تسوية عرفية تدار داخل حدود القبيلة أو بين القبائل.

الدولة، في المقابل، لا تختفي، لكنها تفقد مضمونها. تبقى مؤسساتها قائمة شكليا، وتستمر القوانين في الوجود كنصوص، لكن الفاعلية الحقيقية تنتقل إلى خارجها. يصبح القانون انتقائيا، يطبق حين يخدم موازين القوة، ويعطل حين يتعارض معها. وتتحول المؤسسات إلى واجهات، تستخدم لإضفاء شرعية شكلية على قرارات تتخذ في أماكن أخرى، غالبا خارج الإطار الرسمي. هكذا، تتحول الدولة إلى كيان هجين: لا هي دولة قانون حقيقية، ولا هي بنية تقليدية خالصة، بل مساحة رمادية يسودها الالتباس.

هذا الوضع لا ينشأ من فراغ، بل من تاريخ طويل من الإخفاقات. فالدولة، منذ نشأتها، قد تكون فشلت في بناء عقد اجتماعي جامع، أو في تحقيق حد أدنى من العدالة في توزيع الموارد، أو في خلق شعور عام بالانتماء الوطني يتجاوز الانتماءات الضيقة. وفي غياب هذه الشروط، لم يجد الأفراد سببا كافيا للثقة في الدولة، فعادوا إلى ما هو أقرب وأكثر موثوقية: القبيلة. لكن هذا الرجوع ليس بريئا، لأنه لا يتم في فراغ، بل في سياق صراع على السلطة، مما يجعل القبيلة نفسها عرضة للتسييس، وبالتالي للتشويه. المفارقة أن هذا التداخل بين القبيلة والدولة لا ينظر إليه دائما بوصفه أزمة، بل يعاد إنتاجه وتبريره. تستخدم مفاهيم مثل الخصوصية الثقافية أو الواقع الاجتماعي لتبرير استمرار الهيمنة القبلية على المجال السياسي. لكن هذه التبريرات تتجاهل أن ما يحدث ليس مجرد تعبير عن الثقافة، بل هو توظيف سياسي لهذه الثقافة. فالقبيلة، في حد ذاتها، ليست مشكلة؛ المشكلة تكمن في تحويلها إلى أداة للسلطة، وفي استخدامها كبديل عن مؤسسات يفترض أن تكون أكثر شمولا وحيادا.

النخب السياسية تلعب دورا محوريا في تكريس هذا الوضع. بدل أن تعمل على بناء دولة تتجاوز الانقسامات، فإنها غالبا ما تستثمر فيها. تعتمد على القبيلة كقاعدة دعم، وتعيد إنتاج خطاب يعزز الانتماءات الضيقة، لأنها تدرك أن بقاءها في السلطة مرتبط بقدرتها على التحكم في هذه الشبكات. وهكذا، تتحول النخبة من فاعل إصلاحي محتمل إلى جزء من المشكلة، بل إلى أحد أهم أسباب استمرارها. هذا التواطؤ بين النخبة والبنية القبلية يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها. فكلما ضعفت الدولة، ازدادت قوة القبيلة؛ وكلما ازدادت قوة القبيلة، تراجعت فرص بناء دولة قوية. وفي ظل هذا التوازن المختل، يصبح أي مشروع إصلاحي مهددا بالفشل، لأنه يصطدم ببنية مصالح متجذرة، لا ترى في الإصلاح إلا تهديدا مباشرا لنفوذها. أن هذا الوضع يعيد تعريف الصراع نفسه. لم يعد صراعا سياسيا يمكن حله عبر التفاوض أو التسوية، بل يتحول إلى صراع هوياتي، حيث تختزل القضايا في ثنائيات حادة: نحن مقابل هم. وفي هذا النوع من الصراعات، تصبح التسويات أكثر صعوبة، لأن التنازل لا ينظر إليه كخيار سياسي، بل كخيانة للانتماء. وهنا، تدخل المجتمعات في دوامة من العنف الرمزي والمادي، يصعب الخروج منها.

