نصوص أدبية
قصي الشيخ عسكر: إعلانات
هذه الأيام أصبحت قلقا جدا
بسبب شعري
لقد
بدأ يتساقط.. يتسلل مثل اللص، ويختفي
وليس معي سوى ضفيرة جميلة تعود إلى زمن الطفولة الراّقي
طبعاً
يثير استيائي حين أصبح أصلع. كثيرون لن يبالوا.. بعضهم يعدّه علامة للحكمة والرجولة
لكني
أختلف تماما فمنذ بدأ شعري يتساقط راودتني رغبة سخيفة
مثل نكتة لا تجبر أحدا على الضحك
رحت أعد الصلعان الذين أقابلهم في طريق...
رأس فارغ من الشعر
أقرع..
والحكاية بدأت
بصلع خفيف راود الهامة
المعيار عندي يختلف عن الآخرين الذين لايبالون.. فأنا أرى الكثيرين منهم منافقين يظهرون أنفسهم حكماء بالصلع وفي السرّ يصرفون مالهم ووقتهم على وهم.. يركضون وراء سراب أو يرتدون الشّعر المستعار
ربما.. لايهمك عضو في بدنك
لا تعّده رمزا لوسامتك،
فمن حقي أن أنظر لشعري الكثيف بإعجاب ذلك الذي عايشته منذ ربع قرن
قد تقول لي حججي واهية. .. شعر الإبط وشعر العانة نقصّه.. نطرده بلا رحمة، لا يهمنا أن يتساقط أم لا، أقول بصراحة هذا شعر مخفيّ، يعيش في الظلمة يتغذى على النجاسة.. القذارة سبب بقائه وديمومته، أما شعري فيتغذى على دم الرأس.. أعلى قمة في قامة البشر.. على الفكر، إذا تساقط فذلك يعني أنَّ غذاء الفكر مصاب بعاهة ما. هناك تلكؤ يعيق الغذاء عن الوصول إلى القمة.. الآخر الذي ينبت في النجاسة أو بالقرب منها لا يعنيني
أنا نفسي أزيله فأشعر بالراحة
كأنني أزحت همّا يجثم على صدري أو جبلا عن طريقي...
لا أعجز عن أن أجيب على أي سؤال يخص الشعر بكل أحواله، ما نطرده نحن أو ما نأسف لفراقه.. صديقي جمال الذهب مصمم الأزياء الفكه الذي يعمل في الشركة معي، يقول لي :
عليك أن تقبل الواقع تروّضه تصادقه إذا أصبحت أصلع، ليذهب شعر رأسك.. صادق الصلع.. إنّه صديق دائم لايخونك ولا يفارقك مهما يكن أقلّ قبحا من الموت وتذكّر ياصديقي إنك تحلق لحيتك كلّ يوم!!
قلت على البديهة مثل الإلهام:
هناك ثلاثة أصناف ياصديقي من الشعر، ما يجب أن يبقى وهو الأجمل، ومايجب أن نزيله، وما يُستحبّ أن نحلقه، وهو المنافس الأقرب لشعر الرأس.. اللحية، شعر الرأس يدل على الجمال والوسامة ومادام شعر الوجه الأقرب إليه ولا يتغذى من الفكر أو النجاسة. مصدر غذائه مجهول فيمكن أن نحلقه أو نبقيه حسب رغبتنا، لكنه في بعض الحالات يتحول إلى بعبع يزيد من قسوتنا وتوحشنا ويدفعنا إلى العنف
كان على صديقي المرح في قسم التصميم هو وغيره أن يعرف أني أكثر ما أكرهه في الصلع أن يكون كثيفا عند الجنبين ولا شئ في الهامة
فراغ تام في الأعلى
يلمع تحت الشمس
يمكنك أن ترى صورتك فيه وهو يلمع
بداية تساقط شعري جعلني أراقب العابرين
كم رأسا رأيت في الشارع
أنسى العدد وأتذكره
بعض الأحيان أضيف إليه ما أشاهده، في الليل، على شاشة التلفاز، من صلعان وقرعان، من مذيعين ومغنين وملوك ورؤوساء.
لم تصبح حالتي مرضية ولا أظنّها ستتطوّر إلى هاجس.
أنا وسيم
عمري خمسة وعشرون عاما.. ليس في عائلتنا من أصيب بالصلع، وأنا في المرحلة الابتدائية، سألت أبي فأجاب إن عائلتنا لم تعرف الصلع من قبل وضرب لي مثالا بجدّي الذي وعيت عليه. يقال عاش 95 وتسعين عاما وكان شعره كثيفا جدا.. أسود.. ظلّ أسود ولم يتطرّق إليه الشيب.
واستفسرت من أمي فنفت داء الصلع من عائلتها. عندي خالات وليس لي أخوال. في كلّ الأحوال سلالة أمّي نقيّة.
ولكوني وسيما امتهنت عدة حرف. بدأت بالتجارة فتحت محلا للملابس النسائية وبعد عام استغنيت عنه وجدته لا يحقق طموحي في المال، ولا يحقق لي الشهرة... مارست مهنة الصحافة قبل أن أصبح مذيعا في محطة الإذاعة المحليّة. أما رغبتي الحقيقية فكانت أن أعمل عارضا للأزياء. ولا مشكلة عندي في الطول...
