قضايا

منير محقق: الدرس اللساني المغربي وجسور الانتقال المعرفي العربي

مساهمة عبد المجيد جحفة نموذجًا

مقدمة: أضحى الدرس اللساني المغربي خلال العقود الأخيرة أحد أبرز الحقول المعرفية المؤثرة في تطور البحث اللغوي العربي المعاصر، إذ استطاع أن يؤسس لنموذج علمي يجمع بين استيعاب النظريات اللسانية الحديثة وإعادة تأويلها داخل السياق الثقافي العربي. ولم يظل هذا الإنتاج العلمي حبيس المجال المحلي، بل أسهم في تشكيل فضاء معرفي عربي مشترك، تجلت مظاهره في التفاعل الأكاديمي بين الجامعات المغربية ونظيراتها في المشرق العربي، وخاصة في التجربة النقدية واللسانية السعودية التي انفتحت على عدد من التصورات المنهجية المغربية واستثمرتها في تطوير أدوات التحليل اللغوي والنقدي.

وفي هذا الإطار، برزت أسماء علمية وازنة مثل عبد القادر الفاسي الفهري، وحسن الصميلي، وعبد الواحد خيري، وفاطمة اليحياوي، ولطيفة القاديري وغيرهم، غير أن تجربة الباحث اللساني عبد المجيد جحفة تمثل نموذجًا دالًا على دينامية الانتقال المعرفي العربي، لما اتسمت به أعماله من عمق نظري وانشغال إبستمولوجي بسؤال المعنى وبنيات اللغة العربية (جحفة، 2010).

أولًا: اللسانيات بوصفها حفريات معرفية

يقدّم عبد المجيد جحفة في كتابه حفريات في العربية تصورًا أركيولوجيًا للبحث اللساني، حيث تصبح اللغة مجالًا للتنقيب المعرفي الذي يكشف الطبقات التاريخية المتراكمة داخل الألفاظ والدلالات. فاختيار مفهوم «الحفريات» لا يحمل بعدًا استعاريًا فقط، بل يعكس تصورًا علميًا يرى أن المعاني تخضع لتحولات زمنية مشابهة لتحولات الطبقات الأثرية (جحفة، 2010).

ومن هذا المنطلق، يتحول اللساني إلى «أركيولوجي للمعنى»، يعمل على استنطاق العلامات اللغوية واستعادة تاريخها التداولي. وقد أسهم هذا التصور في إعادة توجيه الدراسات الدلالية العربية نحو فهم تطوري للمعنى، وهو توجه وجد صداه في عدد من الدراسات العربية الحديثة التي سعت إلى الربط بين اللسانيات والتاريخ الثقافي للغة.

ثانيًا: الاتصال الدلالي بين العربية المعيارية والعربية المغربية

يرفض جحفة المقاربة التقليدية التي تبحث عن الفصيح داخل الدارج، ويقترح بدلًا منها دراسة العلاقات الدلالية التي تربط بين أنماط العربية المختلفة بوصفها أنظمة متفاعلة داخل نسق لغوي واحد. فالمقارنة لا تقوم على التطابق، بل على تحليل مسارات تطور المعنى عبر ظواهر التخصيص والتعميم والانزياح الدلالي (جحفة، 2010).

ويكشف هذا الطرح عن تصور دينامي للغة العربية باعتبارها كيانًا حيًا يتطور وفق شروط الاستعمال الثقافي والاجتماعي، وهو ما ساهم في تعزيز الرؤية الوحدوية للغة العربية داخل البحث اللساني العربي، ومهّد لإمكانات تفاعل علمي أوسع بين المدارس اللسانية العربية، بما فيها التجربة السعودية التي انخرطت في دراسة التنوع اللغوي ضمن إطار العربية الجامعة.

ثالثًا: إشكالية المعنى بين الإدراك والعالم

في كتابه مدخل إلى الدلالة الحديثة، يطرح جحفة سؤالًا إبستمولوجيًا مركزيًا: أين يوجد المعنى؟ ويرى أن الإجابة تقتضي تجاوز الثنائية التقليدية بين اللغة والعالم، لأن المعنى يتشكل داخل علاقة تفاعلية تجمع الإنسان ببيئته الإدراكية (جحفة، 2018).

ويؤكد الباحث أن المعنى ليس خاصية مستقلة عن البنية اللغوية أو الذهن البشري، بل نتيجة عمليات إدراكية تسمح للإنسان بتمثيل العالم والتواصل بشأنه. ويستند في ذلك إلى التصورات الإدراكية التي أبرزت دور البيئة في بناء المعنى، كما عند غيبسن الذي اعتبر الإدراك عملية تفاعل مباشر مع المحيط (Gibson, 1979).