كما أن سيطرة المنطق القبلي على المجال السياسي تؤدي إلى تشويه الاقتصاد نفسه. فبدل أن توزع الموارد وفق معايير الكفاءة أو الحاجة، يتم توزيعها وفق اعتبارات الولاء والانتماء. تتحول الوظائف العامة إلى أدوات للمحاصصة، وتستخدم المشاريع التنموية كوسائل لكسب الدعم، لا كخطط لتحقيق التنمية. وفي ظل هذا الوضع، تتآكل الثقة في المؤسسات، ويصبح الفساد ليس استثناء، بل قاعدة. لكن، رغم هذا التشخيص القاتم، فإن الحل لا يكمن في إعلان حرب على القبيلة، ولا في محاولة اقتلاعها من جذورها. القبيلة، في نهاية المطاف، جزء من النسيج الاجتماعي، ولها وظائف لا يمكن إنكارها، خاصة في مجتمعات تعاني من ضعف الدولة. المطلوب ليس إلغاءها، بل تحييدها سياسيا، وإعادة وضعها في إطارها الطبيعي كحامل للهوية والثقافة، لا كأداة للسلطة.

تحقيق ذلك يتطلب إعادة بناء الدولة من الأساس، ليس فقط كمؤسسات، بل كفكرة. يجب أن تقوم على عقد اجتماعي جديد، يضمن المساواة أمام القانون، ويوفر حدا أدنى من العدالة في توزيع الموارد، ويخلق شعورا حقيقيا بالانتماء. كما يتطلب إصلاح النظام السياسي بحيث يتيح مشاركة فعلية لمختلف الأطراف، بدل إقصائها أو تهميشها، لأن الإقصاء هو أحد أهم الأسباب التي تدفع الجماعات إلى الاحتماء بالقبيلة. إلى جانب ذلك، لا بد من إعادة تعريف دور النخبة. يجب أن تتحول من وسيط قبلي إلى فاعل وطني، من مستثمر في الانقسام إلى منتج للتوافق. وهذا لن يحدث بسهولة، لأنه يتطلب تغييرا في بنية الحوافز نفسها، بحيث يصبح البقاء في السلطة مرتبطا بالأداء، لا بالولاء.كما أن المجتمع نفسه له دور لا يقل أهمية. فالتغيير لا يمكن أن يفرض من الأعلى فقط، بل يحتاج إلى تحول في الوعي، إلى إدراك أن الاعتماد على القبيلة كبديل للدولة هو حل قصير المدى، يحمل في داخله بذور أزمات مستقبلية أكبر. هذا الوعي يمكن أن يتشكل عبر التعليم، والإعلام، والنقاش العام، لكنه يحتاج أيضا إلى نماذج ناجحة تثبت أن الدولة يمكن أن تكون بديلا حقيقيا.

الأزمة ليست في وجود القبيلة، ولا في فكرة الدولة بحد ذاتها، بل في العلاقة المختلة بينهما. حين تفشل الدولة في أن تكون إطارا جامعا، تتقدم القبيلة لملء الفراغ؛ وحين تسيّس القبيلة، تفقد الدولة قدرتها على الاستقلال. وبين هذا وذاك، تضيع السياسة، ويتحول الصراع إلى معركة مفتوحة بلا أفق.إعادة التوازن بين الإطارين ليست مهمة تقنية، بل مشروع تاريخي معقد، يتطلب إرادة سياسية، ووعيا مجتمعيا، وصبرا طويلا. لكنه، رغم صعوبته، يظل الخيار الوحيد للخروج من الدائرة المغلقة، وبناء دولة لا تكون مجرد اسم، بل حقيقة قادرة على احتواء الجميع، دون أن تلغي أحدا، ودون أن تختزل في جماعة أو قبيلة.

***

زكريا نمر