طولي 180 سنتمترا
هي..
آخر مهنة مارستها قبل أن يخونني الشعر..
وقبل أن أتحوّل بسبب الصلع إلى قسم الإعلان.
2
لا أغالي حين أذكر أن الزهو رافقني منذ الطفولة.
كانت أمي، إلى السنة السادسة، من عمري_ سنة المدرسة- تترك شعري يطول. اعتادت أن تسرحه كلّ يوم،، وتعمل لي ضفيرة فكنت أقف على منصة خشبية، أمام المرآة، في غرفة أبويَّ. أراها كيف تمشطه، ثمّ تأخذ بيدي أو تحملني بين ذراعيها وتسير بي إلى أبي في الصالة، فيداعبني بحنان، ويمرر يده على ضفيرتي. أراه يقول لأمّي:
- ألم يحن الوقت بعد لتقصي شعره؟
فتجيبه وهي تبتسم:
- حينما يلتحق بالمدرسة
وعندما حان الوقت، وقبل أن أرتدي السروال القصير و أتأبط حقيبتي المدرسيّة بيوم صحبني أبي، وأمي إلى صالون الحلاقة.. لم أخف أو أقلق.. كانت تجربة جديدة.. الحلاق فضّل أن تقص شعري فتاة ماهرة تعمل معه. وقد مرت السنوات ولم يغب اسمها عن بالي.. (سلافة) أجلستني على كرسي عال، وبدأت تقص شعري الكثيف، وكانت أمي تبتسم.. إنها المدرسة.. قالت الحلاقة عام دراسي سعيد، وبدأت يداها تتحرّكان أصبح رأسي بين المقص والمشط.. أوّل مابدأت بالضفيرة، هذه التي مازلت أحتفظ بها إلى الآن. وضعتها أمي في كيس، قالت: ستكون ذكرى، وأجاب أبي بهدوئه المعتاد:أصبح الآن رجلا بكل معنى الكلمة، وعقبت الحلاقة والمقص بيدها والمشط يسريان فوق شعري:
- الشعر زينة للنساء وهيبة للرجال إذا كان قصيرا.
منذ ذلك اليوم والضفيرة تلاحقني أو ألاحقها. بطولها وشكلها، وعقدها التي ضفرتها أمي. كنت أهملتها وفي هذه الأيام أدمنت على النظر إليها. مرتين أو ثلاثا في اليوم ثم وضعتها في درج الدهليز المؤدي إلى القبو كي أراها حيثما شئت.
عندها بعد أن انتهت الحلاقة من شعري ورشت على رأسي رذاذا باردا عبق الرائحة وخزتني بعض قرصات منه في عنقي..
بدأت بصورة أخرى..
لكن الأمر الخطير الذي تعرض له شعري لم يكن من الحلاقة بل من تلميذة معنا في المدرسة في الصفّ نفسه. اسمها لم يغب عن بالي، كنت ألتقيها في بعض الأحيان لقاءات عابرة، فبيتسم كل منا للآخر ويهز رأسه إذا التقينا في عن بعد إو نستعيد ذكريات الحادث على عجل إذا التقينا مصادفة وجهها لوجه..
كانت نادية أضخم منا - نحن طلاب الصَّفِّ الأوّل_تبدو أكبر لكنها في الواقع في سننا تماما
ست سنوات من يرها يظنّها في العاشرة..
فيها بعض الخشونة، شعرها قصير، أشبه بتسريحة صبي، ربما الشعر القصير لا يناسب وجهها الطولي، هيئتها.. سلوكها.. صوتها الخشن تلك صفات لا توحي بأنها من عائلة أرستقراطية مثل أهلي والعائلات الأخرى التي اختارت مدرستنا الخاصة ذات الأجور المرتفعة والمعروفة أنّها مدرسة أبناء الذوات بالوراثة.
ليست من عائلة فقيرة ولا متوسطة الحال، هذا ما عرفناه من آبائنا بعد مقلبها السمج معنا. قبل دخول الآنسة الصف، فتحت حقيبتها.. أخرجت منها مقصا ونزلت في شعرها من جهة الجبهة قطعت بعض الخصلا ثمّ دارت علينا على تطقطق بالمقصّ. راحت تقص وهي تقول:هكذا إذن أفضل.. أنت أجمل بهذه الصورة.. أنتِ أحلى.. نزلت علينا بلا رحمة.. صفنا فيه عشرون تلميذا وتلميذة.. لم تترك أحدا منا.. تلاميذ آباؤهم من كبار التجار وأساتذة الجامعات والضباط المعروفين وذوي المناصب العليا.
قصت شعرنا وهي تضحك وتغني
ولا تبالي
هكذا أفضل
ونحن جالسون صامتون مثل الخرفان
أدهشتنا التجربة حدّ الهدوء والسكون التامين
ووددنا لو ينصرم الدرس فننط إلى دورات المياه نتطلع في أشكالنا الجديدة الغريبة.
وحين طالعتني أمي في البيت شهقت وأخذت تلعن وتسبّ، وتدعي أن الطفيليات والرعاع أصبحوا في كلّ مكان، مثل الطاعون لاتخلوا منهم مؤسسة أو مدرسة ولا أيّ معلم يروده المجتمع المتحضر والعوائل العريقة..