رابعًا: النظريات الدلالية والتصورات المنطقية للمعنى

يعرض جحفة ثلاث مقاربات كبرى لتعريف المعنى:

النظرية المرجعية التي تربطه بالإحالة على العالم،

نظرية الأفكار التي تجعله تمثيلًا ذهنياً،

النظرية السلوكية التي تفسره من خلال الاستجابة التواصلية.

وتشترك هذه النظريات في مبدأ «التعيين»، أي تحديد المعنى عبر علاقته بعنصر خارجي أو ذهني (جحفة، 2018). كما يناقش التصور المنطقي الذي يربط المعنى بشروط الصدق، وهو تقليد يمتد إلى الدراسات الدلالية المنطقية الحديثة، مقابل الاتجاه النفسي الذي يجعل المعنى بنية معرفية داخل الذهن الإنساني.

خامسًا: المتكلم وإنتاجية المعنى

يناقش جحفة البعد الإبداعي للمتكلم مستندًا إلى التصور التوليدي الذي يرى اللغة قدرة إنسانية خلاقة، كما ذهب إلى ذلك تشومسكي (Chomsky, 1986). فالمعنى، وفق هذا المنظور، يرتبط بقصد المتكلم، وهو ما يجعل إنتاج المعنى عملية دينامية لا تنفصل عن الفعل اللغوي ذاته.

غير أن هذا التصور يفتح المجال لنقاشات تأويلية حول دور المتلقي، وهو ما أسهم في تقريب اللسانيات من النقد الأدبي ونظريات التأويل، الأمر الذي يعزز إمكان بناء جسور معرفية بين الدراسات اللغوية والنقدية في السياق العربي المشترك.

سادسًا: تمثيل المعنى في النحو التوليدي

يميّز جحفة بين الدلالة التأويلية والدلالة التوليدية داخل النحو التوليدي، حيث تمنح الأولى الدلالة دورًا تفسيرياً لاحقًا للبنية النحوية، بينما ترى الثانية أن المكون الدلالي يسهم في توليد البنية التركيبية نفسها (جحفة، 2018).

ويستحضر نموذج غروبر الذي يفترض وجود مستوى دلالي سابق للوحدات المعجمية، حيث تتشكل الأوليات الدلالية قبل تحققها اللفظي. وقد ساعد هذا التصور على إعادة التفكير في العلاقة بين المعنى والتركيب داخل الدراسات اللسانية العربية الحديثة.

سابعًا: اللغة والزمن وإشكالية الإحالة الزمنية

في كتابه دلالة الزمن في العربية، يعالج جحفة الزمن باعتباره مقولة نحوية ودلالية في آن واحد، مشيرًا إلى أن فهم القول اللغوي يقتضي فهم إحالته الزمنية (جحفة، 2012).

ويرى أن تعقيد الزمن في العربية يعود إلى تداخل المستويات النحوية والدلالية والإدراكية، إضافة إلى قلة الدراسات الوصفية الشاملة للنسق الزمني العربي، مما يجعل البحث في الزمن اللغوي مجالًا مفتوحًا أمام الدراسات المستقبلية.

خاتمة

تكشف تجربة عبد المجيد جحفة اللسانية عن نموذج معرفي عربي قائم على الحوار بين النظرية والتطبيق، وبين التراث والحداثة، وهو ما جعل أعماله تسهم في تطوير التفكير الدلالي العربي وإدماجه ضمن النقاش اللساني العالمي.

ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار المشروع اللساني المغربي أحد الجسور المعرفية التي أسهمت في تعزيز التفاعل العلمي بين المغرب والسعودية، حيث أتاح انتقال المفاهيم والمقاربات اللسانية بناء أفق عربي مشترك يقوم على التكامل العلمي وتبادل الخبرات، بما يعكس وحدة المجال الثقافي العربي في تعدده المنهجي.

***

د.  منير محقق

...............................

لائحة المراجع والمصادر (APA)

- Chomsky, N. (1986). Knowledge of Language: Its Nature, Origin, and Use. New York: Praeger.

- Gibson, J. J. (1979). The Ecological Approach to Visual Perception. Boston: Houghton Mifflin.

- جحفة، عبد المجيد. (2010). حفريات في العربية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.

- جحفة، عبد المجيد. (2012). دلالة الزمن في العربية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.

- جحفة، عبد المجيد. (2018). مدخل إلى الدلالة الحديثة. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.

- الفاسي الفهري، عبد القادر. (2000). اللسانيات واللغة العربية. الدار البيضاء: توبقال.

في المثقف اليوم