رعاع
همج
متخلفون
وفي النهاية أخذني أهلي للحلاقة سلافة التي عجزت أن ترمم رتق الشعر فحلقته كلّه، وفي اليوم التالي بدا الصف كله أقرع حليق الشعر. قالت المعلمة لا تبالوا: هكذا كانت المدارس تفعل في القديم إذ يصيب القمل شعر التلاميذ بسبب البرد الشديد، كانت آنسة الصيف لينة تغالب ابتسامتها وتَدّعي أن حلاقة الشعر تقوّي الشّعر، فيما بعد أدرك أهلنا أن والد (نادية) من أغنى أغنياء البلد.. له شأن في الداخل والخارج.. من عائلة كانت معدمة لا علاقة لها بالترف والنعمة.. تختلف في ثروته الآراء والتخرّصات، والحقّ أصبح فعل نادية معنا ومع نفسها نكتة قديمة لم تستمرّ طويلا..
قلت:
إني كنت ألتقي نادية في الشارع، لقد كبرت ومع السنوات اختفت خشونتها، وطال شعرها، أصبحت تعقده بتسريحة ذيل الحصان، بدت حقا أجمل وأكثر ليونة ورقّة ثمّ اختفت سنتين، وفي الأسبوع الأول لتساقط شعري المخيف التقيتها مصادفة وجها لوجه.. رأيتها بملامح أجمل، تسريحة ذيل الحصان نفسها. كانت تشعّ أنوثة وفتنة.
- نادية أين كنت؟
- تزوجت وغادرت مع زوجي إلى الخارج
قالتها بابتسامة عريضة شعرت معها براحة وخدر:
- أخبرك أن شعري بدأ يتساقط؟
فأطلقت ضحكة خفيفة:
- إذن لن تحتاجني ولن ينالك مقصي!
تحياتي إلى زوجك.
وافترقنا..
وكنت وصلت إلى رقم معقول من الصلعان الذين عددتم في طريقي، ولست متأكدا من أن شعري يخونني بعد
وصل الرقم عندي إلى خمسين أصلع هذا اليوم.
3
أظنّ أنّها الهامة.
النقطة العليا في الرأس.
أحد الأيام وقع بصري عليها فارغة، ولعلي تجاهلتها. وقتها تذكرت ألّا أحد من أهلي أصيب بالصلع على حدّ رواية أمي وأبي. لا أنكر أن بعض الهواجس راودتني، في العمل حيث اعتدت أن أرى وجه صديقي الساخر (جمال الذهب).. قلقي الذي لم يحتدم بعد دفعني إلى السؤال وأنا أطأطئ هامتي ليراها:
- هل ترى الفراغ في هامتي؟
- قد تكون بداية صلع أو تبقى بحجمها
- معقول
- ولِمَ لا في هذا الزمن كلّ شئ معقول وغير معقول!
هل أصبحت فيلسوفا؟
- يا أخي شعرك أو صلعك لن يغيرا العالم
- أظنهم سوف ينقلونني في حالة صلعي إلى وظيفة أخرى
فأطلق ضحكة طويلة وقال بسفاهة:
- في هذه الحالة لا ينفعك إلا حالة واحدة توقف توسع الرقعة أخلط في الليل قبل النوم عشر قطرات من بنزين الطائرات مع فصّ ثوم مهروس وادهن به شعرك ثمّ لفّه بقطعة قماش ونم.. مارس الطقوس كل ليلة مدة سبعة أيام ولا تقلق بعدها.
_حقا سخيف وأسخف منك من يسألك.
وقد رجعت إلى الضفيرة، هناك أشياء كثيرة تركها لي أبواي غفلت عنها في القبو، ودرج قديم وضعت فيه والدتي بعض الأدوات.. وعاء شاي خزفي.. مكحلة نحاس.. مرش ماء الزهر، أما القبو فكان يضمّ إرثا واسعا لعائلة أرستقراطية تكاد تقطع مابيني وبينها حياتي المختلفة تماما.
خنجر قديم، وبعض اللوحات الزيتية، وثمة فانوص كالذي كان يملكه علاء الدين، ودلّة قهوة، ومقص من فضّة. أشياء لا تنفعني ذكرتني بها الضفيرة في الدرج. قد أكون أحتاجها إذا بدأت عملية زرع الشعر.
أخرجت الضفيرة من الدرج لتكون شاهدا على كلامي وتجاهلت المقتنيات على أمل أن أبيعها ذات يوم.
استعرضت ذاكرتي وأنا مسترخ المشهورين من ممثلين ورؤوساء دول قهروا الصلع. مادمت قدتَ ثورة فيجب أن تبقى بشكلك شابا.. لو أصبحَ أصلعَ لبدا شكله بلحيته أكثر قبحا.. جيفارا قتل قبل أن يعتريه داء الصلع... الرئيس الكوبي استغنى عن شعر رأسه الذي لم يسقط بشعر لحيته الكثّ. أنا شخصيا أكره اللحية، وأكره وجوها ترتديها بعد أن استشرى التيار الانتقامي...
فتحت الدرج في غرفتي
الضفيرة بدأت تلاحقني
كل يوم
وشعري أخذ يهرب من رأسي
معادلة صعبة
فالرقعة في الهامة اتسعت
ستكون معي عند الطبيب لعلها تنفعني، وكان علي أن أستعيد شعري بأي ثمن.. بعيدا عن القضية الجمالية رأسي الأجرد لا يقدر أن يواجه المطر والبَرَد:
الطبيب الخبير نظر إلى هامتي، وقال بكل هدوء كأنّ القضية لا تعنيه:
هو الصلع، ولا مفرّ منه
طمأنّي صلع أم تساقط؟
صلع
قلت بأمل يائس
- صلع أم تساقط؟
- صلع وما عليك إلا أن ترضى؟
منذ أن وعيت، وجدت أمي تغسل كلّ أسبوع شعري بالبيض، وعندما كبرت، ودخلت المراهقة وضعت البيض والليمون على وجهي، مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، ولا أمل لي إلا في الزراعة:
أليس من علاج؟ وعدت إلى الضفيرة القديمة فنظر إليها وقلت:
هكذا كان شعري قبل المدرسة بيوم، وتلك الضفيرة احتفظت بها والدتي للذكرى.
فعاد إلى واقعيته بوجهه الجامد:
لن تنفعك بشئ.
أضحك من شكل جديد ينتظرني في المستقبل، وأسخر من لحظة فكرت فيها أمي أن تجمع شعري كلما ذهبت للحلاق لتصنع منه وسادة مريحة:
- - الحق دكتور شغلي يتطلب أن أكون ذا شعر.. مهنتي عارض أزياء.. شكلي مقبول (تحاشيت أن أقول إني وسيم لئلا يتهمني بالغرور- ) والصلع يجعلني أفقد وظيفتي:
- لم لا تضع شعرا مستعارا على رأسك؟
- أكره ذلك.. أكره أن أستخدم وسيلة ليست ملكي.. قد يكون إحساسي ذا عامل نفسي كأنّي أضع بعضا من شخص آخر على رأسي يمكن أن يكون مات.
- هناك الكثيرون من الممثلين والمشاهير لجأووا لهذه الوسيلة؟
قلت متباهيا:
- كلّ له طريقته، لكن ماذا عن زراعة الشعر؟
بعد صمت قصير قال:
- لا أظن تنفع أنت عندك تساقط للشعر كله صلع بشكل قرع سوف يسري من الهامة إلى عنقك.. البصيلات تموت ولن يبقى مكانا ننزع منه أيّ بصيلات.
أقرع
أصلع
- هل أسافر للغرب؟
قال باستنكار كما لو كنت أتحداه:
ماذا يفعل الغرب لك هذا داء يقف العالم عاجزا أمامه!
نعم أعرف.. بلى.. عندي بصيص أمل.. الضفيرة أمامي، جيفارا الثائر ليس أصلع.. رئيس عربي أجرى عملية زراعة وشدّ الوجه كي تبقى الثورة شابة.. كاسترو استغنى عن شعر رأسه بلحيته.. أنا عارض أزياء.. خطواتي محسوبة.. حركاتي.. ابتسامتي. صحيح أنّ هناك من يبدو أجمل في حالة الصلع..
- هل نجرب.. بعض الدواء عسى ولعل يوقف التساقط.
- لك ماتشاء.. سأكتب لك دواء. ودواء آخر يمنع عنك القلق.. لنجرب مع ذلك لا أظنّ أنّ الدواء ينفعك.
5
الرقعة ازدادت يوما بعد يوم
كانت تسابق الدواء
وكانت حبوب القلق تدفعني إلى النوم.. ولم تنفع سوى أنّها استعادت شعري خلال حلم جميل.
كان حلما مشوَّشا في البدء
واتضحت معالمه شيئا فشيئا
كأنّما انبثق من ضباب كثيف إلى جوّ رائق
رحت فيه أدخل مدينة غريبة الأطوار لحظتها لم يخطر على بالي أني أقرع أم أبدو وبشعر كثيف
ولم يخطر لي قطّ أنّ ما لايمكن أن أحققه في الواقع أجده في الحلم
أو
ما أراه في الحلم لايتحقق في الواقع
ذلك ماحدث لي بالضبط..
في المدينة الغريبة الأطوار وجدت كل من فيها يحدّق بي..
وفي لحظة متأخرة عرفت أنهم كلّهم ذوو شعر أسود براق
النساء بضفائر تنحدر على ظهورهن فتكاد تلامس الأرض
وبعضهن بشعر منفوش يغطي الأكتاف، وأخريات يتباهين بتسريحات مذهلة.
ينظرن وينظرون
وعلى الرغم من وسامة الرجال
وجمال النساء
إلا أنّ الوجوه كانت حزينة كئيبة..
حتى الأطفال غادر الفرح قسماتهم
يبدون كما لو يعانون من شئ ما ينغّص عليهم حياتهم
فجأة
من دون أيّة مقدمات
.... قدموا إلي
.. تزاحموا حولي
انقلبت سحنة وجوههم إلى غبطة وحزن إلى انشراح
ابتسموا
غير مصدقين
أحاطوا بي
هتفوا بحياتي
ثمّ راحوا يضحكون
يرقصون.. يغنون....
شيوخ
شباب
نساء
أطفال
من البؤس انقلبوا إلى المرح
لا أدري في أيّ مدينة أنا
وأمام من أقف
مدينة أو بلد..
مملكة أو
جمهورية
إمارة
أي مكان أم أيِّ زمان..
راودني خوف!
أصبحت وسط الحشود التي ما انفكت تضحك وتهتف هتافات لا أسمعها وإن كنت أفهمها
في هذه اللحظة الحاسمة تخطيت الخوف، وانتظرت
انتظرت وربما خشيت أن ينقلبوا فجأة عليّ مثلما انقلبوا من الحزن إلى الفرح، ومن حسن حظّي أن الصفوف انشقّت عن طريق واسع ليتقدم نحوي رجل طويل القامة مهيب الطّلعة متوسّط العمر، حيّاني وانحنى لي. رفع يده فانفضت الجموع ثمّ قادني إلى مكان فخم..
بركة تعج بالأسماك الذهبية والشقراء، وتماثيل أسود تمجّ الماء من أفواهها إلى البركة، ثمّة قصر له بوابة ذات زخرفة تحكي عن ملحمة مفقودة. ظننت أنّي انتقلت إلى قسم الإعلان، فما أراه من مظاهر يوحي أنّ الأرض والوقت، والأجواء تهيأت لتصوير إعلان يكون لي فيه دور ما..
كان كل من في المكان ينحني لي. دخلنا بهوا واسعا ازدانت جدرانه بصف طويل من صور ذوي المهابة الصلعان مثلي.. حالة غريبة.. وانتهينا إلى غرفة مستطيلة، فيها مكتب، وكرسي فخم وبضعة كراس أقل فخامة. أشار مرافقي بيده نحو الكرسي الفخم، وقال وهو ينحني:
_تفضّل اجلس
جلست على الكرسي الفخم فشعرت بدبيب ما يسري في جسدي..
قشعريرة
رهبة
دفء
تيار لذيذ
قوة تصبح طاقة ناعمة تهزّ جسدي
انحنى الشخص الذي لم أعد أراه مهيبا منذ لامست مؤخرتي الكرسي الفخم:
كم من الوقت يستغرق الإعلان؟!
- هل تتفضّل يامولاي وتسمح لي بالجلوس؟
فأشرت إليه دون أن أجيب:
- تفضل
فانحنى وجلس، قال:
يامولاي لابدّ أنّك سمعت بالقانون القديم الضارب في القدم الذي بموجبه تختار البلدان حكامها من الغرباء والبلدان البعيدة.
- لم أفهم ؟هل لك أن توضح لي كلّ هذه الإشكالات.
يامولاي نحن شعب لا يسقط شعرنا، ومن يسقط شعره- وتلك ظاهرة تحدث عندما يموت لنا ملك- غير أننا وقعنا في محنة غريبة حين مات آخر ملك لنا قبل بضعة أيام و.. لم يسقط شعر أحد منا.. لعلّ الطبيعة تغيرت.. أظنّه التقدم الصناعي.. التلوّث أو الاحتباس الحراي، فعلا وجوه الناس الحزن حتّى قدمت أنت من بلاد بعيدة ورأينا رأسك خاويا من الشعر. كنت أنت الذي كسرت حزننا وقلقنا!
فوجئت
ها أنا أعيد مدينة حديثة إلى زمن الاغتراب.. مازالت شحنة الكرسيّ تجذبني، فتذكرت قلت:
ألا ترى أننا في حلم؟
- يامولاي أنت تراه حلما، ونحن نجده حقيقة ماثلة للعيان.
- أفرض أنّي صحوت والحلم كما أعلم لايدوم إلا بضع ثوان.
فابتسم ابتسامة غامضة:
عندنا الثانية تعادل سنين!
فتأملت في كلامه، وأيقنت للمرة الثانية أنّه إعلان: :
- ليكن لكن قل لي من أنت.
- أنا وزيرك الأول.. كبير السلطة بعد جلالتكم، والآن هل تسمح لي بالذهاب؟
أشرت إليه بيدي، فنهض وقال:
على فكرة يامولاي، من حقك أن تغير نظام الحكم من ملكي إلى رئاسي، مادام الحاكم الذي يخلفك- بعد طول العمر لكم- ليس من صلبك
تأملت لحظة.. المكان وهيبته وطراز البيت الفخم والبركة ومشهد الأسود جميعها توحي بأجواء ملكية، وتذكّرت أننا في عالم اليقظة نقدّم الملوك.. أصحاب السمو والفخامة لا يسبقون أصحاب الجلالة:
لا أظنّ.. دع الأمور كما هي (واستدركت): ماذا عنك أنت أتفضلني صاحب جلالة أم فخامة.
لافرق عندي يامولاي الأصل ألا تكون ذا شعر(ثم انحنى) هل تسمح لي بالذهاب يامولاي؟
تفضّل
وقبل أن يغادر استوقفته::
تذكر أن الطبيب كتب لي حبوبا تقوي الشعر تناولتها في يقظتي فماذا لو عاد شعري؟
فقال بتأثر:
آمل أل يحدث وإلا حسب القانون ستكون واحدا من الناس الذين أحاطوا بك..
تمسكت بالحلم أكثر وبالقوة التي تشدني. الكرسي الفخم الذي يداعب ظهري بنعومته، وعلوه والكراسي الأخرى التي لا تتطاول على كرسيّي. تمنيت ألا أصحو قط، وأعجبت بصلع كامل كرهته
قرفت منه
. صلع رفعني إلى أعلى سلطة في هذه البلاد
أنا الوحيد لا أملك مشطا..
وهي البلاد الوحيدة في العالم التي تنفرد بقانون عجيب يتفق عليه الجميع.
مع ذلك كانت الحبوب اللعينة ترافقني. قلت مع نفسي لا تضرّ. لن أرميها مادامت جاءت إليّ في حلمي مع ما حملت من شتات يقظتي.
هل خدعت نفسي؟
كنت أدوام عليها
سأحلق شعري.
كل يوم
لن أكشف عن حقيقة رأسي
عشت الوهم، وكنت أراهن على طول الحلم.. لا أريد أن أفقد سلطة الحلم الجميل، لديّ الوقت الكافي لكي أستيقظ حتى وجدت الحبوب التي تناولتها في السر، تحقق أمنيتي في الحلم..
وفت بوعدها في زمن لا أريده
زمن الحلم
الذي أصبحت فيه كبيرا من غير أن أقدم أيّ تنازل.
قبل أن أجوب تلك البلاد وأعرف وأعايش ناسها
وأعيش قدرتي
وقوتتي
وسطوتي
ولو للحظات
خانني رأسي
وخانني الطبيب
والدواء
لم ينحني لي الوزير
أنا جلالة الملك
أنا فخامة الرئيس
جاء الوزير الكبير، مع ثلة من المسلحين، لم ينحنِ لي أحد، قال بغلظة، بلغت حدّ الزعيق:
إنّه القانون الموروث لا تحاول أن تعصي مادمت بهذا الشعر فعليك أن تغادر..
قلت لا، فقد تسلل لي الداء من الصحو.
ازدادت حدته.. قرأت القرف يرتسم على وجهه :
لا نأبه لذلك أنت مخير بين أن تعيش مع الناس أو ترحل إلى حيث جئت.
دفعني الفضول:
هل حدث مثلما حدث لي مع غيري
أنت غيّرت عن عمد قانونا نعرفه منذ قرون.. كل الذين حكموا ماتوا من دون شعر.. (أشار بيده للحراس، وصمت)...
تقدموا نحوي، حاولوا أن يزيحوني من على الكرسي الفخم.. تشبّثت فيه بقوة.. بكلتا يدي.. زعقت
أنا جلالة الملك.. قبل دقائق كنتم تنحون لي
أنا صاحب الفخامة
لم يأبه لي أحد
انتزعوني بالقوة..
حملوني في الهواء..
. وقذفوا بي خارج الباب.
6
شعرت ببعض الألم في ظهري
تحسست رأسي فوجدته أقرع أملس وأني سقطت من على السرير، فهل يصدقني أحد إذا ادعيت أنّه ليس حلما.. مارأيت.. وسمعت وعايشت لم يكن واقعا ولاحلما.. لا أقدر على تسميته..
غير أن الحلم الغريب الذي عشته في النوم شهورا بدا - حسب الظاهر- فاتحة خير عليّ فكان ألم ظهري من سقطتي عند النهاية خفيفا لم يمنعني من الذهاب إلى العمل، وحالما وصلت أخبرني زميلي في قسم الإعلانات أن المدير يطلبني، وأضاف:
لعله يستفسر منك عن سبب تأخرك.
قلت ضاحكا:
الاحلام كبلتني إلى السرير هل تصدق؟
ياصديقي سبق أن قلت لك لن ينقلب العالم من اجل شعرك..
استقبلني المدير بترحاب كبير، طلب منّي بلطف أن أجلس، خمنت أنّه حديث لا يخصّ تأخري عن العمل، في البد كشف عن ارتياحه لعملي وعن عروض الأزياء التي قدمتها ولفتت نظر الشركات المحلية والعالمية. كان الرجل - ولاريب- مفتونا بشخصيتي الفذة، فما كان منّي إلا أن أوقفه عن الاسترسال في مديح إذا طال يفقد رونقه:
يا سيدي أشكرك على هذا الثناء العطر، (مازلت أعيش لذة الحلم الذي تأخرت عن القدوم في الموعد المعلوم بسببه، ومازلت أحسّ طعم الجلالة والمهابة وهناك، وأدرك- بعد استقبال المدير الناعم لي- أنّ رأسي الأقرع لن يعيقني عن العروض) وآمل أن أقدم عروضا أفضل.
فاتسعت ابتسامته:
- لا أعني الأزياء فإنها لم تعد تليق بك.
قاطعت بوجل:
- يمكن أن أعوض عن ذلك بالشعر المستعار (تحاشيت أن أذكر له نموذج شباب الثورة وحيويتها وأنّي في حالة الشعر المستعار أكره أن أحمل أيّ شئ كان في جسد غيري سوى أّي الآن أقبل على مضض) أظنّ ياسيدي.
بعضهم يليق له الصلع مثلما هو الممثل تيلي سافالاس هل ينكر أحد أن قرعته تزيده وسامة وتلألؤا
حقا ذلك أمر مثير للغاية.
- لم أفهم قصدك بعد هل أصبح ممثلا؟.
فقال يستدرجني:
- لو تساقط شعرك من الجانبين لكنت لم تستفد شيئا.. الآن أمامك فرصة لا تعوض.
- أصبح ممثلا. ؟.
فارتسمت ملامح الجدّ على وجهه، وقال:
أكثر أهمية من ممثّل.. أمامك عقود ليستغل العالم قرعتك.. الشركات العالمية.. عقود بالملايين، بين عشية وضحاها تصبح مليونيرا، تخيل الشركات المحليّة لا توقع مثل هذه العقود لكلفتها العالية.. لديك فرصة لتصبح أكبر بطل دعاية، ننقش المنتج الجديد على صفحتي رأسك بوشم تزيله كلّ شهر، تمشي به في شوارع البلد الكبيرة صورة أيّ الإعلان تزول من رأسك بعد شهر، فيأتي رسم آخر، ومبلغ جديد..
تأملت كلامه، وتساءلت:
- ألم تعد مهنة عارض الأزياء تليق بي.
فقال بحزم:
لا أظن.. لا أحب أن أخدعك.. أصحاب الملايين رؤوا نجاحك في الإعلان.. لديهم تاريخك بشعرك والآن أنت بشكل جديد لوضع آخر.. الملايين بين يديك.. والفرصة لا تأتي إلا مرة واحد.. الحياة يا صديقي لا أظنها تسير على نمط واحد!.
7
لم يكن أمامي إلا أن أقبل أمام عقد كان سخيا جدا.
حقا
أصبح المال يسيل بين يدي كالشلال..
ماخلفته لي العائلة الأرستقراطية لا يساوي شيئا مقابل الإعلانات التي أحملها على صفحتي رأسي، هيئة كاملة من مصمم رسومات وخطاطين وفنيّي مكياج يحيطون بي داخل المؤسسة: يثبتون الرسم على صفحتي رأسي ويعاينونه كلّ يوم..
لا أنكر
هناك بعض المنغصات ظهرت منذ اليوم الأوّل
أضطررت ألا أغسل رأسي إلا كلّ شهر مرة، ولا وجهي خشية من أن يصل رذاذ الماء إلى النقوش
وقد بدأتُ بإعلان عن عصير.
أسير في الشوارع
آلات تصوير تحطيني
عابرون يبتسمون لي
مارون يقفون يشيرون إلي
بعض الصخب أحيانا
بعض الدهشة
مشهد خلّاب لاتضاهيه أجمل المشاهد الخلابة في الطبيعة
أسير وأبتسم ليس أكثر
لا أكلم أحدا
ولا أرد على أي أحد
ألف الشارع مطمئنا.. منزعجا بعض حين، أجتاز مركز المدينة والشوارع في الأطراف وأظنّ أن هناك حراسامن حولي يختفون تبعثهم شركة الإعلانان لحمايتي من أيّ سوء
بشر وهميون...
مع ذلك كانت هناك مفارقات كثيرة في مهنتي الجديدة.
مفاجآت فاتني أن أنتبه لها..
بدأت بإعلان عن عصير على رأسي.
عايشته شهرا
أنام فيه
يأكل معي
أصادقه.. يصادقني
من أجله لم يطل الماء رأسي
أغلف هامتي وأصبّ الماء على جسدي كأنّ رأسي غريب عنّي
تجاوزت العصير واعتدت قضية الاستحام صار مألوفا لديّ أن استحم مرّة كلّ شهر، والإعلانات تتوالى على رأسي:
آيس كريم على رأسي
موز
أثاث.. كراس
دجاج
كباب.. فلافل..
ثمّ
جاء الإعلان المثير الذي نبّهني إلى أنّي تعجلت!
ربما الملايين التي رأيتها تلوح أمامي على الورق وانقلبت إلى جيبي جعلتني أتسرع
لم أحدد شكل الإعلان وما أريده أن يقع على رأسي
لم أفرض أيّ شروط..
كان هناك حذاء يقفز كثيرة ليقع على رأسي
حذاء على صفحة رأسي اليمنى
وعلى اليسرى خط جميل:
Puma
أمشي عدة كيلومترات في المدينة.. كاميرات التصوير خلفي..
صامت وسط الابتسامات واللغط
أقف وألتف لترى الجهتين صفحة رأسي
وفي الليل التقي نفسي ثانية أشاهدني من على شاشة التلفاز في عدّة تجلّيات:
في حالة وقوف، والحسناوات يحطن بي.. دوبلاج.. رائع. أقف:
Puma
وصوت المذيعة يصدح :إنّه حذاء الأجيال
يريح رجلك سيدتي
سيدي: هو هو الأفضل
هل ترغب في أن تربح جائزة الجري الأولى في أولمبياد 2030 إذن هو حذاء
Puma
الشاشة أمامي
تلفّني جهتا اليسار واليمين
تمثّلتني صورة العالم في كلّ لحظة، وسائل الإعلام تبث صورتي بكلّ اللغات مع كلّ سلعة جديدة تظهر على رأسي.. الشخصيّة الأولى في العالم.. الأرض محصورة بين اليابان والولايات المتحدة، وفرق التوقيت يجعلني أظهر كلّ لحظة في أيّ مكان وأيّ زمان.
ما من دولة أتجاهلها
أبدو لهم مرة حاملا عصيرا على رأسي
وأخرى حذاء
وثالثة يرى على رأسي الجائعون في الصومال وأثيوبيا طعام كلاب في غلاف زاهي الألوان
وتارة أخرى ترتقي على رأسي مقصات وسكاكين ومطارق.. صلعي أو قرعتي تجسدت فيها الرياضة والجوع والشبع والجمال.
حتى اقترب الإعلان الأخير
ذلك الذي دفعني إلى أن أكره نفسي
وصورتي التي يترقبها العالم كلّه
إنّ ماجرى في الإعلان الأخير فقد حدا بي إلى ثورة عنيفة كادت تخنقني:
اندفعت إلى السيد المدير في سورة غضب من دون أن أطرق الباب:
إهدأ.. إهدأ (قال عبارته ببرود تام)
مازلت محتدا.. الصداع كاد يفتك برأسي:
كان عليكم أن تراعوا شروط العيب.
فاحتد لكن ببرود:
العيب نسبي ما يراه مجتمع ما عيبا يراه مجتمع آخر غير معيب وأنت تنتقل كل يوم وفي كل لحظة من الشرق إلى الغرب فلن يقيدك عيب في مكان هو ليس عيبا في مكان آخر.
هكذا إذن!
نعم.. لقد وافقت منذ البدء وأظن أن النقود جعلتك لاتلتفت غير أني أقول لك لا تتهور فتخسر.. أنت الآن شخصية العالم الأولى.. ما من وسيلة إعلان لا تعتز بك.. لا تتهور..
عدت إلى غرفة المكياج.. فأزاحوا صورة الطفل ورضاعة الأطفال إعلان شهر انتهى. بدأووا يرسمون على صفحتي رأسي وسيلتي العيب
فخرجت إلى الشارع أحمل على جانبي رأسي شيئا غريبا :...
Condom
هذه المرة ازداد تفاعل العابرين معي
محطات التلفاز
نساء يتطلعن في رأسي بحياء
وأخريات يتضاحكن
شركات الإعلان قد تمدد إعلان الكندوم على رأسيبضعة أيّام أو، سوف يضعون مالا هائلا في حسابي، وربما يعيدون النقش بشكل جديد.
إعلان ناجح مذهل بكلّ المقاييس..
وفي المساء.. عدت إلى البيت مرهقا.. كان اليوم ممطرا وقطرات الماء تهبط على رأسي مثل صخر هائج..
لسعات، وقرصات
مع ذلك لم ينشغل العابرون بشئ آخر سوى النظر إلى رأسي المربوط إلى المطر. بدوت مبللا.. التقطت أنفاسي، وأشعلت المدفأة فشعرت بألسنة النار تداعب صلعتي وكتفي.
نسيت أني لم آكل منذ الظهيرة
وتابعت التلفاز
راقبت نفسي بدءاً من شرق آسيا
وقع بصري على امرأة معها صبي يشير إلى رأسي
فتضحك وتجيب بلغة لا أفهمها..
تايلند
ماليزيا
سيلان
الهند
وصل الإعلان إلى بلد أفهم لغته
المرأة نفسها بملامح أخرى والصبي نفسه، ءسأل عن الآيس كريم... يريد واحدا مثل الذي على رأسي فتقول المرأة إنّه ليس من المرطبات.. مازال الوقت أمامك إنه لي. وظهر قس بعد الإعلان يحاور مذيعا عن الإعلان.. يدعي أنّ حالة الكوندوم تشبه حالة رجل يلبس بدلة تقيه من انفجار عنيف بنسبة خمسين بالمائة.
ضحكت
العالم مشغول برأسي
وقرعتي
ما أراه رغم العيب يفند مقولة صديقي مصمم الأزياء، فما أراه وما أسمعه يثبت أن الأرض تنسى الحروب والمجاعة والأمراض.. الأوبئة.. الصراع وتلفت إلى رأسي ذي الإعلانات!
ضكت طويلا أإلى درجة أني شعرت بالعرق يتصبب من جبيني، فنهضت دونما هدف، وقصدت الممر المطل على القبو، رفعت خصلة الشعر القديمة من الفاترينا، وعدت للصالة فألقيتها في المدفأة
راحت تعانق اللهيب وتذوي مثل فراشة شقراء محمومة، في هذه الأثناء تسللت رائحة احتراق الشعر إلي فشعرت بدوار وغثيان فتمددت على السررير ولم تمض إلا دقائق وقد شعرت بالنوم يتجاذبني، فأغمضت عيني وقد نسيت أن أغلق الجهاز.
رحت أغط بنوم عميق والتلفاز أمامي يستعرض صورتي ورأسي بالكندوم يلفّ بي العالم من شرقه إلى غربه ولا يتوقف عن الدوران!.
انتهيت من كتابة رواية الجيب هذه مساء يوم 27- 5- 2026
***
رواية جيب
د. قصي الشيخ عسكر







